Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٤) [تنبيه]: قال ابن سعد: دَراورد قرية بخراسان، وقال أبو حاتم، عن داود الْجَعْفَريّ: كان أصله من قرية من قُرى فارس، يقال لها: دراورد، وقال البخاريّ: دار بجرد بفارس، كان جدّه منها، وقال أحمد بن صالح: كان من أهل أصبهان، نَزَلَ المدينة، وكان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: أندرون، فَلَقّبه أهل المدينة الدراوردي. وقال ابن حبّان: كان أبوه من درابجرد، مدينة بفارس، فاستثقلوا أن يقولوا: درابجردي، فقالوا: دراورديّ، وقد قيل: إنه من أندرانه، ووقع في ((سنن أبي داود)) في ((الجهاد)): حدثنا النُّفَيليّ، ثنا عبد العزيز الأَنْدَرَاورديّ، وقال أبو حاتم السجستانيّ، عن الأصمعيّ: نسبوا إلى درابجرد الدراوردي، فغَلِطُوا، قال أبو حاتم: والصواب دَرَابِيّ، أو جِرْدِيّ، ودَرَابِيّ (١) أجود. انتهى(١). وقال الشيخ ابن الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)) ج١، ص ١٦٧ : ((الدَّراورديّ)) عبد العزيز بن محمد، حروفه مهملة كلها، وهو بدال مفتوحة، ثم راء، بعدها ألف، ثم واو مفتوحة، بعدها راء ساكنة، ثم دال - والأثبت فيه أنه نَسَبٌ شاذٌ مسموع على غير القياس، وأنه نسبة إلى دَرَابَجِرد، مدينة من فارس، وهي بدال مهملة مفتوحة، ثم راء، بعدها ألف، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم جيم مكسورة، بعدها راء ساكنة، ثم دال، ومنهم من يُثبت فيها بعد الدال الأولى ألفاً أخرى - وما ذكرناه من كونه نسبةً إلى دَرَا بجرد هو قول أهل العربية، أو من ذَكّرَ ذلك منهم، وممن قاله من أهل الحديث الحافظان: أبو حاتم بن حبان الْبُسْتيّ، وأبو نصر الكلاباذيّ، قال ابن حبان: كان أبوه منها، وقال الكلاباذي: كان جدّه منها، وقال أبو حاتم السجستانيّ اللغويّ: زعم الأصمعي أن الدراوردي الفقيه منسوب إلى درابجرد، قال أبو حاتم: وهو منسوب على غير قياس، بل هو خطأ، وإنما الصواب: دَرَابِيّ، أو جِرْديّ، ودرابي أجود، قلت: وليس من المرضي قولُ ابن قتيبة: إنه منسوب إلى دراورد، وكذا قول الكلاباذي: دراوردي هي درابجرد؛ لأن ذلك مشعر بأنه غير مخصوص بالنسب، وهو به مخصوص. (١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ٥٩٢/٢ - ٥٩٣. ٤٨٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقرأت بخط الحافظ أبي سعد السمعانيّ في كتابه ((الأنساب)): إنه قد قيل: إنه من أندرابة، قلت: وهذا لائق بقول من يقول فيه: الأندراورديّ، بزيادة همزة مفتوحة، ونون ساكنة في أوله، وهو قول أبي عبد الله الْبُوشَنْجيّ، من أئمة الحديث وأدبائهم. وأَنْدَرابة مدينة من عمل بَلْخ، وقرية بمرو أيضاً. قال: أخبرني شيخنا المسند، أبو الفتح، منصور بن عبد المنعم، حفيد الْفُرَاويّ بقراءتي عليه بنيسابور، عن أبي جَدِّهِ، أبي عبد الله الفُرَاوي وغيره، عن أبوي عثمان: إسماعيل بن عبد الرحمن الصابونيّ، وسعيد بن محمد الْبَحِيريّ، وأبي بكر البيهقيّ، قالوا: أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر محمد بن جعفر يقول: سمعت أبا عبد الله الْبُوشَنْجِيَّ غير مرّة يقول: عبد العزيز بن محمد الأَنْدَرَاورديّ، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح رحمه الله تعالى(١) . ٣ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ) الْحُرَقِيّ - بضم المهملة، وفتح الراء، بعدها قاف - أبو شِبْل ـ بكسر المعجمة، وسكون الموحّدة - المدنيّ، مولى الْحُرَقة من جُهَينة، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥]. رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأنس، وأبي السائب، مولى هشام بن زهرة، ونعيم المجمر، وسعد بن كعب بن مالك، وعليّ بن ماجد، وعباس بن سهل بن سعد، وغيرهم. وروى عنه ابنه شِبْل، وابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وابن إسحاق، ومالك، ومحمد بن عجلان، ورَوح بن القاسم، وحفص بن ميسرة، والدَّراورديّ، وابن أبي حازم، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، لم أسمع أحداً ذكره بسوء، قال: وسألت أبي عن العلاء وسهيل؟ فقال: العلاء فوق سهيل، وكذا قال حرب عن أحمد، وزاد: وفوق محمد بن عمرو. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس حديثه بحجة، وهو وسهيل قريب من السواء. (١) راجع: ((الصيانة)) ص١٦٦ - ١٦٩. ٤٨٣ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٤) وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه. وقال أبو زرعة: ليس هو بأقوى ما يكون. وقال أبو حاتم: صالح، رَوَى عنه الثقات، ولكنه أُنكر من حديثه أشياء، وهو عندي أشبه من العلاء بن المسیب، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: وللعلاء نُسَخٌ يرويها عنه الثقات، وما أَرَى به بأساً. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال أبو داود: سهيل أعلى عندنا من العلاء، أنكروا على العلاء صيام شعبان - يعني حديث: ((إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)) - وقال عثمان الدارميّ: سألت ابن معين عن العلاء وابنه، كيف حديثهما؟ قال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك، أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف - يعني بالنسبة إليه، يعني كأنه لَمّا قال: أوثق خشي أن يُظَنّ أنه يشاركه في هذه الصفة، فقال: إنه ضعيف. وقال الخليليّ: مدني مختلف فيه؛ لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديثه: ((إذا كان النصف من شعبان، فلا تصوموا))، وقد أخرج له مسلم من حديث المشاهير، دون الشواذّ، وقال الترمذيّ: هو ثقة عند أهل الحديث. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: صحيفةُ العلاء بالمدينة مشهورة، كان ثقةً، كثير الحديث، ثَبْتاً، وتُؤُفيَ في أول خلافة أبي جعفر، وقال البخاريّ: قال عليّ: مات سنة (٣٢)، وقال ابن الأثير: مات سنة (٣٩). أخرج له البخاريّ في ((جزء القراءة))، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٧٠) حديثاً . ٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ، المدني مولى الْحُرَقة، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمر، وهانئ مولى عليّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه العلاء، وسالم أبو النضر، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن عَلْقَمة، وعُمَر بن حفص بن ذَكوان. قال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: هو أوثق، أو المسيب بن رافع؟ فقال: ما أقربهما. وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ٤٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وذكره ابن المدينيّ مع الأعرج وغيره، من أصحاب أبي هريرة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة . أخرج له البخاريّ في ((جزء القراءة))، ومسلم، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٦٧) حديثاً. والباقون تقدّموا قريباً، ورَوْجٌ هو: ابن القاسم المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. وقوله: ((أمرتُ أن أُقاتل الناس إلخ))، ووقع في بعض النسخ(١): ((أقاتل الناس إلخ)) بحذف ((أمرت أن)). وقوله: (وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه بيان ما اختُصِر في الروايات الأُخَر، من الاقتصار على قوله: ((لا إله إلا الله))، وقد تقدم بيان هذا، وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً جازماً لا تردد فيه، كَفَاه ذلك، وهو مؤمنٌ من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين، ومعرفة الله تعالى بها؛ خلافاً لمن أوجب ذلك، وجعله شرطاً في كونه من أهل القبلة، وزَعَمَ أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة، وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأٌ ظاهرٌ، فإن المراد التصديق الجازم، وقد حصل، ولأن النبيّ ◌َّ اكتفى بالتصديق بما جاء به ◌َّة، ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في ((الصحيحين)) يحصل بمجموعها التواتر بأصلها، والعلم القطعيّ، وقد تقدم ذكر هذه القاعدة في أول الإيمان. انتهى كلام النوويّ، وقد أجاد فيه وأفاد، وفّد الرأي الباطل مما ابتدعه المتأخّرون من أهل الأهواء والعناد، والله تعالى وليّ الْهُدَى والرشاد. وقوله: ((عصموا منّي إلخ)) أي منعوا، قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]، وقال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]، وفسّر العصمة بعده في الحديث بقوله: ((حُرُم ماله ودمه))، واختصاص ذلك بمن قال: ((لا إله إلا الله)) تعبير عن الإجابة (١) راجع النسخة التي صححها محمد ذهني ٣٩/١. ٤٨٥ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٥) إلى الإيمان، وأن المراد به مشركو العرب، وأهل الأوثان، ممن لا يوحّد الله وَلَ، وهم كانوا أوّل من دُعي إلى الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيره ممن يوحّد الله، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: ((لا إله إلا الله))؛ إذ يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: ((وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة))، وقد تقدّم تمام شرح الحديث قريباً، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (مسألة): حديث أبي هريرة له هذا بهذا السياق تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا فقط(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٣٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَانٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ ... )) بِمِثْلِ خَّدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (ح) وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيٌ ... (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٌّ - قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ◌َِّ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلّهِ إِلَّ اللّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَاً ينَ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]. أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ رجال هذا الإسناد: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المذكور قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّانِ الْعَنْبَرِيّ مولاهم، أبو سعيد (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ١٧/١٠ و٢٩. ٤٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان البصريّ، ثقة ثبتُ حافظ، عارفٌ بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٣٩٢/١. ٤ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بمعجمة مكسورة، وياء ومثلّثة ابن طَلْق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ قاضيها، وقاضي بغداد أيضاً، ثقة فقيةٌ تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨]. رَوَى عن جده، وإسماعيل بن أبي خالد، وأشعث الْحُدّاني، وأبي مالك الأشجعيّ، وسليمان التيميّ، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، ومصعب بن سُليم، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، والأعمش، والثوري، وجعفر الصادق، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي، وابنا أبي شيبة، وابن معين، وأبو نعيم، وأبو داود الْحَفريّ، وأبو خيثمة، وعفان، وأبو موسى، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وعمرو بن محمد الناقد، وأبو كريب، وابنه عمر بن حفص بن غياث، والحسن بن عرفة، وجماعة، ورَوَى عنه يحيى القطان، وهو من أقرانه. قال ابن كامل: ولاه الرشيد قضاء الشرقية ببغداد، ثم عزله، وولاه قضاء الكوفة، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: صاحب حديث، له معرفة. وقال العجليّ: ثقة مأمون فقيه، كان وكيع ربما سئل عن الشيء، فيقول: اذهبوا إلى قاضينا فسلوه. وقال يعقوب: ثقة ثبت، إذا حَدّث من كتابه، ويُتَّقَى بعضُ حفظه. وقال ابن خِرَاش: بلغني عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوثق أصحاب الأعمش حفص بن غياث، فأنكرتُ ذلك، ثم قَدِمت الكوفة بأخرة، فأخرج إليّ عُمَر بن حفص كتاب أبيه، عن الأعمش، فجعلت أترخَّم على يحيى. وحَكَى صاعقة، عن علي بن المديني شبيهاً بذلك، وقال ابن نُمير: كان حفص أعلم بالحديث من ابن إدريس. وقال أبو زرعة: ساء حفظه بعدما استُقْضِي، فمن كَتَب عنه من كتابه، فهو صالح، وإلا فهو كذا. وقال أبو حاتم: حفص أتقن، وأحفظ من أبي خالد الأحمر. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: حفص أثبت من عبد الواحد بن زياد، وقال النسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة. وقال ابن معين: جميعُ ما حدث به ببغداد من حفظه. وقال ٤٨٧ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٥) الآجريّ عن أبي داود: كان ابن مهديّ: لا يُقَدِّم بعد الكبار من أصحاب الأعمش غير حفص بن غياث، وقال داود بن رُشيد: حفص كثير الغلط. وقال ابن عمار: كان لا يحفظ حَسَناً وكان عَسِراً. وقال الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة: سمعت حفص بن غياث يقول: والله ما وَلِيتُ القضاء حتى حَلَّت لي الميتة، وكذا قال سَجّادة عنه، وزاد: ولم يَخلُف درهماً يوم مات، وخَلَّف عليه الدين، وكان يقال: خُتِم القضاء بحفص، وقال يحيى بن الليث بعد أن ساق قصةً من عدله في قضائه: كان أبو يوسف لمّا وُلِّي حفص، قال لأصحابه: تعالوا نَكتُب نوادر حفص، فلما وَرَدت قضاياه عليه، قال له أصحابه أين النوادر؟ فقال: ويحكم إن حفصاً أراد الله فوفّقَه. وذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن حفصاً كان يُدلّس. وقال العجليّ: ثبت فقيه البدن. وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغداديّ: قلت لأبي عبد الله: من أثبتُ عندك شعبة، أو حفص بن غياث؟ يعني في جعفر بن محمد، فقال: ما منهما إلا ثَبْتٌ، وحفص أكثر روايةً، والقليل من شعبة كثير. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأموناً كثير الحديث، يُدَلِّس. وقال أبو عبيد الآجري، عن أبي داود: كان حفص بأخرة دخله نسيان، وكان يحفظ، ومما أُنكر على حفص حديثه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: ((كنّا نأكل ونحن نمشي))، قال ابن معين: تَفَرَّدَ، وما أراه إلا وَهِمَ فيه. وقال أحمد: ما أدري ماذا؟ كالمنكر له. وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده. وقال ابن المدينيّ: انفرد حفص نَفْسُهُ بروايته، وإنما هو حديث أبي الْبَزَريّ، وكذا حديثه عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رفعه: ((من أقال مسلماً عَثْرَته ... )) الحديث، قال ابن معين: تفرد به عن الأعمش، وقال صالح بن محمد: حفص لَمّا ولي القضاء جفا كُتُبَهُ، وليس هذا الحديث في كتبه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ليس هذا الحديث في كتبه، قال ابن عديّ: وقد رواه عن حفص يحيى بن معين، وزكرياء بن عديّ، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول - في حديث حفص عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعاً: (خَمِّروا وجوه موتاكم ... )) الحديث -: هذا خطأ، وأنكره، وقال: قد حدثناه حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، مرسلاً. ٤٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال هارون بن حاتم: سئل حفص، وأنا أسمع عن مولده؟ فقال: وُلِدتُ سنة (١١٧)، قال: ومات سنة (١٩٤)، وكذا قال جماعة، وقال سَلْمُ بن جُنَادة: مات سنة (١٩٥)، وقال الفلاس، وأبو موسى: سنة (١٩٦)، والأول أصحّ، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات في عشر ذي الحجة سنة خمس أو ست وتسعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٩) حديثاً . [تنبيه]: في الرواة من يُسمّى حفص بن غياث، اثنان: أحدهما هذا، والثاني حفص بن غياث، شيخ يروي عن ميمون بن مهران، مجهول، من الطبقة الثامنة، ليس له في الكتب الستة شيء، وإنما يُذكر في كتب الرجال للتمييز، فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٥ - (وكيع) بن الجرّاح المذكور في الباب الماضي. ٦ - (سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدّم في ١/١. ٧ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ ورٌ، يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ١/ ٣٠٢. ٨ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) ٤ / ١١٥ . ٩ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) ١/ ٤. ١٠ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) ١١٨/٤. ١١ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ وابن الصحابيّ ﴿ّ مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة ١١٥/٤. ١٢ - (أَبُو هريرة) عُبه المذكور في السند الماضي. وقوله: (وعن أبي صالح) عطف في قوله: ((عن أبي سفيان))، فالأعمش يَرْوِي هذا الحديث عن شيخين بإسنادين: عن أبي سفيان، عن جابر بنظُه، وعن ٤٨٩ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٥) أبي صالح عن أبي هريرة رضيه، وكلاهما قالا: قال رسول الله وَل الحديث. وقوله: (بمثل حديث ابن المسيّب عن أبي هريرة ﴿له)، يعني أن حديث أبي سفيان عن جابر، وأبي صالح عن أبي هريرة بمثل سياق حديث سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة الماضي قبل حديث. [تنبيه]: حديث أبي سفيان الذي أحاله المصنف هنا ساقه الحافظ أبو نعيم في ((مُستخرجه))، فقال: حدَّثنا عبد الله بن يحيى الطاحيّ، ثنا عُبيد بن غنّام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص، وحدّثنا محمد بن عليّ بن حبيش، ثنا القاسم بن زكريّا، ثنا أبو كريب، ثنا حفص بن غياث، وأبو معاوية، وحدّثنا جعفر بن محمد بن عمرو، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى الحمّانيّ، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - لفظ القاسم - وقال حفص عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله))(١). وساقه أيضاً الحافظ ابن منده في ((كتاب الإيمان))، فقال: أنبأنا محمد بن عمرو البختريّ الرَّزَّاز، ثنا عباس بن محمد الدُّوريّ، ثنا يعلى بن عُبيد، أنبأنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله رَكْ(٢). وقوله: (ثم قرأ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] الظاهر أن القارئ هو النبي وَ﴾، فهو من جملة المرفوع. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِمِ ﴿1﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]: أي فذكّر يا محمد الناسَ بما أرسلت به بِمُصَيْطٍ إليهم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، ولهذا قال: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم [الغاشية: ٢٢]. انتهى(٣). پِمُصَيْطٍ (١) ((المسند المستخرج)) ١١٦/١. (٣) ((تفسير ابن كثير)) ص١٤١٧. (٢) ((كتاب الإيمان)) لابن منده ١٦٨/١. ٤٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال المفسرون: معناه: إنما أنت واعظ، ولم يكن ◌َ﴿ أُمر إذ ذاك إلا بالتذكير، ثم أُمر بعدُ بالقتال، و((المسيطر)): الْمُسَلَّط، وقيل: الجبار، وقيل الربّ. انتهى(١). وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ﴿بِعُصَيْطِرٍ﴾ العامّة على الصاد، وقُنبلٌ في بعض طرقه، وهشام بالسين، وخَلَفٌ بإشمام الصاد زاياً بلا خلاف، وعن خلّاد وجهان، وقرأ هارون ((بمسيطر)) بفتح الطاء، اسم مفعول؛ لأن سيطر عندهم متعدّ، يدلّ على ذلك فعل مطاوعه، وهو تسيطر، ولم يجئ اسم فاعل على مُفَيعل إلا مُسيطر، ومُبيقِرٌ، ومُهيمِنٌ، ومُبيطِرٌ، من سيطر، وبيقر، وهيمن، وبيطر، وقد جاء مُجَيمرٌ اسم وادٍ، ومُديبِرٌ، قيل: ويمكن أن يكون أصلهما مُجمِر، ومُدبر، فصُغِّرا، قلت: وقد تقدّم لك أن بعضهم جوّز مهيمناً مصغّراً، وتقدّم أنه خطأ عظيم، وذلك في سورة المائدة، وغيرها. انتهى (٢) كلام السمين(٢) . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾، أي فعظهم يا محمد، وخَوِّفهم ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] أي واعظ ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾﴾ [الغاشية: ٢٢] أي بمسلط عليهم، فتقتلهم، ثم نسختها آية السيف، وقرأ هارون الأعور ((بمسيطر)) بفتح الطاء. انتهى (٣). وفي ((اللسان)): ((المسيطر))، و((المصيطر)): الْمُسَلَّط على الشيء؛ ليُشرِف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السَّطْر؛ لأن الكتاب مُسَطّرٌ، والذي يفعله مُسَطِّرٌ، ومُسَيْطِرٌ، يقال: سيطرتَ علينا، وقال تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢]، أي مسلّط، يقال: سيطر يُسيطر، وتسيطر يتسيطر، فهو مُسيْطِرٌ، ومُتسيطرٌ، وقد تُقلب السين صاداً؛ لأجل الطاء، وقال الزجّاج: المسطرون: الأرباب المسلَّطون، يقال: قد تسيطر علينا، وتَصَيْطَرَ، بالسين والصاد، والأصل السين، وكلُّ سين بعدها طاء يجوز أن تُقلب صاداً، يقال: سَطَرَ (١) ((شرح مسلم)) ٢١١/١. (٢) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ١٠/ ٧٧١. (٣) (تفسير القرطبيّ) ٣٧/٢٠. ٤٩١ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٦) وصَطَرَ، وسطا عليه وصطا، وسَطَرَهُ: أي صرعه. انتهى(١). والله تعالى بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): هذا انفرد به المصنف رحمه الله تعالى. حدیث جابر (المسألة الثانية): في تخريجه : أخرجه المصنّف هنا ١٣٥/٨ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع - وعن محمد بن المثنّى، عن عبد الرحمن بن مهديّ - كلاهما عن سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير، عنه. وأخرجه (الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٤١) عن محمد بن بشّار، عن ابن مهديّ به، وقال: حسنٌ صحيح. و(النسائيّ) في ((التفسير)) من ((الكبرى)) (١١٦٧٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن الثوريّ به. وأخرجه (أحمد) ٣٠٠/٣ من طريق الثوريّ - ٢٩٥/٣ ومن طريق ابن جريج - كلاهما عن أبي الزبير به و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٣٦] (٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدٍ، حَدَّثْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّحِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ)). (١) ((لسان العرب)) ٤/ ٣٦٤. ٤٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) البصريُّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوهاب الثقفيّ، ومعتمر بن سليمان، وابن أبي عديّ، وبشر بن المفضل، وعبد العزيز بن عبد الصمد العميّ، وعبد الملك بن الصبّاح، ومعاذ بن معاذ، ومعاذ بن هشام، ويزيد بن هارون وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، ومعاذ بن المثنى، ومحمد بن یونس الگُدیميّ، وغيرهم. قال ابن حبان في ((الثقات)): يُغرِبُ، مات سنة ثلاثين ومائتين، وفيها أَرّخه ابن قانع، وقال: ثقةٌ ثبتٌ. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثاً. [تنبيه]: ((الْمِسْمَعِيّ)) : - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم -: مَحِلّة بالبصرة، نزلها الْمِسْمَعون، فنُسبت إليهم (١)، وأفاد في (القاموس)) أن ((مِسْمَعاً)) كمِنْبَرٍ: جمعه مَسَامِع: أبو قبيلة، وهم الْمَسَامِعَةُ. انتهى باختصار(٢). ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ) الْمِسْمَعِيُّ، أبو محمد الصَّنْعَانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن أبيه، وابن عون، والأوزاعيّ، وهشام بن حَسّان، وعبد الحميد بن جعفر، وعمران بن حُدَير، وشعبة، والثوريّ، وثور بن يزيد، الحمصيّ، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، وبندار، وأبو موسى، وأبو غَسّان المسمعيّ، ونُصير بن الفَرَج، ويحيى بن حكيم الْمُقَوّم، وعبد الرحمن بن عمر، رُسته، والذَّهْليّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح، وقال ابن قانع: ثقة، وذكره ابن حبان في (١) ((الأنساب)) ٢٩٧/٥ و((اللباب)) ٢١٢/٣ و((معجم البلدان)) ١٢٣/٥. (٢) ((القاموس المحيط)) ص٦٥٧. ٤٩٣ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٦) (الثقات))، وقال: مات سنة تسع وتسعين ومائة في ذي القعدة، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة مائتين، وقال الخليليّ: عبد الملك بن الصبَّاح، عن مالك مُتَّهَمٌ بسرقة الحديث، قال الحافظ: كذا قال، ولم أر في الرواة عن مالك للخطيب، ولا للدارقطني أحداً يقال له: عبد الملك بن الصبَّاح، فإن كان محفوظاً، فهو غيرُ الْمِسْمَعِيِّ. انتهى(١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (٢٢) و(٩٠٤) و(٢٧١٩) و(٥٣٣). ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الجِهْبِذُ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٣٨٥/١. ٤ - (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب الْعَدَوِيُّ المدنيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن أبيه، وسعيد بن مُرْجانة، وابن أبي مليكة، وصفوان بن سُليم، ونافع مولى ابن عمر، وابن المنكدر. وروى عنه أخوه عاصم، وابنه عثمان بن واقد، وشعبة. قال أحمد، وأبو داود، وابن معين: ثقة، وقال ابن معين مرة أخرى: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقةٌ يُحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٢٢) و(٦٥) و(٦٦) و(١٥٠٩) و(٢٠٦٠). ٥ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدّم في ١٢١/٥. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ◌َّه (ت٧٣) (ع) ١ / ١٠١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. (١) ((تهذيب التهذيب)) ٦١٤/٢ - ٦١٥. : ٤٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عبد الملك بن الصبّاح، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ، وواقد بن محمد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. [تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى مالك بن عبد الواحد، ولا عبد الملك بن الصباح غير المذكورين في هذا السند. ٣ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى واقداً في الكتب السّة سبعة، منهم في ((الصحيحين)) اثنان: أحدهما: واقد بن محمد هذا، والثاني: واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاريّ، له عند المصنّف حديث واحد فقط، وهو حديث عليّ رَُّه في قيام النبيّ ◌َّر للجنازة، والباقون في ((السنن)). [تنبيه]: قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: في ((صيانة صحيح مسلم)): واقد بن محمد الْعُمَريّ - بالقاف - وليس في ((الصحيحين)) وافد بالفاء أصلاً. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل ولا يوجد في الرواة، لا في الكتب الستة، ولا في غيرها من يسمّى وافداً بالفاء أصلاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن واقد بن محمد روى عن أبيه عن جد أبيه، ورواية الأبناء عن الآباء كثيرة، لكن رواية الشخص عن أبيه، عن جدّه قليلة، وهي عن جدّ أبيه أقلّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ﴿يا أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة ظه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ◌ُِّهَا أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ: أُمِرْتُ) أي أمرني الله تعالى؛ لأنه لا آمر لرسول الله وَّ إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أُمِرتُ فالمعنى أمرني رسول الله وَّر، ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر؛ لأنهم من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعيّ: احتمل. والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك، فُهِمَ منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس. ٤٩٥ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٦) (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي بأن أُقاتل، فحذف منه حرف الجر، وهو في مثله قياس، كما قال في ((الخلاصة)): وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ وَعَدَّ لَازِماً بِحَرْفٍ جَرِّ مَعْ أَمْنٍ لَبْسِ («كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا)) نَقْلاً وَفِي ((أَنَّ) و((أَنْ)) يَظَرِدُ (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ) جُعِلت غاية المقاتلة وجودَ ما ذُكِر، فمقتضاه أن مَن شَهِدَ، وأقام، وآتى، عَصَمَ دمه، ولو جحد باقي الأحكام. والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أنّ نص الحديث، وهو قوله: ((إلا بحق الإسلام)) يدخل فيه جميع ذلك. [فإن قيل]: فَلِمَ لم يَكْتَفِ به؟ ونَصَّ على الصلاة والزكاة. [فالجواب]: أن ذلك لعظمهما، والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمّا العبادات البدنية والمالية. (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي يداوموا على الإتيان بها بشروطها، من قامت السوق: إذا نَفَقَت، وقامت الحرب: إذا اشتدّ القتال، أو المراد بالقيام الأداء؛ تعبيراً عن الكل بالجزء؛ إذ القيام بعض أركانها، والمراد بالصلاة المفروض منها، لا جنسَها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلاً، وإن صَدَقَ اسم الصلاة عليها . (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي يُعْطوها لمستحقيها (فَإِذَا فَعَلُوا) وفي رواية البخاريّ: ((فإذا فَعَلوا ذلك))، وذكر اسم الإشارة باعتبار المذكور، أي فعلوا ما ذُكر من الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفيه التعبير بالفعل عما بعضُه قولٌ، إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم؛ إذ القولُ فعلُ اللسان. انتهى (١)، وقوله: (عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) جواب ((إذا))، أي حفظوا، وحَقَنُوا، ومعنى العصمة في اللغة: المنع، ومنه العِصام، وهو الخيط الذي تُشدّ به فم القربة، حيث يمنعِ الماء من السيلان (إِلَّا بِحَقِّهَا) أي بحقّ الدماء، والأموال، وللبخاريّ: ((إلَّا بحقّ الإسلام))، وهو بمعناه، والاستثناء مفرّغ، (١) راجع: ((الفتح)) ٩٧/١ و((عمدة القاري)) ١٨٠/١. : ٤٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان والعصمة متضمّنة لمعنى النفي؛ فلذا صحّ التفريغ؛ إذ هو شرطه، أي لا يجوز إهدار دمائهم وأموالهم بسبب من الأسباب إلا بحقّها، والإضافة في ((بحقّها)). بمعنى اللام، ويجوز أن تكون بمعنى: ((من))، وبمعنى ((في)). [فائدة]: الاستثناء المفرغ لا يكون إلا في النفي، وجوّزه ابن مالك في كلّ موجب في النفي، نحو صمت إلا يوم الجمعة؛ إذ معناه لم أفطر، والتفريغ إما في نهي صريح، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، أو ما في معناه، كالشرط في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِثَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، وإما في نفي صريح، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، أو فيما معناه، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّ الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥](١). [تنبيه]: أراد بحقّ الدماء، ما بيّنه في حديث عبد الله بن مسعود نظـ قال: قال رسول الله وَل: ((لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة))، متفقٌ عليه. وبحقِّ الأموال الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة بها . وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: ((إلا بحقها))، سيأتي أن أبا بكر ◌ُه أدخل في هذا الحقّ فعلَ الصلاة والزكاة، وأن من العلماء مَن أدخل فيه فعل الصيام والحج، أيضاً، ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسير حقها بذلك، أخرجه الطبرانيّ، وابن جرير الطبريّ، من حديث أنس عن النبي وسلم قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله رَتْ، قيل: وما حقُّها؟ قال: ((زِناً بعد إحصان، وكُفْرٌ بعد إيمان، وقتلُ نفس، فيقتل بها))(٢). ولعل آخره من قول أنس به، وقد قيل: إن الصواب وقف الحدیث کله عليه. (١) راجع ((عمدة القاري)) ١٨٠/١. (٢) أورده الحافظ الهيثميّ في ((مجمع الزوائد)) ٢٥/١ -٢٦ وقال: رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وفيه عمرو بن هاشم البيروتيّ، والأكثر على توثيقه. انتهى. ٤٩٧ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٦) ويشهد لهذا ما في ((الصحيحين)) عن ابن مسعود ظُه، عن النبي قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(١). (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ))) جملة من مبتدأ وخبر، أي محاسبة الناس بعد تمسّكهم بهذه الأشياء في أمور سرائرهم على الله ثقيلة . وقال في ((الفتح)): قوله: ((وحسابهم على الله))، أي في أمر سرائرهم، ولفظة ((على)) مشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام، أو على سبيل التشبيه، أي هو كالواجب على الله في تحقيق الوقوع. (٢) انتھی(٢). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: ((وحسابهم على الله رغبات)): يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، تَعْصِم دم صاحبها وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة فحسابه على الله رشّ، فإن كان صادقاً أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذباً فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد تقدم أن في بعض الروايات في ((صحيح مسلم)) ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ®َ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ مِـ الآية [الغاشية: ٢١ - ٢٢]. والمعنى إنما عليك أن تُذَكِّرهم بالله، وتدعوهم إليه، ولست مُسَلَّطاً على إدخال الإيمان في قلوبهم قهراً، ولا مكلفاً بذلك، ثم أخبر أن مرجع العباد كلهم إليه، وحسابهم عليه. وفي (مسند البزار)) عن عياض الأنصاريّ، عن النبي وسلم قال: ((إن لا إله إلا الله، كلمةٌ على الله كريمةٌ، لها عند الله مكان، وهي كلمةٌ مَن قالها صادقاً أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذباً حَقَنَت ماله ودمه، ولقي الله غداً، فحاسبه)). وقد استَدَلَّ بهذا من يَرَى قبول توبة الزنديق، وهو المنافق، إذا أظهر (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٣٥/١ - ٢٣٦. (٢) ((الفتح)) ١ / ٩٧. ٤٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان الْعَوْد إلى الإسلام، ولم يَرَ قتله بمجرد ظهور نفاقه، كما كان النبي بَلّ يعامل المنافقين، ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه، وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ّها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه : أخرجه المصنّف هنا في ((الإيمان)) [١٣٦] (٢٢) عن أبي غسّان مالك بن عبد الواحد، عن عبد الملك بن الصبّاح، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زید، عن أبيه، عنه. و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٢٥) عن عبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيّ، عن حرميّ بن عُمارة، عن شعبة، به. وأخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) ١١٧/١ (١٢٠ و١٢١)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٢٥) و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) ٣٦٧/٣ و١٧٧/٨ و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٣٣) و(ابن حبان) في (صحيحه)) (١٧٥) و(٢١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): (اعلم): أن هذا الحديث غريب الإسناد، تفرد بروايته شعبة، عن واقد بن محمد، قاله ابن حبان، وهو عن شعبة عزيزٌ، تفرّد بروايته عنه عبد الملك بن الصّاح عند المصنّف، وحَرَمِيّ بن عُمارة عند البخاريّ، وهو عزيز عن حرميّ، تفرّد به عنه الْمُسْنَديّ، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، ومن جهة إبراهيم أخرجه (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٣٦/١ - ٢٣٧. ٤٩٩ (٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٦) أبو عوانة، وابن حبان، والإسماعيليّ، وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك، تفرّد به عنه أبو غسان شيخ المصنّف، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في ((مسند أحمد)) على سعته. وقد استَبْعَد قوم صحته بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لَمَا تَرَكَ أباه يُنازِع أبا بكر ﴿ّ في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه، لَمَا كان أبو بكر يُقِرُّ عمر على الاستدلال بقوله وَّه: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))، وينتقل عن الاستدلال بهذا النّصّ إلى القياس؛ إذ قال: لأُقاتلنّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله. [والجواب]: أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مُستَحضِراً له، فقد يَحتَمِل أن لا يكون حَضَرَ المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذَكَرَهُ لهما بَعْدُ، ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضاً من قوله وتيسير في الحديث الذي رواه: ((إلا بحق الإسلام))، قال أبو بكر: والزكاةُ حقُّ الإسلام. ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضاً بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سبق بيانه في الأحاديث السابقة. وفي القصة دليلٌ على أن السنة قد تَخْفَى على بعض أكابر الصحابة . ويَطَّلِعُ عليها آحادهم، ولهذا لا يجوز أن يُلْتَفَتَ إلى الآراء، ولو قَوِيت مع وجود سنة تخالفها، ولا يجوز أن يقال: كيف خَفِي ذا على فلان الإمام؛ إذ لا يكون أعلم، وأرفع رتبة من أبي بكر وعمر ﴿يا، وقد خفي عليهما ما حفظه صغار الصحابة ﴿، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه دليلاً على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافاً لمن أوجب تعلم الأدلة، وقد تقدم تفنيد ذلك بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٥٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن. ٣ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى: فيه بيانٌ واضحٌ بأن الإيمان أجزاءٌ وشُعَبٌ تتباين أحوال المخاطبين فيها؛ لأنه ◌َِّ ذَكَرَ في هذا الخبر: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله))، فهذا هو الإشارة إلى الشعبة التي هي فَرْضٌ على المخاطبين في جميع الأحوال، ثم قال: ((ويقيموا الصلاة))، فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، ثم قال: ((ويؤتوا الزكاة))، فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، فدل ذلك على أن كل شيء من الطاعات التي تشبه الأشياء الثلاثة التي ذكرها في هذا الخبر من الإيمان. انتهى كلامه (١). ٤ - (ومنها): ما قاله النووي: في هذا الحديث أنّ من ترك الصلاة عمداً يُقْتَلُ، ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلك. وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة، وأجاب بأن حكمهما واحد؛ لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهراً، بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال؛ ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق رظ ◌ُبه مانعي الزكاة، ولم يُنقَل أنه قَتَلَ أحداً منهم صبراً، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظرٌ، للفرق بين صيغة ((أُقاتِل))، و((أَقتُل)). وقد أطنب ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) في الإنكار على من استَدَلَّ بهذا الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحَكَى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، فقد يَحِلّ قتال الرجل ولا يحل قتله. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٤٠١/١ - ٤٠٢. (٢) راجع: ((الفتح)) ٩٦/١.