Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان،
وأن المراد بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول
من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد، فلا يُكتفى
في عصمته بقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده،
فلذا جاء في الحديث الآخر: ((وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة)).
وهذا كلام القاضي.
قلت(١): ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله وَ لته،
كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة ربه، هي مذكورة في ((صحيح
مسلم)): ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به)). والله
أعلم.
قال: واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع
جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا :
أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقاً، الأحاديث الصحيحة المطلقة.
والثاني: لا تُقبل، ويتحثّم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في
الدار الآخرة، وكان من أهل الجنّة.
والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرّر ذلك منه لم تقبل.
والرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف
فلا .
والخامس: إن كان داعياً إلى الضلال لم يقبل منه، وإلا قبل منه، والله
تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما صححه النووي رحمه الله تعالى من
قبول توبة الزنديق مطلقاً هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى:
﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا فَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]،
والزنديق كافر، تعمّه هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص ظبه مرفوعاً: ((أما
علمت أن الإسلام يَهْدِمُ ما كان قبله)). أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم.
(١) القائل هو النوويّ رحمه الله تعالى.
(٢) (شرح مسلم)) ١٥٦/١ - ١٥٧.
٤٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، قال النوويّ:
ضبطناه بوجهين، (فَرَقَ))، و((فَرَّقَ)) بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع
في الصلاة، وجحد الزكاة، أو منعها. انتهى.
وعبارة الحافظ: يجوز تشديد «فرّق)» وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقرّ
بالصلاة، وأنكر الزكاة، جاحداً، أو مانعاً مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول
القصّة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حقّ من جحد حقيقةٌ، وفي حقّ الآخرين
مجازٌ تغليباً، وإنما قاتلهم الصدّيق ◌َظُه، ولم يَعْذِرهم بالجهل، لأنهم نصبوا
القتال، فجهّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصرّوا قاتلهم. قال
المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقاً على قتال من جحد الصلاة، فألزمه
الصدّيق بمثله في الزكاة، لورودها في الكتاب والسنّة مَوْرِداً واحداً، انتهى(١).
(فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حقّ
النفس الصلاة، وحقّ المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومن زكّى عصم
ماله، فمن لم يصلّ قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يُزكّ أُخذت الزكاة من ماله
قهراً، وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا يوضّح أنه لو كان سمع في
الحديث: ((ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه
يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظريّ.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((فإن الزكاة حقّ المال))، هذا الرّدّ
يدلّ على أن عمر ◌ُهُ حَمَلَ الحقّ في قوله: ((عَصَم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه))
على غير الزكاة، وإلا لم يقم استشهاد عمر ته بالحديث على منع المقاتلة،
وردُّ أبي بكر ◌ُه بقوله: ((فإن الزكاة حقّ المال))، أو يقال: إن عمر ظنّ أن
المقاتلة مع القوم إنما كانت لكفرهم لا للمنع، فاستشهد بالحديث، أجابه أبو
بكر ربه بأني لم أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزكاة، ويَعضد هذا الوجه قوله:
((كَفَرَ من كَفَرَ)). انتهى(٢).
(واللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً)، هكذا رواية مسلم بلفظ: ((عِقَالاً))، قال الحافظ
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٢٨٠.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٨٤/٥.
٤٦٣
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
رحمه الله تعالى في ((الفتح)) بعد أن ذكره بلفظ ((عناقاً)) ما نصّه: ووقع في رواية
قتيبة، عن الليث، عند مسلم ((عقالاً))، وأخرجه البخاريّ في ((كتاب الاعتصام))
عن قتيبة، فكَنَى بهذه اللفظة، فقال: ((لو منعوني كذا)).
واختُلِفَ في هذه اللفظة، فقال قوم: هي وَهَم، وإلى هذا أشار البخاريّ
بقوله في ((الاعتصام)) عقب إيراده: قال لي ابنُ بُكير - يعني شيخه فيه هنا -
وعبدُ الله - يعني ابن صالح - عن الليث: ((عَنَاقاً))، وهو أصحّ، ووقع في روايةٍ
ذكرها أبو عُبيدة: ((لو منعوني جَدْياً أَذْوَط))، وهو يؤيّد أن الرواية ((عَناقاً))،
و((الأذوط)) الصغير الفَكّ والذَّقَنِ. قال: و((العَنَاق)) - بفتح المهملة، والنون -:
الأنثى من ولد المعز. انتهى(١) ..
وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): هكذا في مسلم ((عِقَالاً))،
وكذا في بعض روايات البخاريّ، وفي بعضها ((عَنَاقاً)) - بفتح العين، وبالنون
وهي الأنثى من ولد المعز وكلاهما صحيح وهو محمول على أنه كرّر الكلام
مرتين، فقال في مرة: عقالاً، وفي الأخرى ((عناقاً))، فرُوي عنه اللفظان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض الحافظ على النووي هذا
التأويل، فقال: وهو بعيد، مع اتحاد المخرج والقصّة، انتهى.
لكن الذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس ببعيد، لأنه يمكن أن يُكَرِّر
أبو بكر ربه الكلام في مجلس واحد تأكيداً، وتشديداً، فيتلفّظ باللفظین،
فينقل عنه، وهذا لا إشكال فيه، فما قاله النووي قريب، لا بعيد، فتأمّله. والله
تعالى أعلم.
قال: فأما رواية العَنَاق، فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغاراً
كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأمهات زُكي السِّخال
الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من الأمهات شيء، أم لا، هذا هو
الصحیح المشهور.
وقال أبو القاسم الأنماطيّ من الشافعية: لا يزكِّي الأولاد بحول
الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب.
(١) ((الفتح)) ٢٨٠/١٤.
٤٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصوّر ذلك فيما
إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيّتها، وعلى
الصغار. والله أعلم.
وأما رواية ((عِقَالاً)) فقد اختلف العلماء قديماً وحديثاً فيها، فذهب جماعة
منهم إلى أن المراد بالعِقَال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قول
النسائيّ، والنضر بن شُميل، وأبي عُبيدة، والمبرّد، وغيرهم من أهل اللغة،
وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتج هؤلاء على أن العِقَال يُطلق على زكاة
العام بقول عمرو بن الْعَدَّاء الكَلْبِيّ [من البسيط]:
سَعَى عِقَالاً فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَداً (١) فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرُو عِقَالَيْنِ
عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الْهَيْجَا جِمَالَيْنِ(٢)
لِأَصْبَحَ الْحَيُّ أَوْبَاداً وَلَمْ يَجِدُوا
أراد مُدّة عقال، فنصبه على الظرف.
وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان وَلّاه عمه معاوية بن
أبي سفيان ﴿يا صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال فيه قائلهم ذلك.
قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يُعقل به البعير لا يجب دفعه
في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصحّ حمل الحديث عليه.
وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يُعقل به
البعير .
وهذا القول يُحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار
صاحب ((التحرير))، وجماعة من حُذّاق المتأخّرين.
قال صاحب ((التحرير)): قول من قال: المراد صدقة عام تعسّف، وذهابٌ
عن طريقة العرب؛ لأن الكلام خرج مخرج التضييق، والتشديد، والمبالغة،
فيقتضي قلّة ما عُلِّق به القتال، وحقارته، وإذا حُمل على صدقة العام لم يحصل
هذا المعنى، قال: ولست أشبه هذا إلا بتعسّف من قال في قوله وَلّى: ((لعن الله
السارق يَسرق البيضة، فتُقطع يده، ويَسرق الحبل، فتقطع يده»، أن المراد
(١) السيد: البقية من النبت، والقليل من الشعر. أي لم يترك شيئاً قليلاً.
(٢) البيت الثاني مزيد من ((لسان العرب))، وكذا جملة قوله: ((فاعتدى عليهم)).
٤٦٥
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
بالبيضة بيضة الحديد التي يُغطّى بها الرأس في الحرب، وبالحبل الواحدُ من
حبال السفينة، وكلّ واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة.
قال بعض المحقّقين: إن هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة،
ومخارج كلام العرب؛ لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه، فيصرفَ إليه
بيضةٌ تساوي دنانير، وحبلٌ لا يقدر السارق على حمله، وليس من عادة العرب
والعجم أن يقولوا: قبّح الله فلاناً عرّض نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرّض
لعقوبة الغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا أن يقال: لعنه الله
تعرّض لقطع اليد في حبل رَتِّ، أو في كُبَّة شعر، وكلّما كان من هذا أحقر كان
أبلغ .
فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذي يُعقَل به البعير، ولم يُرد عينه،
وإنما أراد قدر قيمته، والدليل على هذا أن المراد به المبالغة، ولهذا قال في
الرواية الأخرى: ((عَنَاقاً))، وفي بعضها: (لو منعوني جَدْياً أذوط)). والأذوط
صغير الفكّ والذقن. هذا آخر كلام صاحب ((التحرير)).
قال النوويّ: وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره.
وعلى هذا اختلفوا في المراد بـ((منعوني عِقالاً))، فقيل: قدر قيمته، وهو
ظاهر متصوَّرٌ في زكاة الذهب والفضّة، والمعشرات، والمعدن، والركاز، وزكاة
الفطر، وفي المواشي أيضاً في بعض أحوالها، كما إذا وجب عليه سنّ، فلم
يكن عنده، ونزل إلى سنّ دونها، واختار أن يردّ عشرين درهماً، فمنعه من
العشرين قيمة عقال، وكما إذا كانت غنمه سِخالاً، وفيها سَخْلة، فمنعها، وهي
تساوي عقالاً، ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة في كتب الفقه، وإنما ذكرت هذه
الصورة تنبيهاً بها على غيرها، وعلى أنه متصوّرٌ ليس بصعب، فإني رأيت
كثيرين ممن لم يُعَانِ الفقه يستصعب تصوّره حتى حمله بعضهم - وربما وافقه
بعض المتقدّمين - على أن ذلك للمبالغة، وليس متصوّراً، وهذا غلطٌ قبيحٌ،
وجھلٌ صريحٌ.
وحكى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة العقال، إذا
كان من عروض التجارة، وهذا تأويل صحيحٌ أيضاً.
ويجوز أن يراد منعوني عقالاً، أي منعوني الحبل نفسه على مذهب من
٤٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
يُجوّز القيمة، ويتصوّر على مذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى على أحد أقواله،
فإن للشافعيّ في الواجب في عروض التجارة ثلاثةَ أقوال:
[أحدها]: يتعيّن أن يأخذ منها عرضاً، حبلاً أو غيره، كما يأخذ من
الماشية من جنسها .
[والثاني]: أنه لا يأخذ إلا دراهم، أو دنانير، ربع عشر قيمته، كالذهب
والفضّة.
[والثالث]: يتخيّر بين العرض والنقد. والله أعلم.
وحكى الخطابيّ عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة، لأن
على صاحبها تسليمها، وإنما يقع قبضها التامّ برباطها .
قال الخطابيّ: قال ابن عائشة: كان من عادة الْمُصَدِّق إذا أخذ الصدقة
أن يَعْمِد إلى قَرَن - وهو بفتح القاف، والراء - وهو حبلٌ، فیقرن به بین بعیرین،
أي يشدّه في أعناقهما لئلا تشرد الإبل.
وقال أبو عبيد: وقد بعث النبي ◌َّر محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان
يأخذ مع كلّ فريضتين عقالهما، وقرانهما، وكان عمر ظُه أيضاً يأخذ مع كلّ
فريضة عقالاً. والله أعلم انتهى كلام النوويّ(١).
ونقل ابن الصلاح عن أبي العبّاس المبرّد في كتابه ((الكامل)) أن المصدّق
إذا أخذ من مال الصدقة ما فيه، ولم يأخذ ثمنه قيل: أخذ عِقالاً، وإذا أخذ
ثمنه قيل: أخذ نقداً، قال الشاعر (من الطويل]:
أَتَانَا أَبُو الْخَطَّابِ يَضْرِبُ طَبْلَهُ فَرُدَّ وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالاً وَلَا نَقْدَا
وذكر أن الصحيح في العقال المذكور تفسيره بهذا، قال ابن الصلاح:
وليس ذلك عندنا بصحيح. انتهى(٢).
وذكر القرطبيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((المفهم)) في معنى ((العقال))
خمسة أقوال :
(الأول): أنه الفريضة من الإبل. رواه ابن وهب عن مالك، وقاله
النضر بن شُميل.
(١) (شرح مسلم)) ١/ ١٥٧ - ١٥٩.
-
(٢) ((الصيانة)) ص١٦٦.
٤٦٧
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
(الثاني): أنه صدقة عام، قاله الكسائيّ، وأنشد قوله: ((سَعَى عِقَالاً
إلخ)).
(الثالث): أنه كلّ شيء يُؤخذ في الزكاة، من أنعام، وثمار؛ لأنه يُعقل
عن مالكه، قاله أبو سعيد الضرير.
(الرابع): هو ما يأخذه المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخذ عوضها،
قيل: أخذ نقداً، ومنه قول الشاعر:
وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالاً وَلَا نَقْداً
(الخامس): أنه اسم لما يُعقل به البعير، قاله أبو عُبيد، وقال: قد بعث
رسول الله وَلا محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ قرين عقالاً،
ورِوَاء(١) .
قال: والأشبه بمساق أبي بكر أن يُراد بالعقال ما يُعقل به البعير؛ لأنه
خرج مخرج التقليل. والله أعلم(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن رواية ((عِقَالاً))
صحيحة، وأن أقرب تفسير العقال تفسير من فسّره بالحبل الذي تربط به
الدواب، وأن من منع إعطاء العقال إذا احتاج إليه الساعي يُعتبر مانعاً لبعض
الزكاة. والله تعالى أعلم.
(كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللهِ بَهْ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ عُمَرُ ◌َبه:
(فَوَ اللهِ مَا هُوَ) أي ما الأمر والشأن، فالضمير للشأن، وقال السنديّ: أي ما
سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر انتهى (إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ وَّ) أي: علمت
وأيقنت أن الله تعالى.
وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: المستثنى منه غير مذكور، أي ليس الأمر
شيئاً من الأشياء إلا علمي بأن أبا بكر مُحِقّ، ونحوه قوله تعالى: ﴿مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا
الذُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] فَهِىَ﴾ ضمير مبهم يفسّره ما بعده. انتهى(٣).
(١) الرواء: الحبل الذي تربط به المزادتان. والمزادة: الراوية التي ينقل بها الماء.
قلت: لم أرَ سند هذا الحديث، فيحتاج إلى النظر في سنده، والله أعلم.
(٢) راجع: ((المفهم)) ١٨٩/١ - ١٩٠.
(٣) ((الكاشف)) ١٤٨٤/٥ - ١٤٨٥.
٤٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
(لِلْقِتَالِ) قال
(قَدْ شَرَحَ) أي فتح، ووسع، ولیّن (صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ)
النوويّ: معناه: علمت بأنه جازم بالقتال؛ لما ألقى الله رَك، في قلبه من
الطمأنينة لذلك، واستصوابه ذلك (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي عرفت بما ظهر من
الدليل، وأقامه أبو بكر ظُله من الحجة أن ما عزم عليه هو الحقّ، وليس معنى
ذلك أن عمر ◌ُّه قلّد أبا بكر به، فإن المجتهد لا يقلّد المجتهد.
وقد زعمت الرافضة أن عمر ظله إنما وافق أبا بكر تقليداً، وبنوه على
مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم، والله تعالى
أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رعيته هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا فقط (١٣٢/٨) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن
سعد، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبي
هريرة، عن عمر وأبي بكر څ.
وأخرجه (البخاريّ) في ((الزكاة)) ١٣١/٢ (١٣٩٩) و١٤٧ (١٤٥٦) عن
أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة - وفي ٢/ ١٤٧ (١٤٥٦) وقال الليث:
حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر - وفي ((استتابة المرتدّين)) ١٩/٩
(٦٩٢٤) عن يحيى بن بُكير - وفي ((الاعتصام)) ١١٥/٩ (٨٢٨٤) و(٨٢٨٥) عن
قتيبة - كلاهما عن الليث، عن عُقيل - ثلاثتهم عن الزهريّ، عن عبيد الله به.
و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٥٥٦) عن قتيبة - به، و(١٥٥٧) عن أحمد بن
عمرو بن السرح، وسليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن
الزهريّ عن أبي بکر به مرسلاً.
و(الترمذيّ) في ((الإيمان)) (٢٦٠٧) عن قتيبة به، وقال: حسنٌ صحيح،
وهكذا روى شعيبٌ عن الزهريّ، وروى هذا الحديث عن عمران القطّان، عن
معمر، عن الزهريّ، عن أنس، عن أبي بكر، وهو خطأ، وقد خولف عمران
في روايته عن معمر.
٤٦٩
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
و(النسائيّ) في ((الزكاة)) ١٤/٥ (٢٢٢٣) وفي ((المحاربة)) ٧٧/٧ (٣٤٣٢)
عن قتيبة به، وفي ((الجهاد)) ٥/٦ (٤٣٠٠) عن كثير بن عبيد، عن بقية بن الوليد
٥/٦ (٤٣٠٠) وفي ((المحاربة) أيضاً (٣٤٣٥) عن أحمد بن محمد بن المغيرة،
عن عثمان بن سعيد، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة به، و٥/٦ (٤٢٩٩) عن
كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيديّ، و٦/٦ (٤٣٠١)، وفي
((المحاربة أيضاً)) (٣٤٣٧) و٧٨/٧ عن أحمد بن سليمان، عن مؤمّل بن
الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة،
وذكر آخر، أربعتهم عن الزهريّ به، وفي ((المحاربة)) أيضاً ٧٧/٧ (٣٤٣٣) عن
زياد بن أيوب، عن محمد بن يزيد، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة ظُه عن النبيّ وَّر، وعن أبي هريرة، عن
عمر، عن النبيّ ◌َّد.
وأخرجه (أحمد) في ((مسنده)) ١٩/١ (١١٧) عن عصام بن خالد، وأبي
اليمان، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة، وفي ٤٧/١ (٣٣٥) عن إبراهيم بن
خالد، عن رَبَاح، عن معمر به.
وأخرجه أيضاً ٣٥/١ (٢٣٩) عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ،
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لَمّا ارتدّ أهل الردّة في زمان أبي بكر
قال عمر ... الحديث، ليس فيه أبو هريرة. و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٣
و١١٤ و١١٥ و١١٦ و١١٧ و١١٨).
وأخرجه (عبد الرزاق) (١٨٧١٨) و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٢١٦)
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) ١١٤/٤ و٣/٧ (١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في بيان فوائده:
١ - (منها): بيان أن الناس يُقاتلون إلى أن يوحّدوا الله تعالى، ويلتزموا
أحكام الشريعة كلها .
٢ - (ومنها): أن فيه أدلّ دليل على شجاعة أبي بكر ظ﴿به، وتقدّمه في
الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٣٠٩/٧ - ٣١٠.
٤٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أكبر نعمة، أنعم الله تعالى بها على المسلمين بعد رسول الله وَيته، فقد
استنبط ربه من العلم بدقيق نظره، ورَصَانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به
غيره، فلهذا وغيرِهِ مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحقّ على أنه أفضل أمة
رسول الله وَله. وقد صنّف العلماء رحمهم الله تعالى في معرفة رجحانه أشياء
كثيرة، مشهورة في الأصول وغيرها، ومن أحسنها كتاب ((فضائل الصحابة
للإمام أبي المظفّر منصور بن محمد السمعانيّ الشافعيّ، قاله النوويّ
رحمه الله تعالى(١).
٣ - (ومنها): أن فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من
السلف والخلف أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله والتزم
أحكام دين الإسلام، فإنه مؤمن شرعاً، فإن النبيّ ◌َلهو حكم بذلك، حيث قال:
((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ... )) إلى أن قال: ((فإذا
فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ... )) الحديث.
وقد أوجب عليه تعلّم أدلة المتكلّمين كثير من المعتزلة، وبعض من يدّعي
الانتساب إلى أهل السنة من المغفّلين، من المتكلمين، وممن انصبغ بأفكار
الفلاسفة الملحدين، وهو مذهب مبتدع، لا يعرفه السلف، وإنما أحدثه
المعتزلة وأذنابهم من الذين لا صلة لهم بالأدلة المنقولة، وإنما يخوضون في
أفكارهم المنصبغة بأفكار الفلاسفة، فلا حقّ عنده إلا ما أثبته عقله السخيف،
فهذا هو عين الخذلان، نعوذ بالله من أن نُفْتَنَ عن ديننا، أو نُردّ على أعقابنا
بعد إذ هدانا الله، اللهم أرنا الحقّ حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً،
وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين.
وقد استوفيتُ هذا البحث في المسائل التي ذكرتها أوائل ((كتاب
الإيمان))، فارجع إليها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): جواز مراجعة الأئمة الأكابر، ومناظرتهم لإظهار الحقّ.
٥ - (ومنها): أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد
جميع ما أتى به رسول الله ( *، وقد جمع ذلك النبيّ ◌َ ﴿ - كما في رواية
(١) (شرح مسلم)) ١٦٠/١.
٤٧١
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
المسلم - بقوله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا
بما جئت به)).
٦ - (ومنها): مشروعيّة مقاتلة مانع الزكاة، إن امتنع، وناصَبَ الحربَ،
وإلا أُخِذت منه قهراً.
٧ - (ومنها): وجوب الجهاد.
٨ - (ومنها): صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد، ونفسه، ولو كان عند
السيف.
٩ - (ومنها): أن الأحكام تُجْرَى على الظواهر، والله تعالى يتولّى
السرائر.
١٠ - (ومنها): أن الصحابة كانوا قائلين بجواز القياس والعمل به.
١١ - (ومنها): وجوب قتال مانعي الزكاة، أو الصلاة، أو غيرها من
واجبات الإسلام، قليلاً كان أو كثيراً؛ لقول أبي بكر حظره: (لو منعوني
عقالاً))، أو ((عناقاً)).
١٢ - (ومنها): جواز التمسّك بالعموم؛ لقوله: ((فإن الزكاة حقّ المال)).
١٣ - (ومنها): وجوب قتل أهل البغي.
١٤ - (ومنها): ما قيل: أن فيه وجوب الزكاة في السخال تبعاً لأمهاتها .
١٥ - (ومنها): اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول، ومناظرة
أهل العلم فيها، ورجوع من ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه.
١٦ - (ومنها): الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى
التلطّف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عائد بعد
ظهورها، فحينئذٍ يستحقّ الإغلاظ بحسب حاله.
١٧ - (ومنها): جواز الحلف على الشيء لتأكيده، وإن كان دون
استحلاف.
١٨ - (ومنها): أن الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحلّ والعقد
واحد. قاله النوويّ رحمه الله تعالى: وهو الصحيح المشهور، وخالف فيه
بعض أصحاب الأصول.
١٩ - (ومنها): أن فيه قبول توبة الزنديق، وقد تقدّم بيان الخلاف فيه.
٤٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٢٠ - (ومنها): أنه استدلّ به مالك والشافعيّ رحمهما الله تعالى، ومن
قال بقولهما على قتل تارك الصلاة، وإن كان معتقداً لوجوبها، وسيأتي تمام
البحث في ذلك في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
٢١ - (ومنها): أنه تمسّك برواية ((لو منعوني جَذَعاً)) بدل ((عَنَاقاً)) من
أجاز أخذ الْجَذَع من المعز في الزكاة إذا كانت سخالاً كلها، وهو قول
الشافعيّ، وأحد قولي مالك، وليس بالمشهور عنه، قال القرطبيّ رحمه الله
تعالى: ولا حجة في ذلك؛ لأنه خرج مخرج التقليل، فإن عادة العرب إذا
أغيت تقليل شيء ذكرت في كلامها ما لا يكون مقصوداً، كما قال
رسول الله وَ﴾: ((لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرْسَنَ شاة))، متّفقٌ عليه، وقال
أيضاً: ((ولو ظِلْفاً مُحرَقاً)) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ،
وليسا مما يُنتفع بهما، وكذلك قوله نَّه: ((من بَنَى الله مسجداً ولو كمفحص
قطاة))(١)، وذلك القدر لا يكون مسجداً، ونحو من هذا في الإغياء قول امرئ
القيس [من الطويل]:
مِنَ الْقَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ
مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإِنْبِ(٢) مِنْهَا لِأَنَّرَا
ونحوه كثير في كلامهم في التقليل والتكثير، والتعظيم والتحقير. انتهى
كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٣)، وسيأتي تمام البحث في هذا في محله من
(كتاب الزكاة)) - إن شاء الله تعالى -.
٢٢ - (ومنها): أن الحديث حجة على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ
بردّته، بل يؤخذ منه ما وجب عليه منها، فإن تاب، وإلا قُتل، وكان ماله فيئاً.
٢٣ - (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: في الحديث أن من
أظهر الإسلام أُجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسرّ الكفر في نفس الأمر،
ومحلّ الخلاف إنما هو فيمن اطْلِع على مُعتَقَده الفاسد، فأظهر الرجوع، هل
(١) رواه البيهقيّ في ((الكبرى)) ٤٣٧/٢.
(٢) بكسر فسكون: بُرْدٌ يُشَقّ، تلبسه المرأة من غير جيب، ولا كُمِّين اهـ ((القاموس))
ص ٥٦.
(٣) ((المفهم)) ١٩٠/١ - ١٩١.
٤٧٣
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
يُقبل منه، أو لا؟ وأما من جُهل أمره، فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة
عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة):
في قوله {وَله: حتى يقولوا: ((لا إله إلا الله)) فإنه يفيد منع قتل من قال:
((لا إله إلا الله))، ولو لم يزد عليه، ((محمد رسول الله)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرّد ذلك
مسلماً؟ الراجح لا، بل يجب الكفّ عن قتله حتى يُخْتَبَر، فإن شهد بالرسالة،
والتزم أحكام الإسلام حُكِم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: ((إلا
بحقّ الإسلام)).
وقال البغويّ رحمه الله تعالى: الكافر إذا كان وثنيّاً، أو ثنويّاً، لا يقرّ
بالوحدانيّة، فإذا قال: ((لا إله إلا الله)) حُكم بإسلامه، ثُمَّ يُجبر على قبول جميع
أحكام الإسلام، وأن يتبرّأ من كلّ دين يُخالف دين الإسلام، وأما من كان مقرّاً
بالوحدانيّة، منكراً للنبوّة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: ((محمد
رسول الله))، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصّة، فلا بدّ أن
يقول: ((إلى جميع الخلق))، فإن كان كفر بجحود واجب، أو استباحة محرّم،
فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: ((يجبر)) أنه إذا لم يلتزم تُجرى
عليه أحكام المرتدّ، وبه صرّح القفّال، واستدلّ بحديث الباب، فادعى أنه لم
يرد في خبر من الأخبار: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله،
وأن محمداً رسول الله))، كذا قال، وهي غفلة عظيمة، فالحديث في ((صحيحي
البخاري ومسلم)) في ((كتاب الإيمان)) من كلّ منهما، من رواية ابن عمر بلفظ:
((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله))، ويحتمل أن يكون
المراد بقول: ((لا إله إلا الله)) هنا التلفّظ بالشهادتين؛ لكونها صارت علماً على
ذلك، ويؤيّده ورودهما صريحاً في الطرق الأخرى، انتهى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من نطق بكلمة
التوحيد فقط حُكم له بحكم الإسلام، وهذا الظاهر متروك قطعاً؛ إذ لا بدّ مع
(١) ((الفتح)) ٣٤٩/١٢ - ٣٥٠.
٤٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ذلك من النطق بالشهادة بالرسالة، أو بما يدلّ عليها، لكنه سكت عن كلمة
الرسالة؛ لدلالة كلمة التوحيد عليها؛ لأنهما متلازمان، فهي مرادة قطعاً، ثم
النطق بالشهادتين يدلّ على الدخول في الدين، والتصديق بكلّ ما تضمّنه، وعلى
هذا فالنطق بالكلمة الأولى يفيد إرادة الثانية، كما يقال: قرأت ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ
﴾ [الفاتحة: ٢]، والمراد جميع السورة، ويدلّ على صحّة ما
رَبِّ الْعَلَمِينَ
قلناه الروايات الأخرى التي فيها: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا
إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة))، وفي لفظ
آخر: «أُمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما
جئتُ به))، غير أن أبا بكر وعمر لم يحضرهما في وقت المناظرة غير ذلك
اللفظ الذي ذكراه؛ إذ لو حضرهما قوله وَل﴾: ((أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا
الزكاة)) لارتفع البحث بينهما؛ لأن اللفظ نصّ في المطلوب، وأوضح في
الدلالة مما استدلّ به أبو بكر رُه من قوله: «لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة
والزكاة))، ويعني بهذا أبو بكر ربه - والله أعلم - أن الله تعالى قد سوّى بين
الصلاة والزكاة في الوجوب في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾
[البقرة: ٤٣]، وفي غيرها، فقد جمع الله تعالى بينهما في الأمر بهما، والصلاة
المأمور بها واجبة قطعاً، فالزكاة مثلها، فمن فرّق بينهما قُوتل.
ويمكن أن يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوَأْ
الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ودليل خطابها أن من لم يفعل جميع ذلك
لم يُخَلَّ سبيله، فيُقاتَلُ إلى أن يُقتَلَ أو يتوب. انتهى كلام القرطبيّ
رحمه الله تعالى (١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة):
أنه استدلّ بهذا الحديث على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ. قال
الحافظ: وتُعُقّب بأن المرتدّ كافر، والكافر لا يُطالب بالزكاة، وإنما يطالب
(١) («المفهم)) ١٨٧/١ - ١٨٨.
٤٧٥
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
بالإيمان، وليس في فعل الصدّيق حجة، لما ذكرنا، وإنما فيه قتال من منع
الزكاة، والذين تمسّكوا بأصل الإسلام، ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم
يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجّة.
وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تُغنم أموالهم، وتُسبى
ذراريّهم كالكفّار، أو لا، كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره
عمر في ذلك، وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقرّ
الإجماع عليه في حقّ من جحد شيئاً من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع،
فإن نصب القتال قوتل، وأقيمت عليه الحجة، فإن رجع، وإلا عومل معاملة
الكفار حينئذٍ، ويقال: إن أصبغ من المالكية استقرّ على القول الأول، فعُدّ من
ندرة المخالف.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يستفاد من هذه القصّة أن الحاكم
إذا أدّاه اجتهاده في أمر لا نصّ فيه إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض
المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكماً وجب عليه
العمل بما أدّاه إليه اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك؛ لأن عمر
أطاع أبا بكر ◌ًا فيما رأى من حقّ مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه، ثم عمل
في خلافته بما أدّاه إليه اجتهاده، ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم.
وهذا مما يُنبّه عليه في الاحتجاج بالإجماع السكوتيّ، فيشترط في
الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار، وهذا منها. انتهى كلام عياض
رحمه الله تعالى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يستفاد من فعل عمر عظ ته وحكمه أن
الإمام المجتهد العدل إذا أمر بأمر، أو حَكَم بحكم وجبت موافقته على ذلك،
وإن كان في رعيّته من يرى خلاف رأيه، بل يجب عليه ترك العمل والفتيا بما
عنده، وإن اعتقد صحّته، فإن عاد الأمر إليه عمل برأيه الذي كان يعتقده
صواباً، كما فعل عمر رظُبه، حيث ردّ في خلافته السبايا.
ويحصل من قضيّة الخليفتين أن سبي أولاد المرتدّين لم يكن مجمعاً
عليه، وأن عمر رَؤُه إنما وافق أبا بكر ظاهراً وباطناً على قتال الجميع لا
غير، وأما سبيُّ الذراريّ فلم يوافقه عليه باطناً، لكنه ترك العمل بما ظهر
٤٧٦
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
له، والفتيا به؛ لِمَا يجب عليه من طاعة الإمام وموافقته، فلَمّا وُلِّي عَمِلَ بما
كان عنده، هذا هو الظاهر من حال عمر ظه، ولا يجوز أن يقال: إنه قد
ظهر له من جواز السبي ما ظهر لأبي بكر، ثم تغيّر اجتهاده؛ لأن ذلك يلزم
منه خرق إجماع الصحابة ﴿ السابق، فإنهم كانوا قد أجمعوا مع أبي
بكر رُهُ على السبي، وعَمِلُوا بذلك من غير مخالفة ظهرت من أحد منهم،
ولا إنكار ظاهر، غير أنهم منقسمون في ذلك إلى من ظهر له جواز ذلك،
فسكت لذلك، ومنهم من ظهر له خلاف ذلك، فسكت بحكم ترجيح قول
الإمام العدل المجتهد على رأيه، ولوجوب اتّباع الإمام على ما يراه، والعمل
به، فإذا فُقد ذلك الإمام، تعيّن على ذلك المجتهد أن يعمل على ما كان قد
ظهر له، لكن بعد تجديد النظر، لا أنه يعتمد على ذلك الرأي الأول من
غير إعادة البحث ثانيةً؛ لإمكان التغيّر على ما بُيّن في محلّه من ((أصول
الفقه)» .
وقد حكى بعض الناس أن الإجماع انعقد بعد أبي بكر تظله على أن
المرتدّ لا يُسبَى، وليس ذلك بصحيح؛ لوجود الخلاف في ذلك، كما حكيناه
عن أصبغ، ولأنه يؤدّي إلى تناقض الإجماعين، وهو محالٌ، كما يُعرف في
((الأصول))، ولَمّا اعتقد بعض الأصوليين في هذه المسألة إجماعين متناقضين،
رأى أن الْمَخْلَص من ذلك اشتراط انقراض العصر في صحّة الإجماع، فلم
ينعقد عند هذا القائل فيها إجماع أوّلاً وآخراً؛ لأن عصر الصحابة لم يكن
انقرض في زمان عمر قائه.
قال القرطبيّ: واشتراط انقراض العصر في دلالة الإجماع باطلٌ؛ لأنه
زيادة شرط في دلالات الإجماع الصحيحة من غير أن يشهد لتلك الزيادة عقلٌ
ولا نقلٌ، والصحيح من هذه المسألة أنه لا إجماع فيها أوّلاً ولا آخراً؛
الإضمار الخلاف فيها في عصر أبي بكر ◌ُه، والتصريح به بعده(١). انتهى
كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((المفهم)) ١٨٦/١ - ١٨٧.
٤٧٧
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحُّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٣)
[١٣٣] (٢١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ
عِيسَى، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ:
أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِهِ قَالَّ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَائِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّ اللّهُ،
فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّ اللّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللّهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقة [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) ٢ / ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران، أبو حفص التُّجيبيّ(١)
المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٢٤٣) (م س ق) ١٤/٢).
٣ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان، أبو عبد الله العسكريّ المصريّ،
المعروف بابن التُّسْتَرِيّ(٢)، صدوقٌ، تُكُلِّم في بعض سماعاته بلا حجة [١٠]
(ت٢٤٣) (خ م س ق).
رَوَى عن ابن وهب، والمفضل بن فَضَالة، وضِمَام بن إسماعيل وغيرهم.
وَرَوى عنه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو
حاتم، وعبد الله بن أحمد، وحنبل بن إسحاق، وإبراهيم الحربيّ، وإسماعيل
القاضي، وحرب الكرماني، وابن الضُّرَيس، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال أبو داود: كان ابن معين يَحْلف أنه كذّاب، وقال أبو حاتم: تكلم
الناس فيه، قيل لي بمصر: إنه قَدِمَها، واشترى كُتُب ابن وهب، وكتاب
الْمُفَضَّل بن فَضَالة، ثم قَدِمتُ بغداد، فسألت هل يحدث عن المفضل؟ فقالوا:
(١) قال الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى: في ((صيانة صحيح مسلم)) ١/ ١٧٠ :
حرملة بن يحيى شيخ مسلم، منسوب إلى تُجِيب، قبيلة من كِنْدة - بضم التاء المثناة
من فوق في قوله، وتفتح أيضاً - وبالضم هو عند أصحاب الحديث، وكثيرٍ من
الأدباء، ولم يُجِز فيه بعضهم إلا الفتح، وليس ذلك بالقويّ، وحرملة هذا هو صاحب
الشافعي الذي يذكره أصحابه في مصنفاتهم. والله تعالى أعلم. انتهى كلامه.
(٢) بضم أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه.
٤٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية عن ابن وهب، والرواية عن المفضل لا
يستويان. وقال سعيد بن عَمْرو الْبَرْدعيّ: أنكر أبو زرعة على مسلم روايته عن
أحمد بن عيسى في ((الصحيح))، قال سعيد: قال لي: ما رأيت أهل مصر
يَشُكُون في أنه، وأشار إلى لسانه، كأنه يقول الكذب. وقال الخطيب: ما رأيت
لمن تكلم فيه حجةً توجب ترك الاحتجاج بحديثه.
قال الحافظ: إنما أنكروا عليه ادّعاء السماع، ولم يُتَّهَم بالوضع، وليس
في حديثه شيء من المناكير. والله أعلم.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال النسائيّ: أحمد بن عيسى كان
بالْعَسْكَر ليس به بأس، وقال البغويّ، وابن قانع، وابن يونس: مات
سنة (٢٤٣).
روى عنه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب
(٣٤) حديثاً .
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو
محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد فقيه [٩] ١٩٧ (ع) ٢/ ١٠.
٥ - (يُونُسُ(١)) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم،
ثقة، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) ٢ / ١٤.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ(٢)) بن حَزْن بن أبي وَهْب القرشيّ المخزوميّ،
أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، من كبار [٣] بعد التسعين، وقد ناهز
الثمانين (ع) ٧٠/٤.
والباقيان تقدّما في السند السابق، وكذا شرح الحديث، والمسائل
المتعلّقة به .
(١) فيه ستة أوجه: ضمّ النون، وكسرها، وفتحها، مع الهمز وتركه. ((شرح النوويّ))
٢٠٠/١.
(٢) قوله: ((ابن المسيِّبِ)) اشتهر أنه بفتح الياء المشدّدة، لكن الأولى كسرها؛ لأنه كان
يَكْرَهُ الفتح، بل قيل: إنه دعا على من فتحه، كما سبق بيان ذلك في ((شرح
المقدّمة)».
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٤)
٤٧٩
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة نظريته هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه.
أخرجه (المصنف) هنا [١٣٣/٨] (٢١) و(البخاري) في ((الجهاد)) ٥٨/٤
(٢٩٤٦)، و(النسائيّ) في ((الجهاد)) ٤/٦ (٤٢٩٨) وفي ((المحاربة)) (٣٤٣٤)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي
الدَّرَاوَرْدِنَّ - عَنِ الْعَلَاءِ. (ح) وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ - واللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَيْع، حَدَّثَنَا رَوٌْ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيَّرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ
لَا إِلَّهَ إِلَّ اللّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ(١) الضَّبِّيُّ) أَبو عبد الله البصريّ، ثقة رُمي بالنصب
[١٠] (ت٢٤٥) (م٤) ١ / ١٠٢.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هُوَ: عَبد العزيز بن محمد بن عُبيد بن أبي
عُبيد الْجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، وكان يُحدّث من كُتُب غيره
فيُخطئ، قال النسائيّ: منكر الحديث عن عبيد الله العمريّ [٨].
رَوَى عن زيد بن أسلم، وشريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، ويحيى بن
سعيد الأنصاريّ، وهشام بن عروة، وعمرو بن أبي عمرو، وثور بن زيد
الدِّيليّ، وحميد الطويل، وجعفر الصادق، والحارث بن فُضَيل، والعلاء بن
عبد الرحمن، وغيرهم.
وَرَوَى عنه شعبة، والثوريّ، وهما أكبر منه، وابن إسحاق، وهو من
(١) بسكون الموحّدة.
٤٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
شيوخه، والشافعيّ، وابن مهديّ، وابن وهب، ووكيع، وداود بن عبد الله
الْجَعْفري، وعبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، والقعنبيّ، وأصبغ بن الْفَرَج، وبشر بن
الحكم، وسعيد بن منصور، والحميديّ، وإبراهيم بن حمزة، وهارون بن
معروف، وغيرهم.
قال مصعب الزبيريّ: كان مالك يوثق الدَّرَاورديّ. وقال أحمد بن حنبل:
كان معروفاً بالطلب، وإذا حَدَّث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كُتُب
الناس وَهِمَ، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ، وربما قَلَب حديث عبد الله بن عمر
يرويها عن عبيد الله بن عمر.
وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: الدَّراورديّ أثبت من فُلَيح، وابن أبي
الزناد، وأبي أويس.
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أحمد بن أبي
مريم، عن ابن معين: ثقة حجة. وقال أبو زرعة: سيء الحفظ، رُبَّما حَدَّث من
حفظه الشيء فيخطئ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن يوسف بن الماجشون،
والدَّراورديّ؟ فقال: عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ، وقال النسائيّ: ليس
بالقويّ، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر.
وقال العجليّ: ثقة. وقال الساجيّ: كان من أهل الصدق والأمانة، إلا أنه كثير
الوَهَم، قال: وقال أحمد: حاتم بن إسماعيل أحب إليّ منه، وقال عمرو بن عليّ:
حَدَّث عنه ابن مهديّ حديثاً واحداً. وقال الزبير: حدثني عياش بن المغيرة بن
عبد الرحمن: جاء الدَّراورديّ إلى أبي يَعْرِض عليه الحديث، فجَعَل يَلْحَن لَحْناً
منكراً، فقال له أبي: ويحك إنك كنت إلى لسانك أحوج منك إلى هذا.
وقال ابن سعد: وُلد بالمدينة، ونشأ بها، وسمع بها العلم والأحاديث،
ولم يزل بها حتى توفي سنة (١٨٧)، وكان ثقةً، كثير الحديث، يَغْلَط.
وَحَكَى البخاريّ أنه مات سنة (٨٩) وجزم به ابن قانع، والْقَرّاب، وقال
ابن حبان في ((الثقات)): مات في صفر سنة (٨٦) وكان يخطئ، قال: وقد
قيل: إنه تُوُقّي سنة (٨٢) انتهى.
أخرج له الجماعة، روى له البخاري مقروناً بغيره، وله في هذا الكتاب
(٧٧) حديثاً .