Indexed OCR Text
Pages 41-60
أما الحافظ العلامة ابن كثير فيقول عنه : قد أبان في تصنيفه عن حفظ وإتقان ، وصدق وإيمان ، وعلم وعرفان(١) . ومن هذا وغيره يتحصل لنا أن النّسائي إمام مجمع على إمامته وثقته ومعرفته وعلو كعبه . ٣ - سلوكه وعقيدته : أما عقيدته فهي عقيدة أهل السنة والجماعة ، يبدو ذلك واضحاً جلياً من خلال مؤلفاته العديدة التي تركها ، ويؤكده ما نقله عنه طلابه وأقرانه ومَن عايشوه ... وفي أبي عبد الرحمن النّسائي قليل تشيّع وانحراف عن خصوم علي كرم الله وجهه ، كمعاوية وعمرو بن العاص ، ولكنه لا يغلو ليفضل علياً على الشيخين . وقد أثار كتابه ( خصائص علي ) الشكّ حوله ، وأرادوا معرفة عقيدته ، فسئل عن ذلك فقال : دخلت دمشق والمنحرف فيها عن علي كثير فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم الله ، ثم صنّف بعد ذلك كتاب فضائل الصحابة وهو داخل الآن في السنن الكبرى . أما سلوكه فقد كان مرضيَّ السيرة محمود الطريقة ، في غاية التصوّن والتحفظ والاجتهاد في العبادة بالليل والنهار . قال محمد بن المظفر : سمعت مشايخنا يصفون اجتهاده ، وأنه خرج للفداء مع أمير مصر ، فوصفوا من شهامته ، وإقامته للسنن المأثورة في فداء المسلمين واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه ، والانبساط في المأكل ، وأنه لم یزل علی ذلك حتى استشهد(٢) ٤ - مؤلفاته : كان الإِمام النّسائي من المكثرين في التصنيف ، وقد (١) انظر البداية والنهاية ١٢٣/١١. (٢) انظر المصدر السابق، وطبقات الشافعية ١٨٤/٢. ٤١ ٠ نقلت عنه كتب كثيرة ، أبرزها السنن ، وعامة كتبه تدور في إطار السنّة وعلومها ، قال ابن الأثير : له كتب كثيرة في الحديث والعلل وغير ذلك(١). وقد أحصيت كتبه في دراسة لنا حوله مع توثيقها والكلام عليها فبلغت ثمانية وعشرين مؤلّفاً منها ما هو في أوراق ، وأكبرها السنن التي هي بدورها تنقسم إلى كبرى وصغرى ( المجتبى ) كما أشرنا من قبل إلى ذلك ، ونؤكِّد أن ما ذكره بعضهم أن المجتبى من اختصار وصنع ابن السني فغير صحيح وليس هناك عليه دليل ، بل قام الدليل على أنه من صنع النسائي واختصاره . ٥ - منهجه في مؤلفاته : كان عصر الإِمام النّسائي - القرن الثالث الهجري - عصر انتخاب الأحاديث من المجاميع والمصنفات السابقة ، وتنقيتها ، وقد بلغ الانتقاء قمته عند البخاري رحمه الله تعالى وشرطه : أن يخرج حديث الثقة الضابط الذي لقي شيخه العدل الثقة الضابط المعاصر حتى يبلغ السند إلى الصحابي ، أو كما يقول السخاوي : إخراج ما اتّصل سنده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمة طويلة سفراً وحضراً ، وأنه قد يخرج أحياناً عن أعيان الطبقة الثانية التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن رووا عنه، فلم يلزموه إلّ ملازمة يسيرة (٢). ويليه الإِمام مسلم، ويوافق البخاري في شروطه، إلا أنه مع مبالغته في التحري يرى أن عدالة الراوي وضبطه ، مع إمكان لقائه لشيخه ومعاصرته له تكفي لتجعل الإِسناد متصلاً بخلاف البخاري الذي اشترط (١) انظر جامع الأصول ١١٥/١. (٢) انظر فتح المغيث ٤٦/١. ٤٢ ضرورة ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة . ومع دقّة الإِمامين وتحريهما فقد انتقد عليهما الإِمام النسائي رجالاً وأحاديث ، ووافقه على انتقاده الإِمام الدارقطني وآخرون ، ومن تتبع ذلك ، ومحّص النظر في آراء النسائي في الجرح والتعديل وكلامه على الأحاديث والعلل يخرج بنتيجة هي أن النسائي من المتشددين في الجرح(١) . إلا أنه في السنن يخرج عن أناس ضعاف ومجروحين ، وقد ذكر أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته عن أبي عبد الله بن مندة أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول : كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه ، قال ابن مندة : ومثله أبو داوود(٢). وقد حاول الحافظ ابن حجر التماس مخرج للإِمام النسائي الذي عرف بتشدُّده ، فقال : إن ذلك إجماع خاص ، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط ؛ فمن الأولى : شعبة وسفيان الثوري وشعبة أشدّ منه ؛ ومن الثانية : يحيى القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى أشدّ من عبد الرحمن ؛ ومن الثالثة : يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ، ويحيى أشد من أحمد ؛ ومن الرابعة : أبو حاتم الرازي والبخاري ، وأبو حاتم أشدَّ من البخاري ، فقال النسائي : لا يترك الرجل عندي حتى يجمع الجميع على تركه ، فإذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان مثلاً لا يترك لما عرف من تشدّد يحيى ومن هو مثله في النقل ، (١) انظر تهذيب التهذيب ٢ /١٧٤. (٢) انظر المقدمة ص ١١٠. ٤٣ : يقول الحافظ : فإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك ، فكم من رجل أخرج له أبو داوود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه ، بل تجنب إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين(١). ومن السبر لسنن النسائي تبين لنا أنه يخرج أحاديث الثقات فقط وينص هو على ضعف الضعفاء فيما يسوقه لهم من أحاديث لبيان الأحكام الشرعية ومستندها ويعلل أحاديثهم ، ويلاحظ من صنيعه أنه يتوخى إخراج أقوى أحاديث الباب ، ويخرج أحاديث لبيان ما فيها من العلل والغلط والوهم كما بيَّن هو ذلك . ولهذا فقط أطلق عدد من الحفاظ الكبار بحق على سننه اسم الصحيح منهم الحافظ ابن السكن المتوفى ٣٥٣ هـ صاحب الصحيح والمسند ، وأبو علي النيسابوري ، وابن عدي الجرحاني صاحب الكامل في الجرح والتعديل المتوفى ٣٦٥ هـ ، وأمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن الدارقطني المتوفى ٣٨٥ هـ، وأبو عبد الله بن مندة المتوفى ٣٩٥ هـ، والخطيب البغدادي المتوفى ٤٦٣ هـ وآخرون .. ز ويقول أبو عبد الله بن رشيد : كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً ، وأحسنها ترصيفاً ، وقد قال بعض المكيين من شيوخ تلميذه ابن الأحمر عن سنن النسائي : إنه أشرف المصنفات كلها ، وما وضع في الإِسلام مثله(٢). (١) وانظر زهر الربى على المجتبى للسيوطي ٣/١ . (٢) انظر فتح المغيث للسخاوي ١ / ٨٤ . ٤٤ وقد فضّل بعض المغاربة سنن النسائي على صحيح البخاري كما يرى ذلك أبو مروان الطبني ويرويه عن بعض شيوخه(١). ونحن نرى أن ذلك يصح من حيث التقسيم والتبويب والصحة . ومن المؤكد أن كتب النسائي كلها على مستوى واحد من الجودة والإِتقان والتحري في الرجال . أما آراؤه في الجرح والتعديل والرجال ، فهي كثيرة جداً مبثوثة في كل صفحة من صفحات كتب الجرح والتعديل وقد اعتمدها العلماء وتلقوها بالقبول ، سوى مواضع معدودة وقليلة جداً منها كلامه في أحمد بن صالح المصري ، حتى إن شيوخه مجهولي الحال والعين كان الأئمة يقبلونهم لروايته عنهم ، وانظر مثلاً لذلك ترجمة أحمد بن يحيى بن كثير الحراني في تهذيب التهذيب تجد الحافظ ابن حجر يعقب على قول الذهبي : لا يعرف بقوله : بل يكفي رواية النسائي عنه في التعريف بحاله وتوثيقه له . وكذلك يقول الحافظ ابن حجر عن حديث (( من جُعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين)) : وكفاه قوة تخريج النسائي له(٢). وبالجملة فسنن النسائي الكبرى والصغرى ، أقل السنن حديثاً ضعيفاً ، مذكرين بأن ابن الجوزي صاحب الموضوعات لم يذكر من سنن النسائي سوی حدیث واحد ، والحق ليس معه . ٦ - وفاته : استقر المطاف بأبي عبد الرحمن النسائي في آخر حياته بمصر ، وفيها انتشرت تصانيفه ومؤلفاته وقد خرج من مصر في العام الثاني (١) المصدر السابق ٣١/١ . (٢) انظر تلخيص الحبير ١٨٤/٤. ٤٥ بعد المائة الثالثة للهجرة ، يقول الدارقطني : خرج حاجاً ، ويقول ابن يونس تلميذه : خرج في شهر ذي القعدة ، ومرّ على دمشق فسئل بها عن فضائل معاوية رضي الله عنه فقال : ألا يرضى رأساً برأس حتى يفضَّل ؟ وقال : أي شيء لمعاوية؟ أحديث ((اللهمَّ لا تشبع بطنه؟))(١). فما زالوا يدفعون في خصييه حتى أخرج من المسجد ، فاعتلَّ على إثر ذلك فقال : احملوني إلى مكة ، وتوفي بها ، ودفن بين الصفا والمروة ، وذلك في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة . ويرى تلميذه ابن يونس أنه حمل إلى الرملة ، ومات هناك بفلسطين في شهر صفر من سنة ثلاث وثلاثمائة . ويصحح هذا القول الذهبي في كتبه ، والتاج السبكي في طبقات الشافعية ، والصفدي في الوافي بالوفيات وغيرهم ، وقد اعتمدوا في ذلك على تلميذه ابن يونس . ويقول الحافظ ابن كثير : قال الدارقطني : كان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره ، وأعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار ، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة ، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع ، ثم قال : اخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل ، قال الحافظ أبو بكر بن نقطة في تقييده ومن خطه نقلت ، ومن خط أبي عامر محمد بن سعدون العبدري الحافظ : مات أبو عبد الرحمن النسائي بالرملة ( مدينة بفلسطين ) يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة ، ودفن ببيت المقدس(٢) . وهكذا نجد أن الخلاف واقع بين الرملة ودمشق في ضربه ، وبين (١) انظر تذكرة الحفاظ ٦٩٨/٢. (٢) انظر البداية والنهاية ١٢٤/١١، والوافي بالوفيات ٤١٦/٦. ٤٦ مكة والرملة وبيت المقدس بالنسبة لدفنه ، ويظهر لي - والله أعلم - أن الصحيح من ضربه كان بالرملة ، ولم يصل دمشق وكان متوجهاً إليها وأن دفنه كان بمكة بعد وصوله إليها عليلاً وموته فيها ، مع اتفاقهم أن وفاته كانت سنة ثلاث وثلاثمائة . ٤٧ . . . ... ... . النسخ المعتمدة ومنهج التحقيق اعتمدت في إخراج هذا الكتاب على نَسْخْتَين ، الأولى : نسخة قيِّمة موثقة موجودة ضمن ديوان النسائي كما سماه كاتبه ، أو ضمن السنن الكبرى محفوظة بالخزانة الملكية بالرباط تحت رقم / ٥٩٥٢ / ويوجد من الكبرى هذه مجلدان من ثلاثة إذ فُقد أوسط الثلاثة وبقي أولها وثالثها . ويقع كتابنا هذا في جزء حديثي في ثماني عشرة صفحة ونصف الصفحة تقريباً من القطع العادي في كل صفحة ثلاثة وعشرون سطراً، كتبت بخط واضح جيد وميزت فيه عناوين الأبواب بالحمرة ، وقوبلت على أصلها الذي نقلت منه بدقة بالغة كشأن سائر ديوان النسائي ، الذي كانت كتابته على دفعات متقاربة جداً ، وآخر كتاب من كتب هذا الديوان هو كتاب عمل يوم وليلة ، وجاء في آخره: (( كمل السفر الثالث ، وبتمامه كمل ديوان النّسائي رحمه تعالى على يد العبد الفقير ، الذليل الحقير المقصر المعتذر عمر بن حمزة بن يونس الصالحي مولداً ومنشأ الصفدي يومئذٍ إقامة الشافعي مذهباً عفا الله عنه ، ووافق ذلك سابع عشر رمضان المعظم من شهور سنة تسع وخمسين وسبعمائة )). ثم عاد ليعارض ما كتبه على الأصل الذي نقل هذه النسخة منه ، ٤٩ وكان يضع علامة المعارضة والمقابلة على طريقة المحدثين ويقول: (( بلغ مقابلة وقراءة فصح ولِلّه الحمد )) وبيّن تاريخ انتهاء المعارضة فقال في آخر النص كذلك (( بلغ مقابلة على الأصل المنسوخ منه ، وكان الفراغ من المقابلة في ثاني عشر من شوال سنة تسع وخمسين وسبعمائة )). وقد أسدى لنا هذا الكاتب فائدة جليلة إذ بيَّن لنا الأصل الذي أخذ منه هذه النسخة فقال: (( وعلقت من نسخة قوبلت على أصل أبي الفضل عياض بن موسى رواية ابن الأحمر والباجي ، وكان مقابلة الأصل بحضرة أبي محمد الحَجْري رحمه الله تعالى)). بل إن كاتب هذه النسخة كان أميناً جداً إذ أبقى خاتمة النسخة التي أخذ منها نسخته كما هي فكتب ((نقلت هذه النسخة وقوبلت على نسخة أبي الفضل عياض اليحصبي المسموع على ابن الأحمر وعلى الباجي وكان ذلك بحضرة الشيخ أبي محمد الحجري ، فصح ذلك ولله الحمد والمنَّة ، والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه)). وبهذا تبين أن الأصل راجع إلى القاضي عياض وقرىء على الباجي أبي محمد وعلى ابن الأحمر تلميذ النسائي ويا له من سند رفيع وتوثيق بدیع ! فعياض أبو الفضل علامة المغرب ، الراوية الكبير ، الحافظ المؤرخ ، الناقد الأصولي الفقيه ، ولد سنة ٤٧٦ هـ في مدينة سبتة كما في تذكرة الحفاظ ، وتوفي بمراكش ٥٤٤ هـ ، وکان رحمه الله ، کما شاع عند الخاص والعام ، إمامَ وقته في الحديث ، وأعرفَ الناس بعلومه وأسانيده(١) . والذي يهمنا هنا أن عياضاً رحمه الله كان دقيق الضبط لمروياته معتنياً (١) انظر تذكرة الحفاظ ٤ /١٣٠٦ . ٥٠ بها آخذاً لها على أدقّ المناهج والأصول ، كيف لا وهو مصنف كتاب ( الإِلماع إلى معرفة الرواية وأصول السماع ) ؟ ومصنف ( مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار) الذي جمع فيه روايات الصحيحين والموطأ وتكلم على غريبها . ولا شك أنه تلقى هذا المصنف بأسانيده الوثيقة الدقيقة ، ولا أستبعد أن يكون الأصل الذي كان بيده هو الذي كان للباجي - وهو شيخ شيوخه - والذي ضبطه الباجي على شيخه ابن الأحمر وغيره من تلامذة الإِمام النسائي . وقد كان عياض حريصاً على اقتناء صحيح الأصول كما هو معروف من سيرته ، وقد قابل أصوله بأصول القاضي أبي علي الصدفي المتوفى ٥١٤ هـ وقرأ عليه مروياته الحديثيَّة وكان إليه المنتهى في الضبط والإِتقان المصنفات الحديث(١) . أما أبو محمد الحجري الذي ضُبط وقوبل أصل نسختنا على نسخة أبي الفضل عياض بحضرته فهو : عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبيد الحجري الأندلسي المري الحافظ المتقن الزاهد القدوة ، أحد الأعلام ، وشيخ المغرب في وقته ولد سنة ٥٠٥ هـ وقرأ وسمع فأكثر ، وأخذ عن الكبار أمثال القاضي عياض ، وابن العربي ، وأبي الحسن بن مغيث ، وتفنن في العلوم وبرع في الحديث ، وطال عمره ، وشاع ذكره ، وكان قد سكن سبتة ، فدعاه السلطان إلى مراكش ليسمع منه ، وكان في غاية العدالة في هذا الشأن ، توفي في صفر سنة ٥٩١ هـ بسبتة(٢). (١) انظر توثيق ذلك وتأكيده في ترجمته في معجم أصحاب الصدفي القرين القاضي عياض ابن الأبار ص ٣٠٦ ، والتعريف بالقاضى عياض لولده محمد ص ٦ . (٢) انظر تذكرة الحفاظ ١٣٧٢/٤. ٥١ وقد وصفه ابن رشيد بقوله : أبو محمد الحجري فقيه راوية يجمع بين الرواية والمشاركة في أنواع من الدراية (١) وكان الحجري بما له من واسع الرواية قد حاز مصنف النسائي الكبير وقرأه على القاضي عياض ، ثم أقرأه وكل ذلك بضبط ودراية . ومن هذا يتبين لنا أن النسخة التي نعتمدها لنشر هذا الكتاب من أوثق النصوص وأدقها ، مذكرين بأن هناك فروقاً طفيفة جداً في ( ثواب القرآن ) بين النسخ قد أثبتت في هامش النص قد أشرنا إليها في موضعها عند الكلام على الأحاديث ، وقد رمزت لها (ب) الأصل أو النسخة (آ) . أما النسخة الثانية فهي كذلك ضمن السنن الكبرى للإِمام النسائي والتي توجد بمكتبة مراد بخاري باستنبول / رقم ٧٢ / ، وهي نسخة قيمة جداً متقنة كتبت بخط دقيق - وتقع السنن الكبرى كما وصفها الأستاذ عبد الصمد شرف الدين في ٢٨٩ صفحة وفي كل صفحة ٦١ سطراً من الخط الدقيق وفي السطر الواحد أكثر من ثلاثين كلمة . ويقع كتابنا هذا بدءاً من آخر الصفحة /٢٠٦ / إلى آخر الصفحة / ٢١٠ /٠ ولكن هذه النسخة في أولها وآخرها - أعني السنن الكبرى عارية عن الإِسناد والتوثيق - خلا ما جاء في آخرتها (( كمل السفر الثالث - وبتمامه كمل ديوان النسائي رحمه الله تعالى - والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة الكريمة الجليلة المقدار في أواخر شهر شوال المبارك الذي هو من شهور سنة سبع ومائة وألف على يد الفقير (١) انظر السنن الأبين ص ٧٨ . ٥٢ الحقير المعترف بالذنب والتقصير راجي عفو ربه القريب أحمد بن محمد الخطيب البقاعي الحنبلي ، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ومحبيه ، ولجميع المسلمين أجمعين ، آمين ، آمين ، آمين يا رب العالمين ، والحمد لله وحده ، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وحسبنا الله ونعم الوكيل )). وقد أثبت فيها تصويبات وتصحيحات عن نسخ أخرى في الحاشية ، وهي شديدة الاتفاق مع النسخة الأولى حتى لكأنها نسخت عنها - ولا يبعد ذلك ــ وعسى أن يتاح لنا مقابلة كاملة شاملة لجميع الكتاب لنتأكد من ذلك وفيها خلا في كتابنا هذا بعض مواضع وهي ليست بالكثيرة حدثنا تختصر فيها إلى ثنا ، وأخبرنا إلى أنا . وقد رمزت لها بحرف (ب)، وأثبتُّ الفروق الطفيفة جداً بينها وبين النسخة الأصل (آ) . ولم نكن قد تمكنا من هذه النسخة في الطبعة الأولى للكتاب وقد أعطاني صورتها مشكوراً تلميذنا الفاضل محمد المتسماني نفع الله بنا وبه . أما عملي في هذا النص فكان يهدف بالدرجة الأولى إخراجه صحيحاً سليماً لذلك بذلت جهداً في هذا السبيل للتأكد من صحته بمراجعة كتب الرجال وغيرها ، وما جاء في النص من كلمات محاطة بقوسين فإما أن تكون تفردت بها نسخة وهي ما أتبعتها برمزها، أو يكون الكلام على ما فيها في التعليق . وقد رقمت الأحاديث ، وخرّجتها ، وجعلت أساس ذلك الكتب الستة وما علا عليها إسناداً ولم أكترث كثيراً بمن هم دون المصنف ، ٥٣ والتخريج قد دعاني إلى الكلام على الأسانيد جرحاً وتعديلاً إن اقتضى الحال وأدع الحكم على قيمته وقيمة التخريج لأهل العلم . وترجمت لبعض الرواة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بما يكشف قيمة الحديث . ولم يفتني أن أعلق على نصوص الأحاديث بما يوضحها ويكشف المراد منها مثبتاً ما أعتقد أنه الصواب . وكما يلاحظ القارىء الكريم فقد أتبعت هذا النص بفهارس للأحاديث وللصحابة الرواة تُيسّر الكتاب وتقربه ، وتجعله سهل التناول . .. فإن وفقت في هذا وذاك فهو من فضل الله عليّ ، وإن جانبت الصواب ، فأسأل الله تعالى أن يلهمنا الرشاد والسداد ويهدينا سواء السبيل ، فهو حسبنا ونعم الوكيل ... وأسأله تبارك وتعالى أن يجعل عملي هذا ابتغاء مرضاته يوصلني إلى واسع جناته وأن ينفعني به والمسلمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . ٥٤ فضائل القرآن ٥٥ اصطلاحات أنا : أخبرنا ثنا : حدثنا ١ ٥٦ بسم الله الرحمن الرحيم [و] ب صلَّى الله على (سيدنا) ب محمّد نبيّه الكريم وسلّم تسليماً ثواب القرآن (*) ١ - كَيْفَ نُزُولُ الوَحِي ؟ أَخْبَرَنَا أبو عَبْدِ الرَّحْمُن أَحْمَدُ بنُ شُعَيْبٍ بنٍ عَليٍّ النَّسَائِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْه قَالَ : ١ - أَنَا مُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ قَالَ: ثَنَا حُسَيْنُ بنُ مُحمَّد، قَالَ: ثنا شَيْبَانُ ے عَنْ يَحْيَى ، قَالَ: أخبَرني أُبُو سَلَمَةً عَنْ عَائِشَةً وابنِ عَبّاسٍ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَبِثَ بِمََّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وبالمَدِينَةِ عَشْرًا . (*) في النسخة ب ( كتاب فضائل القرآن ، ثواب القرآن ) وفي الأصل آ: كما أثبتناه وجاء في الحاشية ( فضائل القرآن ) . (١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٩٦/١. والبخاري في صحيحه / كتاب فضائل القرآن - باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل / انظر ٣/٩. وظاهر الحديث أن النبي ◌َ ﴿ عاش ستين سنة إذا انضِمَّ إلى المشهور أنه بعث على رأس الأربعين . ولا خلاف أن إقامته بالمدينة كانت عشراً . أما إقامته بمكة بعد النبوة ففيها الخلاف والمشهور أنها ثلاث عشرة سنة والذين يقولون عشراً يحذفون الكسر . ويؤيد المشهور حديث ابن عباس في البخاري وغيره ((أنزل على رسول الله وَليل وهو ابن أربعين فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة)) انظر البخاري / كتاب المناقب - باب مبعث النبي . / . = ٥٧ ٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ قَالَ : ثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيد المَقْبُريّ عَنْ أَبيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآياتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَاهُ الله إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُم تَابِعاً يَوْمَ القِيَامَةِ . ٣ - أُخْبَرَنَا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ / ٢٠٦ ب / عَنْ عُبَيْدَة عَنْ مُوسَى بن أبي عَائِشَةَ عَنْ سَعيدٍ بنِ جُبَيْرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُعَالِجُ مِنْ ذَلِكَ شِدَّة . = وفي التوفيق بين المشهور وهذا الحديث أقوال آخر. انظر بعضها في فتح الباري في مطلعه في شرح حديث بدء الوحي . (٢) وأخرجه أحمد في مسنده ٣٤١/٢، ٤٥١. والبخاري في صحيحه ٣/٩ و٢٤٧/١٣ . ومسلم في صحيحه ١ /٩٢ بإسناد المصنف . وكلهم من حديث الليث بن سعد به ... وفي هذا الحديث بيان لمزية الرسول صل# العظمى. إذ أكرمه الله تعالى بالقرآن الهادي للبشرية إلى قيام الساعة غير محدود بمكان أو موقوت بزمان خلاف الأنبياء سابقيه عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام . (٣) حديث ابن عباس أخرجه أحمد في مسنده ٣٤٣/١ . والبخاري في صحيحه في مواضع / بدء الوحي ، التوحيد - باب قول الله تعالى: لا تحرك به لسانك - وغيرها / ، ومسلم في صحيحه ٣٢/٢، والمصنف في السنن ١٤٩/٢، وابن أبي حاتم في تفسيره انظر تفسير ابن كثير ٧ / ١٧٠ كلهم من حديث موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وتمامه كما هو في بدء الوحي عند البخاري ( وكان مما يحرِّك شفتيه) فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله وَّر يحرِّكهما ، وقال سعيد بن جبير : أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحرِّكهما فحرك شفتيه ، فأنزل الله تعالى: ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه﴾ قال: جمعه لك في صدرك ، وتقرأه ﴿ فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه ﴾ قال: فاستمع له وأنصت ﴿ ثم إنَّ علينا بيانه﴾ ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله و ﴿ل بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي رقم كما قرأه . = ٥٨ 4 ٤ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةٍ قَالَت: سَأَلَ الحَارِثُ بنُ هِشَامٍ رَسُولَ اللهِصلَ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ قَالَ: فِي مِثْلٍ صَلْصَلَةِ الْجَرَسُِّ، فَيَقْصِمُ عَنّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ وَهُو أَشَدُّه عَلَيَّ، وَأَحْيَاناً يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صُورَةِ الفَتَى فَيَنْبِذُهُ إِلَيَّ . ٥ - أُخْبَرَنَا عَمْرو بنُ يَزِيدَ قَالَ: ثَنَا سَيْفُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: ثَنَا سَوَّارُ عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ، قَالَ: كَانَ نَبِيُّ الله وَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُّ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ لَهُ = والآيات من سورة القيامة ، وهي مكية باتفاق . وابن عباس ولد في شعب أبي طالب في السنة السابعة من البعثة النبوية ، فكيف تسنَّى له معرفة ذلك ؟! والجواب : إما أن يكون النبي ◌َّ أخبره بعد ذلك، ولا يبعد ، بل له شاهد أخرجه أبو داوود الطيالسي ، أو وأخبره بعض الصحابة الذين شاهدوا هذه الحالة من النبي وقله. (٤) وأخرجه مالك في الموطأ ٢٠٦/١، وأحمد في مسنده ١٥٨/٦، ١٦٣، ٢٥٧، والبخاري في صحيحه / الحديث الثاني منه / وفي بدء الخلق انظر ٣٠٤/٦ ، ومسلم ٨٢/٧ والمصنف في السنن ١٤٩/٢ بإسناده ومتنه، والترمذي في جامعه ٣٠١/٤ . وقوله (( في صورة الفتى فينبذه إليَّ)): هي رواية سفيان وهي عند المصنف وحده ، والآخرون من رواية مالك وغيره ((في صورة رجل)) أو (( ويتمثل لي الملك رجلاً فأعي ما يقول)) أو ((فيكلمني فأعي ما يقول)) وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ((ولقد رأيته ينزل عليه الملك في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّد عرقاً)) وفي هذا الحديث حالتان من حالات الوحي ، وله حالات أخرى عرضنا لأهمها في كتابنا : ( مدخل إلى علوم القرآن والتفسير) انظر ص ٢٦ وما بعدها، وانظر فتح الباري ١٩/١ . وحين كان جبريل يأتي النبي وسيه في صورة فتى أو رجل يأتيه في صورة دحية بن خليفة الكلبي الذي كان يضرب به المثل في الحسن والجمال ، وانظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١ /١٨٥/١ والإصابة ٤٧٣/١. (٥) وأخرجه أحمد في مسنده ٣١٧/٥، ٣١٨، ٣٢٠، ٣٢٧ ، ومسلم في صحيحه = ٥٩ وَجْهُهُ ، فَأَنْزِلَ عَليهِ يوماً فَلَقِي ذَلِكَ ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهِ قَالَ: خُذُوا عَنّي قَدْ جُعِلَ لَهُنَّ سَبِيلاً؛ الثَّيِّبُ بِالثَّيْبِ والْبِكْرُ بِالْبِكْرِ ، الثِّب جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ رَجْمٌ بِالحِجَارَةِ، والْبِكْرُ جَلْدُ مِائَّةٍ ثم نَفْيُ سَنَة . ٦ - أُخْبَرَنَا نُوحُ بنُ حَبيبٍ قَالَ: ثَنَا يَحْيى بنُ سَعيدٍ قَالَ: ثَنا ابنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ قَالَ : حَدَّثْنِي صَفْوانُ بنُ يَعْلِى بِنُ أُمِّيَّةَ عَنْ أبيه قَالَ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللهِ وَّهَ وَهُوَ يُنزَلُ عَلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحنُ بِالجِعْرانة، وَالنَّبِّلَ فِي قُبَّةٍ فَأَتَاهُ الْوَحْيُ أَشَار إليَّ عُمَرُ أَنْ تَعَالَ ، فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي القَّة، فَأَتَاهُ رَجُلٌ قَدْ أَحْرَمَ في جُبَّةٍ بِعُمْرَةٍ مُتَضَمِّخْ بِطيبٍ ، فَقَالَ (لِرَسُولِ ) الله وَُّ: مَا تَقُول في رَجُلٍ أَحْرَمَ في جُبَّةٍ؟ إِذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُّ فَجَعَلَ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَغِطُّ لِذَلِكَ فَسُرِّي عَنْهُ فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي = ١١٥/٥ و٨٢/٧ وأخرج في هذا الموضع الفقرة الأولى من الحديث وهي المتعلقة بالوحي . وقوله: ((خذوا عني)) إلى آخر الحديث أخرجه أبو داوود رقم / ٤٤١٥ / والترمذي ٣٢٤/٢، وابن ماجه رقم / ٢٢٥٠ /. وتربَّد : أي تغير لونه وصار كأنه الرُّبْدة - لون يميل إلى الغبرة - . وكرب : أي شق عليه ذلك . (٦) حديث يعلى أخرجه أحمد في مسنده ٢٢٤/٤، والبخاري في صحيحه في مواضع عديدة انظر منها ٣٩٣/٣، ٦١٤ و٩/٩، ومسلم في صحيحه ٣/٤ والمصنف في السنن بإسناده ومتنه ١٣٠/٥ وجاء في آخره قوله: ((ثم أَحْدِثْ إحراماً)) قال أبو عبد الرحمن : ثم أحدث إحراماً ما أعلمٍ أحداً قاله غير نوح بن حبيب ولا أحسبه محفوظاً . وهو في سنن أبي داوود مختصراً رقم / ١٨١٩ / كما اختصره الترمذي في جامعه ٨٧/٢. والمتضمِّخ بالطيب : المكثر منه . (*) وفي ب : فقال : يا رسول الله ما تقول في رجلٍ أحرم في جبَّة. ٦٠