Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٤) قال ابن مهديّ: أبو الأحوص أثبت من شريك. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة متقن. وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: قلت ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك، أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما، وكذا قال أبو حاتم. وقال العجليّ: كان ثقةً، صاحب سنة واتّبَاع. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق، دون زائدة وزهير في الإتقان. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، صالحاً فيه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير. وقال البخاريّ: حدثني عبد الله بن أبي الأسود، قال: مات سنة تسع وسبعين - يعني ومائة -. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٢) حديثاً. ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) هو: عمرو بن عبد الله بن عُبيد السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقة مكثرٌ عابدٌ اختلط بأخَرَة [٣] (ت١٢٩) (ع) ٢/ ١١. والباقون تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلّقة به، قد تقدّمت هناك. وقوله: (ذا رَحمك) يعني صَاحِبَ قرابتك، وعلى هذا، فتكون القرابة اسم جنس مضافاً إليه ((ذو))، فإن حكمها أن تضاف إلى أسماء الأجناس، قال القرطبيّ: وهذا أولى من قول من قال: إن الرحم هنا اسم عين، وإنما هنا بمنزلة قولهم: ((ذو نَوَاس))، و((ذو يَزَن))، و((ذو رُعين))؛ لأن هذه أسماء أعلام، لا أسماء أجناس، و((ذو)) بمعنى ((صاحب))، وهي من الأسماء السنّة التي اعتلَّت بحذف لامها في الإفراد، ترفع بالواو، وتنصب وتُجرّ بالياء. انتهى(١). وقال المازريّ: قوله: ((ذا رحمِك)) ينبغي أن يُتأمّل هذا مع قول النحاة: إن لفظة ((ذا)) إنما تُضاف إلى الأجناس، فلعلّ الإضافة ها هنا مقدّر انفصالها، والإضافة بمعنى تقدير الانفصال موجودة. انتهى. وقال القاضي عياض: ((ذا))، و((ذي))، و((ذو)) عند أهل العربيّة إنما تُضاف إلى الأجناس، ولا تضاف عندهم لغيرها من الصفات، والمضمرات، (١) ((المفهم)) بتصرّف ١٦٧/١. ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان والأفعال، والأسماء المفردات؛ لأنها في نفسها لا تنفك عن إضافة، وقد جاءت مفردةً ومضافةً إلى مفرد، وإلى فعل، ومجموعةً ومثنّاةً، وكلّه عندهم شاذٌ، كقولهم: ذو يَزَن، وذو نُوَاس، وقالوا فيهم الذَّوَين، والأَذْوَاء، وقالوا: افعَلْ بذي تَسْلَم. وتقدير هذا عندهم على الانفصال، كما قال: أي الذي له كذا، أو الذي تسلم، كذلك قوله: ((ذا رَحِمِكَ))، أي الذي له رَحِمٌ معك يشاركك فيها، ونحوه، ومعنى ((ذو)) صاحب، قيل: وأصله ذُوُو؛ لأنهم قالوا في تثنيته ذوا مال. انتهى كلام القاضي(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا حاجة إلى ما تكلّف به المازريّ وعياض في قوله: ((ذا رَحِمِك))؛ لأن المراد بالرحم القرابة، وهي اسم جنس، فيصحّ إضافة ((ذي)) إليها بدون تأويل، كما سبق في كلام القرطبيّ، وليس هو من جنس ((ذي يَزَنَ))، و((ذي نُوَاس))، و((ذي تسلم))، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله وَله: ((إن تَمَسّك بما أُمر به دخل الجنة))، قال النوويّ: كذا هو في معظم الأصول المحققة، وكذا ضبطناه ((أُمِرَ)) - بضم الهمزة، وكسر الميم - و(بِهِ)) - بياء موحدة مكسورة - مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وضبطه الحافظ أبو عامر العبدريّ: (أَمَرتُهُ)) - بفتح الهمزة، وبالتاء المثنّاة من فوقُ التي هي ضمير المتكلم، وكلاهما صحيح، والله أعلم. وأما ذكره وَّهِ صِلَةَ الرحم في هذا الحديث، وذِكْرُ الأوعيةِ في حديث وفد عبد القيس، وغيرٍ ذلك في غيرهما، فقال القاضي عياض وغيره رحمهم الله: ذلك بحسب ما يَخُصُّ السائل، ويَعْنِيهِ (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: ترجم القرطبيّ رحمه الله تعالى، بقوله: ((باب من اقتصر على فعل ما وجب عليه، وانتهى عمّا حُرّم عليه دخل الجنّة))، ثم أورد حديث أبي أيوب نظبه هذا، وحديث جابر ظه الآتي: أن رجلاً سأل رسول الله وَله (١) ((إكمال المعلم)) ١/ ١٤٢ - ١٤٣. (٢) (شرح مسلم)) للنوويّ ١٧٤/١. ٢٦٣ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٤) فقال: أرأيتَ إذا صليتُ الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً أأدخل الجنة؟ قال: ((نعم))، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً. ثم قال: هذه الترجمة يشهد بصحّتها الحديثان المذكوران تحتها، فأما حديث أبي أيوب فمن حيث إن النبيّ وَّ دلّ السائل على فعل ما وجب، وقال: ((إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة))، وأما حديث جابر نظُه فمن حيث إن السائل إنما سأله عن دخول مَن فَعَلَ ما يجب عليه، وانتهى عما حُرِّم عليه الجنّة، فأجابه بـ((نعم))، ولم يذكر لهما في هذين الحديثين شيئاً من فعل التطوّعات، فدلّ على صحّة ما ذكرناه، وعلى جواز ترك التطوّعات على الجملة . لكن من تركها، ولم يَعمل شيئاً منها، فقد فوّت على نفسه ربحاً عظيماً، وثواباً جسيماً، ومن داوم على ترك شيء من السنن، كان ذلك نقصاً في دينه، وقدحاً في عدالته، فإن كان تركه تهاوناً به، ورغبةً عنها، كان ذلك فسقاً، يستحقّ به ذمًّا . وقال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواصلوا على ترك سنّة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا . ولقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق بينهما لما يترتّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، وخوف العقاب على الترك، ونفيه إن حصل تركُ مّا بوجه مّا. وإنما سكت النبيّ و 98 لهؤلاء السائلين عن ذكر التطوّعات، ولم يذكرها لهم كما ذكرها في حديث طلحة بن عُبيد الله رضه؛ لأن هؤلاء - والله أعلم - كانوا حديثي عهد بإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وَجَبَ عليهم في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم، أو لئلا يعتقدوا أن تلك السنن والتطوّعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم بالفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب تلك المندوبات، فتسهل عليهم. ومن المعلوم أنّ هؤلاء ما سُوِّغ لهم ترك الوتر، ولا صلاة العيدين، ولا ٢٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان غيرهما، مما فعله النبيّ وَّ في جماعة المسلمين، ولا يجترؤون على ترك ذلك؛ للذي يُعلم من حرصهم على الاقتداء بالنبيّ ◌َّ، وعلى تحصيل الثواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١)، وهو تحقيق حسنٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١١٥] (١٤) - (وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيّاً جَاءً إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلِ إِذَا عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: ((تَعْبُدُ اللّهَ، لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ))، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئاً أَبَداً، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ - بفتح المهملة، ثم المعجمة - خُرَاسَاني الأصل، وكان أحد الحفاظ الرَّحّالين، نَزَلَ بغداد، ثقة ثبتٌ [١١]. رَوَى عن رَوْح بن عُبَادة، وأحمد بن إسحاق الحضرميّ، والحسن بن موسى الأشيب، ويونس بن محمد المؤدِّب، وعَفّان بن مسلم، وأسود بن عامر شاذان، وغيرهم. ورَوَى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأبو عُمَر الدُّوريّ، وهو أكبر منه، وجعفر بن محمد الفريابي، وأبو بكر بن خزيمة، وعبدان الأهوازيّ، وموسى بن هارون، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو ثَبْتُ صدوق. وقال (١) ((المفهم)) ١٦٦/١ - ١٦٧. ۔۔۔ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٥) ٢٦٥ النسائي: ثقة. وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن خِرَاش ثقة مأمون. وقال الدارقطني: ثقةٌ وفوق الثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الخطيب: كان أحد الأثبات المتقنين، مع صلابة في الدين، واشتهار بالسنة، واتِّسَاع في الرواية، قال: وبلغني عن أبي مُزَاحِم الخاقاني قال: كان الصاغاني يُشْبِهُ يحيى بن معين في وقته. وقال مَسْلَمة في ((الصِّلَة)): كان ثقةً مأموناً. وقال أبو حاتم الرازيّ: ثقة. وقال السُّلَميّ عن الدارقطنّي: هو وَجْهُ مشايخ بغداد. قال ابن المنادي: مات يوم الخميس لسبع خَلَوْن من صفر سنة سبعين ومائتين، وفيه أَرَّخَه غير واحد. أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وفي ((الزهرة)): رَوَى عنه مسلم (٣٢) حديثاً(١). ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقة ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت بعد سنة (٢١٩) (ع) ٤/ ٤٤. ٣ - (وُهَيْبٌ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر بأخَرَة قليلاً [٧] (ت١٦٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٣٩٨/٢. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن حيّان، أبو حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٦] (ت١٤٥) (ع) ١/ ١٠. ٥ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفّي، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غيره [٣] ١٠/١. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير رَُه ٣/١. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ أَعْرَابِيّاً) أي بدويّاً منسوباً إلى الأعراب بالفتح، وهم: سُكّان البادية(٢) (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي) بضمّ الدال، وتشديد اللام أمر من الدلالة، وهي الإرشاد (عَلَى عَمَلٍ) صفته أنه (إِذَا (١) في ((برنامج الحديث)) أن مسلماً روى عنه (٣٦) حديثاً، والظاهر أن الاختلاف من أجل التكرار. (٢) قد سبق الكلام في اسم هذا الأعرابي في حديث أبي أيوب الماضي، فلا تغفل. ٢٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان عَمِلْتُهُ، دَخَلْتُ الْجَنَّةَ) أي دخولاً أوليّاً، غير مسبوق بنوع من العذاب (قَالَ) (تَعْبُدُ اللَ) خير بمعنى الأمر، أو هو في تأويل المصدر بتقدير ((أَنْ))، وحذفها مع رفع الفعل جائز في سعة الكلام على الراجح، كما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وجوّز بعضهم نصبه، وهو شاذّ، كما قال في ((الخلاصة)). وَشَذَّ حَذْفُ ((أَنْ)) وَنَصْبٌّ فِي سِوَى مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى ويحتمل أن يكون منزّلاً منْزِلة المصدر بذكر الفعل، وإرادة الحدث، كما في قوله: ((تَسْمَعُ بالمعيديّ خير من أن تراه))، وهو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو، يعني أن العمل الذي إذا عملته دخلت الجنّة هو عبادة الله إلخ. ثم قيل: المراد بالعبادة التوحيد؛ لعطف الصلاة، وما بعدها عليه، والأصل في العطف المغايرة، وذكر العبادة شامل للإقرار بالرسالة؛ لأنها لا تُعتبر بدونه، فذكرها مغنٍ عن ذكره، ويحتمل أن يكون السائل مؤمناً، فذكرها له لشرفها، وكونها أصلاً، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة جميع أنواع الطاعات، فيكون عطف الصلاة وغيرها من عطف الخاصّ على العامّ. (لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونك غير مشرك به، قيل: وهو يؤيّد أن المراد بالعبادة التوحيد، وهذه الجملة تفيد التأكيد، وقيل: إنما ذكره ردّاً على الكفّار حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]، وبياناً أن العبادة لا تكمل إلا إذا سَلِمت من أنواع الشرك، كبيرها وصغيرها، كالرياء والسمعة، كما قال الله زمت: فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صًَِا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِِّ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. [تنبيه]: قال القاري في ((المرقاة)): قال العارفون: التعبّد إما لنيل الثواب، أو التخلّص من العقاب، وتُسمّى عبادة، وهي أنزل الدرجات؛ لأن معبوده ذلك المطلوب، بل نقل الفخر الرازيّ إجماع المتكلّمين على عدم صحّة عبادته، أو للتشرّف بخدمته تعالى، والانتساب إليه، وتسمّى عُبُودِيّةً، وهي أرفع من الأولى، ولكنها ليست خالصة له، أو لوجهه تعالى وحده، من غير ملاحظة شيء آخر، وتُسمّى عبودة، وهي أعلى المقامات، وأرفع الحالات. انتهى(١). (١) ((المرقاة)) ١٦٠/١. (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٥) ٢٦٧ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التقسيم الذي ذكره القاري تقسيم ضيزى؛ لكونه مخالفاً لنصوص الكتاب والسنّة، ومناهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الآيات القرآنية، والأخبار الصحيحة النبويّة مشحونة بأن العبادة للفوز بالجنة والنجاة من النار طريقة الأنبياء والمرسلين، وخير الهدى هداهم، ﴿أُوْلَيْكَ اُلَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ((وخير الهدي هدي محمد ◌َ))، وقد قال الله رقم بعد ذكر أنبيائه: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ولوطاً، ونوحاً، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذا الكفل، وذا النون، وزكريّا، ويحيى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فهؤلاء أفضل الخلق أجمعين كانوا يدعون الله وَلَ رغبة ورهبة، فأيُّ رتبة أعلى من * [الشعراء: ٨٥) رتبتهم؟ وقال رَ عن إبراهيم عليَّلاَ: ﴿وَأَجْعَلْنِ مِن وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ ٨٥]، وقال تعالى عن عباده مثنياً عليهم: ﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ اُلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهٌ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا ١٩ [الإسراء: ١٩]، وقد كان رسول الله وَ له وهو سيد الخلق أجمعين كثير السؤال للجنة، والتعوذ من النار، والأحاديث الصحيحة في هذا كثيرة لا حصر لها . وبالجملة فالعمل المجرّد من الخوف والرجاء هو الذي أدخل الزندقة في كثير من المتصوّفة، الذين يزعمون تجرّدهم عن الالتفات إلى الجنة والنار، وإنما يعبدون الله تعالى لمحبّتهم له، فصاروا يحتقرون عذاب الله وناره، ويتهاونون بالجنة ونعيمها . ولهذا قال بعض العلماء: من عبد الله بالحبّ وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده، فهو حروريّ(١)، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئيّ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحّد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ردًّا على هؤلاء: إن الواحد (١) أي من الخوارج الذين يكفّرون بالذنوب. ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان من هؤلاء لو جاع في الدنيا أيّاماً، أو أُلقي في بعض عذابها طار عقله، وخرج من قلبه كلّ محبّة، ولهذا قال سمنون: وَلَيْسَ لِي فِيمَا سِوَاكَ حَظّ فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَامْتَحِنِّي فابتُلِي بعُسر البول، فصار يطوف على المكاتب، ويقول: ادعوا لعمكم الكذّاب، وأبو سليمان لَمّا قال: قد أَعطيتُ من الرضا نصيباً، لو ألقاني في النار لكنت راضياً، ذُكر أنه ابتُلي بمرض، فقال: إن لم تعافني، وإلا كفرت، أو نحو هذا، وفُضَيل بن عياض ابتُلي بعسر البول، فقال: بحبي لك إلا فرّجت عنّي، فبذل حبّه في عسر البول، فلا طاقة لمخلوق بعذاب الخالق ولا غنى به عن رحمته، وقد قال النبيّ ◌َّ لرجل: ((ما تدعو في صلاتك؟))، قال: أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما إني لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال: ((حولها ندندن))، فقد أخبر وَ ل أنه ومعاذ بن جبل ظته، وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبيّ وَله إنما يُدندنون حول الجنة، أفيكون قول أحد فوق قول رسول الله وَّل، ومعاذ، ومن يصلّي خلفهما من المهاجرين والأنصار. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن طلب الجنّة، والاستعاذة من النار طريق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وجميع أولياء الله السابقين المقرّبين، وأصحاب اليمين، فمن حاد عن طريقهم فقد ضلّ ضلالاً مبيناً . ﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين آمين آمين. (وَتُقِيمُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةَ) أي المفروضة على الأعيان بشرائطها وأركانها المعلومة، قيدها احترازاً عن التطوّعات (وَتُؤَدِّي) أي تعطي (الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ) المغايرة بين الوصفين للتفنّن، وهي للتأكيد، أو لئلا يُتوهّم المعنى اللغويّ، وهو مطلق الصدقة، والمعنى أداء مقدارها المعيّنة، لمصارفها المقرّرة. (١) ((النبوات)) ص٦٨ - ٦٩٠ و((الاستقامة)) ١١٠/٢. ٢٦٩ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٥) وقال في ((الفتح)): قيل: الفرق بين القيدين كراهية لتكرير اللفظ الواحد، وقيل: عبّر في الزكاة بـ((المفروضة)) للاحتراز عن صدقة التطوّع، فإنها زكاة لغويّة، وقيل: احترز من الزكاة المعجّلة قبل الحول، فإنها زكاة، وليست مفروضة(١). (وَتَصُومُ رَمَضَانَ) إنما لم يقيده لأنه لا يكون إلا فرضاً (قَالَ) الأعرابيّ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه جواز الحلف للتأكيد بغير استحلاف، أو ضرورة ملجئة . [فإن قلت]: كيف أقرّه النبيّ ◌َلقر على حلفه، وقد جاء النكير على من حلف أن لا يفعل خيراً، والنهي عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤]. [أجيب]: بأن المنع والنكير إنما كان عن عناد؛ إذ لا شكّ أن ترك النوافل جائزٌ، والحلف على المباح غير محرّم، ولهذا الكلام محمل آخر، وهو أن يكون السائل رسولاً، فحلف أن لا يزيد في الإبلاغ على ما سمع، ولا ينقص منه، وقيل: يحتمل أن يكون صدور هذا الكلام منه على المبالغة في التصديق والقبول، أي: قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من طريق القبول. ذكره الطيبيّ(٢). (لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا) أي الذي ذَكَرِه (شَيْئاً) أي من عندي (أَبَداً، ولَا أَنْقُصُ مِنْهُ) أي مما ذُكر، وقيل: المعنى لا أزيد على هذا السؤال، ولا أنقص في العمل مما سمعته، أو كان الرجل وافد قوم، فأراد أنه لا يزيد في التبليغ على ما سَمِعَ، ولا ينقص منه شيئاً (فَلَمَّا وَلَّى) أي أدبر الأعرابيّ وذهب عن المجلس (قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَنْ) شرطيّة، أو موصولة (سَرَّهُ) أي أعجبه (أَنْ يَنْظُرَ) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤَوّل فاعل ((أعجب)) (إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ) جواب الشرط، أو خبر المبتدأ، ودخلت الفاء؛ لكون المبتدأ بمعنى الشرط (إِلَى هَذَا) الأعرابيّ، والظاهر منه أن النبي ◌ََّ عَلِمَ بالوحي أنه سيُوَفِّ بما التَزَم، وأنه يدوم على ذلك، ويدخل الجنة. (١) ((الفتح)) ٣١٢/٣ كتاب الزكاة. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٤٥٦/٢. ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ويحتمل أن يكون في الكلام حذفٌ، تقديره: إن دام على فعل الذي أُمر به، ويؤيّد هذا قوله في حديث أبي أيوب ظ ◌ُه الذي قبله: ((إن تمسّك بما أُمر به دخل الجنّة)). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث، وكذا في حديث طلحة في قصّة الأعرابيّ وغيرهما دلالة على جواز ترك التطوّعات، لكن من داوم على ترك السنن كان نقصاً في دينه، فإن تركها تهاوناً بها ورغبةً عنها كان ذلك فسقاً، يعني لورود الوعيد عليه، حيث قال رَّ: ((من رغِبَ عن سنّتي فليس منّي))، وقد كان صدر الصحابة ظّ ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرّقون بينهما في اغتنام ثوابهما، وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة؛ لما يترتّب عليه من وجوب الإعادة وتركها، ووجوب العقاب على الترك ونفيه، ولعلّ أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإسلام، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال؛ لئلا يثقل ذلك عليهم، فيملّوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه، والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهُلت عليهم. ذكره في ((الفتح))، وقد تقدّم بنحوه(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رُّّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه المصنّف هنا (١١٥/٤) عن أبي بكر بن إسحاق، عن عفان بن مسلم، عن وُهيب بن خالد، عن يحيى بن سعيد بن حيّان أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عنه. و(البخاريّ) (٢/ ١٣٠) عن محمد بن عبد الرحيم عن عفّان به، وفي (٢/ ١٣١) عن مسدّد، عن يحيى القطّان، عن أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عن النبيّ وَّ مرسلاً، و(أحمد) في («مسنده)) ٣٤٢/٢ عن عفان به و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٥)، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((الفتح)) ٣١٢/٣ كتاب الزكاة. ٢٧١ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٥) (المسألة الثالثة): (اعلم): أنه لم يأتي ذكر الحجّ في هذا الحديث، ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبي هريرة، وكذا غيره من نحو هذه الأحاديث لم يُذكَر في بعضها الصوم، ولم يُذكر في بعضها الزكاة، وذُكر في بعضها صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادةً ونُقصاناً، وإثباتاً وحذفاً . وقد أجاب القاضي عياض وغيره عنها بجواب لَخّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وهَذّبه فقال: ليس هذا باختلاف من رسول الله وَّر، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصّر واختصر على ما حفظه فأدّاه، ولم يتعرّض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وقد وقع التفاوت عن واحد، ألا ترى إلى حديث النعمان بن قوقل ظه اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن رواي الجميع واحد، وهو جابر بن عبد الله ظًّا في قضيّة واحدة، ثم ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في ((الصحيح))؛ لما عُرِف في مسألة زيادة الثقة من أنها مقبولة أيضاً(١). وقال البيضاويّ: وينبغي لك أن تعلم أن الحديث الواحد إذا رواه راويان، واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيّرة الإعراب الباقي قُبلت، وحُمل ذلك على نسيان الآخر؛ لذهوله، أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الاستشهاد، وإن كانت مغيّرة تعارضت الروايات، وتعيّن طلب الترجيح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي إلخ))، هذا قول من الأقوال التي ذُكرت في قبول زيادة الثقة، لكن القول الراجح أنه لا اعتبار بتغيير الإعراب وعدمه، وإنما العبرة في زيادة الثقة بالمخالفة وعدمها، فإذا كانت مخالفةً لرواية الجماعة، بأن كان يلزم من قبولها ردّ روايتهم، فلا تقبل، وإلا قُبلت، وإلى تلك الأقوال مع الترجيح أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحدیث)) حیث قال: (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢ /٤٥٥ - ٤٥٦. ٢٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وَفِي زِياداتِ الثِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمّ ثَالِثُهَا تُقْبَلُ لَا مِمَّنْ خَزَلْ بَعْضاً أَوِ النِّسْيَانَ يَذَّعِيهِ وَقِيلَ إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا تُرَدّ مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصاً أَوْ مَنْ أَتَمْ وَقِيلَ إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ حَمَلْ تَقْبَلْ وَإِلَّا يُتَوَقَّفُ فِيه وَقِيلَ فِيمَا إِنْ رَوَى كُلَّ عَدَدْ عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَةٍ لَا تُقْبَلُ إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لَا يَغْفُلُ وَقِيلَ خُذْ مَا لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمًا وَقِيلَ لَا إِذْ لَا تُفِيدُ حُكْمَا إِنْ خَالَفَتْ مَا لِلِّقَاتِ فَهْيَ رَدّ وَابْنُ الصَّلَاحِ قَالَ وَهْوَ الْمُعْتَمَدْ أَوْ خَالَفَ الإِظْلَاقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحْ أَوْ لَا فَخْذُ تَلْكَ بِإِجْمَاعِ وَضَحْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أوائلَ الكتاب قال : [١١٦] (١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَأَحْلَّلْتُ الْحَلَالَ، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َلقوله: (نَعَمْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة المذكور قبل حديث . ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْداني الكوفي، ثقة حافظٌ [١٠]. رَوَى عن عبد الله بن إدريس، وحفص بن غِيَاث، وأبي بكر بن عَيّاش، وهُشيم، ومعتمر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويونس بن بكير، وابن المبارك، وأبي معاوية الضرير، ووكيع، ومحمد بن بشر العبدي، ومروان بن معاوية، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وغيرهم. ٢٧٣ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٦) ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ، عن زكريا بن يحيى السِّجْزِيّ عنه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خُرَّزاذ، والذَّهليّ، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وغيرهم. قال حجاج بن الشاعر: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو حَدَّثت عن أحد ممن أجاب في المحنة لحدثت عن أبي مَعْمَر، وأبي كريب. وقال الحسن بن سفيان: سمعت ابن نُمير يقول: ما بالعراق أكثر حديثاً من أبي كريب، ولا أَعْرَفَ بحديث بَلَدِنا منه. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: صدوق. وقال أبو علي النيسابوريّ: سمعت أبا العباس بن عُقْدة يقدمه في الحفظ والمعرفة على جميع مشايخهم، ويقول: ظهر لأبي كريب بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث. وقال موسى بن إسحاق الأنصاري: سمعت من أبي كريب مائة ألف حديث. وقال النسائيّ: لا بأس به، وقال مرّةً: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال أبو عمرو الْخَفّاف: ما رأيت من المشايخ بعد إسحاق بن إبراهيم أحفظ منه. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمحمد بن يحيى: لم أر بعد أحمد بن حنبل بالعراق أحفظ من أبي كريب. وقال صالح جَزَرَة: غَلَبَت اليبوسة مرّة على رأس أبي كريب، فغَلَّف الطبيبُ رأسه بالفالوذج، فأخذه من رأسه، فوضعه في فيه، وقال: بطني أحوج إلى هذا. وقال مسلمة بن قاسم: كوفي ثقة. قال البخاري وغير واحد: مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين ومائتين، زاد بعضهم: وهو ابن سبع وثمانين سنة، وقيل: مات سنة سبع، وهو وَهَمْ. روى عنه الجماعة، وفي ((الزهرة)): رَوَى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثاً، ومسلم خمسمائة وستة وخمسين حديثاً(١). ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم - بمعجمتين - التميمي السَّعْديّ مولاهم، الضَّرِير الكوفيُّ، يقال: عَمِيَ، وهو ابن ثمان سنين، أو أربع، ثقة، (١) الذي في برنامج الحديث أن له في ((صحيح البخاريّ)) (٥٤) حديثاً، وفي ((صحيح مسلم)) (٤٨٨) حديثاً، فليُحرّر. ٢٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩]. رَوَى عن عاصم الأحول، وأبي مالك الأشجعيّ، وسعد ويحيى ابني سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وداود بن أبي هند، وعبيد الله بن عمر العمري، وغيرهم. ورَوَى عنه إبراهيم، وابن جريج، وهو أكبر منه، ويحيى القطان، وهو من أقرانه، ويحيى بن حسان التنيسيّ، وأَسَدُ بن موسى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، وسعيد بن منصور وأبو كريب، وغيرهم. قال أيوب بن إسحاق: سألت أحمد ويحيى عن أبي معاوية وجرير؟ قالا: أبو معاوية أحبّ إلينا، يعنيان في الأعمش. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظاً جيداً. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: أبو معاوية أثبت في الأعمش من جرير. وروى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر مناكير. وقال معاوية بن صالح: سألت ابن معين، من أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: أبو معاوية بعد شعبة وسفيان. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أبو معاوية أحب إليك في الأعمش أو وكيع؟ فقال: أبو معاوية أعلم به. وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: أيُّهما أحبُّ إليك في الأعمش، عيسى بن يونس، أو حفص بن غياث، أو أبو معاوية؟ قال: أبو معاوية، وقال أيضاً عن ابن معين: قال لنا وكيع: من تلزمون؟ قلنا: نلزم أبا معاوية، قال: أما أنه كان يَعُدُّ علينا في حياة الأعمش ألفاً وسبعمائة. وقال الدُّوريُّ: قلت لابن معين: كان أبو معاوية أحسنهم حديثاً عن الأعمش؟ قال: كانت الأحاديث الكبار العالية عنده. وقال ابن المدينّي: كتبنا عن أبي معاوية ألفاً وخمسمائة حديث، وكان عند الأعمش ما لم يكن عند أبي معاوية أربع مائة ونيف وخمسون حديثاً. وقال شبابة بن سَوّار: كنا عند شعبة، فجاء أبو معاوية، فقال شعبة: هذا صاحب الأعمش فاعرفوه. وقال إبراهيم الحربي: قال وكيع: ما أدركنا أحداً كان أعلم بأحاديث الأعمش من أبي معاوية. وقال الحسين بن إدريس: قلت لابن عمار: عليّ بن مسهر أكبر أم أبو معاوية في الأعمش؟ قال: أبو معاوية، قال ابن ٢٧٥ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٦) عمار: سمعته يقول: كُلُّ حديث قلتُ فيه: حدثنا فهو ما حفظته من فِي المحدث، وكل حديث قلتُ: وذكر فلان، فهو مما قرئ من كتاب. وقال العجليّ: كوفي ثقة، وكان يَرَى الإرجاء، وكان لَيِّنَ القول فيه. وقال يعقوب بن شيبة: كان من الثقات، وربما دَلَّس، وكان يرى الإرجاء. وقال الآجريّ عن أبي داود: كان مرجئاً، وقال مرةً: كان رئيس المرجئة بالكوفة. وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، يُدَلِّس، وكان مرجئاً. وقال النسائيّ: ثقة في الأعمش. وقال أبو زرعة: كان يرى الإرجاء، قيل له: كان يدعو إليه؟ قال: نعم. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: أثبتُ الناس في الأعمش سفيان، ثم أبو معاوية، ومعتمر بن سليمان أحب إليّ من أبي معاوية - يعني في غير حديث الأعمش. وقال أبو داود: قلت لأحمد: كيف حديث أبي معاوية عن هشام بن عروة؟ قال: فيها أحاديث مضطربة، يرفع منها أحاديث إلى النبيّ وَّر، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان حافظاً متقناً، ولكنه كان مُرْجِئاً خبيثاً. قال أحمد بن حنبل وغير واحد: وُلِدَ سنة (١١٣)، وقال ابن نُمَير: مات سنة (١٩٤)، وقال ابن المديني وآخرون: مات سنة خمس وتسعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٥٩) حديثاً. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورٌِ، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) أو (١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ٣٠٢/١. ٥ - (أَبُو سُفْيَان) في سينه ثلاث لغات: الضمّ، والكسر، والفتح، وهو: طلحة بن نافع القرشيّ مولاهم الواسطيّ، ويقال: المكيّ الإسكاف، صدوق [٤]. رَوَى عن جابر بن عبد الله، وأبي أيوب الأنصاريّ، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس، وعبيد بن عُمَير، وغيرهم. ورَوَى عنه الأعمش، وهو راويته، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، والمثنى بن سعيد، وحصين بن عبد الرحمن، وابن إسحاق، وأبو بشر الوليد بن مسلم العنبري، وشعبة حديثاً واحداً، وغيرهم. ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان قال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: رَوَى عنه الناس، قيل له: أبو الزبير أحب إليك، أو هو؟ قال: أبو الزبير أشهر، فعاوَدَه بعضُ من حَضَرَ، فقال: الثقة شعبة وسفيان. وقال أبو حاتم: أبو الزبير أحب إليَّ منه. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا شيء. وقال أبو خيثمة عن ابن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وكذا قال وكيع عن شعبة. وعند البخاري: وقال مسدد عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابراً بمكة ستة أشهر. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: لا بأس به، روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ورَوَى له البخاريّ مقروناً بغيره. وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): قال أبي: لم يسمع من أبي أيوب. وفي (العلل الكبير)) لعلي بن المديني: أبو سفيان لم يسمع من جابر إلا أربعة أحاديث، وقال فيها: أبو سفيان يُكتَبُ حديثه، وليس بالقوي. وقال أبو حاتم عن شعبة: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث. وقال الحافظ في ((التهذيب)): لم يُخرِج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر، وأظنها التي عناها شيخه علي بن المدينّي، منها حديثان في الأشربة، قرنه بأبي صالح، وفي الفضائل حديث اهتز العرش كذلك، والرابع في تفسير سورة الجمعة، قرنه بسالم بن أبي الجعد، وقال أبو بكر البزار: هو في نفسه ثقة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٥) حديثاً. ٦ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام بن ثَعْلَبة الخزرجيّ السَّلَميّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد. رَوَى عن النبيّ وََّ، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وأبي عبيدة، وطلحة، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وأبي بردة بن نِيَار، وأبي قتادة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن أنيس، وأبي حميد الساعديّ، وغيرهم. وروى عنه أولاده: عبد الرحمن، وعَقيل، ومحمد، وسعيد بن المسيب، ومحمود بن لبيد، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار، وأبو جعفر الباقر، وابن عمه محمد بن عمرو بن الحسن، ومحمد بن المنكدر، وأبو نضرة العبديّ، ٢٧٧ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٦) ووهب بن كيسان، وسعيد بن مٍيناء، ومجاهد، والحسن البصريّ، وقتادة، والشعبيّ، وخلق کثیر. وروى البخاريّ في ((تاريخه)) بإسناد صحيح، عن أبي سفيان، عن جابر: كنت أُمِيح أصحابي الماءَ يوم بدر، وأنكر ذلك الواقديّ. وقال زكريا بن إسحاق: حدثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: غزوت مع رسول الله * تسع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدراً، ولا أحداً، منعني أبي، قال: فلما قُتِل عبد الله لم أتخلف عن رسول الله وَله في غزوة قط، رواه مسلم. وقال حماد بن سلمة عن أبي الزبير، عن جابر: استغفر لي النبي وَلّر ليلة البعير خمساً وعشرين مرةً. وقال وكيع، عن هشام بن عروة: رأيت لجابر بن عبد الله حَلْقَةً في المسجد، يؤخذ عنه العلم. قال ابن سعد، والهيثم: مات سنة (٧٣)، وقال محمد بن يحيى بن حَبّان: مات سنة (٧٧)، وكذا قال أبو نعيم، قال: ويقال: مات وهو ابن (٩٤) سنةً، وصَلَّى عليه أبان بن عثمان، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة(١). وقال عمرو بن علي، ويحيى بن بكير، وغيرهما: مات سنة (٧٨)، وقيل: غير ذلك، وقال البخاريّ: صَلّى عليه الحجاج. أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٥٤٠) حديثاً، اتّفق الشيخان على (٥٨) حديثاً، وانفرد البخاريّ بـ(٢٦)، ومسلم بـ(١٢٦) حديثاً(٢). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي بكر بن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بغير واسطة، وهم المجموعون في قولي: (١) قال البَغَوِيُّ: هذا وَهَمٌ، بل آخرهم سهل بن سعد ظُه. ((الإصابة)) ١/ ٥٤٧. (٢) هكذا قال ابن الجوزيّ في كتابه ((المنتقى))، والذي في برنامج الحديث أن له في (صحيح مسلم)) (٤١٤) حديثاً، فليُحرّر. ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاءُ اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَةْ فِي تِسْعَةٍ مِنْ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ ابْنُ الْعَلَاءِ وَزِيَادٌ يُخْتَذَى وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد رجاله كلهم كوفيّون، إلا جابراً، فمدنيّ، وأبا سفيان فواسطيّ، ويقال: مكيّ. ٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى عن الأعمش، كما سبق في ترجمته . ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان، وهو راويته. ٧ - (ومنها): أن فيه جابراً تظله أحد المكثرين السبعة من الصحابة ، كما أسلفنا عدد مرويّه آنفاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) رَظُه أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ) ببناء الفعل للفاعل، و((النبيّ)) مفعول مقدّم، والفاعل قوله: (النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ) - بقافين مفتوحتين، بينهما واو ساكنةٌ، وآخره لام - هو: النعمان بن قَوْقَل بن أصرم بن فِهْر بن ثَعْلبة بن غَنْم بن عَوْف. ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق فيمن استُشْهِد بأَحُد، وكان شهد بدراً، وقال ابن حبّان له صحبة. وأخرج البغوي من طريق خالد بن مالك الجعدي قال: وجدت في كتاب أبي أن النعمان بن قوقل الأنصاري قال: أقسمت عليك يا رب أن لا تغيب الشمس حتى أطأ بعَرْجتي في خضر الجنة، فقال رسول الله وَ له: ((لقد رأيته يطأ فيها، وما به من عَرَج)). وأخرج ابن قانع، وابن منده من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن الحسن بن الحسن، عن أبي ثابت بن شداد بن أوس قال: قال النعمان بن قوقل ... فذكر نحوه. قال ابن منده: يُرْوَى هذا الحديث لعمرو بن الْجَمُوح. وأخرج مسلم من طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن الأعمش، عن ٢٧٩ (٤) - بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ الَّذِي يُدْخَلُ بِهِ الْجَنَّةُ ... إلخ - حديث رقم (١١٦) أبي سفيان، وأبي صالح، عن جابر نحو حديث قبله، مَتْنُهُ أتى النبي وَّ النعمانُ بن قوقل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحَرَّمت الحرام، وأحللت الحلال، أدخل الجنة؟ قال: (نعم))، وتابعه أبو حمزة، عن الأعمش، أخرجه ابن منده، وأخرجه من وجه آخر، عن أبي حمزة، فقال: عن أبي سفيان، عن جابر، وعن أبي صالح، عن أبي سعيد، وأخرجه الطبراني في (مسند النعمان بن قوقل)) من طريق جابر بن نوح، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، عن النعمان، أنه جاء رسولَ الله ◌َللر، فذكر نحوه، وهو مرسل، ولعل أبا صالح أراد عن قصة النعمان، ولم يرد الرواية عنه، وإنما الرواية عنه، عن جابر، وقد رواه عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر، عن النعمان، أخرجه ابن منده أيضاً، وقد رواه موسى بن داود، عن ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النعمان جاء إلى النبي وَلّل، ورواه يزيد بن جعدبة، عن أبي الزبير، فقال: عن جابر: أخبرني النعمان، أخرجه ابن قانع، وابنُ منده من طريقه، وابن جعدبة، وله ذكر في حديث أبي هريرة عند البخاري، أخرجه من طريق عنبسة بن سعيد عنه، قال: أتيت النبي ◌َّ﴿ بعد أن فتح خيبر، فقلت: يا رسول الله، أَسْهِمْ لي، فقال أبان بن سعيد بن العاص: لا تُعْطِه، فقلت: هذا قاتلُ ابنٍ قوقل، ويقال: إن قوقلاً لقب، واسمه ثعلبة، أو مالك بن ثعلبة، وقد غاير أبو عمر بين النعمان بن قوقل، والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وتعقبه ابن الأثير. [تنبيه]: النعمان بن قوقل صحابيّ آخر، فرق أبو حاتم بينه وبين الذي قبله، وقال في هذا: إنه نزل الكوفة، ورَوَى عنه بلال بن يحيى، وأخرجه البخاري من طريق حبيب بن سليم، عن بلال، عن النعمان بن قوقل، قال: قلت: يا رسول الله، ما أتعلم من القرآن شيئاً إلا انفلت مني، فوالذي أنزل عليك الكتاب، ما من شيء أحبُّ إلي من الله ورسوله، قال: ((يا ابن قوقل، المرء مع من أحب، وله ما احتسب))، وأخرج الطبراني في ترجمة الذي قبله من طريق منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: جاء النعمان بن قوقل يوم الجمعة ورسول الله وقلقه يخطب، فأمره أن يصلي ركعتين، يتجوَّز فيهما . ٢٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان وأخرجه ابن شاهين من طريق هدبة بن المنهال، عن الأعمش كذلك، قال الحافظ: وعندي أنه بهذا أليق. انتهى(١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ) أي اجتنبتُ الحرام، معتقداً حرمته (وَأَحْلَلْتُ الْحَلَال) أي اعتقدتُ حلّه، قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: أما تحريم الحرام فالظاهر أنه أراد به أمرين: أن يعتقده حراماً، وأن لا يفعله، بخلاف تحليل الحلال، فإنه يكفي فيه مجرّد اعتقاده. انتهى(٢). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني اكتسبت الحلال، وامتنعتُ عن كسب الحرام، هذا عُرْفُ الحلال والحرام في الشرع، وأما في أصل الوضع فيصلح أن يُطلق الحلال على كلّ ما للإنسان أن يفعله شرعاً، ولا يمتنع منه، والحرام على ما مُنِع الإنسان من فعله مطلقاً. انتهى(٣)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟) أي دخولاً أوّليّاً بغير تقدّم عذاب (فَقَّالَ النَّبِيُّ وَّهِ: نَعَمْ) أي تدخل الجنة كذلك. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر ظله هذا، تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالی. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في ((الإيمان)) (١١٦/٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عنه و(٤/ ١١٧) عن حجاج بن الشاعر، والقاسم بن زكريا، كلاهما عن عبيد الله بن (١) ((الإصابة)) ٣٥٥/٦ - ٣٥٦. (٢) ((صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط)) ص ١٤٤. (٣) ((المفهم)) ١٦٧/١ - ١٦٨.