Indexed OCR Text

Pages 1741-1760

١٧٥
کتاب الضحايا
أنه ذبحها عنه، فيحتمل أن يريد به صديقه الذى يقوم بأموره، وقد فوض إليه فى جميع
أموره حتى يصدقه أنه لم يذبحها عن نفسه، وإنما ذبحها عن غيره، فلهذين القولين وجه
على ما تقدم. وإن كان أراد به أنه غير المفوض إليه، وإنما ذبحها عنه بمجرد الصداقة.
فالظاهر من المذهب أنه لا يجزئه؛ لأنه متعد لو شاء أن يضمنه ضمنه إلا أن يكون
هذا رواية فى المتعدى بذبحها عن صاحبها إن لم يرد صاحبها تضمينه تجزئه، فله وجه
علی ضعفه.
وقد قال أشهب فى الموازية: لا جزئه، وإن کان ممن فی عیاله، وهو ضامن، يريد
والله أعلم، إذا كان غير مأمور به، ولا قائم بجميع أموره فى ذلك وغيره.
فرع: ومن ذبح أضحية صاحبه غلطًا لم يجز المذبوح عنه، وإن فعل كل واحد
منهما بأضحيته صاحبه ضمنها، قاله مالك فى المدونة. ووجه ذلك أن كل واحد منهما
متعد على أضحية الآخر، فلزمه ضمانها لأن الخطأ والعمد فى المال سواء.
وإذا ضمنا الذابح لم تجز المتعدى؛ لأنها تكون لمن ضمنها إن ضمنها له، وإن ضمنها
له، وإن لم يضمنه إياها، ورضى بها مذبوحة لم تجز أيضًا لأنه قد كان ثبت ملكه لها لما
كان له من تضمين المتعدى عليها، وإنما عادت إلى حالها من الملك الصحيح التام ليرى
التضمین، وذلك بعد الذبح ولو کان ھدیًا.
وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك فى الموازية؛ تجزى من قلده لا من نحره.
وروی أشهب عن مالك: لا تجزئهما.
وجه رواية ابن القاسم أنه ـد وجب بالتقليد، فلا يحتاج فى ذبحه إلى نية تختص من
قلده، يدل على ذلك أنه لو ضل الهدى، فوجده رجل فنحره عمن قلده لأجزأ، وإن لم
يتعين له صاحبه، ولو فعل ذلك فى الأضحية لم تجز صاحبها.
ووجه رواية أشهب أن الهدى، وإن كان قد وجب بالتقليد، فإن الفساد وعدم
الإجزاء يتعلق به بدليل أنه لو مات لم يجزه، فكذلك إذا ذبح ذبحًا يمنع الإجزاء، وهو أن
يذبح عن غیر من قلده.
فرع: وهل يجزئ فى الأضحية الذابح؟ لا يخلو أن يكون صاحبها رضيها أو لم
يرضها، فإن رضيها لم يضمن الذابح قيمتها، فلا خلاف أنها لا تجزى الذابح؛ لأنها
باقية على ملك صاحبها.

کتاب الضحايا
١٧٦ .
وإن ضمنه إياها ففى الموازية من رواية ابن القاسم عن مالك: لا تجزئ واحدًا منهما
وقال أشهب: تجزئ الذابح كما لو استحقت بعد الذبح، وكذلك أمة أولدها رجل، ثم
جاء بها، فأخذ قيمتها، فإنها بذلك أم ولد. وقال ابن حبيب: ان عرف ذلك بعد فوات
اللحم أجزأت عن ذابحها غلطًا، وأدى القيمة، وإن لم يفت اللحم فربها مخير، فإن أخذ
اللحم، فله بيعه، وإن أخذ قيمة الشاة لم تجز عن ذابحها، ولا له بيع لحمها.
ووجه ذلك أنه إذا عرف ذلك بعد فوات اللحم فقد عين ملكه للشاة ولا خيار
لصاحبها فيها فلذلك أجزأته، وإن عرف قبل فوات الحم، فربها مخير فى أخذها أو
أخذ قيمتها، وهذا ينافى ملك الذابح لها، ويمنع إجزاءها عنه.
فصل: وإنما أمر ابن عمر نافعا بذبح أضحيته يوم الأضحى؛ لأنه الأفضل، وإنما أمر
بأن يذبحها فى مصلى الناس؛ لأن الأضحية من القرب العامة المسنونة، فالأفضل
إظهارها لأن فى ذلك إحياء سنتها. وقد قال ابن حبيب فى كتابه: يستحب الإعلان
بالأضحية لكى تعرف، ويعرف الجاهل سنتها، وما يلزمه منها.
.. وكان ابن عمر إذا ابتاع أضحيته يأمر غلامه بحملها فى السوق، ويقول هذه أضحية
ابن عمر، إرادة أن يعلن بها.
فصل: وقول نافع: ((ففعلتها)) يعنى اشترى له الكبش على الصفة التى أمره بها، ثم
ذبحه يوم الأضحى بالمصلى، وليس شراء الأضحية ليضحى بها موجبًا لكونها أضحية،
ولا يتعين ذلك فيها على سبيل الوجوب، وإنما يتعين على سبيل الوجوب بابتداء الذبح.
قال القاضى أبو إسحاق: وقبل فرى الأوداج؛ لأنه قد وجد منه النية والفعل. وقد
قال القاضى أبو إسحاق وجماعة من شيوخنا: تتعين بالنية والقول باللسان، وتجب
بذلك کما تجب بالذبح، فيكون ذلك فيها کالإشعار والتقلید فى الهدى.
فصل: وقوله: ((ثم حمل إلى عبد الله بن عمر فحلق رأسه حين ذبح الكبش، وكان
مريضًا لم يشهد العيد)) يريد أن الكبش حمل إلى عبد الله بن عمر فحلق رأسه حين ذبح
الكبش، ولعله كان امتنع من حلق رأسه، وشىء من شعره من أول العشر حين أراد أن
يضحى على وجه الاستحباب، وإن لم ير ذلك واجبًا على ما ذكر فى آخر الحديث.
وقد روى الشيخ أبو بكر والقاضى أبو الحسن أنه يستحب لمن أراد أن يضحى إذا
رأى هلال ذى الحجة أن لا يقص من شعره، ولا يقلم أظفاره حتى يضحى، قالا: ولا
يحرم ذلك عليه، وبه قال الشافعى.

١٧٧
....
کتاب الضحايا .
وقال أبو حنيفة: ليس فى ذلك استحباب. وقال أحمد وإسحاق: يحرم عليه الحلق
وتقليم الأظفار.
والدليل على استحباب ذلك، ما رواه أبو عبد الرحمن حدثنا سليمان بن مسلم
البلخى ثقة وسليمان بن مسلم الحضارى ليس بثقة حمصى، أخبرنا البصرى، أخبرنا
شعبة، عن مالك، عن ابن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، عن النبى
قال: ((من رأى هلال ذى الحجة، فأراد أن يضحى، فلا يأخذن من شعره، ولا من
أظفاره حتی یضحى))(٣).
قال أبو عبد الرحمن عمر بن مسلم بن عمار بن أكميمة: قد اختلف فی اسمه،
فقیل عمرو وقیل عمر، وهو مدنى.
فوجه الدليل منه أن هذا نهى، والنهى إذا لم يقتض التحريم، حمل على الكراهية.
ودليلنا على نفى الوجوب حديث عائشة المتقدم فى كتاب الحج: ((أنا فتلت قلائد هدى
رسول الله ﴾ بيدى، ثم بعث به مع أبى، فلم يحرم على رسول الله ﴿﴿ شىء أحله الله
له، حتی نحر الهدى»(٤) ولا خلاف أن الننی ﴿﴾ ضحی فی ذلك العام.
فصل: وقوله: ((وكان عبد الله بن عمر مريضًا لم يشهد العيد مع الناس)) يقتضى أن
مرضه منعه صلاة العيد مع الناس والبروز لها، ولم يمنعه مما شرع من ذبح الضحية
وإظهارها، وقد تقدم ذكره، ولم يمنعه مرضه من إنفاذ الضحية فى ماله، وهى قربة
كالصدقة والعتق، ولما كان ماله يتسع لذلك، وذلك أن حكم الأضحية قبل ذبحها،
حكم ما له تورث عنه، قاله مالك فى المختصر والموازية.
وقال عیسی عن ابن القاسم فى العتبية: ولغرمائه أخذها، إن حقه دین.
فرع: إذا ثبت أن حكمها حکم ما له تورث عنه وتباع لغرمائه، فقد قال ابن
القاسم: يستحب لورثته ذبحها. وروى عبد الملك بن الحسن عن أشهب: لا يضحى بها
عنه، وهی میراث.
(٣) أخرجه مسلم حديث رقم ١٩٧٧. الترمذى حديث رقم ١٥٢٣. أبو داود حديث رقم
٢٧٩١. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٤٣٦١. ابن ماجه حديث رقم ٣١٥٠. أحمد فى
المسند حديث رقم ٢٦١١٤. الدارمى حديث رقم ١٩٤٨.
(٤) أخرجه البخارى حديث رقم (١٦٩٦، ١٦٩٩، ١٧٠٠). مسلم حديث رقم (١٣٢١).
الترمذى حديث رقم (٩٠٨). النسائى فى الصغرى حديث رقم (٢٧٨٣). أبو داود حديث رقم
(١٧٥٧، ١٧٥٩). أحمد فى المسند حديث رقم (٢٣٩٧١، ٢٥٤٧٨).

١٧٨
کتاب الضحايا
وجه قول ابن القاسم أنه مال أخرجه على وجه القربة، فاستحب لورثته إنفاذ ذلك،
کما استحب له إخراجها بعينها، و کره له بدلها.
ووجه قول أشهب أنه لم يوجبها، ولم يأمر بإخراجها عنه، وإنما أعدها ليوجيها فى
وقت، وهو لم یأن فھی کسائر ماله.
فرع: ولو مات عن هديه بعد أن قلده، ففى العتبية من رواية عيسى عن ابن
القاسم: للغرماء بيعه كما لهم بيع ما أعتق ورد عتقه.
قال القاضى أبو الوليد: وهذا عندى حكم الأضحية بعد الإيجاب بالقول على
مذهب من رأی ذلك من أصحابنا.
مسألة: ولو مات بعد ذبح أضحيته، فقد قال مالك فى المختصر: هى لورثته ولا
تباع فى دينه، ورواه فى العتبية عيسى عن ابن القاسم.
ووجه ذلك أنها فاتت بالذبح، وصارت فی حکم المستهلك کما لو أکلها.
فرع: والفرق بين ذبحها، وتقليد الهدى، أن التقليد لا يضمن له الهدى، والذبح
يضمن به الأضحية، فكان ذلك فوتًا فيها.
فرع: فإذا قلنا إن الأضحية تورث عنه بعد الذبح، فإن لورثته أكلها. وقال مطرف
وابن الماجشون عن مالك: ينهوا عن بيع لجمها، ولا خلاف بين أصحابنا نعلمه فى
المنع من البيع؛ لأنه إنما انتقل إليهم ملكا على حسب ما كان للمضحى. وأما قسمتها.
فقد أجاز ذلك مالك من رواية مطرف وابن الماجشون عنه وابن القاسم من رواية
عیسی عنه ومنع منه فی کتاب محمد، فقال: لأنه یصیر بیعًا، فیحتمل أن يكون سبب
الخلاف فى ذلك، اختلاف قول مالك وأصحابه فى القسمة، هل هى تمييز حق أو
بيع؟ ويحتمل أن يريد أنها إذا وقعت القسمة على وجه كانت بيعًا، فلم تجز فى
الأضحية، وإذا وقعت على وجه كانت تميز حق، فجاز ذلك فيها.
مسألة: وهذا حكم من انتقل إليه حكم الأضحية بالميراث. فأما من انتقل إليه بهبة
أو صدقة، فقد روى ابن حبيب فى كتاب الحدود عن أصبغ: للمعطى بيع ذلك، إن
شاء. وحکی ابن المواز عن مالك: ليس له بيعه.
وجه القول الأول أن نهاية القربة فى الأضحية الصدقة بها؛ فإذا بلغت محلها كمان
لمن صارت إليه التصرف فيها بالبيع وغيره كالزكاة.

... ٠ ١٧٩
كتاب الضحايا
ووجه القول الثانى أن إسجاب النسك على وجه الأصخية يمنع البيع كما لو انتقل
إليه بالميراث. وأما ما أخرج فى الزكاة، فقد كان له التصرف فيه بالبيع وغيره إلى أن
ينتقل عن ملكه بالإخراج، فلذلك كان لمن انتقل إليه التصرف فيه بمثل ذلك.
مسألة: وهذا مبنى على أن المضحى ليس له بيع شىء منها كالهدى. والأصل فيه
ما روى مجاهد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى أن على بن أبى طالب رضى الله عنه أخبره
أن النبى :﴿3﴾ أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنها كلها لحومها وجلودها وجلالها
فى المساكين، ولا يعط فى جزارتها منها شيئًا. زاد عبد الكريم عن مجاهد: نحن نعطيه
من عندنا.
قال مالك: ولا يباع جلد أضحية بجلد ولا غيره.
فرع: فإن باع من أضحيته شيئًا، فقد قال ابن حبيب: من باع جلد أضحيته جهلا،
فلا ينتفع بالثمن، وعليه أن يتصدق به. وروى عن سحنون: أن من باع جلد أضحيته
أو شيئًا كم لحمها، إن أدرك فسخ، وإلا جعل ثمن الجلد فى ماعون أو طعام، ويجعل
ثمن اللحم فى طعام يأكله. وقال محمد ابن عبد الحكم: من باع جلد أضحيته، فليصنع
بثمنه ما شاء من إمساك أو غيره.
وهذا الاختلاف إنما هو فى حكم ثمن المبيع بعد فواته وأما بيعه، فمتفق على منعه،
فمنع ابن حبيب الانتفاع بالثمن، وجوز سحنون تصريف ثمنه فيما ينتفع به، دون ما
يتمول ويصرف فى التجارات التى تختص بالأثمان.
وأما قول ابن عبد الحكم، فيحتمل أن يذهب إلى قول أبى حنيفة فى تجويزه بيع جلد
الأضحية بما سوى الدراهم مما يعان وينتفع به، والأظهر أنه منع البيع غير أنه كان هذا
حکم الثمن عنده إذا فات البيع، والله أعلم.
مسألة: وللرجل أن يؤاجر جلد الأضحية وجلد الميتة. قال الشيخ أبو محمد: يريد
بعد الدباغ. ووجه ذلك أن ما منع بيعه لم تمنع إجارته لمنفعته المباحة كجلد الميتة، فإنه
منع بيعه، ولم تمنع إجارته لمنفعته المباحة.
مسألة: ومن تلف له شىء عند صانع، يلزمه ضمانه أو غاصب أو متعد، فقد قال
ابن القاسم: من سرقت رءوس أضحيته فى الفرن استحب أن لا يغرمه شيئًا وكأنه رآه
بيعًا. وقال ابن الماجشون وأصبغ: له أخذ القيمة، ويصنع بها ما شاء.

كتاب الضحايا
١٨٠
وكذلك قيمة الجلد يضيع أو يستهلك ألا ترى أن من خلق ثوبه فغصبه غاصب، أن
له أخذ قيمته، وله أن يأخذ من اللحم المستهلك ما شاء من طعام أو حيوان، ولا يجوز
ذلك فى البيع.
فوجه قول ابن القاسم أن أخذ القيمة نوع من المعاوضة، وهى ممنوعة فى الأضحية.
مسألة: وأما صوف الأضحية، فإن جز قبل ذبحها، فقد روى محمد عن أشهب أن له
أن يجزها قبل الذبح. وروى ابن القاسم عن مالك فى الموازية والعتبية: لا تجز.
وجه قول مالك أن تعيينها للأضحية قد أثر المنع فى أخذ شىء منها کاللحم. ووجه
قول أشهب أنه معنى تجوز إزالته منها قبل الذبح دون مضرة، فجاز له أخذ ذلك منها
قبل إيجابها.
فرع: إذا ثبت ذلك، فإن جزها، فقد قال ابن القاسم: قد أساء وتجزيه أضحيته،
وينتفع بالصوف، ولا يبيعه. وقال سحنون: لا أرى يبيعه بأسًا ويأكل ثمنه. وقال
أشهب: له بيعه، ويصنع بثمنه ما شاء لأنها لم تجب قبل الذبح.
فيحتمل قول ابن القاسم، وجهين، أحدهما: أنه ممنوع من جزه حتى يتقرب
بذبحها على الهيئة التى عينها، فإن أقدم على ذلك، فلا يبيعه لأن حكم المنع متعلق ببيعه
كسائر أجزائها. والوجه الثانى أنه مباح له جزه، وإن كان تعلق به حكم الأضحية إلا
أن جزه فى حكم تفريق أبعاضها من غير ضرورة، فلا يتعلق به منع كالولادة، ولمالم
يكن للذكاة تأثير فى الصوف جاز التفريق لا أنه لا يباع كما لا يباع الولد.
ووجه قول سحنون أن الصوف لما كان لا يؤكل جاز بيعه، وأكل ثمنه لأنه بذلك
يتوصل إلى أكل أجزاء الأضحية، لأنه المقصود منها.
فرع: فأما بعد الذبح، فله جز صوفه.
مسألة: وإذا انتجت الأضحية، فقد روى محمد عن أشهب: لا يجوز ذبح ولدها.
وقال مالك: إن ذبحه مع أمه فحسن.
وجه القول الأول أن سن الأضحية معتبر، وهو معدوم فى السخلة. ووجه القول
الثانى أنه تبع لأمه، فلا يعتبر إلا بصفتها دون صفته كالصوف واللبن.
مسألة: وأما لبن الأضحية، فقد قال مالك: له شرب لبن الأضحية، ولا يجوز له
شرب لبن الهدى، ولا ما فضل عن فصيلها.

............ ١٨١
كتاب الضحايا
ووجه ذلك أن الأضحية لم تجب بعد، والبدنة قد وجبت بالتقليد مع بقاء حياتها.
فصل: وقول نافع: ((وكان عبد الله بن عمر يقول: ليس حلاق الرأس بواجب على
من ضحى، وقد فعله ابن عمر)) يريد أنه ليس بواجب على من ضحى أن يحلق رأسه،
وقد فعله عبد الله بن عمر، ولعل عبد الله بن عمر قد فعله لحاجته إليه أو فعله استحبابًا.
إدخار لحوم الأضاحى
٩٥٣ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ، عَنْ حَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ .
نَهَى عَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: ((كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَتَزَوَّدُوا
وَادَّخِرُوا)).
الشرح: قوله: (أن رسول الله ﴿ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث)) يريد أنه
نهى أن يأكل منها ذابحها والمضحى بها بعد ثلاثة أيام، وهى أيام الذبح؛ لأنه لما أباح
الذبح فى الثلاثة الأيام، أباح الأكل فيها من الأضحية، وقصر إباحة الأكل عليها
ليتمكن المضحى بأن يؤخر الذبح إلى آخرها، ولا يتعذر عليه الأكل منها.
ويحتمل أن يريد إباحة الأكل بعد ثلاثة أيام من وقت ذبح أضحيته، وإن ضحى فى
آخر أيام الذبح، فأبيح له الأكل منها ثلاثة أيام ليكون ذلك مقدار ما يأكل فيه منها؛
لأن فى منعه منها بعد اليوم أو المدة اليسيرة تضييقًا عليه، وفى أكله منها ثلاثة أيام
منتفع وسعة ونهى عن أكلها بعد، والنهى يقتضى التحريم، ثم نسخ ذلك بإباحة أكله
وتزوده وإدخار بعد ثلاثة أيام، وهذا من نسخ السنة بالسنة.
٩٥٤ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ:
٩٥٣ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٠٤، الجهاد والسير ٢٧٥٨، الأطعمة ٥٠٠٤، الأضاحى
٥١٤١. ومسلم فى الأضاحى ٣٦٤٤، ٣٦٤٥، ٣٦٤٦. والنسائى فى الضحايا ٤٣٤٨. وأحمد
فى باقى مسند المكثرين ١٤٥١٢، ١٤٦٠٧، ٠١٤٦٣٥
٩٥٤ - أخرجه مسلم فى الأضاحى ٣٦٤٣. والترمذى فى الأضاحى ١٤٣١. والنسائى فى الضحايا
٤٣٥٣، ٤٣٥٤. وأبو داود فى الضحايا ٢٤٢٩. وابن ماجه فى الأضاحى ٣١٥٠. وأحمد فى
باقى مسند الأنصار ٢٣٠٩٩. والدارمى فى الأضاحى ١٨٧٧.

كتاب الضحايا
١٨٢
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ
﴿ل ◌َقُولُ: دَفَّ نَاسٌ (١) مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الأضْحَى فِى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ حَّ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((ذَّخِرُوا لِثَلاثٍ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِىَ). قَالَتْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ
ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ، وَيَحْمُلُونَ مِنْهَا
الْوَدَكَ(٢) وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الأَسْقِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿]: ((وَمَا ذَلِكَ)) أَوْ كَمَا قَالَ.
قَالُوا: فَهَيْتَ عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿هُ: ((إِنَّمَا نَهَيْئُكُمْ مِنْ
أَجْلِ الدَّاقَةِ الْتِى دَفْتْ عَلَيْكُمْ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَاذَّخِرُوا)). يَعْنِى بِالدَّافَةِ قَوْمًا
مَسَاكِينَ قَدِّمُوا الْمَدِينَةَ.
الشرح: قوله: ((نهى رسول الله ﴿ عن لحوم الأضاحى بعد ثلاث)) ظاهره
التحريم، وقد يصح حمله على الكراهية بدليل إن وجد. وقد اختلف الناس فى تأويله،
فتأوله قوم على التحريم، وأن النسخ بإباحته طرأ بعد ذلك، وحمله قوم على الكراهية،
ويحتمل أن تكون الكراهية منسوخة، ويحتمل أن تكون باقية، ويحتمل أن يكون حكم
المنع ثبت لعلة، وارتفع لعدمها، فيكون ذلك المنع وإن ورد بلفظ العموم محمولاً على
الخصوص بدلیل.
فأما من ذهب إلى القول الأول فتعلق بأنه ﴿٣ نهى عن أكل لحوم الأضاحى بعد
ثلاث، قال بعد ذلك: ((كلوا وتزودوا وادخروا)) وإذا وردت الإباحة بعد الحظر، فهو
حقيقة النسخ.
وقد روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ((الضحية كنا نصلح منه، فتقدم
به إلى رسول الله ﴿﴾، فقال: ((لا تأكلوا منه إلا ثلاثة أيام)) وليست بعزيمة، ولكن أراد
أن يطعم منه والله أعلم))(٣).
وقد روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه ما يدل على استدامة حكم المنع.
وروى أبو عبيد قال: شهدت العيد مع علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، فصلى قبل
الخطبة ثم خطب الناس، فقال: إن رسول الله 18 نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق
(١) دف: بالدال المهملة وتشديد الفاء أى أتوا، والدافة قوم يسيرون سيرًا لينًا.
(٢) يجملون منها الودك: أى يذيبون منها الشحم.
(٣) أخرجه البخارى، واللفظ له، حديث رقم ٥٥٧٠. مسلم حديث رقم ١٩٧١.

١٨٣
كتاب الضحايا
ثلاث، فذكر ذلك فى خطبته للناس يوم الأضحى ليعملوا به. وهذا يدل على أنه غير
منسوخ عنده.
وقد روى عن عبد الله بن عمر معنى ذلك فى الامتناع، ويحتمل أن يكون ﴿﴿ إنما
منع لأجل الدافة التى دفت، وأن علة الحاجة أوجبت ذلك، وأن الحاجة لو نزلت اليوم
لقوم من أهل المسكنة للزم الناس مواساتهم، إلا أن الأظهر ما قدمناه أولا لك أنه حكم
منسوخ، وإن كان لأجل الدافة خاصة وما خيف عليه من الهلاك بالمجاعة لما اختص
ذلك بلحوم الأضاحى، بل كان يلزم الناس مواساتهم بها وبغيرها.
فصل: وقول عائشة رضى الله عنها: ((دف ناس من أهل البادية)) روى ابن سحنون
عن أبيه فى شرح الموطأ أنه سأل عبد الله بن وهب عن تفسير ذلك، فقال: الدافة
القوم القادمون عليهم، فنهاهم رسول الله ﴿﴿ أن يدخروا لحوم الأضاحى، فيمنعوها
الذين قدموا، فإنهم إن لم يدخروا وسعوا بذلك على إخوانهم القادمين. قال محمد بن
سحنون: والدافة الجماعة، تسير سيرًا ليس بالشديد يقال لهم يدفون دفيقًا.
فصل: وقوله: ((اذخروا لثلاث، وتصدقوا بما بقى)) يقتضى أن يمسك منه يوم
الأضحى ما يكفى لثلاث ثم يتصدق بما بقى بعد ذلك، وهو الذى يقع به الانتفاع
للدافة فى يوم الأضحى وفيما بعده.
فصل: وقوله: ((إن الناس كانوا ينتفعون بضحاياهم ويحملون منها الودك ويتخذون
منها الأسقية)) إن كان يريد أنهم امتنعوا من اتخاذ الأسقية من جلودها لأجل المنع
المتقدم، فقد يجب أن يكون المنع بأعم من هذا اللفظ المتقدم؛ لأن المنع إنما تناول أكل
اللحم.
وقد روى لفظ يتناول جميع الأضحية، وهو ما روى سلمة بن الأكوع، قال: قال
رسول الله &18: (من ضحی منکم، فلا یصبحن بعد ثالثة وفى بيته شىء منه))(٤).
فصل: وقوله :﴿٤: ((إنما نهيتكم لأجل الدافة التى دفت عليكم فكلوا وتصدقوا
وادخروا)) لفظة ((كلوا)) قد روى ما يقتضى أن معناها الإباحة. روى ابن المواز عن
مالك: لا بأس على الرجل إن لم يأكل من بدنته. وروى عنه فى النوادر أنه قال: وإن
تصدق بلحم أضحیته کله، فهو أعظم لأجره.
(٤) أخرجه البخارى حديث رقم ٥٥٦٩. مسلم حديث رقم ١٩٧٤.

١٨٤
کتاب الضحايا
....
.....
وروى ما يدل أن هذه اللفظة للندب والاستحباب، وذلك أن ابن حبيب، روى عن
مالك: لو أراد رجل أن يتصدق بلحم أضحيته كله لاستغنائه عنه، ولا يأكل منه شيئًا
كان مخطئًا.
وجه رواية ابن المواز أنه حيوان يخرج على وجه القربة، فلم يؤمر بالأكل منه. أصل
ذلك ما نذره أو تصدق به. ووجه رواية ابن حبيب أنه حيوان يذبح على وجه القربة
المشروعة، فكان الأكل منه مشروعًا مندوبًا إليه كالهدى. وقد حكى القاضى أبو محمد
عن بعض الناس أنه قال: الأكل منها واجب، وهو قول شاذ بعيد.
فصل: وأما قوله: ((فتصدقوا)) فعلى الاستحباب دون الوجوب، قاله القاضى أبو
محمد؛ لأنه لا خلاف اليوم بين الفقهاء فى ذلك. والأصل فيه قوله فى الحديث:
((وتصدقوا) والأمر يقتضى الوجوب أو الندب، فإذا دل الإجماع على انتفاء الوجوب
حمل على الندب.
وقد روى عن مالك: ولو أن رجلاً تصدق بأضحيته كلها لاستغنائه عنها، ولم
يأكل منها شيئًا لكان مخطئًا كما لو أكلها، ولم يطعم منها.
وقال ابن المواز: يستحب أن يتصدق ببعض لحم أضحيته، ولو لم يتصدق بشيء منه
ما جاز له.
فرع: إذا ثبت أن الإطعام من الأضحية مشروع، فقد روى ابن حبيب: لم يجد ما
يطعم منها، ولا ما يأكل، وما فعل مما قل من ذلك أو كثر، فهو يجزى، زاد الشيخ أبو
القاسم: والاختيار أن يأكل الأقل، ويقسم ما بقى، ولو قيل يأكل الثلث ويقسم الثلثين
کان حسنا، والله أعلم.
٩٥٥ - مَالِك، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّهُ قَدِمَ
مِنْ سَفَرٍ، فَقَدََّ إِلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا، فَقَالَ: أَنْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الأَضْحَى؟
٩٥٥ - أخرجه البخارى فى المغازى ٣٦٩٦. والنسائى فى الضحايا ٤٣٤٩، ٤٣٥٠، ٤٣٥٦.
وأحمد فى باقى مسند المكثرين ١٠٧٤٧، ١٠٩٠١، ١١٠٢٣، ١١١١٨، ١١١٧٨، ١١٢٠١،
٠١١٣٨٣
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٥/٧: لم يسمع ربيعة من أبى سعيد الخدرى؛ وهذا الحديث يتصل
من غير حديث ربيعة، ويستند إلى النبى و 49 من طرق حسان من حديث على بن أبى طالب،
وأبی سعید، وبریدة الآسلمی، وجابر، وأنس، وغيرهم، وهو حديث صحيح.

١٨٥
کتاب الضحايا
فَقَالُوا: هُوَ مِنْهَا، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللّهِ ﴿لَ نَهَى عَنْهَا؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ
كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ بَعْدَكَ أَمْرٌ، فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأُخَِّرَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضْحَى بَعْدَ ثَلاثٍ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا
وَادَّخِرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الانْتِبَاذِ، فَانْبِذُوا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَنَهْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةٍ
الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَلا تَقُولُوا هُجْرً). يَعْنِى لا تَقُولُوا سُوءًا.
الشرح: قول أبى سعيد لما قدم إليه اللحم: ((انظروا أن يكون هذا من لحوم
الأضاحى)) على وجه التحرز والاحتياط لدينه. وقد روى عن عبد الله بن عمر أنه كان
لا يأكل فى انصرافه من منى إلا الزيت خوفًا من لحوم الأضاحى التى كان يعتقد
استدامة المنع فيها، وكذلك يجب للمتحفظ بدينه أن يسأل ويبحث إن كثر المحظور،
فإذا كان شاذًا، جاز أن يحمل على الأغلب.
فصل: قوله لما ذكر له أنها لحوم الأضاحى: ((ألم يكن رسول الله ﴿﴿ نهى عنها)
إنكار لتقديمها إليه بعد علمهم بأنه مما نهى عنه النبى .، فأخبر بوجه الأمر، وهو ما
حدث من نسخ ما علم من الحظر بالإباحة.
وقولهم: (أمر))، يحتمل أن يكونوا فسروا له معنى الأمر، فأراد أن يحتاط فى ذلك
بقول من سمعه من رسول الله ﴾ أو بقول من هو أفقه وأنهم وأعلم بتأويل قول النبى
وال﴾ ممن أخبره بذلك.
ويحتمل أنه قيل له قد حدث من النبى ﴿ فى ذلك أمر، ولم يفسر له ذلك الأمر،
وإن كان أخبر بأنه معنى يقتضى الإباحة، فخرج يسأل عن ذلك الأمر وتفسيره، فأخبر
به، وهو أن النبى ﴿! قال: ((نهيتكم عن لحوم الأضاحى بعد ثلاث فكلوا وادخروا))(١)
يريد أنه أطلق لهم الأكل بعد الثلاث.
فصل: وقوله ﴿4﴾: ((ونهيتكم عن الانتباذ، فانتبذوا، وكل مسكر حرام)) يأتى فى
كتاب الأشربة إن شاء الله.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد: من الفقه: أن حديث رسول الله وا فيه الناسخ والمنسوخ،
كما فى كتاب الله عز وجل، وهذا إنما يكون فى الأوامر والنواهى من الكتاب والسنة، وأما فى
الخبر عن الله عز وجل، أو عن رسول الله ﴿﴿ فلا يجوز النسخ فى الأخبار البتة، بحال، لأن
المخبر عن الشىء أنه كان، أو يكون إذا رجع عن ذلك لم يخل من السهو، أو الكذب، وذلك لا
يعزى إلى الله، ولا إلى رسوله فيما يخبر به عن ربه فى دينه وأما الأمر والنهى، فجائز عليهما
النسخ للتخفيف، ولما شاء الله من مصالح عباده، وذلك من حکمته، لا إله إلا هو.

کتاب الضحايا
١٨٦
وقوله : ((ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا)) يعنى لا تقولوا
سوءًا.
قال أبو عبيد الهروى: الهجر الفحش، والهجر، بفتح الهاء، الهذيان. قال محمد بن
سحنون فى شرح الموطأ: لا تقولوا هجرًا، لا تدعوا بالويل والحرب والعويل، أو تقولوا
ما يسخط الله. قال محمد فى رواية على: لا تقولوا هجرًا، لا تقولوا سوءًا. قال محمد:
وغيرنا يقرؤها: لا تعروا هجرًا.
الشركة فى الضحايا وعن كم تذبح البقرة والبدنة
قوله: ((وعن كم تذبح البقرة والبدنة؟)) يريد، وتنحر البدنة، وسيأتى بعد هذا إن
شاء الله تعالى فى كتاب الذبائح، ولكنه عطف تذكية البدنة على تذكية البقرة بلفظ
الذبح لما كان المعنى واحدًا فى التذكية.
٩٥٦ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ، عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ عَامَ الْحُدََّةِ (١) الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقْرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.
الشرح: قوله: ((تحرنا مع رسول الله ﴾ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن
سبعة)) يقتضى أن البدن والبقر تنحر، وسيأتى بعد هذا مفسرًا فى كتاب الذبائح إن شاء
الله تعالى.
وأما ما ذكر من ذبح الواحدة من ذلك عن سبعة، فقد اختلف الناس فى تأويله،
ومذهب مالك أنه لا يجوز فى الهدايا الواجبة ولا فى الضحايا أن يشترك جماعة فى
ثمن الأضحية أو البدنة، فيشترونها بالثمن المشترك، ثم يذبحونها أو ينحرونها.
فأما هدى التطوع، فالمشهور عنه أن الاشتراك فيه غير جائز. وحكى القاضى أبو
الحسن أنه روى عنه: أن ذلك يجوز عند مالك أن تكون الأضحية لرجل واحد، فيذبحها
٩٥٦ - أخرجه مسلم فى الحج ٢٣٢٢: ٢٣٢٧. والترمذى فى الحج ٨٢٨، الأضاحى ١٤٢٢.
وأبو داود فى الضحايا ٢٤٢٤، ٢٤٢٥، ٢٤٢٦. وابن ماجه فى الأضاحى ٣١٢٣. وأحمد فى
باقى مسند المكثرين ١٣٦٠٠، ١٣٨٧٨، ١٤٢٨٠، ١٤٣٧١، ١٤٣٨٥، ١٤٥٠٩،
١٤٧٢٢. والدارمى فى الأضاحى ١٨٧٣، ١٨٧٤.
(١) الحديبية: واد بينه وبين مكة عشرة أميال أو خمسة عشر ميلا على طريق جدة.

١٨٧
کتاب الضحايا
عنه وعن أهل بيته، ومن فى عياله، وإن كانوا أكثر من سبعة. وقال أبو حنيفة: يجوز
أن يشترك سبعة فى ثمن الهدى والأضحية ثم يذبحونها إذا كان كل واحد منهم قصد
القربة فى ذبحه، وإن كانت وجوهها مختلفة مثل أن يلزم أحدهم جزاء صيد، ويلزم
الآخر فدية أذى، ويريد هدى تطوع، فإن كان منهم من لا يقصد القربة، وإنما يقصد
اللحم لم يجزه ذلك.
وقال زفر: لا يجزئ حتى تكون وجوه القربة واحدة. وقال الشافعى: إن ذلك يجزئه
علی کل وجه.
واتفقوا على أنه لا يجزئ عن أكثر من سبعة، فالخلاف بيننا وبينهم فى فصلين،
أحدهما: أنه لا يجوز الاشتراك فى الرقبة عندنا ويجوز عندهم. والثانى: أنه يجوز عندنا
أن تنحر البدنة الواحدة عن أكثر من سبعة، وعندهم لا يجوز ذلك.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من
النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، فوجه الدليل من الآية
أنه تعالى أوجب على من قتل الصيد إخراج مثله: ﴿هَديا بالغ الكعبة﴾، ومن أخرج
سبع بدنة، فلم يخرج مثل ما قتل من الصيد. ومن جهة القياس أن هذا هدى، فلم يجز
أن يكون مشتركًا. أصله الشاة.
أما هم فاحتج من نصر قوله بالحديث المنصوص: ((تحرنا مع رسول الله ﴿1 عام
الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة)).
والجواب أن القاضى أبا الحسن قد أجاب عن هذا بأن حديث أبى الزبير وهم؛
لذكره البقرة عن سبعة. وجاوبه هو والشيخ أبو بكر بجواب ثان أنه يحتمل أن يكون
النبى ◌ّ هو الذى نحر عنهم، وكان الهدى جميعه له، ونحن إنما نمنع الاشتراك فى رقبة
الهدى والأضحية، قالا: وهذا كما روى أن النبى ﴿3﴾ ضحى، وقال: ((هذا عنى وعمن
لم يضح من أمتى»(٢).
قال القاضى أبو إسحاق: فكان هذا والله أعلم كما يذبح الرجل عنه وعن أهله؛
لأن المسلمين كلهم أهل النبى ﴿ هو أب لهم وأزواجه أمهاتهم. قال: وأحسب أن
الذى روى من اشتراكهم يوم الحديبية فى البدن من هذا الجنس، ولعل النبى ﴿﴾ ساقها
(٢) أخرجه الترمذى حديث رقم ١٥٢١. أبو داود حديث رقم ٢٨١٠. أحمد فى المسند
حديث رقم ١٠٦٦٧، ١٤٤٢٣، ١٤٤٧٧، ٠١٤٤٧٩

کتاب الضحايا
١٨٨
وأشرك بينهم فيها ولم يخرج كل واحد جزءًا من ثمنها، وعلى هذا التأويل يجوز للإمام
أن يدخل غيره من رعيته فی أضحيته.
وأجاب عن الحديث بجواب آخر أنه إن كان صح هذا الحديث، فلا يمتنع أن يكونوا
قد ساقوا ذلك وقلدوه تطوعًا، والذى أدى الثمن واحد، وقد أشرك معه قومًا، ولم
يأخذ منهم ثمنًا.
وقد روى عن مالك: أن الاشتراك فى ھدی التطوع المحض جائز على هذا الوجه،
فأما أن يزن كل واحد منهم جزءًا من ثمنه أو يجوز ذلك فيما يلزم الإنسان فى خاصة
نفسه من هدى واجب أو أضحية تتعين على الإنسان بالسنة، فلا وليس فى الحديث ما
يدل على ذلك.
خلا قال: ((ليشترك النفر منكم فى
وجواب ابن المواز فیما احتج به علیہ من ان النبی
ـّ لأمته؛ لأنهم كلهم عياله، فيخرج
الهدى))(٣) يوشك أن ذلك كله كان من النبى
عنهم أو يدفع إلى كل نفر منهم مثل ما لو فعل ذلك رجل من تلزمه نفقته.
فإن قيل: فأنتم لا تجيزون أن تذبح الأضحية والهدى عن عدد من الناس إلا أن
يكون بيت واحد، والذى ذبح يوم الحديبية سبعون بدنة، ولا يتفق أن يكون كل سبعة
منهم أهل بيت.
فالجواب عن ذلك من وجوه، إنا على تجويز الاشترك فى هدى التطوع، فلا يراعى
ذلك، ويسقط هذا السؤال جملة، وأما على منعنا ذلك فى هدى التطوع وغيره، فعنه
جوابان، أحدهما: أن جميع المسلمين كانوا للنبى ﴿﴿ بمنزلة أهل بيته، فيجوز له أن ينحر
عن سبعة منهم كما روى أنه ذبح عنه وعن جميع من لم يضح من أمته، فشرك بينهم
فى أضحيته، وإن لم يجز لبعضهم أن يشرك بضعًا، وهذا كما روى عنه ﴿﴿ أنه ذبح
عن آل محمد بقرة واحدة، رواه أبو عبد الرحمن النسوى، أخبرنا ابن عبد الأعلى،
أخبرنا ابن وهب، أخبرنى يونس، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة قالت: ذبح
رسول الله ﴿﴿ عن آل محمد فى حجة الوداع بقرة واحدة.
(٣) لم أقف على تخريجه بلفظه، وأخرجه مسلم حديث رقم ١٣١٨ من طريق محمد بن حاتم،
حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن
حجة النبى ﴿ قال: ((فأمرنا إذا أحللنا أن نهدى، ويجتمع النفر منا فى الهدية))، وذلك حين
أمرهم أن يحلوا من حجهم فى هذا الحديث.

١٨٩
کتاب الضحايا
وجواب ثان، وهو أنه يحتمل أن يكون منهم أهل بيت من خمسة، وأهل بيت من
سبعة، وقوم ليسوا أهل بيت فنحر الهدى عن سبعة، وعن خمسة، وعن واحد، وقصد
الراوى إلى الإخبار عن أكثر عدد نحرت عنهم بدنة أو بقرة، فأخبر بذلك، ولم يقصد
الإخبار عن آحاد الناس بدليل أن النبى ﴿لَ﴾ نحر عن نفسه بدنة، ولم يخبر بذلك جابر فى
حديثه، وهذا كما روى أن النبى ﴿﴾ ذبح عن نسائه البقر، وليس فى الحديث أنه لم
ينحر بقرة عن أقل من سبعة، فيصح لكم هذا التعلق.
فإن قيل هذا القول عندكم أن لا تنحر بدنة قد قلدت وأشعرت عن أهل بيت ولا
عندهم، فكيف يجوز أن تنحر عن سبعة أو أقل؟. فالجواب عندى إنما لم يجز ذلك مالك
فى هذه الرواية فى هدى قلد وأشعر عن واحد أو قلد وأشعر عن جماعة على وجه
يقتضی اشترا کھم فی رقبته.
وأما ما لم يسبق به إيجاب بتقليد ولا إشعار، وإنما وجب بالنحر أو الذبح، فإنه يجرى
مجرى الأضحية أو يكون مضافًا ملكه لواحد، وقد أوجبه على جميعهم على سبيل
الاشتراك فى الأجر ورقبة الهدى باقية على صاحبه المقلد له، فإنه يجوز ذلك، وقد تقدم
فى كتاب الحج.
فصل: وأما الدليل على أن الأضحية يذبحها الرجل عن أكثر من سبعة أن ما زاد
على السبعة من عياله أو ممن يصح أن يريده بأضحيته عنه كما لو كانوا أقل من سبعة.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الشاة والبقرة والبدنة كل واحد من ذلك يجزئ عن
الجماعة السبعة وأكثر من أهل البيت فى الأضحية، رواه ابن القاسم عن مالك.
ووجه ذلك عندى أن يذبحها عن جميعهم، فيسقط عنهم بذلك حكم الأضحية،
ولكن لحم الشاة باق على ملكه حتى يعطى من شاء منهم ما يريد، ولو أراد أن يتصدق.
جمیعه لم یکن لهم منعه من ذلك.
فرع: فإذا قلنا بقول مالك: إن الاشتراك يجوز فى هدى التطوع، فلا فرق بينه وبين
الأضحية، فإذا قلنا بقول مالك الآخر: لا يجوز ذلك، فالفرق بينهما أن الهدى يجب
بالتقليد والإشعار، فثبت فيه نوع من الاشتراك قبل إنفاذ ذبحه، فذلك منع الاشتراك فيه؛
لأن النية لا توجيها، ألا ترى أنه من اشترى أضحية لنفسه، ثم بدا له قبل أن يذبحها أن
يشرك فيها أهل بيته، جاز ذلك له، رواه ابن المواز عن ابن القاسم. وهذا ما لم يجب
الأضحية بالقول، فإن أوجبها بالقول فحكمها يجب أن يكون حکم الهدی الذی قد
وجب بالتقليد، والله أعلم.

كتاب الضحايا
١٩٠
٩٥٧ - مَالِكِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ صَّيَّادٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُوبَ
الأَنْصَارِئَّ أَخْبَرَهُ، قَالَ: كُنّا نُضَحِّى بِالشَّةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلٍ
بَيْهِ ثُمَّ تَبَّاهَى النَّاسُ بَعْدُ، فَصَارَتْ مُبَاهَاةً.
الشرح: قوله: ((كنا نضحى بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته)) يريد
أن الرجل كان يتناول إخراجها من ماله، ولذلك أضاف ذبحها إليه، ولكنه كان يشرك
أهل بيته فى ثوابها، ويسقط عنهم بذلك ما تعين عليهم من الأضحية. وفى هذا حجة
على جواز ذلك عن أهل البيت؛ لأن قول أبى أيوب: كنا نفعل، إنما يريد بذلك زمن
النبى ﴿﴾)، وأتى بلفظ يقتضى التكرار، ومثل هذا مع تكراره لا يخفى فى الأغلب عن
النبى ﴾، فإذا لم يمنع منه ولم ينكره، دل ذلك على جوازه.
وفى هذا ثلاثة أبواب، أحدها: ما يستحب من عدد الضحايا. والثانى: فيمن يجوز
أن يدخله الإنسان فى الأضحية. والثالث: فیمن یلزم الإنسان أن یضحی عنه.
*
*
*
الباب الأول
فيما يستحب من عدد الضحايا
لا خلاف أن الواحد من بهيمة الأنعام يجزى الإنسان فى أهل بيته، ولكن قال مالك:
استحب قول ابن عمر أن يضحى عن كل إنسان بشاة لمن استطاع ذلك. وجه ذلك أنه
أكثر ثوابًا، وأبعد من الاشتراك الذى هنا فى الضحايا.
*
*
*
الباب الثانى
فيمن يجوز للإنسان أن يشركه فى أضحيته
يجوز للإنسان أن يضحى عن نفسه وعن أهل بيته بالشاة الواحدة، يعنى بأهل بيته
أهل نفقته، قليلاً كانوا أو كثيرًا. والأصل فى ذلك حديث أبى أيوب ((كنا نضحى
بالشاة الواحدة يذيحها الرجل عنه وعن أهل بيته))(١). زاد ابن المواز عن مالك: وولديه
الفقیرین.
٩٥٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٠٧.
(١) تقدم تخريجه برقم ٩٥٧.

......... ١٩١
کتاب الضحايا
قال ابن حبيب: وله أن يدخل فى أضحيته من بلغ من ولده، وإن كان غنيًا إذا كان
فى نفقته وبيته، وكذلك من ضم إلى نفقته من أخ أو ابن أخ قريب، فأباح ذلك
بثلاثة أسباب، أحدها: الإنفاق عليه. والثانى: المساكنة له. والثالث: القرابة. قال ابن
المواز عن مالك: له أن يدخل زوجته فى أضحيته.
ووجه ذلك ما قدمناه لأن المساكنة والإنفاق موجودان، والزوجية آكد من القرابة،
قال الله تعالى: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١]. قال مالك فى الموزاية: إن
شاء أن يدخل فى أضحيته أم ولده، ومن له فيه بقية رق أجزأ.
ووجه ذلك ما قدمناه، ولأن الولاء لحمة كلحمة النسب، وهو ثابت فى أم الولد
وسبه موجود فیمن له علیه رق، والله أعلم.
مسألة: ولا يدخل يتيمه فى أضحيته ولا يشرك بين يتمين فى أضحيته، وإن كانا
أخوين، والجد والجدة كالأجانب، قاله ابن المواز عن مالك. قال ابن حبيب: ولا شريك
ولا رفيق من الأجانب.
ووجه ذلك ما عدم من بعض الشروط الثلاثة، يريد أن الجد والجدة ليسا فى نفقته،
ولو كانا على ذلك لجاز عندى ما تقدم فى الأقارب.
*
* *
الباب الثالث
فى ذكر من يلزمه أن يضحى عنه
روى ابن حبيب عن مالك: يلزم الرجل أن يضحى عن نفسه وعن أولاده ما لزمه
الإنفاق عليهم، ولا يلزمه أن يضحى عن زوجته ولا رقيق أمه، ولا من له فيه بقية رق.
فصل: وقوله: ((ثم تباهى الناس فصارت مباهاة)) قال ابن حبيب: والمباهاة بما كان لله
أفضل، يريد أن الزيادة فى ذلك إن خلصت لله تعالى أفضل من التقلل، ولذلك يستحب
له أن يخرج أفضل ما يقدر عليه وأكثر ثمنًا ما لم يخرج عن المتعارف.
وفى العتبية، قال أشهب: كره مالك تغالى الناس فى الأضحية ويشترى كشراء
الناس، فأما أن يجده بعشرة ويشتريه بمائة، فإنى أكرهه، ويدخل على الناس مشقة،
ومعنى ذلك الخروج عن المتعارف من قصد المباهاة، ويشق على من أراد منافسته قاصدا
للخير، فتدخل فى ذلك الكراهية من وجهين، أحدهما: قصد المباهاة، وهذا يتعلق
بالمعتاد وغيره.

١٩٢
كتاب الضحايا
والوجه الثانى: الخروج عن العادة والشذوذ فى المغالاة، وكذلك فى العدد تتعلق به
الكراهية من وجه المباهاة، وهو فى المعتاد من إخراج ضحية عن كل إنسان وتقيده من
الزيادة عليه والمقارنة له.
والثانى: الشذوذ والخروج عن العادة، فإذا سلم من الأمرين، فلا يقال إن ذلك
مذموم لما فيه من المباهاة، إذا أريد به وجه الله تعالى، وإنما ذم أبو أيوب رضى الله عنه
من ذلك التفاخر بين الناس على أن لفظ المباهاة فيه نظر؛ لأنه إنما يستعمل فى المفاخرة
ومن يقصد هذا.
قَالَ مَالِك: وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِى الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْحَرُ عَنْهُ
وَعَنْ أَهْلٍ بَيْتِهِ الْبَدَنَةَ، وَيَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ الْوَاحِدَةَ هُوَ يَمْلِكُهَا وَيَذْبَحُهَا عَنْهُمْ
وَيَشْرَكُهُمْ فِيهَا، فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِىَ النَّرُ الْبَدَنَةَ أَوِ الْبَقَرَةَ أَوِ الشَّةَ يَشْتَرِكُونَ فِيهَا فِى
النُّسُكِ وَالضَّحَابًا، فَيُخْرِجُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ حِصَّةٌ مِنْ ثَمَنِهَا، وَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ
لَحْمِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ، وَإِنْمَا سَمِعْنَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ لا يُشْتَرَكُ فِى النَّسُكِ، وَإِنَّمَا
يَكُونُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ(١).
الشرح: وهذا كما قال أن الناس قد اختلفوا فى الاشتراك فى البدنة أو البقرة فى
الضحايا والنسك، وأن أحسن ما سمع فى ذلك: أن يكون ملكها لواحد، بدنة كانت
أو بقرة أو شاة، فيذبحها عنه وعن أهل بيته أضحية.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وعندى أنه يصح ذلك بنيته، وإن لم يعلم أهل
بيته بذلك، ولذلك يدخل فيها من صغار ولده من لا تصح نيته. وأما أن يتقدم ملك كل
واحد منهم لجزء منها بقدر ما أدى من ثمنها، فإن ذلك مكروه عنده.
ووجه أن النسك لا يتبعض يبين ذلك أن بدله لا يجوز ذلك فيه، وهو مما يصح أن
يتبعض، فبأن لا يجوز فى مبدله الذى لا يصح أن يتبعض أولى.
٩٥٨ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٨١/١٥.
٩٥٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٠٨.
قال السيوطى فى تنوير الحوالك ٣٢٢/١: رواه جويرية عن مالك، عن الزهرى، قال: أخبرنى
من لا أتهم، عن عائشة أنها قالت .. فذكره على الشك، ورواه معمر ويونس والزبيرى، عن
الزهرى عن عمرة، عن عائشة قال: ما ذبح رسول الله ﴾ عن آل محمد فى حجة الوداع إلا بقرة،
ورواه ابن أخى الزهرى عن عمه، قال: حدثنى من لا أتهم عن عمرة، عن عائشة ... فذكره.

١٩٣
...
کتاب الضحايا
سِهِ إِلا بَدَنَةٌ وَاحِدَةً أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةٌ.
قَالَ مَالِك: لا أَدْرِى أَيَتُهُمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ.
الشرح: قوله: ((ما نحر رسول الله 18 عنه وعن أهل بيته إلا بدنة واحدة أو بقرة
واحدة)) يقتضى الاشتراك فى ذلك على ما ذكرناه، وجواز الاقتصار على واحدة
للرجل وأهل بيته، ويحتمل أن يكون النبى ﴿﴿ فعل ذلك فى عام ما لعدم الضحايا أو
الهدایا، ويحتمل أن یکون فعل ذلك مع کثرتها لیبین جواز ذلك.
*
الضحية عما فى
بطن المرأة وذكر أيام الأضحى
٩٥٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمٍ
الأضحى.
٩٦٠ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
الشرح: قوله: ((الأضحى يومان بعد يوم الأضحى)) يريد أن يوم الأضحى أولا يوم
الذبح ثم اليومان بعده، وأن اليوم الرابع ليس من أيام الذبح، وبهذا قال مالك وسفيان
الثوری وأبو حنيفة.
وقال الشافعى: أيام الذبح أربعة يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق بعده. وقد استدل
القاضى أبو الحسن فى ذلك بقوله تعالى: ﴿ليذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما
رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج: ٢٨]، قال: والأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان
بعده والأيام المعدودات ثلاثة بعد يوم النحر، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان
بعده معلومان معدودان، والرابع معدود غير معلوم.
· وفائدة وصفنا له بأنه معلوم أنه من أيام الذبح، وفائدة وصفنا له بأنه معدود أنه
٩٥٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٠٩. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٧٩/٩. ومعرفة
السنن والآثار ١٩١١٧/١٤.
٩٦٠ - ذكره فى الروض النضير ٣٢٢/٣. كشف الغمة ٢٨/٢. المحلى ٢٧٥/٧. ابن كثير تفسيره
٢٤٥/١. المغنى ٦٣٨/٨. المجموع ٢٠٤/٨. ابن عبد البر فى الاستذكار ١٩٧/١٥.

كتاب الضحايا
..
١٩٤
من أيام الرمى، وقد قال الله تعالى: ﴿واذكروا الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى
يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ٢٠٣].
ودليلنا من جهة السنة الحديث المتقدم أن النبى وقا نهى عن أكل لحوم الأضاحى
بعد ثلاث ومعلوم أنه أباح الأكل منها فى أيام الذبح، فلو كان اليوم الرابع منها لكان
قد حرم على من ذلح فى ذلك اليوم أن يأكل من أضحيته.
ودليلنا من جهة القياس أنه يوم مشروع النفر قبله، فلم يكن من أيام الذبح
کالخامس.
مسألة: إذا ثبت أن أيام الذبح ثلاثة، فإن أفضلها أولها، وهو يوم النحر، قاله ابن
المواز وغيره.
ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [آل عمران: ١٣٣]،
ومعنى ذلك والله أعلم، المسارعة إلى الطاعة وأداء العبادة.
مسألة: وليس الليل من زمن الذبح فى أضحية ولا هدى ولا عقيقة ومن فعل ذلك
لم يجزه، رواه ابن حبيب عن مالك. وقال أبو حنيفة والشافعى: تذبح الأضحية ليلاً.
قال القاضى أبو الحسن: وقد روى عن مالك: من فعل ذلك أجزأه، واستدل مالك
فى ذلك بقوله: ﴿ليذكروا اسم الله فى أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة
الأنعام﴾ [الحج: ٢٨].
قال القاضى أبو الحسن: أراد بذلك والله أعلم، التسمية على الذبيحة، وخص بذلك
الأيام، فوجب أن يتعلق بها دون الليالى على ما نعتقده من القول بدليل الخطاب.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وعندى أن التعلق بهذه الآية ليس من باب دليل
الخطاب، وذلك أن الشرع ورد بالذبح فى زمن مخصوص وطريق تعلق النحر والذبح
بالأوقات الشرع ولا طريق له غير ذلك، فإذا ورد الشرع بتعلقه بوقت مخصوص لقوله
تعالى: ﴿فى أيام معلومات﴾ [الحج: ٢٨]، وبنحر النبى ﴿1﴾. وذبحه أضحيته نهارًا،
علمنا جواز ذلك فى النهار، ولم يجز أن نعديه إلى الليل إلا بدليل، وقد طلبنا فى
الشرع، فلم نجد دليلاً، ولو كان لوجدناه مع البحث والطلب، فهذا من باب
الاستدلال بعدم الدليل.
فرع: ويستحب أن يؤخر أضحيته فى اليوم الثانى والثالث إلى أن تطلع الشمس