Indexed OCR Text

Pages 21-40

٣٥٤
٨= محمد بن حبان أبو حاتم البستي صاحب الصحيح
٣٦٠
٩= سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني صاحب المعجم الكبير
١٠= عبد الله بن أحمد أبو أحمد المعروف بابن عدي صاحب كتاب الكامل ٣٦٥
المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء أهل العلم عليه.
أولا : ثناء أهل العلم عليه.
وقد وصف النسائي - رحمه الله تعالى - بأعلى الأوصاف والألقاب
العلمية، وإليك بعضا منها:
قال الحاكم: « سمعت أبا علي الحافظ - الحسين بن علي - غير مرة
يذكر أربعة من أئمة الحديث فيبدأ بأبي عبد الرحمن (١) ».
وقال ابن عدي: سمعت منصور الفقيه وأحمد بن محمد بن سلامة
الطحاوي يقولان: «أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين» (٢)
وقال القاسم المطرز: «هو إمام أو يستحق أن يكون إماما (٣) وقال
ابن الأثير: هو أحد الأئمة الحفاظ العلماء » (٤) . وقال المزي: «أحد الأئمة
المبرزين والحفاظ المتقنين والأعلام المشهورين » (٥) . وقال الذهبي: «الإمام
الحافظ الثبت شيخ الإسلام ناقد الحديث» (٦) .
(١) معرفة علوم الحديث (ص ٨٢) وانظر التقييد (ص ١٤١) وتهذيب الكمال (٣٣٣/١)
(٢) الكامل في الضعفاء (١٣٧/١) ومن طريقه ابن نقطة في التقييد (ص ١٤٠)
(٣) التقييد لابن نقطة (ص ١٤١) وتهذيب الكمال (٣٣٣/١)
(٤) مقدمة جامع الأصول (١٩٥/١)
(٥) تهذيب الكمال (٣٢٩/١)
(٦) السير (١٢٥/١٤)
١٧

وقال ابن كثير: «الإمام في عصره، والمقدم على أضرابه وأشكاله
وفضلاء دهره » (١).
وقال ابن حجر: «القاضي الحافظ صاحب السنن» (٢).
وقال السيوطي: «هو القاضي الحافظ الإمام شيخ الإسلام أحد الأئمة
المبرزين والحفاظ المتقنين، والأعلام المشهورين» (٣).
وهذه مجمل الأوصاف والألقاب التي وصف بها النسائي وهي تتلخص
فيما يلي:
الإمام، شيخ الإسلام، الحافظ، ناقد الحديث، الثبت، المتقن، العلم،
القاضي إلى غير ذلك من الأوصاف العلمية.
ثانيا: مكانته في الحديث وعلومه
اتفق الجميع على أنه - رحمه الله - إمام من أئمة الحديث، وأثنى عليه
ذلك غير واحد من أهل العلم ، وإليك بعضا من أقوالهم في ذلك.
قال أبو على الحسين بن علي الحافظ: «أخبرنا الإمام في الحديث بلا
مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي (٤) » .
وقال الحاكم: سمعت الدار قطني يقول: «أبو عبد الرحمن مقدم على كل
من يذكر بهذا العلم ( الحديث) من أهل عصره» (١) .
(١) البداية والنهاية (١٣١/١١)
(٢) تهذيب التهذيب (٣٢/١)
(٣) حسن المحاضرة (ص ٣٤٩)
(٤) تهذيب الكمال (٣٣٣/١ طبقات الشافعية (١٥/٣)
١٨

وقال أبو عبد الرحمن السلمي: سألت أبا الحسن الدارقطني، فقلت: إذا
حدث محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأحمد بن شعيب النسائي من تقدم منهما؟
قال: «النسائي لأنه أسند على أني لا أقدم على النسائي أحدا، وإن كان ابن
خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير (٢) .
وقال الدارقطني أيضا وهو يتحدث عن النسائي : « ... أعرفهم
بالصحيح والسقيم من الآثار وأعلمهم بالرجال» (٣) .
وقال أبو يعلى الخليلي: «اتفقوا على حفظه، وإتقانه، ويعتمد قوله في
الجرح والتعديل، وكتابه في السنن مرضي» (٤) وقال ابن الجوزي: «كان
إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا فقيها» (٥) .
وقال السبكي: «أحد أئمة الدنيا في الحديث» (٦) وقال أيضا:
«سمعت شيخنا أبا عبد الله الذهبي، وسألته أيهما أحفظ مسلم بن الحجاج
صاحب الصحيح أو النسائي؟ فقال: النسائي، ثم ذكرت ذلك للشيخ الإمام
الوالد فوافق عليه»
(٧)
(١) معرة علوم الحديث (ص ٨٣) والتقييد (ص ١٤٠)
(٢) سؤالات السلمي للدار قطني (ص ١١٤ برقم ٣٣) والتقييد (ص ١٤١)
(٣) تهذيب الكمال (٣٣٣/١) وحسن المحاضرة (٣٤٩/١)
(٤) الإرشاد (ص ٤٣٦/٣) المنتظم (١٣١/٦)
(٥) المتظم (١٣١/٦)
(٦) طبقات السبكي (١٤/٣)
(٧) المصدر السابق (٩٦/٣)
١٩

وقال الحاكم: سمعت جعفر بن محمد بن الحارث يقول: سمعت مأمون
المصري يقول: «خرجنا إلى طر سوس (١) مع النسائي سنة الفداء (٢)
فاجتمع جماعة من الأئمة ــ عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم بن
مربع، ومحمد بن صالح بن عبد الرحمن المعروف بكليجة، فتشاوروا من ينتقي
لهم على الشيوخ، فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم
بانتخابه (٣) » (٤).
وقال الذهبي: «كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد
الرجال وحسن التأليف» (٥) وقال تلميذه ابن يونس: كان إماما في الحديث
(٦)
ثقة ثبتا حافظا»
والخلاصة: أن النسائي مُبتت إمامته في الحديث وتقدمه على أقرانه من
أهل زمانه حتى قال الدارقطني : كان ابن الحداد كثير الحديث، ولم يحدث عن
(١) طر سوس بفتح أوله وثانيه بينهما سين مهملة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب، وبلاد الروم
مراصد الاطلاع
(٢) سنة الفداء هي السنة ٢٨١ أرسل خمار ويه من قبل أحمد بن طولون إلى غزو الروم ففتح ملورية
انظر النجوم الزاهرة
(٣) الانتخاب أن ينتخب المنتخب ما لم يسمعه المنتقى ولا رفقته ويكون فيه فائدة فيما هو عندهم
بغية الراغب (١٠٨)
(٤) معرفة علوم الحديث (ص ٨٢) وانظر أيضا في التقييد (ص ١٤٢)
(٥) السير (١٢٧/١٤)
(٦) بغية الراغب (ص ١١٥)
٢٠

أحد غير أبي عبد الرحمن النسائي فقط، وقال: «رضيت به حجة بيني وبين
اللّه» (١).
معرفته بعلم العلل خاصة:
وقبل كل شيء ينبغي أن يعلم أنه (علم العلل) علم عويص بعيد المنار،
فلم يخض غماره إلا قلة من الأفذاذ، وهو ( أي علم العلل) يقوم على أسس
ثلاثة، قوة الحفظ، وسعة الاطلاع، والمعرفة التامة بأحوال الرواة، وإذا نظرنا إلى
النسائي نجد أنه اكتملت معرفته بهذه الأمور الثلاثة:
فأما قوة الحفظ فقد مر من كلام أهل العلم وثنائهم عليه بقوة الحفظ
وإمامته في ذلك ما يدل على المقصود ويغني عن إعادته .
وأما سعة الرواية والاطلاع فهو - رحمه الله - قد حاز قصب السبق
في ذلك، فسننه هذه التي بين أيدينا تشهد له بذلك، ويأتي في دراسة الكتاب ما
يكشف لك أيها القارئ الكريم ذلك ويوقفك على الحقيقة إن شاء الله تعالى.
وأما معرفته بالرواة، وأحوالهم، ومراتبهم فغير خاف على أحد أنه .
رحمه الله - من أئمة الجرح والتعديل المعتمد قولهم في الرجال جرحا، وتعديلا،
وقد مر قبل سطور قول الحافظ أبي يعلى الخليلي: (( يعتمد على قوله في الجرح
والتعديل )).
(١) تهذيب الكمال (٣٣٥/١)
٢١

وما أحسن ما قاله الذهبي حين قال: «النسائي - رحمه الله - من
النقاد المتبصرين المتوسعين الذين ختم بهم عهد المتقدمين، بل حاز قصب السبق
في أهل عصره وامتاز على أترابه وأقرانه بالاستقلال، والاتساع، والدقة، ومازال
أئمة النقد من المتأخرين يقفون عند قوله استحسانا»
وقد قدمت رسالة علمية (١) في الرجال الذين تكلم فيهم النسائي
بجرح، أو تعديل، فبلغ عددهم (٢٦٧٩) رجلا، وبهذا يعد النسائي من الأئمة
الذين تكلموا في عامة الرجال أمثال يحيى بن معين وأحمد بن حنبل.
ومما يبين مكانة النسائي في هذا العلم، ورسوخه فيه ما قاله إمامان في
هذا الشأن.
أولهما: الذهبي حيث قال: « لم يكن أحد في رأس الثلاثمائة أحفظ من
النسائي، وهو أحدق بالحديث، وعلله، ورجاله من مسلم، وأبي داود، ومن أبي
عيسى، وهو جار في مضمار البخاري وأبي زرعة» (٢).
ثانيهما ابن حجر فقد قال وهو يتحدث عن الشاذ « .. . واشتهر عن
جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل إلى أن قال:
والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان،
وأحمد بن حنبل، وابن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي
(١) هذه الرسالة تقدم بها الزميل قاسم علي سعد إلي قسم المسنة وعلومها بكلية أصول الدين بجامعة
الإمام بالرياض لنيل درجة الدكتوراة.
(٢) السير (١٣٣/١٤)
٢٢

حاتم، والنسائي، والدار قطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة
وغيرها» (١).
وأنت تلاحظ أنه - رحمه الله - لم يذكر بالاسم من أصحاب الكتب
الستة غير البخاري والنسائي مما يدل على أنه يذهب مذهب الإمام الذهبي في
تقديمه النسائي على مسلم وأبي داود رحمهم الله تعالى جميعا.
وقال أيضا معلقا على قول النسائي : « فما هذه الكتب كلها أجود من
كتاب محمد بن إسماعيل البخاري» ومثل هذا من مثل النسائي غاية في الوصف
مع شدة تحريه، وتوقيه، وتثبته في نقد الرجال، وتقدمه على أهل عصره حتى
قدمه بعض من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج ، وقدمه الدارقطني
وغيره في ذلك على إمام الأئمة ابن خزيمة صاحب الصحيح» (٢) .
قلت: هذه شهادات من أئمة هذا الشأن، وكما قيل لا يعرف أهل
الفضل إلا ذووه، فهذا الذهبي يقرن النسائي بالبخاري، ويقدمه على غيره من
بقية الأئمة الستة بمن فيهم الإمام مسلم ، وهذا غاية في التفضيل وصنيع الحافظ
ابن حجر يدل على هذا كما تقدمت الإشارة إليه.
ولا ننسى أن الدارقطني - وهو أستاذ علم العلل - قد قدمه فيما سبق
عنه على ابن خزيمة إمام الأئمة في عصره، ولم يقف عند هذا الحد، بل قال: إنني
لا أقدم عليه أحدا.
(١) نزهة النظر (ص ٢٤)
(٢) هدي الساري (ص ١١)
٢٣

ثالثا: مكانته في الفقه:
الإمام النسائي وإن كان جل اهتمامه انصب على الحديث وعلومه،
ولكن ذلك لم يمنعه من العناية بالفقه، وفروعه كيف لا، والفقه ثمرة الحديث التي
يجتنيها المحدث من مروياته التي طالما تعب في جمعها، وتمحيصها، ولذا كان
المحدثون الكبار هم الفقهاء ، والأمثلة على هذا كثيرة، وهذا الإمام واحد من
هؤلاء الجامعين بين الحديث والفقه، فكان له في الفقه حظ أوفر، ونصيب أعلى،
ويدل على تمكنه في الفقه عدة أمور منها:
١= كونه قد تولى القضاء في مصر، وفي حمص، وقد وصفه بالقضاء غير
واحد ممن ترجم له من المؤرخين، وذكره السيوطي في قضاة مصر بل قال
الطبراني وهو أحد تلاميذه: أخبرنا أبو عبد الرحمن النسائي القاضي بمصر) (١)
كما تولى القضاء في حمص ذكره أيضا غير واحد من أهل العلم، وقال أبو عوانة:
أخبرنا أحمد بن شعيب النسائي قاضي حمص ... ) (٢)
والغرض من ذكر توليه القضاء إنما هو للدلالة على معرفته بالفقه لأن
من المعروف قديما، وحديثا أنه لا يتولى هذا المنصب إلا من كان له حظ كبير
في الفقه في كتاب الله وسنة رسوله ﴿، والقواعد الشرعية وأقول أهل العلم إلي
غير ذلك من الأمور المهمة لمن يتولى هذا المنصب.
٢= شهادة أهل العلم له بتقدمه في الفقه وتفوقه على أقرانه في ذلك،
وإليك بعضًا من ثنائهم عليه في ذلك:
(١) المعجم الصغير (٢٣/١)
(٢) صحيح أبي عوانة
٢٤

قال الحاكم : سمعت علي بن عمر ( الدارقطني) « كان أبو عبد
الرحمن أفقه مشايخ مصر في عصره ... » (١) .
ب= وقال أيضا: «أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر
من أن يذكر في هذا الموضع » (٢).
٣= کتابه السنن يدل على مدى تمكنه في الفقه وذلك من خلال تراجمه
لأبواب الكتاب مما يدل على قوة استنباطه للمسائل الفقهية من الأحاديث، بل
إن طريقته في وضع الأبواب شبيهة بطريقة البخاري إلى حد كبير، وهو قدوته
في ذلك إذ إن النسائي كان يرى أن صحيح البخاري أفضل كتب الحديث
على الإطلاق، وفوق ذلك كله أنه تتلمذ على يديه، وإن اختلف هل رواه عنه
في سننه أم لا فقد أثبته قوم منهم المزي، ونفاه آخرون بعد اتفاقهم على أنه روى
عنه خارج السنن.
قال الحاكم: « ... ومن نظر في كتابه تحير في حسن كلامه» (٣)
· هل النسائي كان يتمذهب بمذهب معين من المذاهب الأربعة في الفقه؟
ذكر غير واحد من متأخري الشافعية أنه كان على مذهب الشافعي
منهم ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول، والسبكي في طبقات الشافعية، وابن
(١) معرفة علوم الحديث (ص ٨٢)
(٢) المصدر السابق (٨٢)
(٣) معرفة علوم الحديث (ص ٨٢)
٢٥

قاضي شهبة، والأسنوي في طبقات الشافعية، وحجتهم في ذلك ما ذكره ابن
الأثير أنه ألف كتابا في المناسك على مذهب الشافعي (١)
قلت: عندي في هذا نظر، فالنسائي وكذلك بقية الأئمة الستة لم يكونوا
متقيدين بمذهب معين من المذاهب الأربعة، وإن ذكرهم بعض المتأخرين من
أصحاب المذاهب بعضهم في عداد أصحابهم في المذهب، ويرجع ذلك في
نظري ما لهؤلاء الأئمة من المكانة في الدين، فحاول بعض المتأخرين من المنتسبين
لأحد المذاهب أن يضم بعضهم إلى مذهبه.
والذي يؤيد ما قلت أن المزي، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر
وغيرهم من المعتدلين لم يذكروه أنه كان على مذهب الإمام الشافعي، وهم
أعلم بالرجال وأحوالهم من هؤلاء الذين نسبوه إلي مذهب الشافعي، ثم إن هذا
الكتاب المذكور الذي قيل فيه: إنه ألفه على مذهب الشافعي غير موجود حاليا
بين أيدينا لننظر فيه مدى مطابقته لذلك.
صحيح أن النسائي دخل مصر، واستوطنها، ومذهب الشافعي منتشر
فيها، ولا شك أن النسائي أفاد من علم الشافعي وخاصة إذا علمنا مكانة الإِمام
الشافعي عند المحدثين.
يقول العلامة أحمد شاكر وهو يتحدث عن النهضة العلمية في الحديث
وعلومه في القرن الثالث: « وهذه النهضة التي نرى أن الذي أثارها أو كانت له
اليد الطولي في إحيائها، وبعثها هو الإمام الشافعي ناصر الحديث إذ علّم الناس
عامة، وأهل العراق ثم مصر خاصة معنى الاحتجاج بالسنة ومعنى العمل بها مع
(١) انظر مقدمة جامع الأصول ( ١٩٦/١ )
٢٦

القرآن، وحدد أصول ذلك وحررها، وأقام الحجة على مناظريه بوجوب الأخذ
بالحديث وأفحمهم، وعن ذلك ترى أن الأئمة أصحاب الكتب الستة نبغوا في
الطبقة التالية لعصر الشافعي مباشرة ... » (١) .
قلت: لكن كما هو معلوم أن الاستفادة من علم العالم غير التقيد بمذهبه،
فهذا الإمام أحمد تتلمذ على الشافعي بل كان يأمر بكتابة كتب الشافعي، ويحث
على ذلك، وهذا أيضا عبد الرحمن بن مهدي يقول عن نفسه أنه قرأ الرسالة
للإمام الشافعي مرات عديدة وهو الذي طلب من الشافعي أن يؤلف هذه
الرسالة في أصول الحديث والفقه ومع ذلك لم يعدهما أحد من أتباع مذهبه (٢).
وقال الدهلوي : « كان أصحاب الحديث ينسبون إلى أحد المذاهب
لكثرة موافقته له » (٣) علما بأنه لم يكن قد شاع بعد في القرن الثالث
التمذهب بمذهب معين كما هو المفهوم عند المتأخرين، وإنما كان هناك تلاميذ
ينقلون مسائل عن هذا العالم وذاك، مع نهي الأئمة أتباعهم عن تقليدهم في
حين أن المناوي يرى أن النسائي قد بلغ رتبة الاجتهاد المطلق (٤) وهذا في
نظري أقرب إلى الصواب لما للنسائي من الصفات العلمية العالية التي تؤهله أن
يتبوأ تلك المكانة فمن نظر في سننه تبين له ذلك.
(١) مقدمة جامع الترمذي (٨٠/١)
(٢) أنظر مقدمة تحقيق العلامة أحمد شاكر لرسالة الإمام الشافعي.
(٣) تحفة الأحوذي (١٧٥/١)
(٤) فيض القدير (١١/١)
٢٧

رابعا: عقيدته:
الإمام النسائي من أئمة الحديث الذين هم حماة عقيدة أهل السنة
والجماعة عبر العصور، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل في الطائفة المنصورة :
« إن لم يكن أهل الحديث فلا أدري من هي؟» (١) وقد سبق في ترجمته أنه
من كبار علماء الحديث، وهو من أئمة السنة والجماعة، عرف ذلك من خلال
مؤلفاته، وخصوصا« كتاب الإيمان وشرائعه من سننه» فقد ذكر مسائل
عقيدة أهل السنة والجماعة كعناوين ثم أورد تحتها الأحاديث محتجا بها على تلك
المسائل.
ويتضح الأمر أكثر بما نقل عنه في مسائل عقدية، فقد روى القاضي
أبو القاسم عبد الله بن أبي العوام السعدي قال حدثنا النسائي حدثنا إسحاق
حدثنا محمد بن أعين قال: قلت لا بن المبارك: إن فلانا يقول من زعم أن قوله
﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ (٢) مخلوق فهو كافر قال (أي ابن
المبارك) صدق، قال النسائي: بهذا أقول (٣).
بل إن النسائي - رحمه الله - عاب بعض الرواة بسبب بدعة فيهم،
ورأى أن ذلك يخل بالعدالة، ولا يعقل أن يعيب غيره بشيء هو به متصف،
وإليك بعض الرواة الذين تكلم فيهم بنوع من البدعة.
(١) الرسالة المستطرفة (ص ٢٢١)
(٢) سورة طه الآية ( ١٤ )
(٣) تذكرة الحفاظ (٧٠٠/٢)
٢٨

اسم الراوي
الجارود بن معاذ
حماد بن أبي سليمان الأشعري
أجلح بن عبد الله الكوفي
علي بن المنذر
عبد الله بن شريك الكوفي
حفص الفرد
نوع البدعة التي رماه بها
ثقة إلا أنه كان يميل إلى الإرجاء
ثقة إلا أنه مرجئ
ليس بالقوي وكان مسرفا في التشيع
شيعي محض
ليس بالقوي مختاري
صاحب كلام لا يكتب حديثه
المصدر
تهذيب التهذيب (٤٧/١)
تهذيب التهذيب / (٣١٥)
الميزان (٧٩/١ )
الميزان (١٥٧/٣)
تهذيب التهذيب (٢٢٥/٥]
الميزان (٥٦٤/١ )
بقي أن أشير إلى أن الذهبي قال في ترجمته « ... إلا أن فيه قليل تشيع،
وانحراف عن خصوم علي بن أبي طالب ظه كمعاوية، وعمرو، والله يسامحه (١)
ومستند الذهبي في ذلك ما ذكره هو وغيره أن النسائي حين ألف
خصائص علي بن أبي طالب قيل له ألا تخرج فضائل معاوية ﴾؟ فقال: أي
شيء أخرج؟ حديث « اللهم لا تشبع بطنه» (٢)، وسكت، وسكت
السائل (٣) .
وما رواه عبد الله بن منده عن حمزة العقبى وغيره أن النسائي - رحمه
الله - خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية وما جاء
في فضائله فقال: ألا يرضى رأسا برأس (٤).
(١) السير (١٣٣/١٤)
(٢) حديث «اللهم لا تشبع بطنه» رواه مسلم في صحيحه في كتاب البرباب من لعنه النسبي ﴾
(٢٠١٠/٣ - ٢٦٠٤)
(٣) تاريخ الإسلام حوادث من (٣٠١ - ٣٢٠) ص ١٠٧) وتهذيب الكمال (٣٣٨/١)
(٤) تهذيب الكمال (٣٣٩/١) البداية والنهاية (١٣٢/١١) السير (١٣٢/١٤)
٢٩

قلت: فأما كونه ألف في خصائص علي بن أبي طالب حظه ولم يصنف في
فضائل معاوية بل ولا في فضائل الشيخين، فقد أجاب هو بنفسه عن ذلك
بقوله: « دخلت دمشق، والمنحرف بها عن علي ﴿ كثيرٌّ، فصنفتُ كتاب
خصائص علي ه رجوت أن يهديهم الله تعالى» ثم صنف بعد ذلك فضائل
الصحابة رضوان الله عليهم (١) .
قلت: إن قوله « وأي شيء أُخرج له» إشارةٌ منه إلى أنه لم يثبت لديه
في فضائل معاوية غير قوله ﴿ « لا أشبع الله بطنه» حتى إن البخاري حين أتى
في كتاب فضائل الصحابة على معاوية بن أبي سفيان ظله عدل عن قوله باب
مناقب معاوية إلى قوله باب ذكر معاوية، ولم يذكر فيه شيئا مرفوعا إلى النبي
(٢). بل إن ابن الجوزي - وهو يرد على الوضاعين فيما وضعوا في معاوية
من المناقب - روى بسنده عن ابن راهويه قوله « لا يصح عن النبي مظلته في
فضل معاوية شيء» (٣)
ثم روى بسند آخر إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي
فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال: « إيش أقول فيهما، إن عليا
كان كثير الأعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا فجاءوا إلى رجل قد حاربه،
وقاتله فأطروه کیادا منهم له » ،
(١) تهذيب الكمال (٣٣٨/١) السير (١٢٩/١٤)
(٢) انظر صحيح البخاري - الفتح (١٠٣/٧)
(٣) الموضوعات (٢٤/٢)
(٤ ) المصدر السابق (٢٤/٢)
٣٠

وقال ابن حجر: «وقد ورد في فضائل معاوية ظ أحاديث كثيرة لكن
ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد وبذلك جزم إسحاق بن راهويه ،
والنسائي وغيرهما » (١).
وأما الثانية وهي قوله « ألا يرضى رأسا برأس» فقد أجاب عنها ابن
عساكر بقوله « هذه الحكاية لا تدل على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن في
معاوية بن أبي سفيان، وإنما تدل على الكف في ذكره بكل حال (٢) .
قلت: ولعله قال ذلك لأن السائل كان ممن يناصب العداء لعلي بن أبي
طالب نظره وخاصة في تلك المنطقة ( دمشق ) أنذاك، فأراد إسكاته بذلك، ثم إن
إصدار الحكم عليه بالتشيع بسبب قولة قالها في مناسبة معينة دون النظر إلى بقية
أقواله، ومواقفه الأخرى، فيه إجحاف له .
ولكي تتضح الصورة في موقف النسائي من خصوم علي بن أبي طالب
رَظله فلا بد أن نقرأ ما رواه ابن عساكر بسنده عن أبي الحسن علي بن محمد
القابسي قال: سمعت أبا علي الحسن بن أبي هلال يقول: سئل أبو عبد الرحمن
النسائي عن معاوية بن أبي سفيان صاحب رسول اللهلم﴿ ﴿ فقال: «إنما الإسلام
كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام
((٣))
كمن نقر الباب إنما يريد الدخول ثم قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحاب
(١) الفتح (١٠٤/٧)
(٢) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٠٣/٣) وعنه المزي في تهذيب الكمال (٣٣٩/١)
(٣) المصدرين السابقين
٣١

وهذا الكلام في غاية من الحسن لأنه یبین دون لبس أن النسائي بريء مما
رماه الذهبي به من التشيع ، ويستحيل مُن عنده أدنى مسكة من التشيع أن يقول
مثل هذا الكلام.
ومما يزيد الأمر وضوحا أنه - رحمه الله - حين ألف كتابه في فضائل
الصحابة أورد فيه حديثاً في مناقب عمرو بن العاص ظله مع أن موقفه
(أي عمر و) من علي ﴾ معروف، ولذا فالشيعة يعادونه أشد المعادات، وقد
سبق أن أشرت أن النسائي - رحمه الله - قد عاب بعض الرواة بشيء من
التشيع، فكيف يعيب غيره بشيء هو متصف به مع العلم أن مفهوم التشيع في
ذلك الزمن غير التشيع في هذا الزمن قال الذهبي: « فالشيعي الغالي في زمان
السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير، وطلحة، ومعاوية وطائفة ممن
حارب عليا ظته وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء
السادة ويتبرأ من الشيخين أيضا، فهذا ضال » (١)
خامسا : عبادته وبعض، ملامحه، وحياته الاجتماعية:
قال أبو المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في
العبادة بالليل، والنهار وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر، فوصف من شهامته،
وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي
خرج معه، والانبساط في المأكل وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق
من جهة الخوارج (٢). وكان - رحمه الله - يصوم يوما ويفطر يوما (١).
(١) الميزان ترجمة أبان بن تغلب ( ٦/١)
(٢) تهذيب الكمال (٣٣٤/١) البداية والنهاية (١٣٢/١١)
طبقات السبكي (١٦/٣)
٣٢

وقال الذهبي: كان رئيسا نبيلا حسن البزة كبير القدر (٢) وقال أيضا:
كان مليح الوجه ظاهر الدم مع كبر السن يؤثر لباس البرود النوبية الخضر (٣).
وقال ابن كثير: «وكان في غاية الحسن، وجهه كأنه قنديل (٤) وكان
له أربع زوجات يقسم لهن ولا يخلو مع ذلك من سرية، وكان يكثر أكل
الديوك الكبار تشترى له وتسمن وتخصى » (٥)وكان قوته في كل يوم رطل
خبز جيد لا يأكل غيره (٦) .
قلت: وهذا يدل على فقه ومعرفة حيث لم يهمل جانبا على حساب
جانب آخر فهو مع اشتغاله في العلم تأليفا وتدريسا ومع اجتهاده في العبادة لم
ينس ما لنفسه، ولأهله عليه من حقوق، فأعطى كل ذي حق حقه فرحمه الله
رحمة واسعة.
(١) تهذيب الكمال (٣٣٧/١) تاريخ الإسلام حوادث (٣٠١ - ٣٢٠ص ١٠٦) طبقات الأ سنوي
(٤٨٠/٢)
(٢) العبر (١٢٤/٢) وانظر شذرات الذهب (٢٣٩/١)
(٣) التذكرة (٦٩٩/٢)
(٤) البداية (١٣٢/١١)
(٥) التذكرة (٦٩٩/٢)
(٦) تهذيب الكمال (٣٣٧/١) بغية الراغب (ص ١١٩)
٣٣

وفاته وسبب ذلك
ذكروا سبب وفاته أنه خرج إلى دمشق فسئل بها عن معاوية بن أبي
سفيان وعن فضائله فقال: " لا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل فما زالوا
يدفعونه في حضنيه (١) حتى أُخرج من المسجد ثم حمل وهو عليل (٢) "
واتفقوا على أنه توفي سنة (٣٠٣) للهجرة وعمره أنذاك (٨٨ ) سنة
واختلفوا في مكان وفاته ودفنه .
فقال أبو سعيد بن يونس تلميذ النسائي " كان خروجه من مصر في
ذي القعدة سنة (٣٠٢) وتوفي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من
صفر سنة (٣٠٣ ) (٣)
وكذا قال الإمام الطحاوي وهو أيضا تلميذ آخر للإمام النسائي.
ووافقهما أيضا محمد بن سعدون العبدري فيما نقله عنه ابن نقطة من خطه
حيث قال: " مات أبو عبد الرحمن النسائي بالرملة مدينة فلسطين يوم الاثنين
لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة (٣٠٣ ) (٤) وكذا قال أبو علي الغساني
فيما ذكره ابن خير الإشبيلي (٥) وكذا نقله عنه السخاوي (٦).
(١) ضبطت هذه الكلمة بحضنيه بالضاد المعجمة أي جانبيه وضبطت بالخاء المعجمة والصاد المهملة أي
أُنثییه
(٢) معرفة علوم الحديث (٨٣) والتقييد لابن نقطة (ص ١٤٢) فتح المغيث (٣٤٦/٤)
(٣) انظر تهذيب الكمال (٣٤٠/١) والبداية والنهاية (١٣٢/١١) وتهذيب التهذيب (٣٤/١)
(٤) التقييد لابن نقطة (ص ١٤٣)
(٥) فهرسته (ص ١١٧)
(٦) فتح المغيث (٣٤٦/٤)
٣٤

وخالفهم جميعا الدارقطني فقد روى عنه الحاكم أبو عبد الله فقال:
سمعت علي بن عمر الدارقطني يقول: « كان أبو عبد الرحمن أفقه مشايخ مصر
... إلى أن قال: فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى
الرملة، ومات بها، وهو مدفون مكة (١).
وقد نقل المزي والذهبي عن الدارقطني من طريق الحاكم بعبارة أخرى
حيث قالا: قال (أي النسائي) « أخرجوني إلى مكة فأخرجوه إلى مكة وهو
عليل وتوفي بها مقتولا شهيدا (٢) وزاد ابن الجوزي وابن تغري بردي فقالا: دفن
في مكة بين الصفاء والمروة(٣) . وفي رواية أخرى قال الحاكم: فحدثني محمد بن
إسحاق الأصفهاني قال: سمعت مشايخنا بمصر يذكرون ... فما زالوا يدفعونه في
حضنيه حتى أخرج من المسجد ثم حمل إلى مكة ومات بها وهو مدفون بمكة (٤).
والراجح عندي هو القول الأول في أن وفاته كانت بفلسطين ودفن
بالرملة لأمور منها:
١= ذهب إلى هذا القول أبو سعيد بن يونس المؤرخ والطحاوي،
وكلاهما تلميذ للنسائي، والتلميذ أعرف بشيخه من غيره، ولا شك أن موت
النسائي كان له وقع على نفوسهما لما للنسائي من مكانة عموما، وعند هما
(١) معرفة علوم الحديث (ص ٨٣)
(٢) تهذيب الكمال (٣٣٩/١) والبداية (١٣٢/١١) التذكرة (٧٠١/٢).
(٣) المنتظم (١٣٢/٦) والنجوم الزاهرة (١٨٨/٣)
(٤) التقييد لا بن نقطة (ص ١٤٢)
٣٥

خصوصا، فيكون ذلك مدعاة لضبط تاريخ وفاته ومكان ذلك، وخاصة عند
ابن يونس لكونه مؤرخا لذا قال الذهبي بعد أن ذكر قول ابن يونس في مكان
وفاته ودفنه قال: وهذا أصح فإن ابن يونس حافظ يقظ وقد أخذ عن
النسائي (١)
(١)
٢ = أن ابن يونس والطحاوي وافقهما على ما ذهبا إليه إمامان آخران
وهما أبو علي الغساني ومحمد بن سعدون العبد ري كما سبق.
٣= أن القول الأول رجحه الأئمة:
منهم الإمام الذهبي فقد قال عقب قول ابن يونس السابق ذكره
« هذا هو الصحيح» (٢)
ومنهم السبكي فقال: وقد اختلفوا في مكان موت النسائي فالصحيح
أنه أخرج من دمشق لما ذكر فضائل علي *به فما زالوا يدفعونه في خصيتيه حتى
أخرج من المسجد ثم حمل إلى الرملة فتوفي بها (٣).
في حين أن الدار قطني صاحب القول الثاني لم يذكر من أين استقى معلوماته
لأنه لم يدرك النسائي إذ ولد بعد وفاة النسائي بثلاث سنين، ثم إنه اختلف النقل
عنه فمن قائل إنه مات بالرملة وحمل إلى مكة، ومن قائل إنه قال: احملوني إلى
مكة فمات بها، وأغرب من هذا ما ذكره ابن الجوزي وابن تغري بردي من أنه
دفن بين الصفاء والمروة، فكيف يعقل أن يكون المسعى مكانا للدفن.
(١) السير (١٣٣/١٤)
(٢) تاريخ الإسلام (٣٠١- ٣٢٠ ص ١٠٩)
(٣) طبقات الشافعية (١٦/٣)
٣٦