Indexed OCR Text
Pages 101-120
١= كونه لا ينطبق على واقع سنن النسائي، حيث إن النسائي ترك إخراج حديث قوم ممن تكلم فيهم كما تقدم. ولهذا قال ابن حجر في توجيه كلامهم ليكون مطابقا لواقع السنن فقال : «وما حكاه ابن الصلاح عن البارودي وكذا ابن منده أن النسائي يُخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، فإنما أراد بذلك إجماعاً خاصاً، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد، ومتوسط، فمن الأولى شعبة، وسفيان الثوري، وشعبةُ أشد منه، ومن الثانية يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشدُ منه، ومن الثالثة يحيى بن معين وأحمد ( ابن حنبل) ويحيى أشدُ من أحمد، ومن الرابعة أبو حاتم، والبخاري، وأبو حاتم أشدُ من البخاري وقال النسائي : «لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه» فإذا ما وثقه ابن مهدي، وضعفه يحيى القطان مثلا فإنه لايَترك لما عُرف من تشديد يحيى، ومَن مثلُه في النقد، ثم قال ابن حجر: وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين »(١). وما قاله الحافظ في توجيه كلامهم هو المتعین،وقد وجدت في سننه ما يؤيد ما ذهب إليه من أن الإجماع المقصود إنما هو إجماع خاص (١) النكت لا بن حجر (٤٨٢/١_ ٤٨٣) ٩٧ وذلك أن النسائي روى في المجتبى حديث جابر بن عبد الله رضيه في إرسال على بن أبي طالب إثر أبي بكر رضي الله عنهما، بقراءة سورة التوبة على الملأ. رواه من طريق ابن جريج حدثني عبد الله بن عثمان ابن خيثم عن أبي الزبير عن جابر ثم قال النسائي : «ابن خيثم - عبد الله بن عثمان - ليس بالقوي في الحديث وإنما أخرجت لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير ، وما كتبناه إلا عن إسحاق بن إبراهيم ويحيى القطان لم يترك ابن خيثم، ولاعبد الرحمن ( ابن مهدي) إلا أن علي بن المديني قال: ابن الخيثم منكر الحديث وكأن علي بن المديني خُلق للحديث » (١) . وهذا يعطي بلاشك تصوراً في رواية النسائي عن أمثال عبد الله بن خيثم الذي لم يجمع على تركه، فقد رواه عنه يحيى القطان مع تشدده وعبدُ الرحمن بن مهدي، وخالفهما علي بن المديني فضعفه، ووثقه ابن معين، والعجلي بل وثقه النسائي في قول وقال ابن حجر: صدوق وروى له مسلم، وقد انضاف إلى ذلك أمرٌ آخر ، وذلك لما يخافه من تدليس ابن جريج بإسقاط ابن خيثم المختلف فيه من الإسناد فيصير ظاهر الحديث صحيحا، فإخراج هذا الوجه بذكر هذه الواسطة بيان لعلة الوجوه الأخرى بإسقاط الواسطة. (١) انظر المجتبى (٢٤٨/٥) ٩٨ ٢= إن النسائي - رحمه الله تعالى - يعدّ قلة الرواية عن الضعفاء منقبة للراوي ويدل على ذلك قوله « أمناء الله عز وجل على علم رسول الله وَ # ثلاثة شعبة بن الحجاج، ويحيى القطان ، ومالك بن أنس، ثم قال: والثوري إمام إلاأنه كان يروي عن الضعفاء ثم قال: وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك، ولا أحد آمن على الحديث منه ثم شعبة في الحديث ثم يحيى القطان ليس أحد آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم»(١). فأنت ترى أنه أنزل الثوري عن مرتبة هؤلاء الثلاثة بسبب كثرة روايته عن الضعفاء، وإلا كان في مرتبتهم، ولاشك أنه اتخذ بهؤلاء أسوة في تقليل الرواية عن الضعفاء وهو الواقع. ٣= إن النسائي يعدُّ من المتشددين في التوثيق نصّ على ذلك غير واحد من أهل العلم حتى إنك تجد في تراجم الرواة بكثرةٍ قولهم في الراوي روى عنه النسائي إشارة منهم إلى تقويته برواية النسائي المتشدد عنه قال الخطيب: « أبو الوليد ( أحمد بن عبد الرحمن البسري) ليس حاله عندنا ما ذكره الباغندي عن السكري بل كان من أهل الصدق حدث عنه النسائي وحسبك به» (٢). ١ ) الانتقاء في فضل الثلاثة الأئمة (ص ٦٥) (٣) التاريخ (٢٤١/٤) ٩٩ وقال ابن طاهر: سألت أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن رجل من الرواة فوثقه فقلت له: إن النسائي ضعفه فقال: « بابني إن له شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم (١). واستخلص التهاونوي؟ من ذلك قاعدة فقال:« ... وكذا من حدث عنه النسائي فهو ثقة» (٢). قلت: هذا ليس على إطلاقه فهناك رواة روى عنهم النسائي وهم ضعفاء ولكنهم قليلون. ٤= سبرت رجال السنن الأربعة ممن تكلم فيهم من خلال التقريب لابن حجر فوجدت أن النسائي أقلهم رواية عن الضعيف كما سيأتي (٣) وبما تقدم يتبين أنه ليس المراد بقولهم أن النسائي يُخرج لكل من لم يجمع على تركه ما يتبادر إلى الذهن من أنه يخرج لجل الضعفاء، بل المراد أنه يخرج لكل من لم يجمع على تركه من قبل المتشددين والمعتدلين، فإذا جرحه المتشدد ووثقه المعتدل فإنه يخرج له لأنه لم يجمع علی تر که. والخلاصة: أن في توجيه الحافظ ابن حجر لكلا القولين في شرط النسائي تضييقاً للخلاف، وتقريباً لوجهات النظر، فمن أطلق على سننه الصحة (١) شروط الأئمة (ص ٢٦) (٢) قواعد علوم الحديث (ص ٢٢٢) (٣) وسيأتي ذلك في بيان منزلة المجتبى ومقارنته بسنن أبي داود ١٠٠ إنما أراد بذلك الغالب فيه ولاينكر وجود أحاديث ضعيفة فيه، أومنكرة وغير ذلك من أوصاف الرواة، ومن قال: إنه يخرج لكل من لم يجمع على تركه أراد بذلك إجماعاً خاصاً على ما سبق بيانه، وليس المراد أنه متساهل إلى درجة أنه يخرج لمعظم الضعفاء. وأما الفريق الثالث: وهم أهل الوسط يرون أن أحاديث سنن النسائي غالبها صحاح، أوحسان، وفيها أحاديث ضعيفة أومنكرة، أو معلة، ولكنها بالنسبة للأحاديث المقبولة من الصحاح والحسان قليلة جداً. ثم ليعلم أن غالب ما وقع في الكتاب من الأحاديث المنكرة والشاذة والمعلة وغير ذلك معظمُه من أحاديث الثقات أخرجها النسائي لبيان عللها، وذلك أنه حين أخرج الوجوه المحفوظة والراجحة أخرج بجانبها الوجوه الأخرى المعلة، ثم بين عللها، وتفنن في إبراز ذلك خدمةً للوجه المحفوظ، وهذه ميزة يمتاز بها كتابه عن بقية الكتب الستة، وقلّ أن يخرج النسائي للضعيف اعتماداً عليه، ومعظم الضعفاء عنده من المجهولين حالاً، أوعيناً، والمجهولُ وهو من لم يعلم فيه جرح ولاتعديل خير ممن عُلم فيه جرح كما عَلمتُ من حال الإِمامين النسائي وأبي داود فيما تدل عليه الإحصائية في آخر هذا المبحث. منزلة سنن النسائي من بين الكتب الستة لا يختلف اثنان في تقديم صحيح البخاري ومسلم على غيرهما ليس على السنن فحسب بل على جميع كتب الحديث قاطبة، وهذا لاينافي ما تقدم ذكره في الترجمة من تقديم النسائي على مسلم في معرفة الحديث، وعلله، ورجاله ١٠١ لأنه كما قال السخاوي: « ... وإن رجح كل من الذهبي، والسبكي النسائي على الإمام مسلم فترجيح العالم، وإن كان ظاهرا في ترجيح مصنفه فذاك في الغالب، وإلافرب مرجوح يكون مصنفه أرجح (١) . كما لا يختلف اثنان في أن سنن ابن ماجه متأخر رتبة عن السنن الثلاثة لكثرة الأحاديث الضعيفة، والواهية، والمنكرة، وفيها أحاديث غير قليل موضوعة وما ألحق بالكتب الستة إلا في بداية القرن السادس لكثرة زوائده عليها. قال ابن رجب وقد قسم أصحاب الزهري إلى خمس طبقات : « ... الطبقة الخامسة قوم من المتروكين، والمجهولين كالحكم الأيلي وعبد القدوس بن حبيب ومحمد بن سعيد المصلوب، وبحر السقاء وغيرهم فلم يخرج لهم الترمذي (٢) ولا أبوداود ولا النسائي، ويخرج ابن ماجه لبعضهم، ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعده من الكتب المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين » (٣) . وكذلك سنن الترمذي متأخر في الرتبة عن سنن أبي داود والنسائي عند المحققين من أهل العلم بالحديث قال الذهبي: « انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود، والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما » (٤) (١) بغية الراغب (٤٩) (٢) لكن الترمذي أخرج لبعض من ذكرهم كالمصلوب . (٣) شرح علل الترمذي (٦١٥/٢) (٤) انظر مقدمة تحفة الأحوذي ( ٣٦٤/١) ١٠٢ وينحصر الخلاف في المفاضلة بين سنن أبي داود، والنسائي من حيث درجة أحاديثهما، ويرى فريق من العلماء أن شرطهما في كتابيهما واحد، ولافرق بينهما فيما يرجع في درجة أحاديثهما، وإن كان كل من الكتابين يفضل على الآخر في جوانب أخرى، وقد مر قول ابن منده و الباوردي « كان مذهب أبي عبد الرحمن أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه وكذا أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه » (١) . قلت: وإن كان شرطاهما في كتابيهما متقاربين في الجملة من حيث القوة، ومع ذلك فكتاب النسائي أقوى، وأصح حديثا من سنن أبي داود، ومن الأدلة على ذلك منها: ١= إن النسائي - رحمه الله - أعلم وأعرف بالحديث وعلله من أبي داود بل ومن مسلم كما مر بنا في قول الذهبي « النسائي أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم وأبي داود ومن أبي عيسى وهو جار في مضمار البخاري وأبي زرعة » (٢) . فهذا وإن لم يكن دليلا صريحا في تفضيل سننه على سنن أبي داود لكنه من جملة المرجحات كما قال السخاوي: « فترجيح العلم ظاهر في ترجيح مصنفه في الغالب » (٣). (١) انظر صفحة ( ٩١) (٢) السير (١٤/ ١٣٣) (٣) انظر في صفحة (١٠٢ ) بتصرف في العبارة. ١٠٣ ٢= إن شرط النسائي أقوى من شرط أبي داود في قول عامة المحققين من أهل الحديث قال ابن رجب: بعد أن تحدث عن شرط الترمذي « وأبو داود قريب من الترمذي بل هو أشد انتقادا للرجال منه، وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك ولا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم وعمن فحش خطأه وكثر» (٣). فهذا ترتيب للسنن الثلاثة من حيث القوة، فأقواهم شرطا النسائي، ثم أبو داود ثم الترمذي وقال ابن حجر: « فكم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين » (٤) . بل قال سعد بن علي الزنجاني شيخ الدارقطني « إن لأبي عبد الرحمن النسائي شرطا في الرجال أشدَ من شرط البخاري ومسلم » (٥) . فإذا ثبت أن شرطه أقوى من شرط أبي داود ثبت أنه أصح حديثا منه وليس المراد بهذا أن كل حديث في سنن النسائي أصح من كل حديث في سنن أبي داود، وهذا لا يتأتى حتى بالنسبة للصحيحين، ولكن المراد أن أحاديثه من حيث الجملة أصح من أحاديث أبي داود من حيث الجملة (١) شرح علل الترمذي (٢ / ٦١٣) (٢) النكت لا بن حجر (١/ ٤٨٢) (٣) المصدر السابق (٤٨٣/١) ١٠٤ ٣= ثبت عن النسائي أنه تحفظ في الرواية عن قوم من الضعفاء منهم عبد الله بن لهيعة، وأمثاله في حين نجد أن أبا داود روى عنهم بل إن مسلما روى له ولأمثاله في المتابعات. ٤= ولتتضح الصورة أكثر، وتكون المفاضلة بين الكتابين مدعومةً بأدلة ملموسة من واقع الكتابين سبرت رجال الكتابين من خلال تقريب التهذيب (١) فاستخرجت منه جميع الضعفاء ممن قال فيهم ابن حجر مجهول الحال أو مستور ومن كان دونهم من الضعفاء على مراتبهم، فتحصل لي من ذلك هذه النتيجة. ١= إن أبا داود والنسائي اشتركا في الرواية عن ثمانية وخمسين راويا ضعيفا، منهم (٢٥) مجهولا، و (١٧) ضعيفا، و (١١) لين الحديث، و(٢) مجهولا الحال، وواحد ليس بالقوي، وواحد منكر الحديث، وواحد متروك الحديث. ٢ = وانفرد كل واحد منهما عن الآخر بالرواية عن الضعفاء فبلغ عدد الذين ضعفهم الحافظ ابن حجر في التقريب بمختلف أنواع الضعف من رجال أبي داود في سننه (٣٣٢) راوياً. (١) وإنما اخترت التقريب من بين كتب الرجال لأن الحافظ مع اعتداله ومعرفته بهذا الفن يمتاز كتابه هذا عن بقية الكتب أنه يعطي في هذا الكتاب حكما محددا لكل راو ملخصا فيه أراء أهل العلم، مع علمي أن الحافظ ابن حجر مجتهد قد ينازعه غيره في بعض الأحكام على بعض الرواة، ولكن مما لاشك فيه أن معظم أحكامه متفق عليها ، وبالتالي فهذه الإحصائية تعطي صورة واضحة عن الكتابين ومنزلة أحادیثهما. ١٠٥ في حين بلغ عددهم من رجال النسائي في سننه ـ الكبرى والصغرى (١٣٦) راويا أي ثلث العدد تقريبا. وإليك بيان ذلك بالتفصيل من خلال هذه الجدول. نوع الضعف مجهول مجهول الحال أو مستور ضعيف ليس بالقوي لين الحدیث منكر الحديث متروك متهم أبو داود ١٨٨ ٥٥ ٥١ ١ ٢٨. ٣ ٥ النسائي ٩٠ ١٠ ١٩ ٢ ١٣ ١ ١ وبما سبق يتضح لنا ما يلي: ١ - أن الإمامين - أبا داود والنسائي - قد احتاطا لكتابيهما سنداً ومتناً، وذلك أن كلا من الكتابين يحتوي آلافاً من الرواة، والمتكلمُ فيهم هو هذا العدد، وأغلبهم من المجهولين حالاً أوعيناً، وهو قدر يسير إذا قورنوا بغيرهم من الثقات. ٢= كما تبين من الإحصائية أن النسائي - رحمه الله - أشد انتقاء للرواة من أبي داود إذ جاء عدد الضعفاء في الكبرى والصغرى أقل بكثير من نصف الضعفاء في سنن أبي داود رحمهما الله. ٣= أن الرواة الذين لا يعرف فيهم جرح ولا تعديل من المجهولين حالاً أوعيناً أولى عند الأئمة من الرواة الذين عُلم فيهم جرح، ويبين هذا كثرة رواية ١٠٦ الإمامين في سننيهما عن المجهولين بقسميهم فهم أكثر في الكتابين من الذين ضعفوا بجميع أنواع الضعف . وأخيرا أقول كما قال أبو عبد الله بن رشيد رحمه الله: (( فكتاب النسائي أقل الكتب بعد الصحيحين حديثا ضعيفا رجلا مجروحا، ويقاربه كتاب أبي داود وكتاب الترمذي ويقابله في الطرق الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث))(١) . المصطلحات التي استخدمها النسائي في كتابه المجتبى فالمصطلحات الواقعة في الكتاب كثيرة ومتنوعة، ويمكن تقسيمها إلي قسمین رئیسین: الأول: ما يتعلق بالرواة من الكلام فيهم بجرح أو تعديل. الثاني: ما يتعلق بالمتون من الحكم عليها بالضعف، أو الصحة، أوبيان علة فيه من إرسال أونكارة، أووقف في مرفوع أوبيان خطأ أوصواب إلى غير ذلك. أما القسم الأول المتعلق بالرواة فقد بلغ عدد الرواة الذين تكلم فيهم النسائي داخل المجتبى بجرح أوتعديل أكثر من خمسين راويا . ولكن بالنسبة للرواة الذين وثقهم قليل، لايصل عددهم إلى ربع من تكلم فيهم لأن الأصل في الرواة عنده في الكتاب أن يكونوا ثقات، وإن توثيقه لبعضهم إنما يأتي لمناسبة اقتضت ذلك كدفع الوهم عنه في حديث معين، أو تفضيله على بعض الرواة. (١) النكت لا بن حجر (٤٨٤/١) ١٠٧ وأما الذين ضعفهم - وهم الأكثرية - فتنوعت عبارته في تضعيفهم تبعاً لجهة ضعفهم، فأكثر عبارات التضعيف استخداماً عنده في الكتاب هي عبارة ليس بالقوي في الحديث، فقد أطلقها في ثلاثة عشر راوياً، وهذا يدل على أن الضعفاء عنده ليسوا بشديدي الضعف على أن النسائي قد ينزلهم في مرتبة أدني من مرتبتهم لتشدده، فقد يكونون عند غيره صدوقين، ثم يليها عبارة ضعيف، ثم منكر، ثم متروك، ثم ليس بذلك المشهور، ثم لا يحتج بحديثه، ثم لين الحديث ثم ليس بثقة، ثم لا أعرفه أو لاأدري من هو؟ (١). فهذه مجمل العبارات التي استخدمها النسائي لتضعيف الرواة داخل المجتبى، وهي في غالبها لا تخرج عنده عن معانيها المتعارف عليها عند المحدثين إلاأن النسائي فيه قليل التشدد، فقد يضع الراوي في مرتبة هو عند غيره في أعلى منها إضافة إلى أن لكل إمام اجتهاداته الخاصة به في بعض الرواة لايوافق عليه غيره . ولم أخض في التفاصيل بذكر الرواة بأسمائهم، ومقارنة كلامه فيهم بكلام غيره من أهل النقد لوجود رسالة في الرواة الذين تكلم فيهم النسائي بجرح، أو تعديل ومنهجه في ذلك(٢). (١) هذا الترتيب لألفاظ الجرح عنده من حيث كثرة الاستعمال وقلته وليس ترتيبها على حسب مراتب تلك العبارات. (٢) وهذه الرسالة تقدم بها الأخ الدكتور قاسم علي سعد لنيل درجة الدكتوراة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام بالرياض. ١٠٨ وأما القسم الثاني وهو ما يتعلق بحكمه على الأحاديث وما استخدمه من المصطلحات في ذلك لبيان درجتها. هناك مصطلحات استخدمها للحكم على بعض الأحاديث ومعناها عند المتقدمين والمتأخرين سواء ، ومن ذلك قوله « هذا حديث صحيح» (١) وقوله « هذا ليس بصحيح» (٢) وقوله « هذا غير ثابت » (٣) وقوله « رواه عنه يونس بن عبيد فأسنده (٤)» أي مرفوعا غير منقطع وكذلك الموقوف، والضعيف فقد تكررا في الكتاب، وكذلك المضطرب فقد أطلقها مرة واحدة على حديث رواته ثقات اختلفوا فيه (٥). وهناك مصطلحات استخدمها النسائي للحكم على الأحاديث وفي بعض معانيها خلاف بين المتقدمين والمتأخرين، أو أنها غير شائعة وأكثر النسائي من استعمالها فأحب أن أنبه على بعض معانيها، ومنها: «الخطأ والصواب»، وقد أكثر النسائي من استخدامهما في الكتاب للترجيح بين الوجوه المختلفة، وفي كثير من الحالات يجمعهما في حديث واحد فيحكم على أحد وجهيه بالخطأ، وعلى الآخر بالصواب، (١) انظر المجتبى (٦٠/٦) (٢) انظر المجتبى (١٩١/٧) (٣) انظر المجتبى (٣٢٠/٨) (٤) انظر المجتبى (١١٠/٧) (٥) انظر المجتبى ( / ) ١٠٩ وأحيانا يحكم على أحد الوجهين بالخطأ أو الصواب ويسكت عن الآخر فيثبت له عكس ذلك الحكم. وأما معناهما فالصواب هو السداد وإصابة الحق، والخطأ ضد ذلك فإذا كان الراوي قد حفظ الرواية، وأتى بها على وجهها ، وتأكد له ذلك حكم على روايته بالصواب بشرط أن يكون في المقابل من الرواة من وهم في شيء من طرق الحديث أوألفاظه، وإن لم يحفظ الراوي الرواية، ولم يأت بها على وجهها، وبان له خطؤه فيها حكم على روايته بالخطأ، ثم إن كان غير جازم بذلك ولكن ترجح لديه أحد الأمرين ( الصواب أو الخطأ) أتى من الصيغ ما يشعر بذلك فيقول مثلا هذا أولى بالصواب من كذا، أوأشبه بالصواب، ولاأحسب هذا إلاخطأ إلى غير ذلك من الألفاظ التي تدل على ترجح أحد الأمرين لاعلى سبيل الجزم. والجدير بالذكر أن غالب ما يحكم عليه من الأحاديث بالخطأ هو الشاذ في عرف المتأخرين، إذ إن استخدامه لها إنما هو في الترجيح بين الوجوه المعلة المختلفة، والعلة في الأصل في أحاديث الثقات، ومخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا هو الشاذ في مصطلح الحديث، وخير شاهد على ما قلت أنه - رحمه الله - قال في الكبرى عقب رواية علي الأزدي عن ابن عمر مرفوعا « صلاة الليل والنهار مثنى مثنى » ثم قال: «وهذا إسناد جيد ولكن أصحاب ابن عمر به خالفوا عليا الأزدي خالفه سالم، ونافع، وطاوس »(١). (١) انظر السنن الكبرى للنسائي (١٧٩/١) ١١٠ في حين أنه قال في المجتبى على نفس رواية علي بن عبد الله البارقي الأزدي « هذا الحديث خطأ » (١) قلت: رواية علي الأزدي السابق ذكرها رواية شاذة لتفرده بها - وهو ثقة - ومخالفته لمن هو أو ثق منه وأكثر عددا. فحَكَم عليها في الكبرى بالشذوذ لكن بغير ذكر لفظ الشذوذ، ولكن بما يؤدي الغرض نفسه، فمخالفة علي الأزدي لثلاثة من الثقات وهم أوثق وأكثر فهو الشاذ، ولكن في المجتبى أطلق على روايته تلك بالخطأ، فتبين من ذلك أن الخطأ والشذوذ عنده سيان فاستعملهما فيما وهم فيه الراوي من الروايات، وعلى هذا مشى في الكتاب ومن نظر في أحاديث الكتاب لوجد كثيراً. والذي أراه أن الخطأ أحطّ درجة من الشذوذ، وأنه ينبغي أن لا يستعمل إلا فيما تبين بطلانه من الروايات بخلاف الشذوذ فإنه أرفع درجة من الخطأ لدليل وجود بعض أهل العلم ممن يقول بقبول الشاذ بحجة أن الراوي ثقة ولهذا قَبل رواية علي الأزدي غير واحد من أهل العلم . وعليه فعبارته في الكبرى أجود وأوفق، وخاصة إذا علمنا كما سبق أن من العلماء من قبل هذا الزيادة واحتج بها، فإطلاق الخطأ عليها والحالة ما ذكر غير جيد . (٢) انظر المجتبى (٢٢٧/٣) ١١١ * ومن تلك الألفاظ «المرسل». فالنسائي - رحمه الله - كثيرا ما يستخدم لفظة «المرسل» لبيان علة في الإسناد أولإعلال الموصول بالمرسل. فأما إطلاقه على ما رفعه التابعي إلى النبي ظه فكثير في الكتاب لا يحتاج إلى تمثيل، ومعظم أحاديث الدراسة التي أعلها بالإرسال على هذا، ولكنه ١ لا يخصصه لذلك فقط بل يطلقه أحيانا ويريد به المنقطع أيا كان موضعه من الإِسناد، ومن أمثلة إطلاقه المرسل على المنقطع غير مار فعه التابعي قوله عقب حديث العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن طلحة بن يزيد الأنصاري عن حذيفة مرفوعا « هذا الحديث عندي مرسل، وطلحة بن يزيد لاأعلمه سمع من حذيفة شيئا، وغير العلاء بن المسيب قال في هذا الحديث عن طلحة عن رجل عن حذيفة رضيته » (١). فهذا الحديث أعله بالانقطاع بين طلحة بن يزيد وحذيفة، وهذا منقطع ومع ذلك سماه مرسلا تمشيا على مذهب المتقدمين بتسمية الحديث الذي لم يتصل إسناده أيا كان موضعه مرسلا، بل إن النسائي - رحمه الله - أطلق المرسل على الحديث المعضل. (١) انظر المجتبى (٢٢٦/٣) ومن أمثلة إطلاقه المرسل على المنقطع المجتى (٤٥/٥) (٣٥/٧) ١١٢ ومن ذلك قوله عقب حديث إبراهيم النخعي عن عبيد بن نضلة عن مغيرة بن شعبة عن النبي ﴾ « ... أسجع كسجع الجاهلية» قال النسائي: أرسله الأعمش (١) . ثم رواه من طريق الأعمش عن إبراهيم عن النبي ونَ﴾ فأسقط الأعمش رجلين من الإسناد وهما عبيد بن نضلة، ومغيرة بن شعبة، وهذا معضل في عرف المتأخرين، ومع ذلك سماه مرسلا. ومن تلك الألفاظ لفظة «المنكر» وهي قليلة الورود في كلامه في الحكم على الأحاديث وكل ما وقفت عليه من ذلك في الكتاب أربعة مواضع، وهذه اللفظة عنده تعني أحد معان ثلاثة: المعنى الأول: ما رواه الضعيف مخالفاً لما رواه الثقة كما هي معناها عند المتأخرين، ومثاله قوله عقب حديث مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عن عائشة مرفوعا عشرة من الفطرة» ثم رواه من طريق سليمان التيمي وأبي بشر جعفر عن طلق بن حبيب مرسلا. ثم قال: «وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس ـ أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة، ومصعب منكر الحديث » (٢). فأنت ترى أن مصعب بن شيبة ضعيف ضعفه غير واحد من أهل العلم منهم أبو حاتم وأبو داود والدار قطني وغيرهم بسبب سوء حفظه، ووثقه (١) انظر المجتبى (٥١/٨) (٢) انظر المجتبى (١٢٨/٢) ١١٣ بعضهم منهم ابن معين والعجلي لصدقه فروايته - والحالة هذه - مع المخالفة لاثنين من الثقات الحفاظ حيث أسند ما أرسلاه منكرة. والمعنى الثاني : ما تفرد به الضعيف، وإن لم يكن شديد الضعف، ولكن العمل على خلافه ومن ذلك قوله عقب حديث مصعب بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن جابر له مرفوعا في قتل السارق في المرة الخامسة (( هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث (١))) فأنت تلاحظ أن مصعب بن ثابت مع ضعفه غير الشديد لَما تفرد بالرواية التي لا عاضد لها، وعملُ المسلمين على خلافها حَكَم عليها بالنكارة. المعني الثالث: مرادف للغلط والخطأ وذلك أنه أطلق المنكر في موضعين وأراد به الغلط. فالأول منهما قوله في المجتبى « حديث يحيى بن سعيد هذا إسناده حسن، وهو منكر، وأخاف أن يكون الغلط من محمد بن فضيل » والثاني قوله « وهذا حديث منكر غلط فيه أبوا لأحوص - سلام بن سليم - لا نعلم أن أحداً تابعه عليه من أصحاب سماك، وسماك ليس بالقوي في الحديث ثم دعم قوله بما نقل عن أحمد بن حنبل « كان أبو الأحوص يخطئ في الحديث» (٢) مع العلم أن الغلط والخطأ سيان. (١) انظر المجتبى (٩١/٨) (٣) انظر المجتبى (٣٩١/٨) ١١٤ رَفُ عبد الَّحمي التجريّ أسكت البي الفرد في www.moswarat.com جهود الإمام النسائي في العلل ١= إنه - رحمه الله تعالى - قد أعطى اهتمامًا كبيرًا بإبراز العلة وإظهارها، وكان ذلك من أولويات تأليفه لكتابيه - الكبرى والصغرى - حتى قال غير واحد من أهل العلم: إن كتابه كتاب علل لكثرة ما تعرض لذكر العلة في الحديث، وبيانها في كتابيه بل لقد وصل به الشغف بالعلة أن يخرج أحاديث ليست على شرطه من أجل دفع علة يخاف أن تطرأ في الإسناد فأخرجها. ومن ذلك أنه أخرج حديث ابن جريج عن عبد الله بن عثمان بن خيثم ثم قال: «ليس بالقوي في الحديث وإنما أخرجته لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير » (١). فها هو ضعف عبد الله بن عثمان بن خيثم واعتذر عن تخريج حديثه في كتابه لخوف تدليس ابن جريج وإسقاطه من الإسناد، ولايتفطن لذلك لأن ابن جريج يروي أحاديث عن أبي الزبير فيظن أن هذا الحديث من تلك الأحاديث. ٢= لما كان - رحمه الله تعالى - أحد الفرسان في علل الحديث وعالما بأن علة الحديث لاتظهر إلا بجمع طرقه، أكثر من إيراد الحديث الواحد من طرق متعددة، ووجوه مختلفة عملا بالقاعدة الذهبية « الحديث إذا لم يجمع طرقه لا تتبين علله» فتجد في كثير من الحالات يخصص صفحات عدة للحديث الواحد مع أن الكتاب على الأبواب الفقهية، وهو عادة لا يتحمل كثرة الطرق، ومع ذلك استطاع ببراعته أن يوفق بين هذا وذاك. (١) أنظر المجتبى (٥/ ٢٤٨) ١١٥ ٣= طريقة عرضه الاختلاف على الرواة تحصل لي من خلال قراءتي للكتاب ودراسة أحاديث العلل فيه أن هناك طرقاً خمسة لإظهار وجه الاختلاف. الطريقة الأولى: أن يصدِّر الباب بذكر الاختلاف على الراوي، ويجعلَه عنواناً للأحاديث التي وقع الاختلاف في أسانيدها، وهذه الطريقة هي السمة الغالبة في الكتاب إذ بلغ مجموع المسائل التي صرح بالاختلاف فيها على هذه الطريقة أكثر من ثلث عدد الأحاديث. ومن ذلك على سبيل المثال قوله - رحمه الله تعالى - في كتاب قيام الليل باب صلاة القاعد في النافلة وذكر الاختلاف على أبي إسحاق في ذلك (١) وقد يذكر الاختلاف دون ذكر الباب معه، ويجعله عنواناً ومن ذلك قوله في الكتاب السابق « ذكر الاختلاف على أبي إسحاق في حديث سعيد بن بن جبير عن ابن عباس ته في الوتر» (٢). الطريقة الثانية: أن يصرِّح بالاختلاف عقب الحديث كأن يسوق إسناداً أوأسانيد على وجه من أوجه الخلاف مع متونها ثم يقول: خالفه أو خالفهم فلان، ثم يذكر الإسناد أو الأسانيد إليه التي خالف الراوي فيها مَن قبله. ومن ذلك على سبيل المثال قوله في حديث جابر ظه مرفوعا « نهى عن المخابرة والمز ابنة والمحاقلة » رواه من طريق يحيى بن أبي كثير عن يزيد بن (١) انظر المجتبى (٢٣٦/٣) (٢) انظر المجتبى (٢٢١/٣) ١١٦