Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
وروى عنه ابنه عَوْن، والقطان، وابن المبارك، ووكيع، ومعتمر بن
سليمان، وسفيان بن حبيب، ويوسف بن يعقوب السَّدُوسيّ، ومعاذ بن معاذ،
وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقة وزيادة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن
معين، وأبو داود(١): ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: ثقة.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة. وقال الساجيّ: صدوقٌ يَهِمُ، ونَقَلَ
أن ابن معين ضَعَّفه، وتبعه الأزديّ في نقل ذلك. وذكره ابن حبان في
(الثقات))، وقال: مات سنة تسع وأربعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٩)
و(٨٦٠) و(١٠٦٩) و(١١٧٣) و(١٢٠٩) و(١٣٨٤) و(١٩٥٤) و(٣٣٨٥)
و(٣٦١٢).
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصَيب الأسلميُّ أبو سهل المروزيّ، قاضي
مَرْوَ، أخو سليمان، وكانا توأمين، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن
مسعود، وعبد الله بن مُغَفَّل، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعائشة،
ويحيى بن يعمر وجماعة.
وروى عنه بشير بن المهاجر، وسهل بن بشير، وحسين بن واقد
المروزيّ، وداود بن أبي الفُرَات، وسعيد الْجُرَيريّ، وكهمس بن الحسن،
ومالك بن مغول، وغيرهم.
قال الأثرم عن أحمد: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله
ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لسليمان أَحْمَدَ منهم لعبد الله،
وقال في رواية أخرى عن وكيع: كان سليمان أصحهما حديثاً. وقال عبد الله بن
أحمد عن أبيه: عبد الله بن بُريدة الذي رَوَى عنه حسين بن واقد ما أنكرهما!
وأبو المنيب أيضاً. وقال ابن معين، والعجليّ، وأبو حاتم: ثقة. وقال
أبو تُمَيلة، عن رُمَيح الطائي، عن عبد الله بن بريدة: وُلِدتُ لثلاث خَلَوْن من
(١) بالرفع عطف على: ابنُ أبي خيثمة.

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
خلافة عمر رَظُه. وقال أحمد بن سَيّار المروزي: مات بقرية من قرى مَرْوَ،
وكان بينه وبين موت أخيه سليمان عشر سنين، وتُوُفِّي عبدُ الله في ولاية أسد بن
عبد الله على القضاء. وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): قال أبو زرعة: لم
يَسمع من عُمَر. وقال الدارقطنيّ في (كتاب النكاح)) من (السنن)): لم يسمع من
عائشة. وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، كوفيّ، نزل البصرة. وقال أبو القاسم
البغويّ: حدثني محمد بن علي الْجُوزجانيّ قال: قلت لأبي عبد الله - يعني
أحمد بن حنبل -: سمع عبد الله من أبيه شيئاً؟ قال: ما أدري، عامة ما يُرْوَى
عن بُريدة عنه، وضَعَّف حديثه. وقال إبراهيم الحربي: عبد الله أَتَمُّ من
سليمان، ولم يسمعا من أبيهما، وفيما رَوَى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة،
وسليمان أصحُّ حديثاً، ويُتَعَجَّب من الحاكم مع هذا القول في ابن بريدة، كيف
يزعُم أن سند حديثه من رواية حسين بن واقد عنه، عن أبيه، أصح الأسانيد
لأهل مَرْوَ.
وقال ابن حبان: وُلِد عبد الله سنة (١٥)، وهو وأخوه سليمان تَوْأَم،
ومات سليمان، وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠)، ووَلِي أخوه بعده القضاء
إلى أن مات سنة خمس وعشرة ومائة، فعلى هذا يكون عُمْرُ عبد الله مائة سنة،
وقد قيل: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً.
٧ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) - بفتح التحتانيّة، والميم، بينهما مهملة ساكنة - أبو
سليمان، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو عَديّ الْقَيْسِيُّ الْجَدَليّ البصريّ، ثم
المروزيّ قاضيها، ثقة، فصيحٌ، يرسل [٣].
رَوَى عن عثمان، وعلي، وعمار، وأبي ذر، وأبي هريرة، وأبي موسى
الأشعري، وأبي سعيد، وعائشة، وسليمان بن صُرَد، وابن عباس، وابن عمر،
وجابر، وأبي الأسود الديليّ، وجماعة.
وروى عنه يحيى بن عَقِيل، وسليمان التيمي، وعبد الله بن بريدة، وقتادة،
وعكرمة، وعطاء الخرساني، والرُّكَين بن الرَّبِيع، وعُمر بن عطاء بن أبي
الْخُوَار، وعبد الله بن كليب السدوسيّ، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سُويد،
وغيرهم.

٦٣
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال الآجري: قلت لأبي
داود: سمع من عائشة؟ قال: لا. وقال الحسين بن الوليد، عن هارون بن
موسى: أَوَّلُ من نَقَّطَ المصاحف يحيى بن يعمر. وقال قيس بن الربيع، عن
عبد الملك بن عُمير: فصحاء الناس ثلاثة: موسى بن طلحة، ويحيى بن يعمر،
وقبيصة بن جابر. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من فصحاء أهل
زمانه، وأكثرهم علماً باللغة، مع الورع الشديد، وكان على قضاء مرو، ولّاه
قتيبة بن مسلم. وقال الدارقطني: لم يَلْقَ عَمّاراً، إلا أنه صحيح الحديث عمن
لقيه. وقال أبو داود: بينه وبين عمار رجل. وقال ابن سعد: كان نحويّاً،
صاحب علم بالعربية والقرآن، وَلِيَ القضاء بمرو، وكان يقضي باليمين
والشاهد، وكان ثقة. وقال الحاكم أبو عبد الله في ((تاريخ نيسابور)): يحيى بن
يعمر فقيهٌ أديبٌ نحويٌّ مُبَرِّزٌ، تابعيٍّ، وأكثر روايته عن التابعين، وأخذ النحو
عن أبي الأسود الدِّيليِّ، نفاه الحجاج إلى مرو، فقبله قُتيبة بن مسلم، وقد
قضى في أكبر مُدُن خراسان، وكان إذا انتقل من بلد استَخْلَف على القضاء
بها. وقال أبو الحسن علي بن الأثير الجزريّ في ((الكامل)): مات سنة تسع
وعشرين ومائة، كذا قال، وفيه نظر، وقال غيره: مات في حدود العشرين،
وقال أبو الفرج بن الجوزي: مات سنة تسع وثمانين، وقيل: إن قتيبة عزله لَمّا
بلغه أنه يشرب الْمُنَصَّف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٩)
و(٩٣) و(١٣٨) و(٨٥٩) و(١١٨١) و(١٦٧٤) و(٤٧٩٠) و(٤٨٩٤).
٨ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد الْعُزّى بن رِيَاح بن
قُرْط بن رَزَاح بن عديّ بن كعب بن لُؤيّ بن غالب القرشيّ الْعَدَويّ، أبو
عبد الرحمن المكيّ، ثم المدنيّ الإمام القدوة، شيخ الإسلام، أسلم قديماً،
وهو صغير، وهاجر مع أبيه، واستُصغِر في أُحُد، ثم شَهِد الخندق، وبيعة
الرضوان والمشاهد بعدها .
رَوَى عن النبيّ وَّ، وعن أبيه، وعمه زيد، وأخته حفصة، وأبي بكر،
وعثمان، وعلي، وسعيد، وبلال، وزيد بن ثابت، وصُهَيب، وابن مسعود،
وغيرهم.
،
وعائشة، ورافع بن خَدِیج

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ورَوَى عنه أولاده: بلال، وحمزة، وزيد، وسالم، وعبد الله، وعبيد الله،
وعمر، وابن ابنه أبو بكر بن عبيد الله، وابن ابنه الآخر محمد بن زيد، وابن
ابنه الآخر عبد الله بن واقد، وابن أخيه حفص بن عاصم بن عمر، وابن أخيه
الآخر عبد الله بن عبيد الله بن عمر، ومولاه نافع، وأسلم، مولى عمر، وزيد،
وخالد ابنا أسلم، وعروة بن الزبير، وموسى بن طلحة، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، وعامر بن سعد، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن
المسيب، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي
بكر، ومصعب بن سعد، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وأنس بن سيرين،
ويُسْر بن سعيد، وبكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني، وجَبَلَة بن سُحَيم،
وحرملة مولى أسامة بن زيد، والحكم بن ميناء، وحكيم بن أبي حُرّة،
وحميد بن عبد الرحمن الْحِمَيريّ، وأبو صالح السمان، وزاذان أبو عمر،
وخلق كثير.
قالت حفصة هنا: سمعت رسول الله وَ* يقول: ((إن عبد الله رجلٌ
صالحٌ)). وقال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا
لَعَبدَ الله بن عمر. وقال جابر: ما منا أحدٌ أدرك الدنيا إلا مالت به، ومال بها
إلا ابن عمر. وقال ابن المسيب: مات يوم مات، وما في الأرض أحبّ إليّ
أن ألقى الله بمثل عمله منه، وقال الزهريّ: لا نَعْدِل برأيه أحداً. وقال مالك:
أفتى الناس ستين سنة. وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر. وقال أبو نعيم
الحافظ: أُعطي ابن عمر القوة في الجهاد، والعبادة، والْبِضَاع، والمعرفة
بالآخرة، والإيثار لها، وكان من التمسك بآثار النبي ◌َّله بالسبيل المتين، وما
مات حتى أَعْتَق ألف إنسان أو أزيد، وتُوُفّي بعد الحج. وعن عبد الله بن دينار
قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة، فعرّسنا، فانحدر علينا راع من جبل، فقال
له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم، قال: بعني شاةً من الغنم، قال: إني مملوك،
قال: قل لسيّدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله رَمَن؟ قال ابن عمر: فأين الله؟
ثم بكى، ثم اشتراه بعدُ، فأعتقه، وفي رواية: فأعتقه، واشترى له الغنم. وعن
عاصم بن محمد عن أبيه قال: أعطى عبد الله بن جعفر بن عمر بنافع عشرة
آلاف، فدخل على صفيّة امرأته فحدّثها، قالت: فما تنتظر؟ قال: فهلّا ما هو

٦٥
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
خير من ذلك، هو حرّ لوجه الله، فكان يُخيّل إليّ أنه كان ينوي قول الله تعالى:
﴿لَنْ تَنَالُواْ الْرَّ حَتََّ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وعن عمر بن محمد بن
زيد، عن أبيه أن ابن عمر كاتب غُلاماً له بأربعين ألفاً، فخرج إلى الكوفة،
فكان يعمل على حمر له، حتى أدى خمسة عشر ألفاً، فجاءه إنسان، فقال:
أمجنون أنت؟ أنت هاهنا تُعذّب نفسك، وابن عمر يشتري الرقيق يميناً
وشمالاً، ثم يُعتقهم، ارجع إليه، فقل: عجزتُ، فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا
أبا عبد الرحمن قد عجزتُ وهذه صحيفتي، فامحها، فقال: لا، ولكن امحها
أنت إن شئت، فمحاها، ففاضت عينا عبد الله، وقال: اذهب فأنت حرّ، قال:
أصلحك الله أحسن إلى ابنيّ، قال: هما حرّان، قال: أصلحك الله أحسن إلى
أُمَّي وَلَدَيَّ، قال: هما حرّتان(١).
وعن نافع قال: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتّبع رسول الله وَّة لقلت:
هذا مجنون. وعن مالك عمن حدّثه أن ابن عمر كان يتبع أمر رسول الله وله
وآثاره وحاله، ويهتمّ به حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك. وعن
عبد الله بن عمر، عن نافع أن ابن عمر كان يتّبع آثار رسول الله وَّ كلّ مكان
صلّى فيه، حتى إن النبيّ وَل# نزل تحت شجرة، فان ابن عمر يتعاهد تلك
الشجرة، فيصبّ في أصلها الماء لكيلا تيبس(٢). وعن نافع قال: ما مات ابن
عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد(٣). وعن مجاهد قال: قال ابن عمر: لقد
أعطيت من الجماع شيئاً ما أعلم أحداً أعطيه إلا أن يكون رسول الله وَ له.
وعن سالم عن ابن عمر قال: إني لأظن قُسم لي منه ما لم يُقسم لأحد إلا
للنبيّ ◌َ﴿، وقيل: كان ابن عمر يُفطر أول شيء على الوطء.
ورُوِي عن ابن المسيب أنه شَهِدَ بدراً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا خطأ وغلطً؛ لأنه ثبت في
(صحيح البخاري) أنه قال: عُرِضت على رسول اللهوَ ﴿﴿ يوم أحد، وأنا ابن
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٦/٣ - ٢١٨.
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٣/٣.
(٣) إسناده صحيح. ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٨/٣ - ٢١٩.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
أربع عشرة سنة، فلم يُجِزني، وعُرضتُ يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة
سنةً، فأجازني. وقال ابن منده: شَهِدها، وشَهِد أحداً من غير إجازة. وذَكَر
الزبير أن عبد الملك لَمّا أرسل إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شَقّ عليه
ذلك، فَأَمَر رجلاً معه حَرْبةٌ، يقال: إنها كانت مسمومةً، فلما دفع الناسُ من
عرفة لَصِقَ ذلك الرجل به، فَأَمَرّ الحربة على قدمه، فمَرِضَ منها أياماً، ثم
×له،
مات رضائه .
وقال الزبير: هاجر وهو ابن عشر سنين، ومات سنة ثلاث وسبعين،
وكذا أرّخه غير واحد. وقال ابن سعد: مات سنة (٧٤)، قال ابن زَبْر: وهو
أثبت. وقال رجاء بن حَيْوة: أتانا نَعْيُ ابن عمر، ونحن في مجلس ابن
مُحَيريز، فقال ابن محيريز: والله إن كنت أَعُدُّ بقاء ابن عمر أماناً لأهل
الأرض. ومناقبه وفضائله كثيرةٌ جدّاً.
أخرج له الجماعة، وله في ((مسند بَقِيّ بن مَخْلَد)) من الأحاديث (٢٦٣٠)
حديثاً بالمكرّر، اتفق الشيخان على (١٦٨) حديثاً، وانفرد البخاريّ بـ (٨١)
ومسلم بـ (٣١) حديثاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر الحافظ الذهبيّ في ((سير أعلام
النبلاء)) ٢٣٨/٣، وهذا مخالف لما ثبت في برنامج الحديث، فقد أثبت
للبخاريّ (٧٩) حديثاً، وللمصنّف (٥٦٦) حديثاً، فبينهما بون عظيم، والذي
يظهر أن ما في البرنامج أقرب إلى الصواب، فليُحرّر، والله أعلم.
٩ - (عمر بن الخطاب) بن نُفَيْلِ القرشيّ العدويّ، ثاني الخلفاء
الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة، استُشْهِد نظره في ذي الحجة سنة
(٢٣ هـ) (ع) تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٩/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، غير شيخه زُهير، فما
أخرج به الترمذيّ، وعبيدِ الله بنِ معاذ، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المراوزة.

٦٧
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتّصال،
على الراجح في ((عن)) من غير المدّس بالشرط الذي سبق بيانه في شرح
المقدّمة، وهو أن يكون الْمُعَنْعِنُ لقي المعنعن عنه، وسمع منه على القول الذي
رجحته هناك، أو عاصره مع إمكان اللقيّ على ما هو مذهب المصنّف، وقد
استوفيت تحقيق ذلك في محلّه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: كهمس،
عن عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر.
٦ - (ومنها): أن جملةَ من اسمه كَهْمَس في الكتب الستّة اثنان فقط، هذا
عند الجماعة، وكهمس بن المنهال السدوسيّ البصريّ اللؤلؤيّ صدوقٌ رُمي
بالقدر من الطبقة التاسعة، عند البخاريّ فقط.
٧ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيٍّ، والابن عن أبيه: عبد بن
عمر عن أبيه حقًّا.
٨ - (ومنها): أن كهمساً، وابن بُريدة، ويحيى بن يعمر هذا أول محلّ
ذكرهم من هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لكهمس تسعة أحاديث فقط،
ولابن بريدة (١٨) حديثاً، وليحيى ثمانية أحاديث فقط، وقد ذكرتها آنفاً.
٩ - (ومنها): أن الإمام مسلماً تَّتُ سلك في هذا الكتاب طريقةً في
الإتقان، والاحتياط، والتدقيق، والتحقيق، مع الاختصار البليغ، والإيجاز
التامّ، في نهايةٍ من الحسن، مُصَرِّحةٍ بغزارة علومه، ودقة نظره وحذقه، وذلك
يظهر في الإسناد تارةً، وفي المتن تارةً، وفيهما تارةً، فينبغي للناظر في كتابه
أن ينتبه لهذا، فإنه يجد عجائب من النفائس والدقائق، تَقَرُّ بآحاد أفرادها عينه،
وينشرح لها صدره، وتُنَشِّطه للاشتغال بهذا العلم.
قال النوويّ تَخُّْهُ بعد ذكره ما سبق: ولا يُعْرَف أحدٌ شارك مسلماً في هذه
النفائس التي يشير إليها، من دقائق علم الإسناد، وكتاب البخاريّ وإن كان
أصحّ وأجلّ، وأكثر فوائدَ في الأحكام والمعاني، فكتاب مسلم يَمتاز بزوائدَ من
صَنْعَة الإسناد، وسترى مما أنبه عليه من ذلك ما يَنشرح له صدرك، ويزداد به

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
الكتاب، ومصنِّفُهُ في قلبك جلالةً - إن شاء الله تعالى -، انتهى(١).
قال: فإذا تقرر ما قلته، ففي هذه الأحرف التي ذكرها من الإسناد أنواع
مما ذكرته.
فمن ذلك أنه قال أوّلاً: ((حدثني أبو خيثمة))، ثم قال في الطريق الآخر:
((وحدثنا عبيد الله بن معاذ))، ففرّق بين ((حدثني))، و((حدثنا))، وهذا تنبيه على
القاعدة المعروفة عند أهل الصَّنْعَة، وهي أنه يقول فيما سمعه وحده من لفظ
الشيخ: ((حدثني))، وفيما سمعه مع غيره من لفظ الشيخ: ((حدثنا))، وفيما قرأه
وحده على الشيخ: ((أخبرني))، وفيما قُرئ بحضرته في جماعة على الشيخ:
((أخبرنا))، وهذا اصطلاح معروف عندهم، وهو مستحب عندهم، ولو تركه،
وأبدل حرفاً من ذلك بآخر صَحّ السماع، ولكن ترك الأَولى. والله أعلم.
وإلى هذا أشار السيوطيّ دَّثُ في ((ألفيّة المصطلح)) بقوله:
وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ ((أَخْبَرَنِي))
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ ((حَدَّثَنِي))
وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئاً (أَخْبَرَنَا))
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً ((حَدَّثَنَا))
أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدْ
وَحَيْثُ شَكَّ فِي سَمَاعٍ أوْ عَدَدْ
١٠ - (ومنها): قوله: في الطريق الأول: ((حدثنا وكيع، عن كهمس، عن
عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر))، ثم في الطريق الثاني أعاد الرواية ((عن
كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى))، فقد يقال: هذا تطويل لا يليق بإتقان
مسلم، واختصاره، فكان ينبغي له أن يَقِفَ بالطريق الأول على وكيع، ويجتمعُ
معاذٌ ووكيعٌ في الرواية عن كهمس، عن ابن بريدة.
قال النوويّ تَخْتُهُ: وهذا الاعتراض فاسد، لا يَصْدُر إلا من شديد الجهالة
بهذا الفن، فإن مسلماً تَخُّْ يسلك الاختصار، لكن بحيث لا يَحصُل فيه خلل،
ولا يفوت به مقصود، وهذا الموضع يحصل في الاختصار فيه خلل، ويفوت به
مقصود .
وذلك لأن وكيعاً قال: ((عن كهمس))، ومعاذاً قال: ((حدثنا كهمس))، وقد
عُلِم بما قدمناه في ((باب المعنعن)) أن العلماء اختلفوا في الاحتجاج بالمعنعن،
(١) ((شرح مسلم)) للنوويّ ١٥١/١.

٦٩
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
ولم يختلفوا في المتصل بـ ((حدثنا))، فأتى مسلم ◌َُّ بالروايتين كما سُمِعَتَا؛
لِيُعْرَف المتفق عليه من المختلف فيه، وليكون راوياً باللفظ الذي سمعه، ولهذا
نظائر في مسلم ستراها مع التنبيه عليها - إن شاء الله تعالى - وإن كان هذا
ظاهراً لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن، إلا أني أُنَبِّه عليه لغيرهم، ولبعضهم ممن
قد يَغْفُلُ، وكلهم من جهة أخرى، وهو أن يُسقِطُ عنهم النظرَ، وتحريرَ العبارة
عن المقصود.
وهنا أيضاً مقصود آخر، وهو أن في رواية وكيع قال: ((عن عبد الله بن
بريدة))، وفي رواية معاذ قال: ((عن ابن بريدة))، فلو أتى بأحد اللفظين حَصَل
خللٌ، فإنه إن قال: ((ابن بريدة)) لم نَدْرِ ما اسمه؟ وهل هو عبد الله هذا أو
أخوه سليمان بن بريدة))؟ وإن قال: ((عبد الله بن بريدة)) كان كاذباً على معاذ،
فإنه ليس في روايته ((عبد الله))، والله أعلم.
وأما قوله في الرواية الأولى: ((عن يحيى بن يعمر)) فلا يظهر لذكره أوّلاً
فائدة، وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن لا يذكروا ((يحيى بن يعمر))؛ لأن
الطريقين اجتمعتا في ((ابن بريدة))، ولفظهما عنه بصيغة واحدة.
قال النوويّ: إلا أني رأيت في بعض النسخ في الطريق الأولى: ((عن
يحيى))، فحسبُ، وليس فيها ((ابن يعمر))، فإن صحّ هذا فهو مزيل للإنكار الذي
ذكرناه، فإنه يكون فيه فائدةٌ، كما قرّرناه في ((ابن بريدة)). انتهى كلام النوويّ
رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): قوله: ((حدثنا عبيدُ الله بن معاذ، وهذا حديثه))، فهذه عادة
لمسلم تَخْتُهُ، قد أكثر منها، وقد استعملها غيره قليلاً، وهي مُصَرِّحةٌ بما سبق
من بيان شدّة تحرّي مسلم كَّلُ، وورعه، واحتياطه، ومقصودُهُ أن الراويين
اتّفقا في المعنى، واختلفا في بعض الألفاظ، وهذا الذي أورده هنا هو لفظ
عبيد الله عن أبيه، وأما أبو خيثمة عن وكيع، فقد رواه بمعناه. والله تعالى
أعلم.
١٢ - (ومنها): كتابة: (ح) بعد يحيى بن يعمر في الرواية الأولى، فهي
حاء التحويل، من إسناد إلى إسناد آخر، فيقرؤها القارئ إذا انتهى إليها كما
كُتبت، فيقول: (((ح) قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ .. )) إلخ، وهذا هو

٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
المختار كما أسلفنا بحثه في مقدّمة شرح ((المقدّمة))، وإلى هذا أشار
السيوطيّ تَخْثُ في ((ألفيّة الحديث)) حديث قال:
وَكَتَبُوا (ح) عِنْدَ تَكْرِيرٍ سَنَدْ فَقِيلَ مَنْ ((صَحَّ)) وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ
أَوْ حَائِلِ وَقَوْلُهَا لَفْظاً أَسَدّ
مِنَ الْحَدِيثِ أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ
[تنبيه]: نختم به اللطائف الإسناديّة؛ اعتذاراً عن التطويل في بيان هذه
الفوائد الإسناديّة، وكذا ما سيأتي في فوائد الحديث، ومذاهب العلماء، ونحو
ذلك، مما ستراه مطوّلاً - إن شاء الله تعالى - بما ختم به الإمام النوويّ تَُّ
بعد ذكره الفوائد الإسناديّة هنا، قال رحمه الله تعالى: ما نصّه:
فهذا ما حضرني في الحال في التنبيه على دقائق هذا الإسناد، وهو تنبيه
على ما سواه، وأرجو أن يُتَفَطَّن به لما عداه، ولا ينبغي للناظر في هذا الشرح
أن يَسْأَم من شيء من ذلك، يجده مبسوطاً واضحاً، فإني إنما أقصد بذلك - إن
شاء الله الكريم - الإيضاح، والتيسير، والنصيحة لمطالعه، وإعانته، وإغنائه من
مراجعة غيره في بيانه، وهذا مقصود الشروح، فمن استطال شيئاً من هذا،
وشبهه فهو بعيد من الإتقان، مباعد للفلاح في هذا الشأن، فَلْيُعَزِّ نفسَهُ؛ لسوء
حاله، وليرجع عما ارتكبه من قبيح فِعاله، ولا ينبغي لطالب التحقيق، والتنقيح،
والإتقان، والتدقيق، أن يلتفت إلى كراهة، أو سآمة ذوي البطالة، وأصحاب
الغباوة والمهانة والملالة، بل يَفْرَح بما يَجده من العلم مبسوطاً، وما يصادفه
من القواعد والمشكلات واضحاً مضبوطاً، ويحمد الله الكريم على تيسيره،
ويدعو لجامعه الساعي في تنقيحه وإيضاحه وتقريره، وفّقنا الله الكريم لمعالي
الأمور، وجَنَّبَنَا بفضله جميع أنواع الشرور، وجمع بيننا وبين أحبابنا في دار
الْحُبُور والسرور. والله تعالى أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى(١).
فيا أيها الأخ الحبيب، والطالب اللبيب عليك أن تجعل نصيحة هذا
الإمام المحقّق نُصْب عينيك، كلما استشعرت بشيء من التكرار والتطويل
في هذا الشرح؛ لتظفر بكنوز العلوم الحديثيّة، من الفوائد الإسناديّة،
(١) ((شرح مسلم)) ١٥٢/١ - ١٥٣.

٧١
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
والمتنيّة، وغيرها، فإن ذلك هو المقصود الأعظم من قراءة كتب الحديث،
زادني الله تعالى وإياك الحرص على التحقيق، والغوص في علم الحديث، فإنه
البحر الْخِضَمّ العميق، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم، والله تعالى أعلم
بالصواب.
[تنبيهً آخر]: حديث عمر ظل هذا لم يخرجه البخاريّ في ((صحیحه))،
فذكر في ((الفتح)) سبب ذلك، فقال: إنما لم يخرجه؛ للاختلاف فيه على بعض
رواته، فمشهوره رواية كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن
يعمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب، رواه عن كهمس
جماعة من الحفاظ، وتابعه مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، وتابعه سليمان
التيمي، عن يحيى بن يعمر، وكذا رواه عثمان بن غياث، عن عبد الله بن
بريدة، لكنه قال: عن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرحمن معاً، عن ابن
عمر، عن عمر، زاد فيه حميداً وحميدٌ له في الرواية المشهورة ذكرٌ، لا روايةٌ،
وأخرج مسلم هذه الطرق، ولم يسق منها إلا متن الطريق الأولى، وأحال
الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير، سنشير إلى بعضه، فأما رواية مطر،
فأخرجها أبو عوانة في ((صحيحه)) وغيره، وأما رواية سليمان التيمي، فأخرجها
ابن خزيمة في ((صحيحه)) وغيره، وأما رواية عثمان بن غياث، فأخرجها أحمد
في ((مسنده))، وقد خالفهم سليمان بن بريدة، أخو عبد الله، فرواه عن يحيى بن
يعمر، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما نحن عند النبي ◌َّ، فجعله من مسند
ابن عمر، لا من روايته عن أبيه، أخرجه أحمد أيضاً، وكذا رواه أبو نعيم في
((الحلية)) من طريق عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، وكذا رُوِي من طريق
عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني.
وفي الباب: عن أنس، أخرجه البزار، والبخاري في ((خلق أفعال
العباد)»، وإسناده حسن، وعن جرير البجلي، أخرجه أبو عوانة في ((صحیحه))،
وفي إسناده خالد بن يزيد، وهو العمري، ولا يصلح للصحيح، وعن ابن
عباس، وأبي عامر الأشعري، أخرجهما أحمد، وإسنادهما حسن، وفي كل من
هذه الطرق فوائد، سنذكرها - إن شاء الله تعالى - في أثناء الكلام على حديث
الباب - يعني حديث أبي هريرة ﴿به الآتي - قال: وإنما جمعت طرقها هنا،

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
وعزوتها إلى مخرِّجيها؛ لتسهيل الحوالة عليها، فراراً من التكرار، المباين
لطريق الاختصار. انتهى كلام صاحب ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا - بعون الله تعالى - سألخّص ما ذكره
صاحب ((الفتح)) وغيره من اختلاف هذه الطرق، وما احتوت عليه من الفوائد
في شرح هذا الحديث - إن شاء الله تعالى - والله تعالى وليّ التوفيق، ومنه
العون والعصمة، وعليه التكلان.
شرح الحديث :
(عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله المذكور في السند الماضي (عَنْ يَحْيَى بْنِ
يَعْمَرَ) - بفتح الميم، ويقال: بضمها، وهو غير مصروف؛ لوزن الفعل، أنه
(قَالَ: كان أَوَّلَ من قال في القدر) وفي بعض النسخ: ((بالقدر)) بالموحّدة،
والمراد أَوَّلُ من قال بنفي القدر، فابتدع، وخالف الصواب الذي عليه أهل
الحق، و((القدر)) - بفتح الدال، وإسكانها لغتان مشهورتان، وحكاهما ابن قتيبة
عن الكسائي، وقالهما غيره(٢).
يقال: قَدَرْتُ الشيءَ مخفّفَ الدال، أَقْدِره، وأَقْدُرُه، من بابيّ ضرب،
ونصر، قَدْراً بسكون الدال، وقَدَراً بفتحتين: إذا أحطتَ بمقداره، ويقال فيه:
قدّرت أُقدّر تقديراً مشدّد الدال للمبالغة، فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء،
فمعناه أنه تعالى عَلِمَ مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد
منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه، فلا مُحْدَثَ في
العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته. هذا
هو المعلوم من دين السلف الماضين، والذي دلّت عليه البراهين، وقد حكى
أرباب المقالات عن طوائف من القدريّة إنكار كون الباري ﴿ عالِماً بشيء من
أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قالوا: لأنه لا فائدة
لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو على الله تعالى محال، وهذا هو الذي
(١) راجع ((الفتح)) ١٥٨/١ - ١٥٩.
(٢) ((شرح مسلم)) للنوويّ ١٥٣/١ - ١٥٤.

٧٣
(١) - بَابِ بَيّانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَام ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
أنكرهُ عليهم ابن عمر ◌ًا، وتبرّأ منهم، وسيأتي تمام البحث فيه في ((المسألة
الخامسة)) - إن شاء الله تعالى -.
(بِالْبَصْرَةِ) - بفتح الباء الموحّدة، وضمها، وكسرها ثلاث لغات، حكاها
الأزهريّ، والمشهور الفتح، ويقال لها: الْبُصَيرة بالتصغير، قال صاحب
((المطالع)): ويقال لها: تَدْمُر، ويقال لها: المؤتفكة؛ لأنها انْتُفِكَت بأهلها في
أوّل الدهر، والنسب إليها بَصْريّ - بفتح الباء، وكسرها، وجهان مشهوران،
قال السمعانيّ: يقال: البصرة قُبَّةُ الإسلام، وخزانة العرب، بناها عُتْبة بن
غَزْوَان في خلافة عمر بن الخطاب ظُبه بناها سنة سبع عشرة من الهجرة،
وسَكّنها الناس سنة ثماني عشرة، ولم يُعْبَد الصنم قط على أرضها، هكذا كان
يقول لي أبو الفضل، عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة، قال
أصحابنا: والبصرة داخلة في أرض سواد العراق، وليس لها حكمه(١). انتهى
كلام السمعانيّ.
(مَعْبَدٌ) - بفتح الميم -، وسكون العين المهملة، وفتح الموحّدة - (الْجُهَنِيُّ)
- بضمّ الجيم: نسبة إلى جُهَينة؛ لأن القاعدة أنه إذا نُسب إلى فُعَيْلَة مصغّراً،
وإلى فَعِيلَة مكبّراً تُحذف ياؤه، وتفتح اللام، كما قال في ((الخلاصة)):
وَفَعَلِيٍّ فِي فَعِيلَةَ الْتُزِمْ وَفُعَلِيُّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ
قال السَّمْعاني في ((كتاب الأنساب)): ((الْجُهَنِيٌّ)) - بضم الجيم، وفتح
الهاء -: نسبة إلى جُهَينة، وهي قبيلةٌ من قُضَاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن
أسلم بن الحاف بن قُضَاعة، نزلت الكوفة، وبها محلة تنسب إليهم، وبعضهم
نزل البصرة، قال: وممن نزل جهينة، فُنُسب إليهم مَعبْدَ بن خالد الْجُهَنيّ، كان
يجالس الحسن البصري، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل
البصرة بعده مسلكه، لَمّا رأوا عَمْرو بن عُبَيد ينتحله، قتله الحجاج بن يوسف
صَبْراً، وقيل: إنه معيد بن عبد الله بن عُويمر. انتهى كلام السمعانيّ(٢).
وفي (تهذيب التهذيب)): ((معبد)) الْجُهَنِيّ البصريّ، يقال: إنه ابن عبد الله بن
(١) ((الأنساب)) ٣٧٩/١.
(٢) ((الأنساب)) ١٦٦/٢ - ١٦٧.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
عُكَيم، ويقال: ابن عبد الله بن عُوَيمِر، ويقال: ابن خالد، رَوَى مرسلاً عن
حذيفة بن اليمان، وعمر، وعثمان، وغيرهم، وروى عنه الحسن، وقتادة،
ومالك بن دينار، ومعاوية بن قرة، وعوف الأعرابي، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة. وقال إسحاق بن
منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً في الحديث، وكان
أول من تكلم في القدر بالبصرة، وكان رأساً في القدر، قَدِمَ المدينة فأفسد بها
أُناساً. وذكره أبو زرعة الرازي في أسامي الضعفاء، ومن تُكُلُّم فيهم. وقال
الدارقطني: حديثه صالح، ومذهبه رديء. وقال محمد بن شعيب بن شابور عن
الأوزاعي: أول من نَطَقَ في القدر رجل من أهل العراق، يقال له: سُوسن،
كان نصرانياً، فأسلم، ثم تنصّر، فأخذ عنه معبد الجهنيّ، وأخذ غَيْلان عن
معبد. وقال مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبيه، وعمه: كان الحسن
يقول: إياكم ومعبداً فإنه ضالّ مُضلّ، وجاء مثل ذلك عن الحسن من وجوه.
وقال أبو سعيد مولى بني هاشم: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جَبْر عن أبيه قال:
قال أصحاب مسلم بن يسار: كان مسلم يقعُد إلى هذه السارية، فقال: إن
معبداً يقول بقول النصارى. وقال ابن عيينة: قال عمرو بن دينار: قال لنا
طاوس: احذروا معبداً. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، عن جعفر
- يعني ابن سليمان - حدثنا مالك بن دينار قال: لقيت معبداً الجهني بمكة بعد
ابن الأشعث، وهو جريح، وقد قاتل الحجاج في المواطن كلها، فقال: لقيت
الفقهاء والناسَ، لم أر مثل الحسن، يا ليتنا أطعناه. وقال ضمرة بن ربيعة، عن
صدقة بن يزيد: قتله الحجاج. وقال خليفة بن خياط: مات بعد الثمانين وقبل
التسعين. وقال إبراهيم بن هشام الغساني: حدثني أبي عن أبيه قال: كان معبدٌ
أولَ من تكلم في القدر، فقتله عبد الملك، وأرَّخ سعيد بن عُفير قتله في سنة
ثمانين، روى له ابن ماجه حديث معاوية: ((إياكم والتمادح)). وقال العجلي:
تابعي ثقةٌ كان لا يُتَّهَم بالكذب. وقال الجوزجاني: كان رأس القدرية.
(١) .
انتھی
(١) ((تهذيب التهذيب)) ١١٦/٤ - ١١٧.

٧٥
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
وفي رواية ابن منده في ((الإيمان)): من طريق المعتمر بن سليمان عن
أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة فيه زَهْوٌ، وكان يَتَوَثَّب على
جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفَرّض الفرائض، وقَصَّ على الناس، ثم إنه صار
من أمره أنه زَعَم أن الْعِلْم أُنُفٌ، من شاء عَمِل خيراً، ومن شاء عمل شرّاً،
قال: فلقيت أبا الأسود الدِّيليَّ، فذكرت ذلك له، فقال: كَذَبَ ما رأينا أحداً
من أصحاب رسول الله وَل﴿ إلا يُثْبِت القدر، ثم إنِّي حججت أنا وحميد بن
عبد الرحمن الحميري ... الحديث.
(فَانْطَلَقْتُ) أي ذهبتُ (أَنَا) ضمير منفصلٌ أتى به ليعطف على الضمير
المتّصل ما بعده، كما قال في ((الخلاصة)):
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
فِي النَّظْم فَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ
(وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالرفع عطفاً على الضمير المتّصل، وحميد
هذا تابعيّ بصريّ، ثقة، تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) عند قوله: ((وأسند
حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ظه، عن النبيّ وَّ أحاديث ... )) إلخ
(الْحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم: نسبة إلى حِمْيَر، من أصول
القبائل باليمن(١) (حَاجَّيْنِ) منصوب على الحال (أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ) الظاهر أن (أو))
للشكّ من الراوي، ووقع في بعض النسخ بالواو التي للجمع، فيكونان
قارنین(٢).
(فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا) بكسر القاف، من باب رَضِي، ((ولو)) هنا بمعنى ((ليت))،
نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
(٣)﴾ [الحجر: ٢]،
ونحو قول امرئ القيس [من الطويل]:
عَلَيَّ حِرَاصاً لَوْ يُشِرُّونَ(٣) مَقْتَلِي
تَجَاوَزْتُ أَخْرَاساً إِلَيْهَا وَمَعْشَراً
(أَحَداً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَسَأَلْنَاهُ) أي ذلك الأحد (عَمَّا يَقُولُ
(١) «لبّ اللباب)) ٢٥٩/١.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ١/ ٥٢.
(٣) من أشرّ الشيءَ: إذا أظهره، ويروى: (لَوْ يُسِرُون)) بالسين المهملة، وهو أجود.
أفاده في ((اللسان)) ٤/ ٤٠٢.

٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ) إشارة إلى معبد وأصحابه، أي عما يتكلّمون به من نفي القدر
(فَوُفِّقَ لَنَا) - بضم الواو، وكسر الفاء المشددة - قال صاحب ((التحرير)): معناه:
جُعِل وَفْقاً لنا، وهو من الموافقة التي هي كالالتحام، يقال: أتانا لِتَيْفَاق
الهلال، ومِيفَاقه: أي حين أَهَلَّ، لا قبله، ولا بعده، وهي لفظة تدل على
صدق الاجتماع والالتئام، وفي ((مسند أبي يعلى الموصلي)): ((فوافق لنا)) بزيادة
ألف والموافقة: المصادفة. قاله النوويّ(١).
(عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﴿ّ، فـ((عَبد الله)) بالرفع على أنه نائب
فاعل ((وُفِّقَ)) (دَاخِلاً الْمَسْجِدَ) منصوب على الحال من ((عبد الله))، والمراد
بالمسجد المسجد النبويّ، فقد بيّنته رواية ابن منده في ((كتاب الإيمان))،
ولفظه من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه،
عن يحيى بن يعمر، وفيه: «فلما قضينا حجنا قلنا: نأتي المدينة، فنلقى
أصحاب رسول الله ﴿، فنسألهم عن القدر، قال: فلما أتيت المدينة ... ))
الحديث.
(فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي) أي صِرْنا في كنفيه، يعني بجانبيه ناحيتيه؛ لأن
كنفا الطائر: جناحاه، وأراد بصاحبه حميد بن عبد الرحمن، ثم فسر الاكتناف
بقوله: (أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ) فيه تنبيه على أدب الجماعة في
مشيهم مع فاضلهم، وهو أنهم يكتنفونه، ويَحُفُّون به. قاله النوويّ.
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: وإنما جاءاه كذلك تأدّباً واحتراماً؛ إذ لو قاما أمامه
لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانب واحد لكلّفاه الميل إليهما، وكانت هذه
الهيئة أحسن ما أمكنهما. انتهى(٢).
ويحتمل - كما قال بعضهم - أنه لكراهة السلف المشي خلف الرجل؛ لما
فيه من الشهرة، أو لكونه أمكن للسؤال. والله تعالى أعلم.
(فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي) أي حميد بن عبد الرحمن (سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ)
معناه: أنه يسكت، ويُفَوِّضه إليّ لإقدامي، وجرأتي، وبَسْطَةٍ لساني، فقد صرّح
في رواية ابن منده بذلك، ولفظه: قال: قلت: تسأله أم أسأله؟ قال: لا، بل
(١) ((شرح النووي)) ١٥٥/١.
(٢) ((المفهم)) ١٣٤/١.

٧٧
(١) - بَابِ بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
تسأله؛ لأني كنت أبسط لساناً منه، وفي رواية: ((فقدّمني حميد للمنطق، وكنت
أجرأ على المنطق منه)).
قال القرطبيّ تَخُّْ: وإنما قال هذا منه اعتذاراً عن توهّم اعتراض يُنسب
إليه فيه قلّة المبالاة بصاحبه، واستئثاره عليه بالمسابقة إلى الكلام، فبيّن وجه
اعتذاره عن ذلك، وذلك أنه عَلِم من صاحبه أنه يَكِلُ الكلام إليه، فإما لكونه
أحسن منه سؤالاً، وأبلغ بياناً، وإما لحياء يَلحَق صاحبه يمنعه من السؤال،
وإما إيثاراً له(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب؛ لكونه صرّح به
في كلامه السابق عند ابن منده، والله تعالى أعلم.
(إِنَّهُ) الضمير للشأن،
(فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر ﴿
أي إن الأمر والشأن (قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ) أي فشا مذهبهم وانتشر، وهو من
الظهور الذي يضادّ الخفاء (يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ) هو بتقديم القاف
على الفاء، ومعناه: يطلبونه، ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه
يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق ابن ماهان: ((يَتَفَقَّرُونَ))، بتقديم
الفاء، وهو صحيح أيضاً، ومعناه يبحثون عن غامضه، ويستخرجون خَفِيَّه،
ورُويَ في غير مسلم: ((يَتَقَفَّوْن)) بتقديم القاف، وحذف الراء، وهو صحيح
أيضاً، ومعناه أيضاً: يتتبعون، قال القاضي عياض: ورأيت بعضهم قال فيه:
(يَتَقَغَّرُون)) بالعين، وفَسَّره بأنهم يطلبون قعره، أي غامضه، وخَفِيَّه، ومنه تَقَعَّرَ
في كلامه: إذا جاء بالغريب منه، وفي رواية أبي يعلى الموصليّ: ((يَتَفَقَّهُون))
بالهاء بدل الراء، وهو ظاهرٌ. قاله النوويّ رحمه الله تعالى(٢).
وقال القرطبيّ تَّتُ: وهذه اللفظة - يعني ((يَتَقَفَّرُونَ)) - بتقديم القاف،
وتأخير الفاء، أي يتّبعون، ويجمعون، يقال: اقتفر أثرَهُ: أي تتبّعه، ورواها أبو
العلاء بن ماهان بتقديم الفاء، وتأخير القاف(٣)، أي إنهم يُخرجون غامضه،
(١) ((المفهم)) ١٣٤/١.
(٢) (شرح المسلم)) ١٥٥/١ - ١٥٦.
(٣) قيل: رواية ابن ماهان أشبه بسياق الحديث؛ لأن تفقّر بتقديم الفاء بمعنى بحث،
وبحث أخصّ من طلب، وهذه الطائفة كانت من الذكاء، وصحّة القريحة بمنزلةٍ؛ =

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ويبحثون عن أسراره، ومنه قول عمر بن الخطاب - وذكر امرأ القيس - فقال:
افتقر عن معانٍ عُورٍ أَصََّ بَصَرٍ، بَصَراً، أي فتح عن معانٍ غامضةٍ مُبصراً(١)،
ورُوي في غير كتاب مسلم ((يتقفّون)) بواو مكان الراء، من قفوتُ أثره، أي
تتبعته، وهو من القفاء، وكلّها واضح. انتهى(٢).
وقال ابن الأثير كَُّهُ: وفي حديث الْقَدَر ((قبلنا ناسٌ يتفقّرون العلم))،
هكذا جاء في رواية بتقديم الفاء على القاف، والمشهور العكس، قال بعض
المتأخّرين: هي عندي أصحّ الروايات، وأليقها بالمعنى، يعني أنهم يستخرجون
غامضه، ويَفتحون مُغْلَقَه، وأصله من فَقَرْتُ البئرَ: إذا حفرتها لاستخراج مائها،
فلما كان القدريّة بهذه الصفة من البحث والتتبّع لاستخراج المعاني الغامضة
بدقائق التأويلات وَصَفَهم بذلك. انتهى كلامه(٣).
ووقع عند أبي نعيم في ((المستخرج)): ((ويتفقّدون العلم)) بالدال المهملة
بدل الراء(٤) .
(٤)
= لأن معنى ((وذكر من شأنهم)) وعظّم أمرهم في العلم، بحيث يُكترث بقولهم، وإذا
كانوا كذلك فالأشبه أن يُعبّر عنهم بما معناه يبحثون، لا يطلبون. اهـ ((شرح الأبي))
٥٤/١.
(١) أثر عمر ظ ◌ُله هذا ذكره ابن الأثير هكذا في ((النهاية)) ٤٦٤/٣ ولم يَعْزُهُ إلى من
أخرجه، فالله تعالى أعلم.
وقال في (شرح الأبيّ)) ٥٤/١: وقول عمر ذلك قاله للعباس حين سأله عن
الشعراء، فقال: امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عن عين الشعر، فافتقر عن معان
عُور أصحّ بصر، فخسف من الخسيف، وهي البئر تُحفر في الحجارة، فيخرج منها
الماء الكثير، قال ابن رشيق: ومعنى عُور بضم العين يريد أنه يمانيّ النسب، نزاريّ
الولد، واليمن ليس لها فصاحة نزار، ومع ذلك فقد ابتكر معاني عُوراً فتح عنها
أصحّ بصر، قيل: ولم يسبق الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق إلى أشياء
استحسنها الشعراء، فتبعوه فيها، فلهذا كان أول من لطف المعاني، فاستوقف على
الطلول، وشبّه النساء بالظباء، والمهار البيض، وشبّه الخيل بالعقبان، وفرق في
القصيد الواحد بين السب والمدح، وغير ذلك من محاسنه. انتهى.
(٢) ((المفهم)) ١٣٥/١.
(٤) ((المستخرج)) ٩٩/١.
(٣) ((النهاية)) ٤٦٤/٣.

٧٩
(١) - بَاب بَيَانِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ ... إلخ - حديث رقم (١٠١)
(وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ) أي عظّم أمرهم في الذكاء، والجدّ في طلب العلم،
وإنما ذكر له ذلك من أوصافهم تنبيهاً له على الاعتناء بمقالتهم، والبحث عنها
ليوضح أمرها، فإن كلامهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلا
إيضاحٌ بالغ، وبرهانٌ واضحٌ، ولَمّا فَهِمَ ابنُ عمر ﴿ّ ذلك أفتى بإبطال مذهبهم
وفساده، وحكم بكفرهم، وتبرّأ منهم، واستدلّ على ذلك بالدليل القاطع عنده.
قاله القرطبي رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وحكم بكفرهم))، سيأتي تحقيق القول
في كفرهم في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((وذكر من شأنهم)) هذا الكلام من
كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر، والظاهر أنه من ابن بُرَيدة الراوي
عن يحيى بن يعمر، يعني وذكرَ ابنُ يعمر من حال هؤلاء، ووصفهم بالفضيلة
في العلم، والاجتهاد في تحصيله، والاعتناء به. انتهى.
وقال السنوسيّ تَُّ: فيكون من حذف المفعول تعظيماً له بالإبهام، أي
ذكر من شأنهم في البحث عن العلم، واستخراج غوامضه شيئاً عظيماً، أو
بالتعميم؛ لتذهب النفس فيه كلّ مذهب ممكنٍ.
ويحتمل أن يكون الغرض في حذفه ضدّ ما أشير إليه، وذلك صون
اللسان عن ذكره، ويكون المعنى: وذكر من شأنهم في نفي القدر والابتداع في
العقائد ما يجب صون اللسان عن ذكره، وعلى كلِّ ففائدة وصفهم بالاجتهاد في
العلم، والتوسّع فيه الموجب لهم القدوة، وتقليد الغير المبالغةُ في استدعاء ابن
عمر يًّا لاستفراغ الوسع في النظر فيما يزعمون؛ لأن أقوال الأغبياء قد يَهْتَبِلُ
العلماءُ بشأنها، ويكتفون في ردّها بأدنى نظر، فجواب ابن عمر ﴿ها بعد تلك
الأوصاف من أثبت شيء، وأحقّه. وقد يكون الغرض في ذكر ما وصفهم به من
العلم، وكونهم مع ذلك يزعمون ما يزعمون إظهار التشكّي، والتلهّف بما نال
المسلمين من مصيبتهم، إلا أن هذا إنما يحسُن إذا كان ابن عمر قد أحسّ
ببدعتهم، وسوء نظرهم، وإنما سأل ابن عمر ◌ًا ليتحقّق العلم من معدنه،
(١) ((المفهم)) ١٣٥/١.

٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الإيمان
ويرسخ ما كان في رويّته، وهذا هو الظاهر؛ إذ يبعُد أن يخفى أمر أقوالهم على
مثل يحيى بن يعمر، ويدلّ عليه قوله: ((ويزعمون)) على ما يأتي في معنى
الزعم، ومن هنا يصحّ أن يكون الغرض من ذكر أوصافهم مجموعَ الأمرین،
والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنوسيّ رحمه الله تعالى(١).
(وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ) بضم العين من باب نصر، وفي الزعم ثلاث لغات:
فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكسرها لبعض قيس، ويُطلق بمعنى
القول، ومنه زعمت الحنفية كذا، وزعم سيبويه كذا، أي قال، وعليه
قوله : ﴿أَوْ تُتَّقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ [الإسراء: ٩٢] أي كما أخبرت،
ويُطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا، وأكثر ما يُطلق على الباطل، أو
على ما فيه ارتياب، وقال ابن الْقُوطيّة: زعم زعماً، قال خبراً لا يُدرى أحقّ
هو أو باطلٌ. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير ابن القُوطية هو المناسب هنا، وقد سبق
البحث عن معنى الزعم في شرح المقدمة مستوفَى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى
التوفيق.
(أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي أنه (لَا قَدَرَ) بفتح
(١) (شرح السنوسيّ)) ٥٤/١ - ٥٥.
(٢) راجع ((المصباح المنير)) ٢٥٣/٢.
وقال الأبيّ في ((شرحه)) ٥٥/١: الزعم بالضم اسم، وبالفتح مصدر زعم: إذا قال
قولاً حقّاً، أو كذباً، أو قولاً غير موثوق به، فمن الأول حديث ((زَعَمَ جبريل))،
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿زَعَمَ اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [التغابن: ٧]، ومن الثالث بيت الأعشى:
كَمَا زَعَمُوا خَيْرَ أَهْلِ الْيَمَنْ
وَنُبِئْتُ قَيْساً وَلَمْ أَبْلُهُ
فقال الممدوح: وما هو إلا الزعم، وَأَبَى أن يُثيبه، والحديث من الثاني، وأما
حديث الترمذيّ: ((بئس مطيّة الرجل زعموا))، فجعله ابن عطية من الثاني، واختلف
في قول سيبويه: زعم الخليل، فجعله النوويّ من الأول وجعله ابن عطيّة من
الثالث. انتهى.
قال الجامع: جعل ابن عطية قول سيبويه من الثالث فيه نظر لا يخفى، فالصواب
قول النوويّ. والله تعالى أعلم.