Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
ونفائسها، حذّره من ذلك نظراً لأرباب الأموال، ورفقاً بهم، وكذلك أيضاً لا
يأخذ من شرار المال، ولا معيبه؛ نظراً للفقراء، فلو طابت نفس ربّ المال
بشيء من كرائم أمواله جاز للمصدّق أخذها منه، ولو أن المصدّق رأى أن
يأخذ معيبةً على وجه النظرة لمصلحة الفقراء جاز. قاله القرطبيّ
رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
[هود: ٨٨].
(٨) - (بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ)
وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال:
[١٣٢] (٢٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ
الزّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ،
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ:
(أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّ اللّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّ اللّهُ، فَقَدْ
عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللّهِ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللّهِ لَأُقَاتِلَنَّ
مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا
يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللّهِ مَا
هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللّهَ وَّنَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بْن جَميل الثقَفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلَانيّ، يقال: اسمه
يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) ٤٩/٤.
٢ - (لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْفَهْمِيّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
(١) ((المفهم)) ١٨٣/١ - ١٨٤.

٤٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فقيهٌ، إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٣٩٧/٢ - ٣٩٨.
٣ - (عُقَيْل) بضم المهملة، مصغّراً - ابن خالد بن عَقِيل - بالفتح(١)
- الأيليّ - بفتح الهمزة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم لام - أبو خالد الأمويّ مولى
عثمان، ثقة ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦].
رَوَى عن أبيه، وعمه زياد، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، والحسن،
وسعيد بن أبي سعيد الخدريّ، وسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وسلمة بن
کھیل، والزهريّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إبراهيم، وابن أخيه سلامة بن رَوْح، والمفضل بن فَضَالة،
والليث بن سعد، وابن لَهِيعة، وجابر بن إسماعيل، وسعيد بن أبي أيوب،
ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، وحدث عنه يونس بن يزيد الأَيْلِيّ، وهو من
أقرانه، وغيرهم.
قال أحمد، ومحمد بن سعد، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن معين: أثبت مَن
رَوَى عن الزهري مالك، ثم معمر، ثم عُقيل، وعن ابن معين في رواية
الدُّوريّ: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ويونس، وعُقيل، وشُعيب،
وسفيان. وفي رواية ابن أبي مريم عن ابن معين: عُقيل ثقة حجة، وقال
عبد الله بن أحمد ذُكِرَ عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عُقيل، وإبراهيم بن
سعد، كأنه يضعفهما، فقال: وأَيُّ شيء هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرْهم. وقال
العجليّ: أيْلِيّ ثقة. وقال البخاريّ: قال عليّ، عن ابن عيينة، عن زياد بن
سعد: كان عُقيل يحفظ. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العقيليّ:
صدوق، تَفَرَّد عن الزهري بأحاديث، قيل: لم يَسمَع من الزهريّ شيئاً إنما هو
مناولة .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ضُعْفُ هذا القول مما لا يخفى على
بصير، فإن سماع عُقيل من الزهريّ ظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال إسحاق بن راهويه: عُقيل حافظ، ويونس صاحب كتاب. وقال أبو
(١) قال في ((تهذيب التهذيب)) ١٣٠/٣: اسم جدّه عَقِيل بفتح العين، وكسر القاف،
بخلاف هو فإنه بالضم. انتهى.

٤٤٣
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
زرعة: صدوق ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: عُقيل أحب إليك أم
يونس؟ قال: عُقيل أحب إليّ، لا بأس به، قال: وسئل أبي: أيما أثبت، عُقيل
أو معمر؟ فقال: عُقيل أثبت، كان صاحب كتاب، وكان الزهري يكون بأيلةً،
وللزهري هناك ضَيعة، وكان يكتب عنه هناك.
قال المَاحِشُون: كان عُقيل شُرْطياً عندنا بالمدينة، ومات بمصر سنة
(١٤١)، وقال محمد بن عُزَيز الأيليّ: مات سنة (١٤٢)، وقال ابن السَّرْح عن
خاله: مات سنة (١٤٤)، وفيها أَرَّخه ابن يونس.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثاً.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحافظ الحجة
الثبت، من رؤوس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) ٣٥٣/١ - ٣٥٤.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) أبو عبد الله المدنيّ، ثقة
ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) ٢/ ١٤.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رُله الصحابيّ المشهور المتوفّى سنة (٥٩) وقيل: غير
ذلك (ع) ١/ ٢.
٧ - (عمر) بن الخطّاب الخليفة الثاني
رض ◌ُله استُشهد في ذي الحجة سنة
(٢٣) (ع) ٢/ ٩.
٨ - (أبو بكر) بن أبي قُحَافة الصّدّيق، عبد الله بن عثمان بن عامر بن
عَمْرو بن كعب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ القرشيّ التيميّ، خليفة
رسول الله وَّ، وصاحبه في الغار، وقيل: اسمه عَتيق، وأمه أُمُّ الخير، سَلْمَى
بنت صَخْر بن عامر بن كعب، ابنة عمّ أبيه، وقد أسلم أبواه، وُلد بعد الفيل
بسنتين وستة أشهر.
أخرج ابن الْبَرْقِيّ من حديث عائشة تذاكر رسول الله وَله وأبو بكر
ميلادهما عندي، فكان النبيّ وَ ﴿ أكبر، وصَحِبَ النبيّ وَّهِ قبل البعثة، وسَبَقَ
إلى الإيمان به، واستَمَرَّ معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار،
وفي المشاهد كُلُّها، إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحَجَّ في
الناس في حياة رسول الله وَّ سنة تسع، واستَقَرّ خليفة في الأرض بعده، ولَقْبَه
المسلمون خليفة رسول الله والله .

٤٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
روى عن النبيّ وَّ، وعنه عمر، وعثمان، وعليّ، وعبد الرحمن بن
عوف، وزيد بن ثابت، وأولاده: عبد الرحمن، وعائشة، ومحمد، وابن
عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعقبة بن الحارث
النَّوْفَلِيُّ، وأنس، وجابر، والبراء، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وأبو
عبد الله الصُّنَابحيّ، وأسلم مولى عمر، وأوسط البجليّ، وقيس بن أبي حازم،
وطارق بن شهاب، وأبو الطفيل، وجماعة.
قال سعيد بن منصور: حدّثني صالح بن موسى، حدثنا معاوية بن
إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ينا قالت: اسم أبي
بكر الذي سماه به أهله عبد الله، ولكن غَلَب عليه اسم عتيق.
وفي ((المعرفة)) لابن منده: كان أبيض نَحيفاً خَفيف العارضين، معروق
الوجه، ناتئ الجبهة، يَخضِب بالحناء والكتم.
وقد ذكر ابن سعد عن الواقديّ، وأسنده الزبير بن بكّار عنه، بسند له إلى
عائشة، وأخرج ابن أبي الدنيا عن الزهريّ: كان أبيض لَطِيفاً جَعْداً، مُشرِف
الْوَرِکین.
وأخرج أبو يعلى، عن سُويد بن غَفَلة، عن صالح بن موسى بهذا السند
إلى عائشة، قالت: كان رسول الله وَ﴾ وأصحابه بفناء البيت، إذ جاء أبو بكر،
فقال النبيّ وَّ: ((من سَرَّه أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر))،
فغلب عليه اسم عتيق(١).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن محمد بن سيرين، قال: كان اسم أبي
بكر عتيق بن عثمان، وأخرج ابن سعد، وابن أبي الدنيا من طريق ابن أبي مليكة:
كان اسم أبي بكر عبد الله، وإنما كان عَتيقٌ لَقَباً، وفي ((المعرفة)) لأبي نعيم من طريق
الليث سُمِّي أبو بكر عَتيقاً لجماله، وذكر عباس الدُّوريّ عن يحيى بن جعفر نحوه.
وفي ((تاريخ الفضل بن دكين)) سُمِّي عتيقاً؛ لأنه قديم في الخير، وقال
الفلاس في ((تاريخه)): سُمّ عتيقاً لعتاقة وجهه.
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) وقال: صحيح الإسناد، وتعقّبه الذهبيّ، وقال:
صالح ضعّفوه، والسند إليه مظلم.

٤٤٥
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
قال ابن إسحاق: كان أنسب العرب. وقال العجليّ: كان أعلم قريش
بأنسابها. وقال ابن إسحاق في ((السيرة الكبرى)): كان أبو بكر رجلاً مُؤَلَّفاً (١)
لقومه، مُحَبَّباً سَهْلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من
خير أو شر، وكان تاجراً ذا خُلُق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه،
وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وَثِقَ به، فأسلم على يديه
عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وفي تاريخ محمد بن
عثمان بن أبي شيبة، عن سالم بن أبي الْجَعْد، قلت لمحمد بن الحنفية: لأيّ
شيء قُدِّم أبو بكر حتى لا يُذكرَ فيهم غيره؟ قال: لأنه كان أفضلَهم إسلاماً حين
أسلم، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله، وأخرج أبو داود في ((الزهد)) بسند
صحيح عن هشام بن عروة، أخبرني أبي قال: أسلم أبو بكر، وله أربعون ألف
درهم، قال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات، وما ترك ديناراً ولا درهماً. وقال
يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)): حدثنا الْحُمَيْدِيّ، حدثنا سفيان، حدثنا هشام،
عن أبيه: أسلم أبو بكر، وله أربعون ألفاً، فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعةً
كلهم يُعَذَّب في الله، أعتق بلالاً، وعامر بن فُهَيرة، وَزُنَّيْرَةٍ(٢)، والنهدية،
وابنتها، وجاريةَ بني المؤمل، وأم ◌ُبيس، وأخرج الدارقطني في ((الأفراد)) من
طريق أبي إسحاق، عن أبي يحيى، قال: لا أُحصي كم سمعت علياً يقول على
المنبر: إن الله رَكْ سَمَّى أبا بكر على لسان نبيه وَّهِ صِدِّيقاً.
ومن أعظم مناقبه رُّه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ
أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا
تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا
نزاع، ولا يُعتَرضُ بأنه لم يتعين؛ لأنه كان مع النبيّ وَّ في الهجرة عامر بن
فُهَيرة، وعبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن أُرَيقط الدَّلِيل؛ لأنا نقول: لم
يصحبه في الغار سوى أبي بكر رقُه؛ لأن عبد الله بن أبي بكر استَمَرَّ بمكة،
(١) هكذا النسخة، ولعله ((مألوفاً)).
(٢) ضبطها في ((الإصابة)) بكسر أولها، وتشديد النون المكسورة، بعدها تحتانية
ساكنة. اهـ ٨ / ١٥٠.

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وكذا عامر بن فُهيرة، وإن كان ترددهما إليهما مدة لُبثهما في الغار استمرت،
لعبد الله من أجل الإخبار بما وقع بعدهما، وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من
الشياه، والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك، كما
في نفس الخبر، وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك، وثبت في ((الصحيحين)) من
حديث أنس رظنه أن النبي وَ لّ قال لأبي بكر، وهما في الغار: ((ما ظنك باثنين
الله ثالثهما))، والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يَشْرَكه
في هذه المنقبة غيره. وعند أحمد من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي تميم:
أن النبيّ وَّه قال لأبي بكر وعمر: ((لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما)). وفي
((الصحيح)) عن عمرو بن العاص، قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أحب إليك؟
قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ فذكر رجالاً،
وأخرج الترمذيّ، والبغويّ، والبزار، جميعاً عن أبي سعيد الأشجّ، عن عقبة بن
خالد، عن شعبة، عن الْجُرَيريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال:
قال أبو بكر: ((ألست أوّلَ من أسلم، ألست أحقَّ بهذا الأمر، ألست كذا،
ألست كذا))، رجاله ثقات، لكن قال الترمذي والبزار: تفرد به عقبة بن خالد،
ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، فلم يذكر أبا سعيد، قال الترمذيّ:
وهو أصح. وأخرج البغويّ من طريق يوسف بن الماجشون: أدركت مَشيختنا:
ابن المنكدر، وربيعة، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أن أبا
بكر أولُ القوم إسلاماً. وأخرج البغوي بسند جيد عن جعفر بن محمد الصادق،
عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: وَلِيَنَا أبو بكر، فخير خليفة، أرحم بنا،
وأحناه علينا. وقال إبراهيم النخعي: كان يُسَمَّى الأوّاه لرأفته. وقال ميمون بن
مِهْران: لقد آمن أبو بكر بالنبيّ وَِّ من زمن بَحِيراء الراهب واخْتَلَفَ بينه وبين
خديجة حتى تزوجها، وذلك قبل أن يولد عليّ رظُه. وقال أبو أحمد
العسكريّ: كانت إليه الْأَشْنَاق في الجاهلية، وهي الديات، كان إذا حَمَلَ
شيئاً، فسأل فيه قريشاً صَدَّقُوه، وأمضوا حمالته، وإن احتملها غيره لم
يُصَدِّقُوه، وخَذَلُوه، وذَكَرَ ابن سعد، عن ابن شهاب، أن أبا بكر، والحارث بن
كَلَدَة أكلا حَرِيرةً أُهديت لأبي بكر، فقال الحارث وكان طبيباً: ارفع يدك، والله
إن فيها لَسُمَّ سنة، فلم يزالا عَلِيلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد.

٤٤٧
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
ومن أعظم مناقب أبي بكر ظ نه أن ابن الدَّغِنَة سيد القارة لَمّا رَدّ إليه
جواره بمكة، وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبيّ وَّ لَمّا بُعِثَ فتواردا
فيهما على نعت واحد، من غير أن يتواطاً على ذلك، وهذا غاية في مدحه؛
لأن صفات النبيّ وَلّ منذ نشأ كانت أكمل الصفات.
وقد أطنب أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة الصديق رضيينه
حتى إن ترجمته
في (تاريخه)) على كبره تجيء قدر ثمن عشره، وهو مجلد من ثمانين مجدداً.
وَلِيَ الخلافة بعد النبيّ وَّه سنتين وشيئاً، وقيل: عشرين شهراً، تُؤُفّي يوم
الاثنين في جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث
وستين سنة، وصلى عليه عُمَر، ودُفِن مع رسول الله وَلَ(١).
أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٤٢) حديثاً(٢)، وله في هذا
الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٢٠) و(١٧٥٧) و(١٧٥٩) وأعاده، و(٢٠٠٩)
وكرده ثلاث مرات، و(٢٣٨١) و(٢٧٠٥) والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه بغلاني، نسبة
إلى بَغْلان قرية من قرى بَلْخَ، والباقيان مصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن الصحابيين الخليفتين الراشدين،
من العشرة المبشرين بالجنة ظه، ورواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة،
المجموعين في قول بعضهم [من الطويل]:
مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ
(١) راجع: ((الإصابة)) ١٤٤/٤ - ١٥٠ و(تهذيب التهذيب)) ٣٨٣/٢ - ٣٨٤.
(٢) وفي ((كتاب ابن الجوزيّ)) له (١٤٢) حديثاً، اتّفقا على ستة، وانفرد البخاريّ بأحد
عشر حديثاً، ومسلم بحديث.

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة بظلاله أحفظ من روى الحديث في دهره،
روى (٥٣٧٤) حديثاً .
وقد تقدّم بيان بعض هذه اللطائف، وإنما أعدته تذكيراً وتقريباً. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّه أنه (قَالَ) هكذا رواه الأكثر عن الزهري بهذا
السند، على أنه من رواية أبي هريرة، عن عمر، وعن أبي بكر ﴿ه، وقال
يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة أخبره أن
رسول الله وسلم قال: ((أُمِرت أن أقاتل الناس ... )) الحديث، فساقه على أنه من
مسند أبي هريرة ربه ولم يذكر أبا بكر ولا عمر، أخرجه مسلم بعد هذا
الحديث، وهو محمول على أن أبا هريرة رائه سمع أصل الحديث من
النبيّ ◌َّ، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر ظ﴿ه، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء
عن أبي هريرة ◌َظته، عن النبيّ وَ﴿ بلا واسطة من طُرُق، فأخرجه مسلم من
طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، ومن طريق أبي صالح
ذكوان، كلاهما عن أبي هريرة، وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الْعَنْبَس،
سعيد بن كثير بن عُبيد، عن أبيه، وأخرجه أحمد من طريق هَمّام بن مُنَبِّه،
ورواه مالك خارج ((الموطا)) عن أبي الزناد، عن الأعرج، وذكره ابن منده في
((كتاب الإيمان)) من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة، كلهم عن أبي هريرة،
ورواه عن النبيّ وَ ﴿ أيضاً ابنُ عمر، وجابر، وطارقٌ الأشجعيّ، كما سيأتي عند
المصنّف بعد هذا، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، من حديث أنس نظُّه،
وأصله عند البخاريّ في أوائل الصلاة من ((صحيحه))، وأخرجه الطبرانيّ من
وجه آخر عن أنس ظُه، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال:
((عن أنس، عن أبي بكر))، وأخرجه البزار من حديث النعمان بن بشير .
ـا،
رضعة
وأخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد، وابن عباس، وجرير البجليّ
،
وفي الأوسط)) من حديث سمرة ظُه، وسأذكر ما في روايات هؤلاء من الفوائد

٤٤٩
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُؤَخِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
الزائدة في مواضعها - إن شاء الله تعالى(١).
(لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) فعلٌ ونائب فاعله، أي مات، والوفاة:
الموت، وتوفّاه الله: قبض روحه، قاله في ((القاموس)) (٢).
وقال في ((اللسان)): الوفاة: المنيّةُ، وتُؤُفِّيَ فلانٌ، وَتَوَفَّاه الله: إذا قبض
نفسه، قال: وتَوَفِّي الميتِ: استيفاء مدّته التي وُفِيَت له، وعددَ أيامه وشُهُوره
وأعوامه في الدنيا. انتهى(٣).
وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) عند قوله تعالى:
◌ْوَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]: قراءة الجمهور ﴿يُتَوَفَوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤]
مبنيّاً لما لم يُسمّ فاعله، وقرأ أمير المؤمنين - يعني علياً تَظ ◌ُبه - ورواها المفضّل
عن عاصم بفتح الياء على بنائه للفاعل، ومعناها: يستوفُون آجالهم، قاله أبو
القاسم الزمخشريّ، والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلفَ جنازة، فقال له
رجلٌ: مَن المتَوَفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله، وكان أحد الأسباب الباعثة
لعليّ رَظُه على أن أمره بوضع كتابٍ في النحو، وهذا تناقضه هذه القراءة،
انتهى كلام السمين (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى هذا يجوز أن يُقرأ ((تَوَفَّى)) بفتح
التاء، مبنيّاً للفاعل، ويكون ((رسول الله وَ لَ)) مرفوعاً على الفاعليّة، وهذا على
تقدير صحة الرواية به، وإلا فالرواية على الوجه الأول متّبعة. والله تعالى أعلم.
(وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ) ببناء الفعل للمفعول، أي صار خليفةً (بَعْدَهُ) أي بعد
رسول الله وَّ في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ
مِنَ الْعَرَبِ) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: ((لما تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ نَّوَ ارتدّ عامّة
العرب))، وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: لَمّا قُبض رسول الله وَّ ارتدّت
العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جُوَاثًا (٥).
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٤٦/١٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٢٠٨ - ١٢٠٩. (٣) ((لسان العرب)) ٤٠٠/١٥.
(٤) ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)) ٤٧٨/٢.
(٥) راجع: ((المفهم)) ١٨٥/١.

٤٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وقال الطيبيّ: قوله: وكفر من كفر: يريد غَطَفَان، وفَزَارة، وبني سُلَیم،
وبني يربوع، وبعض بني تميم، وغيرهم منعوا الزكاة، فأراد أبو بكر ظُله أن
يقاتلهم، فاعترضه عمر ◌ُله بقوله: ((كيف تقاتل الناس ... ))(١).
وقال أبو محمد بن حزم في ((الملل والنحل)): انقسمت العرب بعد موت
النبيّ ◌َّ على أربعة أقسام:
طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور.
وطائفة بقيت على الإسلام أيضاً، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا
الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى.
والثالثة أعلنت بالكفر، والردّة كأصحاب طُلَيحة، وسَجَاح، وهم قليل
بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كلّ قبيلة من يقاوم من ارتدّ.
وطائفة توقّفت، فلم تُطع أحداً من الطوائف الثلاثة، وتربّصوا لمن تكون
الغلبة، فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز، ومن معه غلبوا على بلاد
الأسود، وقتلوه، وقُتل مسيلمة باليمامة، وعاد طليحة إلى الإسلام، وكذا
سَجَاح، ورجع غالب من كان ارتدّ إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحولُ إلا والجميع
قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد انتهى (٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: كان أهل الرّة ثلاثة أصناف:
صنف كفر بَعْدَ إسلامه، ولم يلتزم شيئاً، وعاد لجاهليّته، واتّبَعَ مسيلمة
الكذّاب، والأسودَ الْعَنسيّ، وصدّق بهما، وكان كلّ منهما ادَّعَى النبوّة قبل
موت النبيّ وََّ، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ
أهلُ صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِلَ الأسودُ قبل موت النبيّ وَّ بقليل، وبقي
بعض من آمن به، فقاتلهم عمال النبيّ ◌َّ في خلافة أبي بكر ◌َُّته، وأما
مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه.
وصنفٌ أقرّ بالإسلام إلا الزكاة، فجحدها، وتأوّل بعضهم أن ذلك كان
خاصّاً للنبيّ وَّرَ؛ لقولِه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا وَصَلِّ
[التوبة: ١٠٣].
عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيهُ
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٨٤/٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٤٥/١٢ - ٣٤٦.

٤٥١
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
وصنفٌ اعترف بوجوبها، ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر نظُبه، فقال:
إنما قَبْضُها للنبيِّ نََّ خاصّةً، لا لغيره، وفرّقوا صدقاتهم بأيديهم، فرأى أبو بكر
ـيّ قتال جميعهم: الصنفان الأولان لكفرهم، والثالث لامتناعهم.
والصحابة
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا الصنف الثالث هم الذين أشكل
أمرهم على عمر رضيه، فباحَثَ أبا بكر رَظُه في ذلك حتى ظهر له الحقّ الذي
كان ظاهراً لأبي بكر ظبه فوافقه على ذلك، ولذلك قال: ((فوالله ما هو إلا أن
رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحقّ)): أي ظهر له من
الدليل، وحَصَل له من ثَلَج الصدر(١)، وانشراحه لذلك مثلُ الذي حصل لأبي
بكر نظرته، لا أنه قلّده، واتّبعه بعد ظهور الدليل؛ لأن التقليد لا ينشرح به
الصدر، ولا يُعرف به الحقّ، ولأنه لا يجوز لمجتهد أن يقلّد مجتهداً عند تمكّنه
من الاجتهاد، كما بُيّن في محلّه من أصول الفقه.
ثم إن أبا بكر رُّه قاتل جميع المرتدّين الثلاثة الأصناف، وسَبَى
ذراريّهم، قال القاضي: وَحَكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلما تُوفّي أبو
بكر ربه، ووُلي عمر ◌َظَلُبه ردّ عليهم سبيهم، وحكم عليهم بحكم المرتدّین،
وكان أبو بكر ظُه يرى سَبْيَ أولاد المرتدّين، وبذلك قال أصبغ بن الفرج من
المالكيّة، وكان عمر ظُه يرى أنهم لا يُسبَوْن، ولذلك رَدَّ سَبيهم، وبهذا قال
جمهور العلماء، وأئمة الفتوى(٢).
وقد ذكر الإمام الخطابيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((معالم السنن)): في
شرح هذا الكلام(٣) كلاماً حسناً، لا بُدّ من ذكره؛ لما فيه من الفوائد.
قال رحمه الله تعالى: مما يجب تقديمه في هذا أن يُعْلَمَ أن أهل الرّدّة كانوا
صنفين: صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى الكفر، وهم الذين
(١) قال في ((المصباح)) ٨٣/١: ثَلَجَتِ النفوس ثُلُوجاً وثَلَجاً، من بابي فَعَدَ وتَعِبَ:
اطمأنت. انتهى.
(٢) ((إكمال المعلم)) ١٩٥/١ - ٢٠٠ و((المفهم)) ١٨٥/١ - ١٨٦.
(٣) يعني قوله: ((لَمّا تُوفّ رسول الله وَّل، واستُخلف أبو بكر ◌َظُه بعده، وكَفَرَ من كفر
من العرب)).

٤٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عناهم أبو هريرة حظه بقوله: ((وكَفَرَ من كفر من العرب))، وهذه الفرقة طائفتان.
إحداهما: أصحاب مسيلمة، من بني حنيفة وغيرهم الذين صَدّقوه على
دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسيّ، ومن كان من مستجيبيه، من أهل
اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبيّنا محمد مرَّله، مُدّعية النبوة
لغيره، فقاتلهم أبو بكر ظُه حتى قَتَلَ الله مسيلمة باليمامة، والعنسيّ بصنعاء،
وانفضت جموعهم، وهلك أكثرهم.
والطائفة الأخرى ارتدُّوا عن الدين، وأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة
والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادُوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم
يكن يُسْجَدُ لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة،
ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين، في قرية يقال لها جُوَاثا،
ففي ذلك يقول الأعور الشنّ(١) يفتخر بذلك [من البسيط]:
وَالْمِنْبَرَانِ وَفَصْلُ الْقَوْلِ فِي الْخُطَبِ
وَالْمَسْجِدُ الثَّالِثُ الشَّرْقِيُّ كَانَ لَنَا
أَيَّامَ لَا مِنْبَرٌ لِلنَّاسِ نَعْرِفُهُ إِلَّا بِطَيْبَةَ وَالْمَحْجُوجِ ذِي الْحُجُبِ
وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم، من الأزد محصورينَ بِجُوَانًا إلى أن
فتح الله على على المسلمين اليمامة، فقال بعضهم، وهو رجل من بني أبي
بكر بن كلاب، يَستنجِد أبا بكر الصديق
ـه [من الوافر]:
وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولاً
فَعُودٍ فِي جُوَاثَا مُحْصَرِينَا
فَهَلْ لَكُمُ إِلَى قَوْمِ كِرَامِ
دِمَاءُ الْبُدْنِ تُغْشِي النَّاظِرِينَا
كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ فِي كُلِّ فَجِّ
وَجَدْنَا النَّصْرَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا
تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمُنِ إِنَّا
والصنف الآخر هم الذين فَرَّقُوا بين الصلاة والزكاة، فأقرُّوا بالصلاة،
وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل
بغي، وإنما لم يُدْعَوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصاً؛ لدخولهم في غمار
أهلَ الرِّدَّة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة؛ إذ كانت أعظم الأمرين
(١) هكذا في نسخة شرح النووي، والذي في نسخة ((معالم السنن)) للخطابيّ ((الترينيّ))
فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٤٥٣
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
وأهمهما، وأُرِّخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب نظرته؛ إذ كانوا
منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء
المانعين للزكاة، من كان يَسْمَح بالزكاة، ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم
عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يَرْبُوع، فإنهم قد جمعوا
صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر ظُه، فمنعهم مالك بن نُوَيرة عن
ذلك، وفرَّقها فيهم، وقال في شعر له [من الطويل]:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ مُصَرَّرَةٌ أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ
وَأَرْهَنُكُمْ يَوْماً بِمَا قُلْتُهُ يَدِي
سَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَتَّقُونَهُ
وقال بعض شُعرائهم، ممن سلك هذه الطريقة في منع الزكاة، يُحَرِّض
قومه، ويأمرُهُم على قتال من طالبهم بها [من الطويل]:
فَيَا عَجَباً مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرٍ؟
أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ مَا دَامَ بَيْنَنَا
لَكَالثَّمْرٍ أَوْ أَحْلَى لَدَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ
وَإِنَّ الَّذِي سَالُكُمُ(١) فَمَنَعْتُمُ
كِرَاماً عَلَى الْعَزَّاءِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ
سَنَمْنَعُهُمْ مَا دَامَ فِينَا بَقِيَّةٌ
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وفي أمر هؤلاء عَرَضَ الخلافُ، ووقعت
الشبهة لعمر به، فراجع أبا بكر رَظله، وناظره، واحتج عليه بقول النبيّ وَّ:
((أُمِرتُ أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله،
فقد عَصَمَ نفسه وماله))، وكان هذا من عمر ظُه تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن
ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر ظه: إن الزكاة حق المال،
يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم
المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخر معدوم، ثم قايَسَهُ بالصلاة، ورد
الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان
إجماعاً من الصحابة ﴿ه، لذلك رَدَّ الْمُخْتَلَفَ فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في
هذه القضية الاحتجاج من عمر مظلته بالعموم، ومن أبي بكر رظُله بالقياس،
ودَلَّ ذلك على أن العموم يُخَصُّ بالقياس، وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد
في الحكم الواحد، من شرط، واستثناءٍ مُرَاعًى فيه، ومُعْتَبرُ صحَّتُهُ به، فلَمّا
(١) قوله: ((سَالُكُمُ)) بتسهيل الهمزة من ((سَالَ)).

٤٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
استقرّ عند عمر صحة رأي أبي بكر ضه، وبان له صوابه تابعه على قتال القوم،
وهو معنى قوله: ((فَلَمَّا رأيت الله قد شَرَحَ صدرَ أبي بكر للقتال، عَرَفْتُ أنه
الحقّ))، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه
نصّاً، ودلالة.
وقد زعم قوم من الروافض أن عمر ظُله إنما أراد بهذا القول تقليد أبي
بكر ظُبه، وأنه كان يعتقد له العصمة، والبراءة من الخطإ، وليس ذلك كما
زعموه، وإنما وجهه ما أوضحته لك، وبيّنته.
وزعم زاعمون منهم أن أبا بكر به أول مَن سَمّى المسلمين كفّاراً وأن
القوم كانوا متأوّلين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَوَلِمْ صَدَقَّةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ
لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب خاصّ في مواجهة النبيّ وَّر دون غيره، وأنه مقيد
بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة
على المتصدِّق ما للنبيّ وَّر، ومثل هذه الشبهة إذا وجِد كان مما يُعْذَر فيه
أمثالُهم، ويُرْفَعُ به السيف عنهم، فكان ما جرى من أبي بكر عليهم عَسْفاً،
وسوء سيرة، وزعم بعض هؤلاء أن القوم كانوا قد اتَّهموه، ولم يأمنوه على
أموالهم، إلى ما يُشبه هذا الكلام الذي لا حاصل له، ولا طائل فيه.
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه قوم لا
خَلَاقَ لهم في الدين، وإنما رأس مالهم الْبَهْتُ والتّكذيب، والْوَقِيعَة في
السلف .
قد بَيَّنَا أن أهل الرّة كانوا أصنافاً، منهم من ارتدّ عن الملة، ودعا إلى
نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة، وأنكر الشرائع كلها،
، كفّاراً، ولذلك رأى أبو بكر ظُهُ سَبْيَ
وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة
ذراريّهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد عليّ بن أبي طالب رَظ ◌ُه
جاريةً من سبي بني حَنِيفة، فولدت له محمداً الذي يُدْعَى ابن الحنفية، ثم لم
يَنْقَضِ عصرُ الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتدَّ لا يُسْبَى.
فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين، فإنهم أهل بغي، ولم
يُسَمَّوا على الانفراد منهم كفّاراً، وإن كانت الردة قد أُضيفت إليهم؛ لمشاركتهم

٤٥٥
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الرّة اسم لغويّ،
وكلُّ من انصرف عن أمر كان مقبلاً عليه فقد ارتدّ عنه، وقد وُجِد من هؤلاء
القوم الانصرافُ عن الطاعة، ومنعُ الحق، فانقطع عنهم اسم الثناء والمدح
بالدين، وعَلِقَ بهم الاسم القبيح؛ لمشاركتهم القومَ الذين كان ارتدادهم حقّاً.
وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]،
وما ادَّعَوه من كون الخطاب فيه خاصّاً لرسول الله وَ لّ، فإن خطاب كتاب الله
تعالى على ثلاثة أوجه: خطابٌ عامٌّ، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وكقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]، وخطاب خاصٌّ للنبيّ وَّ، لا يَشْرَكُهُ فيه
غيره، وهو ما أُبِين به عن غيره بِسِمَةِ التخصيص، وقَطْع التشريك، كقوله تعالى:
﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩]، وَكقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً
لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وخطابُ مواجهةٍ للنبيّ ◌َّ، وهو
وجميع أمته في المراد به سواءٌ، كقوله تعالى: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية
[الإسراء: ٧٨]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ
[النحل: ٩٨]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾
الرَّحِيمِ
الآية [النساء: ١٠٢]، ونحو ذلك من خطاب المواجهة، فكُلُّ من دَلَكَت له الشمس
كان عليه إقامة الصلاة واجبةً، وكلُّ من أراد قراءة القرآن كانت الاستعاذة مُعْتَصَماً
له، وكلُّ من حضره العدوّ، وخاف فوت الصلاة، أقامها على الوجه الذي فعلها
رسول الله ◌َّجه، وسَنَّها لأمّته، ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾
[التوبة: ١٠٣]، فعلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حَذْوَه في أخذها منهم،
وإنما الفائدة في مواجهة النبيّ ◌َّه بالخطاب، أنه هو الداعي إلى الله تعالى،
والْمُبَيِّن عنه معنى ما أراده، فقُدِّم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك الأمة
في شرائع الدين على حسب ما يَنْهَجه، ويُبَيِّنه لهم، وعلى هذا المعنى قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، فافتتح
الخطاب بالتنويه باسمه خصوصاً، ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عموماً،
وربما كان الخطاب له مواجهةً، والمراد به غيره، كقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنُتَ فِ شٍَ
◌ِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] - إلى قوله -:

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، ولا يجوز أن يكون ◌َّهو قد شكّ قطّ في
شيء مما أنزل عليه، وكقوله تعالى: ﴿أَنِ أُشْكُرْ لِ وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤](١)،
وقال: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وهذا خطاب لم يتوجّه عليه، ولم يلزمه
حكمه؛ لأمرين: أحدهما أنه لم يُدرك والديه، ولا كان واجباً عليه لو أدركهما
أن يُحسن إليهما، ويشكرهما إحسان الآباء المسلمين وشكرهم.
وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة، فإن الفاعل
فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله تعالى، وطاعة رسوله وَّر فيها، وكلُّ الثواب
موعود على عمل من الطاعات كان في زمنه وَّر، فإنه باقٍ غير منقطع بوفاته،
وقد يُسْتَحَبُّ للإمام، وعامل الصدقة أن يدعو للمتصدِّق بالنماء والبركة في
ماله، ويُرْجَى أن يستجيب الله تعالى ذلك، ولا يُخَيِّب مسألته فيه.
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: ومن لواحق بيان ما تقدّم في الفصل
الأول من ذكر وجوب إيتاء الزكاة وأدائها إلى القائم بعد النبيّ وَ ﴿ أن النبيّ ◌َل
جعل آخر كلامه عند وفاته قوله: ((الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم))؛ ليُعقل أن
فرض الزكاة قائمٌ، كفرض الصلاة، وأن القائم بالصلاة هو القائم بأخذ الزكاة،
ولذلك قال أبو بكر رُله: ((والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة))؛
استدلالاً بهذا، مع سائر ما عُقِل من أنواع الأدلّة على وجوبها، والله تعالى
أعلم.
[فإن قيل]: كيف تَأَوَّلْتَ أمر الطائفة التي مَنَعَت الزكاة على الوجه الذي
ذهبت إليه، وجعلتهم أهل بغي، أرأيتَ إن أنكرت طائفة من المسلمين في
زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا منّ أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟
[قيل]: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافراً بإجماع
المسلمين، والفرق بين هؤلاء وبين أولئك أنهم إنما عُذِروا لأسباب وأمور، لا
يَحْدُث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيها
تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها وقوع الفترة بموت النبيّ نَّر، وكان القوم جُهّالاً
(١) في كون هذا من خطاب النبيّ ◌َ﴿ نظر لا يخفى؛ لأن هذا من خطاب لقمان لابنه،
كما نصّ القرآن، فليُتأمّل.

٤٥٧
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
بأمور الدين، وكان عهدهم حديثاً بالإسلام، فتداخلتهم الشبهة، فَعُذِروا كما
عُذِر بعضُ من تأوّل من الصحابة في استباحة شرب الخمر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فقالوا:
نحن نشربها، ونؤمن بالله، ونعمل الصالحات، ونتّقي، ونُصلح. فأما اليومَ،
وقد شاع دين الإسلام، واستفاض علمُ وجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص
والعام، واشترك فيها العالم والجاهل، فلا يُعْذَر أحدٌ بتأويلٍ يتأوله في
إنكارها، وكذلك الأمر في كُلّ من أنكر شيئاً، مما أجمعت الأمة عليه، من
أمور الدین، إذا كان علمه منتشراً، کالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان،
والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، والخمر، ونكاح ذوات المحارم،
ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلٌ حديث عهد بالإسلام، ولا يَعْرِف
حدوده، فإنه إذا أنكر شيئاً منها جهلاً به لم يُكَفَّر، وكان سبيله سبيل أولئك
القوم في بقاء اسم الدین علیه.
فأما ما كان الإجماع فيه معلوماً من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح
المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يَرِثُ، وأن للجدة السدسَ،
وما أشبه ذلك، من الأحكام، فإن من أنكرها لا يُكَفَّرُ، بل يُعْذَر فيها؛ لعدم
استفاضة علمها في العامة، وتفرّد الخاصّة بها .
قال الخطابي رحمه الله تعالى: وإنما عرَضَ الوهمُ في تأويل الحديث من
رواية أبي هريرة ظه، ووقعت الشبهة فيه لمن تأوّله على الوجه الذي حكيناه
عنهم؛ لكثرة ما دخله من الحذف والاختصار، وذلك لأن القصد به لم يكن سياق
الحديث على وجهه، وذِكْرُ القصة في كيفية الردّة منهم، وإنما قَصَدَ به حكاية ما
جَرَى بين أبي بكر وعمر حظّه، وما تنازعاه من الحجاج في استباحة قتالهم، ويُشْبِهُ
أن يكون أبو هريرة إنما لم يُعْنَ بذكر جميع القصة، وسوقها على وجهها كلّها؛
اعتماداً على معرفة المخاطبين بها؛ إذ كانوا قد عَلِمُوا وجه الأمر، وكيفية القصة في
ذلك، فلم يضرّ ترك إشباع البيان مع حصول العلم عندهم به، والله تعالى أعلم.
ويُبَيِّن لك أن حديث أبي هريرة ◌ُبه مختصر، غير مستَقْصَى أن عبد الله بن
٤ قد روياه عن رسول الله ** بزيادة شروط ومعانٍ لم
عمر، وأنس بن مالك
يذكرها أبو هريرة

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
فأما حديث أنس ظله، فقد رواه أبو داود في ((كتاب الجهاد)) من
((السنن))، قال: حدّثنا سعيد بن يعقوب الطالقانيّ، حدّثنا عبد الله بن المبارك،
عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله وَّيه: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن
يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك، حَرُمَت علينا دماؤهم،
وأموالهم، إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)).
وأما حديث ابن عمر ها، ففيه زيادة شرط الزكاة، وقد رواه محمد بن
إسماعيل البخاريّ في ((الجامع الصحيح))، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد
الْمُسْنَدِيُّ، قال: حدثنا أبو رَوْحِ الْحَرَمِيّ بن عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن
واقد بن محمد قال: سمعت أبي يُحَدِّث عن ابن عمر: أن رسول الله وَل
قال: ((أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)). انتهى كلام
الخطّابيّ رحمه الله تعالى(١) .
وقد اعترض الحافظ في ((الفتح)) جوابه المذكور، وسيأتي قريباً - إن
شاء الله تعالى -.
(قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ) ◌ِ﴿ّ (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) وفي حديث
أنس: ((أتريد أن تقاتل العرب)) (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ) الواو واو الحال
(أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَه إِلَّا الله)، قال في ((الفتح)): كذا
ساقه الأكثر، وفي رواية طارق الآتية: ((من وحّد الله، وكفر بما يُعبَد من دونه
حَرُمَ دمه وماله)). وأخرجه الطبرانيّ من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث
ابن عمر: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا
الصلاة، ويؤتوا الزكاة)). ونحوه في حديث أبي الْعَنْبَس، وفي حديث أنس عند
أبي داود: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن
يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلّوا صلاتنا)). وفي رواية العلاء بن
(١) راجع: ((معالم السنن)) ٦٣/٢

٤٥٩
(٨) - بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ - حديث رقم (١٣٢)
عبد الرحمن: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله،
ویؤمنوا بي، وبما جئت به)).
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض؛
لأن في أوله أنهم كفروا، وفي آخره أنهم ثبتوا على الإسلام؛ إلا أنهم منعوا
الزكاة، فإن كانوا مسلمين، فكيف استَحَلّ قتالهم وسبي ذراريهم؟ وإن كانوا
كفّاراً، فكيف احتجّ على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؟ فإن في جوابه إشارة
إلى أنهم كانوا مقرّين بالصلاة.
قال: والجواب عن ذلك أن الذين نُسبوا إلى الردّة كانوا صنفين:
صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة، وتأولوا قوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَّكْبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَرٌ لَهُمْ﴾ الآية
[التوبة: ١٠٣]، فزعموا أن دفع الزكاة خاصّ به وَلهو؛ لأن غيره لا يطهّرهم، ولا
يصلي عليهم، فكيف تكون صلاته سكناً لهم، وإنما أراد عمر بقوله: ((تقاتل
الناس)) الصنف الثاني؛ لأنه لا يتردّد في جواز قتل الصنف الأول؛ كما أنه لا
يتردّد في قتال غيرهم من عبّاد الأوثان، والنيران، واليهود، والنصارى، قال:
وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره في
الصلاة والزكاة معاً، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعمّ جميع
الشريعة، حيث قال فيها: ((ويؤمنوا بي، وبما جئت به))، فإن مقتضى ذلك أن
من جَحَد شيئاً مما جاء به وََّ، ودُعي إليه، فامتنع، ونَصَب القتالَ أنه يجب
قتاله، وقتله إذا أصرّ، قال: وإنما عَرَضت الشبهة لما دخله من الاختصار،
وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي
بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث، انتهى مُلَخَّصاً.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند
عمر في الحديث: ((حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) ما استشكل قتالهم؛
للتسوية في كون غاية القتال ترك كلّ من التلفّظ بالشهادتين، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة.
قال عياض: حديث ابن عمر نصّ في قتال من لم يُصلّ، ولم يزّ، كمن
لم يقرّ بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي بكر، وجواب أبي بكر دلّ على

٤٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ لو سمعه عمر لم يحتجّ على
أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يَخْتجْ إلى الاحتجاج بعموم
قوله: ((إلا بحقّه)).
قال الحافظ: إن كان الضمير في قوله: ((بحقّه)) للإسلام، فمهما ثبت أنه
من حقّ الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة
(١)
.
انتھی
(فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّ اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي) أي منع مني، وأصل العصمة
من الْعِصَام، وهو الخيط الذي يُشدّ به فم القِرْبَة؛ ليمنع سيلان الماء (مَالَهُ
وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ) المراد بالحقّ بالنسبة للمال، هو الزكاة، ونحوها من الحقوق
المتعلّقة به.
وأما بالنسبة للنفس فهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح
عن ابن عمر، أن عثمان، قال: سمعت رسول الله وَل* يقول: ((لا يحل دم
امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قَتَل
عمداً، فعليه الْقَوَد، أو ارتد بعد إسلامه، فعليه القتل))، والله تعالى أعلم.
(وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ))) أي حساب سريرته على الله تعالى؛ لأنه المطّلع
عليه، فمن أخلص في إيمانه، أعماله، جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن
لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين، يُحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين،
وهو عند الله من أسوإ الكافرين.
ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا
الأسرار الخفيّة. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى قوله: ((وحسابه على الله)) أي فيما
يستسرون به، ويُخفونه، دون ما يُخِلَّون به في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء.
وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل، ويُحكى ذلك أيضاً عن
أحمد بن حنبل رحمهما الله. هذا كلام الخطابيّ.
وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأوضحه، فقال: اختصاص
(١) ((الفتح)) ٢٧٩/١٤ - ٢٨٠.
(٢) ((المفهم)) ١٨٩/٣.