Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٣)
إنما كان يقول: احْذُ على هذا النحو، فلُقِّب الحذاء، قال: وكان خالد ثقةً،
مَهِيباً، كثير الحديث، توفي سنة (١٤١)، وكان قد استُعْمِل على العشور بالبصرة.
وقال محمد بن المثنى عن قُريش بن أنس: مات سنة (١٤٢) أو أكثر، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وحكى القولين في تاريخ وفاته. وقال العجلي: بصري ثقة.
وقال أبو الوليد الباجي: قرأت على أبي ذر الهروي في (كتاب الكنى)) لمسلم:
خالدٌ الحذاء أبو المنازل - بفتح الميم -، قال أبو الوليد: والضم أشهر.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في ((كتاب العلل)) عن أبيه: لم يسمع
خالد الحذاء من أبي عثمان النَّهْدي شيئاً، وقال أحمد أيضاً: لم يسمع من أبي
العالية، وذكر ابن خزيمة ما يوافق ذلك، ويشهد له. وقال ابن أبي حاتم في
((المراسيل)) عن أبيه عن أحمد: ما أُراه سمع من الكوفيين من رجل أقدم من
أبي الضحى، وقد حَدَّث عن الشعبي، وما أُراه سمع منه، وقال غيره: لم
يسمع من عِرَاك بن مالك، بينهما خالد بن أبي الصَّلْت، وحكى العُقيليّ في
((تاريخه)) من طريق يحيى بن آدم، عن أبي شهاب قال: قال لي شعبة: عليك
بحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، فإنهما حافظان، واكْتُم علَيَّ عند
البصريين في خالد الحذاء وهشام، قال يحيى: وقلت لحماد بن زيد: فخالد
الحذاء؟ قال: قَدِمَ علينا قَدْمَةً من الشام، فكأنا أنكرنا حفظه. وقال عباد بن
عباد: أراد شعبة أن يَقَعَ في خالد، فأتيته أنا وحماد بن زيد، فقلنا له: ما لك
أَجُنِنتَ؟ وتَهَدَّدناه، فسكت. وحَكَى الْعُقَيليّ من طريق أحمد بن حنبل: قيل
لابن علية في حديث كان خالد يرويه، فلم يَلْتَفِت إليه ابنُ علية، وَضَغَّفَ أمر
خالد. وعن الذهبي: ما خالد في الثبت بدون هشام بن عروة وأمثاله.
قال الحافظ: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه، من أجل ما أشار إليه حماد بن
زيد من تغير حفظه بأخرة، أو من أجل دخوله في عمل السلطان. والله أعلم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثاً.
[تنبيه]: لا يوجد في الرواة من يسمّى خالد بن مِهْران غير صاحب
الترجمة. والله تعالى أعلم.
٥ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) بن شهاب التَّمِيميّ الْعَنْبَريّ، أبو بِشْر البصريّ،
ثقة [٥].

٥٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان .
رَوَى عن جُندُب البجليّ، وحُمْران بن أبان، وأبي المتوكل الناجيّ، وأبي
الصِّدِّيق الناجيّ، وأبي سفيان، طلحة بن نافع، وغيرهم.
ورَوى عنه سعيد بن أبي عروبة، ويونس بن عُبيد، وأبو بشر، وخالد
الحذّاء، ومنصور بن زاذان، وسلمة بن علقمة، ومحمد بن عبد الله بن أبي
يعقوب .
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاري في ((جزء القراءة))، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ،
وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث وحديث رقم (٤٥٢)(١): ((كنّا
نحزُر قيام رسول الله وَله ... )) الحديث، وأعاده بعده.
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بالوليد بن مسلم في الكتب الستة اثنان فقط:
١ - صاحب الترجمة هذا.
٢ - والوليد بن مسلم الدمشقيّ الثقة المعروف بتدليس التسوية، وسيأتي
في حديث عبادة بن الصامت نظُه برقم (١٤٧) - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (حُمْرَانُ) بن أبان، مولى عثمان بن عفّان، يُكنى أبا يزيد(٢)، كان من
النَّمِر بن قاسط، سُبِي بعين التَّمر، في خلافة أبي بكر څه فابتاعه عثمان
من الْمُسَيَّب بن نَجَبَة، فأعتقه، ثقة [٢].
أدرك أبا بكر، وعُمر، وروى عن عثمان، ومعاوية.
ورَوَى عنه أبو وائل، شقيق بن سلمة، وهو من أقرانه، وأبو صَخْرَة،
جامع بن شدّاد، وعروة بن الزبير، ومعاذ بن عبد الرحمن التيميّ، وعطاء بن
يزيد الليثيّ، وأبو التياح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر البجليّ،
وغيرهم.
قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: حُمران من تابعي أهل
المدينة، ومحدثيهم، وأورد ابن عبد البر نسبه إلى النَّمِر بن قاسط في ترجمة
هشام بن عروة من ((التمهيد))، وقال: إنه ابن عَمِّ صُهَيب بن سِنَان، يَلْتَقِي معه
(١) أي برقم محمد فؤاد عبد الباقي، لا برقم شرحي، فتنبّه.
(٢) قاله النوويّ في ((شرحه)) ٢١٨/١.

٥٤٣
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٣)
في خالد بن عبد عمرو، قال: وكان حُمران أحد العلماء الْجِلّة، أهل الْوَجَاهة
والرأي والشَّرَف، ورَوَينا بسند صحيح عن ابن المبارك، عن معمر، عن
الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن الْمسور أن عثمان مَرِضَ، فكتب
العهد لعبد الرحمن بن عوف، ولم يُطْلِع على ذلك إلا حمران، ثم أفاق
عثمان، فأطلع حمران عبد الرحمن على ذلك، فبَلَغَ عثمانَ، فغضب عليه،
فنفاه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأَرَّخ ابن قانع وفاته سنة (٧٦)، وابن
جرير الطبريّ سنة (٧١).
وقال ابن سعد: نزل البصرة، وادَّعَى وُلْده في النَّمِر بن قاسط، وكان كثير
الحدیث، ولم أرهم يحتجون بحديثه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ولم أرهم يحتجّون به))، فيه نظر
لا يخفى، فقد احتجّ به الشيخان، بل هو مما أجمعوا على الاحتجاج به،
فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وحَكَى قتادة أنه كان يصلي مع عثمان، فإذا أخطأ فَتَحَ عليه، وحَكَى
الليث بن سعد أن عثمان أَسَرَّ إليه سِرّاً، فأخبَرَ به عبد الرحمن بن عوف،
فاستأمن له عبد الرحمن عثمان، وأخبره بما أخبره به، فغَضِبَ عليه عثمان
ونفاه، وذكره خليفة بن خيّاط في تسمية عُمّال عثمان، فقال: وحاجبه حمران،
وقال في موضع آخر: مات بعده سنة (٧٥).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً .
[تنبيه]: جملة من يُسمّى بحمران في الكتب الستة ثلاثة:
١ - صاحب الترجمة هنا .
٢ - وحمران بن أعين الكوفيّ، مولى بني شيبان، ضعيف، رُمي بالرفض
من الطبقة الخامسة، عند ابن ماجه فقط.
٣ - وحمران مولى الْعَبَلات، مقبول من الطبقة الثالثة، عند النسائيّ فقط.
والله تعالى أعلم.
٧ - (عُثْمَانُ) بن عَفّان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي
الأموي، أمير المؤمنين أبو عبد الله، وأبو عمر، وأمه أَرْوَى بنت كُرَيز بن
ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، عمة

٥٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
رسول الله ◌َّ وُلِد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان رَبْعَةً، حسن
الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين، أسلم قديماً، قال
ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤلّفاً لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام مَن يَثِقُ به،
فأسلم على يده فيما بلغني: الزبير، وطلحة، وعثمان، وزَوَّجَ النبي ◌َِّ ابنته
رُقَيّة من عثمان، وماتت عنده في أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم،
فلذلك كان يلقب ذا النورين. وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله وَ له بَشّره
بالجنة، وعَدّه من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة. ورَوَى أبو خيثمة في ((فضائل
الصحابة)) من طريق الضحاك، عن النَّزَّال بن سَبرَة قلنا لعلي: حَدِّثنا عن
عثمان، قال: ((ذاك امرؤ يُدْعَى في الملأ الأعلى ذا النورين. وجاء من طرُق
كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان نظبه لَمّا أن حصروه انتشد الصحابةَ في أشياء،
منها: تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبي وَل عنه تحت الشجرة لَمّا
أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رُومة، وغير ذلك.
وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ومعه زوجته رُقيّة، وتخلف عن بدر
لتمريضها، فكتب له النبي وسيول بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأن
النبي ◌َّيّ كان بعثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة،
فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه عن عثمان. وقال ابن مسعود لَمّا
بويع: بايعنا خيرنا ولم نَأَلُ. وقال علي نَظُّه: كان عثمان أوصلنا للرحم. وكذا
قالت عائشة لما بلغها قتله: قتلوه، وإنه لأوصلهم للرحم، وأتقاهم للرب.
وكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها
معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح،
وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان مَنْ حَجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان
لَيِّن العَرِيكة(١)، كثير الإحسان والحلم، وكان يستبدل ببعض أمرائه فيرضيهم،
ثم يعيده بعدُ إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فعزله وكتب له
كتاباً بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء
الطريق رأوا راكباً على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان
(١) أي: سَلِسَ الْخُلُق.

٥٤٥
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٣)
باستقرار ابن أبي سرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب ورجعوا،
وواجهوا به، فحلف أنه ما كتب ولا أذن، فقالوا: سَلِّمْنا كاتبك، فخَشِي عليه
منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمه، فغضبوا وحصروه في
داره، واجتمع جماعة يَحمُونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوَّروا
عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه فقتلوه، فعظم ذلك على أهل الخير من
الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان(١).
وروى البخاري في قصة قتل عمر ظنه أنه عَهِد إلى ستة، وأمرهم أن
يختاروا رجلاً، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف، فاختار عثمان
فبايعوه، ويقال: كان ذلك يوم السبت غُرّة المحرم، سنة أربع وعشرين. وقال
ابن إسحاق قُتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً واثنين وعشرين
يوماً من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
وقال غيره: قُتل لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، رواه أحمد، عن إسحاق بن
الطباع، عن أبي معشر. وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين من ذي الحجة
سنة ثلاث وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد
العصر، ودُفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حَشّ کَوْكَب، كان عثمان
اشتراه، فوسع به البقيع. وقُتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح
المشهور. وقيل: دون ذلك. وزعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين (٢).
روى (١٤٦) حديثاً، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بثمانية،
ومسلم بخمسة(٣). أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما
الترمذيّ، والوليدُ بنُ مسلم، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
(١) راجع: ((الإصابة)) ٣٧٧/٤ - ٣٧٩.
(٢) راجع: ((الإصابة)) ٣٧٧/٤ - ٣٧٩.
(٣) هكذا عند ابن الجوزيّ في ((المنتقى))، والذي في برنامج الحديث أن له في
((صحيح مسلم)) (٣١) حديثاً، والظاهر أن الاختلاف بالتكرار وعدمه.

٥٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول كوفي،
والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وهما من صيغ الاتّصال، على
ما أوضحته سابقاً .
٥ - (ومنها): أن قوله: ((قال أبو بكر: حدّثنا ابن عليّة إلخ)) من شدّة
احتياط المصنّف رحمه الله تعالى، حيث يراعي اختلاف ألفاظ الشيوخ،
ويؤدّيها كما سمعها منهم، وإن لم يكن اختلافهم مما يؤدّي إلى اختلاف
المعنى، فإن ابن عليّة هو إسماعيل بن إبراهيم الذي ذكره به زهير بن حرب،
فلما اختلف الشيخان في ذكره باسمه، وكنيته بيّن ذلك كما تحمّله منهما، ولم
يقتصر على لفظ أحدهما؛ احتياطاً، وورعاً.
[تنبيه]: عُلَيَّة - بضم العين المهملة، مصغّراً - اسم أم إسماعيل، وكان
يكره أن يقال له: ابن عُليّة، لكن لضرورة اشتهاره بها استعمله العلماء،
وقالوا: إنما يُنهى عنه إذا أريد به التنقيص، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في ((ألفيّة
الحدیث))، حیث قال:
وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأُسَ إِنْ لَمْ يَعِبٍ
ومن لطيف ما نُقل عن الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى في ذلك أنه كان
يقول: حدثنا إسماعيل الذي يقال له: ابن عُليّة، انظر أيها اللبيب إلى حسن
تلطف الإمام الشافعي كَّلُ حيث بَرَّأَ نفسه عن وصف شيخه بما يكرهه، لكن
لما اضطرَّ إلى ذكره بما يعرفه به الناس أسنده إليهم، فقال: الذي يقال له، فللّه
در الشافعي رحمه الله تعالى، ما أذكاه، وأحسن أدبه، وهكذا ينبغي للتلميذ أن
يُبَجِّلَ شيخه، ويبتعد عما يكرهه، فإن الله تعالى يَجْزِيه بأن يبارك علمه، كما
بارك علم الشافعي رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أنه ربّما اشتبه الوليد بن مسلم بن شهاب العنبريّ، أبو بِشْر
البصريّ هذا على من لا عِنَاية له بمعرفة أسماء الرجال وطبقاتهم، بالوليد بن
مسلم الأمويّ مولاهم الدمشقيّ أبي العباس، صاحب الأوزاعيّ، ولا يشتبه
ذلك على العلماء العارفين بالرجال والطبقات، فإنهما مفترقان في النسب إلى
القبيلة، والبلدة، والكنية، كما ذكرنا وفي الطبقة، فإن الأول أقدم طبقةً، من
الطبقة الخامسة، كما أسلفناه، فهو من التابعين، في طبقة كبار شيوخ الثاني،

٥٤٧
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٣)
ويفترقان أيضاً في الشهرة، والعلم، والجلالة، فإن الثاني متميزٌ بذلك كله، قال
العلماء: انتهى علمُ الشام إليه، وإلى إسماعيل بن عَيّاش، وكان أجلّ من ابن
عيّاش، إلا أنه كان شديد التدليس، والتسوية(١).
٧ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: خالد،
عن الوليد، عن حمران.
٨ - (ومنها): أن ((الْحَذّاء)) بالمدّ: لقب لخالد، قال أهل العلم: لم يكن
خالدٌ حذّاءً قط، ولكنه كان يَجلس إليهم، فقيل له: الحذّاء لذلك، هذا هو
المشهور، وقيل: إنما كان يقول: احْذُوا على هذا النحو، فلُقِّب بالحذّاء.
٩ - (ومنها): أن الصحابيّ له أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد
العشرة المبشّرين بالجنّة ◌ُبه، ذو المناقب الجمة، كما مرّ آنفاً في ترجمته.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُمْرَانَ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم - ابن أبان (عَنْ عُثْمَانَ) بن
عفّان ◌َظُبه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ مَاتَ))) ((من)) يحتمل أن تكون
شرطيّة، وأن تكون موصولة مبتدأً، وجوابها، أو الخبر، قوله: ((دخل)) (وَهُوَ) الواو
للحال، أي والحال أنّه (يَعْلَمُ أَنَّهُ) الضمير للشأن، وضمير الشأن هو ضمير غائب
يعمل فيه الابتداء، أو أحد نواسخه، وتُفسّره الجملة بعده، ويسمّى ضمير القصّة
إذا كان بلفظ مؤنّث، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الكافية الشافية))(٢):
بِجُمْلَةٍ كَـإِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى»
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا
إِذَا أَتَى مُرْتَفِعاً أَوِ انْتَصَبْ
لِلابْتِدَا أَوْنَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ
حَثْماً وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلِ اسْتَتَرْ
كَ((إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ)»
فِي بَابٍ ((إِنَّ)) اسْماً كَثِيراً يُحْذَفُ
أُنْثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا
وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا
(١) ((شرح مسلم)) بزيادة ٢١٨/١.
(٢) راجع: ((الكافية الشافية)) ٢٣٣/١ - ٢٣٤ بنسخة الشرح.

٥٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تَأْنِيثُهُ كَـ«إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا)»
وَقَبْلَ مَا أُنَّثَ عُمْدَةً فَشَا
والجملة المفسّرة هنا هي قوله: (لَا إِلّهَ إِلَّا اللهُ)، أي لا معبود بحقّ
إلا الله وَلَ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال بعض المحقّقين: لا شكّ أن الإقرار باللسان ركن
من أركان الإيمان في حقّ القادر عليه، فمن علم أن لا إله إلا الله، ولكنه أبى
أن يقرّ بذلك بلسانه مع القدرة على النطق، فليس بمؤمن، فمثل هذا الحديث
يجب حمله على العاجز عن النطق؛ لخرس، أو مرض، أو عدم مُهلة. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)): حقيقة العلم هي وُضُوح أمر
مّا، وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح،
ولا شكّ في أن من كانت معرفته بالله تعالى ورسوله كذلك، كان في أعلى
درجات الجنّة، وهذه الحالة هي حالة النبيين والصّدّيقين، ولا يلزم فيمن لم
يكن كذلك أن لا يدخُل الجنّة، فإن من اعتقد الحقّ، وصدّق به تصديقاً جازماً
لا شكّ فيه ولا ريب دخل الجنّة، كما قدّمناه، وكما دلّ عليه قوله وَّ في
حديث أبي هريرة ظُه: ((من لَقِي الله، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأني
رسول الله غير شاك فيهما دخل الجنّة))، وكما قال: ((من كان آخر قوله: لا إله
إلا الله دخل الجنّة))، فحاصل هذين الحديثين أن من لقي الله تعالى، وهو
موصوف بالحالة الأولى والثانية دخل الجنّة، غير أن هناك فرقاً بين الدرجتين
كما بين الحالتين، كما صرّحت به الآيات الواضحات، كقوله تعالى: ﴿يَرْفَع
اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، انتهى (١).
وسيأتي البحث في هذا مستوفّى في المسألة الثالثة، والرابعة - إن
شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
ظُهُ هذا مما تفرّد به المصنّف، فلم
(المسألة الأولى): حديث عثمان
يُخرجه البخاريّ.
(١) ((المفهم)) ١٩٦/١ - ١٩٧.

٥٤٩
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٣)
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنّف) هنا ١٤٣/١٠ عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن
حرب، كلاهما عن إسماعيل ابن عليّة - و١٤٤/١٠ عن محمد بن أبي بكر
المقدّميّ، عن بشر بن المفضّل - كلاهما عن خالد الحذاء، عن الوليد بن مسلم
العنبريّ البصري، عن حُمران، عنه.
و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (١١١٤) عن عبد الله بن محمد بن
عبد الرحمن، عن غندر - و(١١٣ عن بُندار، عن ابن أبي عديّ - كلاهما عن
شعبة، عن خالد الحذاء به.
و(أحمد) في ((مسنده)) ٦٥/١ (٤٦٤) عن محمد بن جعفر غندر، عن
شعبة به، ٦٩/١ و(٤٩٨) عن إسماعيل ابن عليّة به، و(عبد بن حُميد) في
((مسنده)) (٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة به، و(أبو عوانة) في ((مستخرجه))
(١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، و(ابن خزيمة) في ((كتاب التوحيد)) ٧١٠ و٧١١ و٧١٢
و٧١٣ و٧١٥ و٧١٦ و٧١٧ و٧١٨ و٧١٩) و(ابن حبان) في ((صحيحه)) (٢٠١)
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١٠ و١١ و١٢) و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٣٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): (اعلم): أن مذهب أهل
السنة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات مُوَحِّداً دخل
الجنة قطعاً على كل حال، فإن كان سالِماً من المعاصي، كالصغير،
والمجنون، والذي اتَّصَل جنونه بالبلوغ، والتائب توبةً صحيحةً من الشرك، أو
غيره من المعاصي إذا لم يُحْدِث معصيةً بعد توبته، والْمُوفَّق الذي لم يُبْتَلَ
بمعصية أصلاً، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلاً،
لكنهم يَرِدُون على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به
المرور على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم - أعاذنا الله منها، ومن
سائر المكروه - وأما من كانت له معصيةٌ كبيرةٌ، ومات من غير توبة، فهو في
مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة أوّلاً، وجعله كالقسم
الأوّل، وإن شاء عذّبه القدر الذي يُريده ◌َلَ، ثم يدخله الجنة، فلا يُخَلَّد في

٥٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
النار أحدٌ مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عَمِلَ، كما أنه لا
يدخل الجنة أحدٌ مات على الكفر، ولو عَمِلَ من أعمال البر ما عَمِلَ.
هذا مختصرٌ جامع لمذهب أهل الحقّ في هذه المسألة، وقد تظاهرت
أدلة الكتاب والسنة وإجماع مَن يُعْتَدُّ به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت
بذلك نصوصٌ تُحَصِّلُ العلم القطعيّ.
فإذا تَقَرَّرت هذه القاعدة، حُمِل عليها جميعُ ما وَرَدَ من أحاديث الباب
وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مُخَالَفَةٌ وَجَبَ تأويله عليها؛ لِيُجْمَعَ بين
نصوص الشرع، وسنذكر من تأويل بعضها ما يُعْرَف به تأويل الباقي - إن شاء الله
تعالى - انتهى كلام النوويّ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
قد تكلّم العلماء في معنى هذا الحديث، فقد جَمَع القاضي عياض
رحمه الله تعالى كلاماً حسناً، جَمَعَ فيه نفائس، لخّصه النوويّ رحمه الله تعالى
في ((شرحه))، وزاد عليه، فقال:
قال القاضي رحمه الله تعالى: اختلف الناس فيمن عَصَى الله تعالى من
أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضرّه المعصية مع الإيمان، وقالت
الخوارج: تضره، ويُكَفَّر بها، وقالت المعتزلة: يُخَلَّد في النار، إذا كانت
معصيةً كبيرةً، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسقٌ،
وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يُغْفَر له، وعُذِّب فلا بد من إخراجه
من النار، وإدخاله الجنة، قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج، والمعتزلة،
وأما المرجئة، فإن احتجت بظاهره، قلنا: مَحْمِله على أنه غُفِر له، أو أُخرج
من النار بالشفاعة، ثم أُدخل الجنة، فيكون معنى قوله وَله: ((دَخَل الجنة))، أي
دخلها بعد مُجازاته بالعذاب، وهذا لا بد من تأويله؛ لِمَا جاء في ظواهرَ كثيرةٍ
من عذاب بعض العصاة، فلا بُدّ من تأويل هذا؛ لئلا تتناقض نصوص الشريعة.
وفي قوله وَّ: ((وهو يَعْلَمُ))، إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة
(١) ((شرح مسلم)) ٢١٧/١.

٥٥١
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٣)
المرجئة: إنّ مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قُيِّد
ذلك في حديث آخر بقوله بَله: ((غير شاّ فيهما))، وهذا يؤكد ما قلناه.
قال القاضي: وقد يَحتَجّ به أيضاً من يَرَى أن مجرد معرفة القلب نافعة،
دون النطق بالشهادتين؛ لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة
مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما، ولا تُنجي من النار دون الأُخرى، إلا
لمن لم يقدر على الشهادتين؛ لآفة بلسانه، أو لم تُمْهِله لمدة ليقولها، بل
اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد وَرَدَ مُفَسَّراً في
الحديث الآخر: ((من قال: لا إله إلا الله))، و((من شَهِد أن لا إله إلا الله، وأني
رسول الله))، وزاد في الحديث الآخر: ((مستيقناً بها قلبه))، وفي الآخر: ((صادقاً
من قلبه))، وفي الآخر: ((غير شاّ فيهما)).
وقد جاء هذا الحديث، وأمثلة له كثيرة، في ألفاظها اختلافٌ، ولمعانيها
عند أهل التحقيق ائتلافٌ، وللناس فيها خبط كثيرٌ، وعن السلف خلاف مأثورٌ.
فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث، وفي رواية معاذ نظابه عنه وَل : ((من
كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة))(١)، وفي رواية عنه قال ◌َله: ((من
لَقِيَ الله لا يشرك به شيئاً، دخل الجنة))، وعنه وَله: ((ما من أحد يشهد أن لا
إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، إلا حرمه الله على النار))، وكلها أحاديث
صحيحة .
ونحوه في حديث عبادة بن الصامت، وعِتبان بن مالك، وزاد في حديث
عبادة: ((على ما كان من عَمَل))، وفي حديث أبي هريرة: ((لا يلقى الله تعالى
بهما عبدٌ غير شاّ فيهما إلا دخل الجنة))، وفي حديث آخر: ((فُيُحجب عن
الجنّة)) .
وفي حديث أبي ذرّ، وأبي الدرداء ظُها: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله،
ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنّة، وإن زنى، وإن سرق)).
وفي حديث أنس رَُّه «حَرَّم الله على النار من قال: لا إله إلا الله،
(١) أخرجه أبو داود (٣١١٦)، وصححه الحاكم في ((المستدرك)) ٥٠٠/١، ووافقه
الذهبيّ.

٥٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يبتغي بذلك وجه الله)). وهذه الأحاديث كلُّها سردها مسلم رحمه الله تعالى في
کتابه .
فَحُكِيَ عن جماعة من السلف رحمهم الله تعالى، منهم ابن المسيب أن
هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وقال بعضهم: هي مُجْمَلٌ تحتاج
إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة، وأَدَّى حقَّها وفريضتها، وهذا قول الحسن
البصريّ، وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة، ومات على ذلك، وهذا
قول البخاريّ.
وهذه التأويلات إنما هي إذا حُمِلت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا
نُزِّلت منازلها، فلا يُشكِل تأويلها على ما بينه المحققون.
فنقر أوّلاً أن مذهب أهل السنة بأجمعهم، من السلف الصالح، وأهل
الحديث، والفقهاء، والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين، أن أهل الذنوب
في مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان، وتشهَّد مُخْلِصاً من قلبه
بالشهادتين، فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائباً، أو سليماً من المعاصي، دخل
الجنة برحمة ربه، وحُرِّم على النار بالجملة، فإن حَمَلْنا اللفظين الواردين على
هذا فيمن هذه صفته كان بيِّناً، وهذا معنى تأويلي الحسن والبخاريّ، وإن كان
هذا من الْمُخَلِّطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه، أو بفعل ما حُرِّم عليه،
فهو في المشيئة، لا يُقْطَع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه الجنة
لأول وَهْلَة، بل يُقْطَع بأنه لا بُدّ من دخوله الجنة آخراً، وحاله قبل ذلك في
خطر المشيئة، إن شاء الله تعالى عَذَّبه بذنبه، وإن شاء عفا عنه بفضله.
ويُمكِن أن تَسْتَقِلّ الأحاديث بنفسها، ويُجمَع بينها، فيكون المراد
باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل
مُؤَخِّد، إما مُعَجَّلاً مُعَافَى، وإما مُؤَخّراً بعد عقابه.
والمراد بتحريم النار الخلود، خلافاً للخوارج والمعتزلة في المسألتين.
ويجوز في حديث: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة))، أن
يكون مخصوصاً بمن كان هذا آخر نطقه، وخاتمة لفظه، وإن كان قبل مُخَلِّطاً،
فيكون سبباً لرحمة الله تعالى إيّاه، ونجاته رأساً من النار، وتحريمه عليها،
بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلِّطين.

(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٣)
٥٥٣
وكذلك ما وَرَدَ في حديث عبادة ظُهُ من مثل هذا، ودخوله من أيّ
أبواب الجنة شاء يكون مخصوصاً بمن قال ما ذكره النبيّ وَّته، وقُرِنَ بالشهادتين
من حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يُرَجِّح
على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة، ودخول الجنة لأول وَهْلَةٍ - إن
شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بمراد نبيّه وَلَ(١). قال النوويّ رحمه الله
تعالى: هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهو في نهاية الحسن،
وأما ما حكاه عن ابن المسيِّب وغيره فضعيف باطل، وذلك لأن راوي أحد
هذه الأحاديث أبو هريرة ظله، وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر، سنة
سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مُسْتَقِرَّةً، وأكثر هذه الواجبات كانت
فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الأحكام قد تقرر
فرضها، وكذا الحج على قول من قال فُرِض سنة خمس أو ست، وهما أرجح
من قول من قال سنة تسع. والله تعالى أعلم.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلاً آخر في
الظواهر الواردة بدخول الجنة بمجرد الشهادة، فقال: يجوز أن يكون ذلك
اقتصاراً من بعض الرواة، نشأ من تقصيره في الحفظ والضبط، لا من
رسول الله وَله، بدلالة مجيئه تامّاً في رواية غيره، وقد تقدم نحو هذا التأويل،
قال: ويجوز أن يكون اختصاراً من رسول الله وَله فيما خاطب به الكفارَ، عبدةَ
الأوثان الذين كان توحيدهم الله تعالى مصحوباً بسائر ما يتوقف عليه الإسلام،
ومستلزماً له، والكافر إذا كان لا يُقِرّ بالوحدانية، كالوثنيّ والثنويّ، فقال: لا
إله إلا الله، وحاله الحال التي حكيناها حُكِم بإسلامه، ولا نقول - والحالة
هذه -: ما قاله بعض أصحابنا، من أن من قال: لا إله إلا الله یحکم بإسلامه،
يُجْبَر على قبول سائر الأحكام، فإن حاصله راجع إلى أنه يُجْبَر حينئذ على
إتمام الإسلام، ويجعل حكمه حكم المرتد إن لم يفعل، من غير أن يُحْكِم
بإسلامه بذلك في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة، ومن وصفناه مسلم في
نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٢٢/١ - ٢٢٧.

٥٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
تحقيقٌ مفيدٌ، وقد تقدّم هذا البحث، مُسْتَوْفَّى في المسائل التي ذكرتها في شرح
حديث جبريل، فراجعها تُشْفَ غُلَّتك، وتَنَلْ بُغْيَتَكْ، وبالله تعالى التوفيق، وهو
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف أول الكتاب قال رحمه الله تعالى:
[١٤٤] (٢٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ:
سَمِعْتُ عَثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ يَقُولُ: مِثْلَهُ، سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: ستة أيضاً، وقد تقدّموا سوى اثنين:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ) - بفتح الدال المشدّدة - هو: محمد بن
أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ،
ثقة [١٠].
رَوَى عن عمه عمر بن عليّ المقَدَّميّ، ويزيد بن زُريع، وحماد بن زيد،
وابن علية، وبشر بن المفضل، وعباد بن عباد، ومعتمر بن سليمان، وأبي
عوانة، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى البخاريّ عن أحمد غير منسوب
عنه، ورَوَى النسائيّ عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ عنه، وأبو حاتم، وأبو
بكر بن أبي عاصم، وإبراهيم بن هاشم الْبَغَويّ، وإسماعيل بن إسحاق
القاضي، وإبراهيم بن محمد بن نائلة، وعبد الله بن أحمد، ويوسف بن يعقوب
القاضي، وهو راويته، وأبو يعلى أحمد بن علي بن الْمُثَنَّى الموصليّ، وغيرهم.
قال عبد الخالق بن منصور: قلت ليحيى: أَكْتُبُ عنه أحاديث أبيه؟ قال:
اكتب، وقال أيضاً عن يحيى: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم:
صالح الحديث، محلُّه الصدق.
قال البخاري وغير واحد: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، زاد بعضهم:
في أول السنة، وقال ابن قانع: مات في شعبان، وكان ثقة.
تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٩)
حديثاً .

٥٥٥
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٤)
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ - بقاف، ومعجمة - أبو
إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨].
رَوَى عن حميد الطويل، وأبي رَيْحَانة، ومحمد بن المنكدر، وابن عون،
ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وخالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، وسُهيل بن
أبي صالح، وعاصم بن كُليب، وعبيد الله بن عُمر العمريّ، وعبد الرحمن بن
إسحاق، وعُمَارة بن غَزِيّة. وعن أبيه المفضل بن لاحق، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ، ومسدد، وأبو أسامة، وأبو الوليد،
وخليفة بن خياط، وبشر بن معاذ الْعَقَديّ، وعثمان بن أبي شيبة، وحامد بن
عُمر البكراويّ، ومحمد بن هشام بن أبي خَيْرة السَّدُوسيّ، ويحيى بن يحيى
النيسابوريّ، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وعَدَّه ابن معين في
أثبات شيوخ البصريين، وقال عليّ بن المدينيّ: كان بشر يصلي كل يوم أربعمائة
ركعة، ويصوم يوماً ويفطر يوماً، وذُكِرَ عنده إنسان من الجهمية، فقال: لا تذكروا
ذاك الكافر، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة فقيه
البدن، ثبت في الحديث، حسن الحديث، صاحب سنة، وقال البزار: ثقة، وقال
ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث عثمانيّاً، تُؤُفّي سنة (١٨٦)، وقال أحمد بن
حنبل: دخلت البصرة في رجب سنة (١٨٦)، واعْتُقِل لسان بشر بن المفضل قبل
أن نخرُج، ومات سنة (١٨٧)، وأُرَّخه ابن حبان في ((الثقات)) في ربيع الأول منها.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثاً .
وقوله: (مثله) يعني أن حديث بشر المفضّل مثل رواية إسماعيل بن عُليّة.
وقوله: (سواءً) منصوب على الحال، أي حال كون الحديثين متساويين
في اللفظ والمعنى، وإنما الاختلاف في أول الحديث، فإن ابن عليّة رواه
بالعنعنة في كلّ من الوليد، وحمران، وأن عثمان قال: ((قال رسول الله (وَلات))،
ورواه بشر بتصريحهما بالسماع، وبقول عثمان: سمعتُ رسول الله وَله.
[تنبيه]: رواية بشر هذه ساقها الحافظ ابن منده تَخّْلُ في ((كتاب الإيمان))،
فقال:
٣٣ - أنبأ علي بن الحسين بن عليّ، ثنا أبو حاتم الرازيّ ثنا مُسَدَّدٌ (ح)

٥٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وأنبأ يحيى بن عبد الله بن الحارث، ثنا أحمد بن عليّ بن سعيد، ثنا
الْقَوَاريريّ، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذّاء، عن الوليد أبي بشر،
قال: سمعت حُمْران يقول: سمعت عثمان يقول: سمعت رسول الله وَله يقول:
((من مات، وهو يعلم أن لا إله إلا الله، دخل الجنة))، انتهى(١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال:
[١٤٥] ( .. ) - (حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ،
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َهـ
فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَتَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ، قُّالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضٍ حَمَائِهِمْ، قَالَ:
فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ جَمَّعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللّهَ
عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو الثَّمْرِ بِتَهْرِهِ، قَالَ: وَقَالَ
مُجَاهِدٌ: وَذُو الَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا
يَمُصُّونَهُ، وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا، حَتَّى مَلَأَّ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، قَالَ:
فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ((أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا
عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكَ فِيهِمَا، إِلَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) البغداديّ، وقد يُنسب إلى جدّه،
واسمه كنيته، وقيل: اسمه أحمد، وقيل: محمد، ثقة [١١] (ت٢٤٥) (م ت س)
٣٦/٥.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور
بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) ٣٦/٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: عبيد الله بن عُبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كتاباً في الثوريّ، من كبار [٩].
(١) ((كتاب الإيمان)) لابن منده ١٧٤/١.

٥٥٧
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٥)
رَوَى عن هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، ومالك بن مِغْوَل،
وشعبة، والثوريّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، ومحمد بن عمرو بن
علقمة، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: أبو عبيدة، وعباد، وأبو النضر هاشم بن القاسم،
ويحيى بن آدم، وابن المبارك، وعثمان بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأحمد بن
حنبل، ویحیی بن معین، وغيرهم.
قال الأشجعيّ: سمعت من الثوري ثلاثين ألف حديث، وقال ابن سعد:
رَوَى كُتُب الثوريّ على وجهها، ورَوَى عنه ((الجامع))، وكان من أهل الكوفة،
وقَدِمَ بغداد، فمات بها، وقال قبيصة: لَمّا مات الثوريّ أرادوا الأشجعي على
أن يقعُد مكانه فأبى، وقال أبو بكر الأعين: سألت أحمد عن أصحاب الثوريّ،
فقال: يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، ثم الأشجعيّ، وقال أبو داود، عن
أحمد: كان يكتب في المجلس، فمن ثَمَّ صح حديثه، وقال ابن مُحْرِز، عن
ابن معين: ما كان بالكوفة أعلم بسفيان من الأشجعيّ، وقال الدُّوريّ عن ابن
معين: ثقة مأمون، وقال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقةً ثبتاً متقناً عالِماً
بحديث الثوريّ، رجلاً صالحاً، أرفع مَن رَوَى عن سفيان، وقال ابن شاهين
في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: كان أثبت الناس في الثوريّ، إذا أخرج
كتابه، وقال ابن سعد: أشجعيٌّ، من أنفسهم، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: يُغْرِب، وينفرد. قال أبو داود: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة
في أولها .
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب (١٠) أحاديث.
[تنبيه]: ((عبيد الله بن عبيد الرحمن)) مصغّر الاسمين، فما وقع في بعض
نسخ ((التقريب)) مكبّر الاسم الثاني، فمن أخطاء المطابع، وهو منفرد بهذا
الاسم، فلا يوجد في الكتب السّة له فيه مشارك. والله تعالى أعلم.
٤ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الواو - ابن
عاصم بن غَزِيّة بن حُرْثة بن جُريج بن بَجِيلة البجلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة
ثبتٌ، من كبار [٧].

٥٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعون بن أبي جحيفة، وسماك بن
حرب، ونافع مولى ابن عمر، والزبير بن عَدِيّ، ومحمد بن سُوقة، والوليد بن
العيزار، وغيرهم.
وروى عنه أبو إسحاق شيخه، وشعبة، ومِسْعَر، والثوري، وزائدة، وابن
عيينة، وإسماعيل بن زكريا، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن المبارك،
وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة ثبت في الحديث. وقال يحيى بن معين،
وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال أبو نعيم: ثنا مالك بن مِغْول، وكان ثقة.
وقال العجلي: رجل صالح مُبَرِّزٌ في الفضل. وقال الطبراني: من خيار
المسلمين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول:
قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله فوضع خده بالأرض. وقال ابن سعد: كان
ثقة، مأموناً، كثير الحديث، فاضلاً خيراً. وقال البخاري: قال عبد الله بن
سعيد: سمعت ابن مهدي يقول: إذا رأيت الكوفي يذكر مالك بن مغول بخير،
فاطمأن إليه. وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان من عُبّاد أهل الكوفة،
ومتقنیھم.
قال عمرو بن علي: مات سنة سبع. وقال ابن سعد: سنة ثمان. وقال
أبو نعيم وغيره: سنة تسع وخمسين ومائة، وفيها أرَّخه مُطَيَّن، وزاد: في ذي
الحجة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثاً.
[تنبيه]: ((مالك بن مغول)) لا مشارك له في هذا الاسم، والله تعالى
أعلم.
٥ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ) بن عمرو بن كعب بن جخدب بن معاوية بن
سعد بن الحارث الْهَمْدانيّ الياميّ - بالتحتانيّة - أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ قارئٍّ فاضلٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وخَيْثمة بن عبد الرحمن،
وزيد بن وهب، وأبي صالح السَّمّان، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومصعب بن
سعد بن أبي وقاص، وغيرهم.

٥٥٩
(١٠) - بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ - حديث رقم (١٤٥)
وروى عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وهو أكبر منه، وإسماعيل بن أبي خالد،
وزُبيد بن الحارث الياميّ، والأعمش، وهم من أقرانه، وابنه محمد، ومالك بن
مِغْوَل، وغيرهم.
قال ابن معين وأبو حاتم: والعجليّ ثقة، وقال أبو معشر: ما ترك بعده
مثله، وأثنى عليه، وقال عبد الله بن إدريس: ما رأيت الأعمش يُثني على أحد
أدركه إلا على طلحة بن مُصَرِّف، قال ابن إدريس: كانوا يُسَمُّونه سيد القراء،
وقال العجليّ: كان عثمانيّاً، وكان من أقرإ أهل الكوفة، وخيارهم: قال:
واجتمع القراء في منزل الحكم بن عتيبة، فاجتمعوا على أن طلحة أقرأ أهل
الكوفة، فبلغه ذلك، فغدا إلى الأعمش يقرأ عليه؛ لِيَذْهَب ذلك الاسم عنه،
وقال عبد الملك بن أبجر: ما رأيت مثله، وما رأيته في قوم إلا رأيت له
الفضل عليهم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): قيل لابن معين: سمع
طلحة من أنس؟ فقال: لا، وسمعت أبي يقول: طلحة أدرك أنساً، وما ثبت له
سماع منه .
قال أبو نعيم، وعمرو بن عليّ، وابن سعد، وغيرهم: مات سنة اثنتي
عشرة ومائة، وقال يحيى بن بكير، وابنُ نُمَير: مات سنة (١٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٢٧)
و(١٧٣) و٩٩٦) و١٠٧١) وأعاده بعده، و(١٦٣٤) و(١٦٣٧).
[تنبيه]: ((طلحة بن مصرّف)) لا مشارك له في هذا الاسم، وهو بضم
الميم، وفتح الصاد المهملة، وكسر الراء، هذا هو المشهور المعروف في كتب
المحدِّثين، وأصحاب الْمُؤْتَلِف، وأصحاب أسماء الرجال وغيرهم.
وقال النوويّ في ((شرحه)): وحَكَى الإمام أبو عبد الله القلعيّ الفقيه
الشافعيّ في كتابه ((ألفاظ الْمُهَذّب)) أنه يُرْوَى بكسر الراء وفتحها، وهذا الذي
حكاه من رواية الفتح غريب منكر، ولا أظنه يصح، وأخاف أن يكون قَلَّد فيه
بعض الفقهاء، أو بعض النُّسَخ، أو نحو ذلك، وهذا كثيرٌ، يوجد مثله في كتب
الفقه، وفي الكتب المصنفة في شرح ألفاظها، فيقع فيها تصحيفات، ونقولٌ
غريبةٌ، لا تُعْرَف، وأكثر هذه الغريبة أغاليط؛ لكون الناقلين لها لم يَتَحَرَّوا

٥٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فيها. والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ(١).
٦ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] (ت١٠١)
(ع) ١ / ٤.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَتُه ٤/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث
بالإفراد مرتين، وبالجمع مرةً، والعنعنة في الباقي، وكلّها من صيغ الاتّصال
على ما قدّمنا تفصيله.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو،
والترمذيّ، والنسائيّ، وغير عبيد الله الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من عبيد الله الأشجعيّ، وشيخه،
ووالده بغدادیّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه: أبو بكر، عن أبي النضر،
وتابعيّ عن تابعيّ: طلحة عن أبي صالح، وصحابيّه رأس المكثرين السبعة،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي مَسِيرٍ) قال القرطبيّ
رحمه الله تعالى: ((الْمَسِير)): السير، يريد به السفر. انتهى.
وفي رواية الأعمش الآتية: ((لَمّا كان غزوة تبوك أصاب الناس
مجاعة ... ))، فتبين بها أن ذلك المسير كان في غزوة تبوك.
(قَالَ) أبو هريرة تَظُهُ (فَنَفِدَتْ) أي فنيت، وفرغت، يقال: نَفِدَ - بكسر
الفاء ــ يَنْفَدُ - بفتحها، من باب تَعِبَ، نَفَاداً: فَنِيَ، وانقطع، ومنه قوله تعالى:
﴿لَقِدَ الْبَحْرُّ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِ﴾ [الكهف: ١٠٩]، ويتعدّى بالهمزة، فيقال:
أنفدته: إذا أفنيته، قاله في ((المصباح))(٢).
(١) ((شرح مسلم)) ٢٢٢/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦١٦/٢ بزيادة.