Indexed OCR Text
Pages 1701-1720
١٣٥ كتاب الحج . فصل: ولم يذكر فى هذا الحديث إلا أنه أمره بالإطعام والضيام، ولم يذكر النسك، قال: ((وقد كان رسول الله ولا علم أنه ليس عندى ما ألسك به)) يريد أنه لذلك لم يأمره بالنسك لما علم من حاله، وقد تقدم من حديث عبد الكريم الجزرى ومجاهد أنه نص على النسك بالشاة، ويحتمل أن يجمع بين الحديثين، فإن عبد الكريم ومجاهدًا رویا حکم من حلق فى الجملة دون تعین أحد. وحكى عطاء بن عبد الله ما أمر به كعب بن عجرة فى خاصة نفسه، ويحتمل أن يكون أراد كعب أن النبى ﴿لا قد علم أنه ليس عندى ما أنسك به، إلا أنه ذكر لى حکم النسك لیبین بذلك حکم من هو عنده. قَالَ مَالِك فِى فِدْيَةِ الأَذَى: إِنَّ الأَمْرَ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا لا يَفْتَدِى حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ، وَإِنَّ الْكَفْارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَأَنّهُ يَضَعُ فِيَتَهُ حَيْثُ مَا شَاءَ الْنّسُكَ أَوِ الصِّيَامَ أَوِ الصَّدَقَةَ بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبِلادِ. الشرح: ومعنى ذلك أن الفدية إنما هى عن إماطة الأذى، فلما لم يمطه لم تجب عليه فدية، ولا وجد سبب وجوبها، فلا يجزئ عنه كما لا يجزئ إخراج الهدى قبل تجاوز الميقات بالإحرام بالقضاء فى الحج قبل الفوات، ولا قبل الإفساد ولا الكفارة فى الصوم قبل إفساده. فصل: وقوله: ((إن الكفارة إنما تكون بعد وجوبها على صاحبها)) وذلك يحتمل وجهين، أحدهما: أن يريد كفارة اليمين، فقاس فدية الأذى عليها فى المنع. والثانى: أن يريد أن فدية الأذى كفارة، فلا يجوز إخراجها قبل وجوبها، فنبه بذلك على أن هذا حكم جميع الكفارات، وأن الفدية من جملة الكفارات، فلا يجوز إخراجها حتى تجب، فهذا مطرد على رواية منع إخراج كفارة اليمين قبل الحنث. وأما على رواية إجازة ذلك فى كفارة اليمين، فالفرق بينهما أن كفارة الفدية لم يوجد سببها، وكفارة اليمين قد وجد سببها، وهو اليمين، وإنما جعلت الكفارة لحل اليمين كالاستثناء، فوزان فدية الأذى من اليمين أن يكفر قبل يمينه، فإنه لا يجزئه قولاً واحدًا. فصل: وقوله: ((ويجعل فديته حيثما شاء النسك أو صيام أو صدقة بمكة وبغيرها من البلاد)) ظاهر هذا اللفظ يقتضى أن له إخراج أى شىء من ذلك حيث شاء من البلاد، .... کتاب الحج ١٣٦ ........... فأما النسك، فإن الغرض فيه إراقة دمه، وإيصال لحمه إلى من يستحقه، فلا تعلق له بوقت ولا مكان، وإنما يتعلق بالفعل خاصة، فلذلك جاز أن يذبح ليلاً ونهاراً كشاة الزكاة، لا يتعلق إخراجها بوقت الأضحية والعقيقة، فإنها متعلقة بوقت والهدى معلق بوقت ومكان. قَالَ مَالِك: لا يَصْلُحُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْتِفَ مِنْ شَعَرِهِ شَيْئًا وَلا يَحْلِقَهُ وَلا يُقَصِّرَهُ حَتَّى يَحِلَّ إِلا أَنْ يُصِيبَهُ أَذِى فِى رَأْسِهِ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ كَمَا أَمَرَهُ اللّهُ تَعَالَى، وَلا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلّمَ أَظْفَارَهُ، وَلا يَقْتُلَ قَمْلَةٌ، وَلا يَطْرَحُهَا مِنْ رَأْسِهِ إِلَى الأَرْضِ وَلا مِنْ جِلْدِهِ، وَلا مِنْ ثَّوْبِهِ، فَإِنْ طَرَحَهَا الْمُحْرِمُ مِنْ جِلْدِهِ أَوْ مِنْ ثَوْبِهِ فَلْيُطْعِمْ حَفْنَةٌ مِنْ طَّعَامٍ. الشرح: وهذا كما قال أنه لا يجوز للمحرم أن ينتف من شعره شيئًا ولا يقصر لأنه إزالة لأذى الشعر وإماطة له، وذلك مما يمنع منه الحرام كالحلاق. وقد قال تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ [البقرة: ١٩٦]، ثم قال: إلا أن يصيبه أذى فى رأسه فعليه فدية كما أمره الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]. مسألة: وهذه حاله فى جميع الإحرام حتى يحل من عمرته أو حجه، فإذا حل من عمرته أو حجه حل له الحلاق، ونتف الشعر وقصه. فصل: وقوله: ((ولا يصلح له أن يقلم أظفاره)) يريد أن تقليم الأظفار من محظورات الإحرام؛ لأنه من إلقاء التفث وإزالة ما جرت العادة بالتنظيف بإزالته كحلق الشعر وقصه من الرأس والشارب، فمن فعل شيئًا من ذلك، فعليه الفدية لأنه ممنوع لحرمة الإحرام بالنسك كحلق الشعر. فصل: وقوله: ((ولا يقتل قملة ولا يطرحها من رأسه إلى الأرض ولا من جلده ولا من ثوبه، فإن طرحها فليطعم حفنة من طعام)) وذلك أنه ممنوع من قتل شىء من الحيوان، وممنوع من طرح القمل عن جسده؛ لأنها من دواب الجسد، فلا يطرحها عن شىء من جسده رأس ولا غير، ولا عن ثوب يكون على جسده مما يلبسه؛ لأن ذلك من باب قتله. وقد تقدم دليلنا على الشافعى فى إجازة طرحها عن جسده بما يغنى عن إعادته هنا. ١٣٧٠٠٠٠ ... كتاب الحج فأما من لم يكن من دواب جسده كالنمل وغيره، فإن له طرحه عن جسده، وإنما وجب عليه حفنة من طعام فى قتل القملة لقلة ما طرح منها، وأنه لم يبلغ مبلغ إماطة الأذى، ولو جهل فنقى رأسه أو ثوبه حتى ينتفع بذلك لكان عليه الفدية. وأما إذا قتل قملة أو قملات، فإنه يطعم حفنة أو حفنات من طعام، وما أطعم أجزأه، قاله ابن حبيب. ووجه ذلك أن من أزال عن نفسه القمل الكثير الذى ينتفع بإزالته وينفى جسمه منه، فعليه الفدية لأن النبى ﴿3﴾ فى قصة كعب بن عجرة لمنا رأى عليه الهوام، فقال: (أتؤذيك هوامك)) فأباح له الحلاق وأمره بالفدية؛ لأنه أزال عن نفسه أذى الهوام. وأما إذا لم يزل منه إلا اليسير الذى لا يستضر به لعلة، ولا ينتفع بإزالته لكثرة ما يبقى عليه منه فليس عليه فيه إلا إطعام شىء على ما ذكر؛ لأنه لم يزل أذاه. قَالَ مَالِك: مَنْ نَتَفَ شَعَرًا مِنْ أَنْقِهِ أَوْ مِنْ إِبْطِهِ أَوِ طَلَى حَسَدَهُ بِنُورَةٍ أَوْ يَحْلِقُ عَنْ شَجَّةٍ فِى رَأْسِهِ لِضَرُورَةٍ أَوْ يَحْلِقُ قَفَاهُ لِمَوْضِعِ الْمَحَاجِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، إِنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِم. الشرح: قوله: ((ومن نتف شعرًا من أنفه أو من إبطه)) يريد أن يسير ذلك وكثيره إذا قصد إليه سواء، تجب بذلك كله الفدية لأنه من إماطة الأذى، ومما جرت العادة بالتنظيف بإزالته وإزالة مثله. وأما ما لا يقصد إلى نتفه، وإنما يقصد إلى غير ذلك مثل أن يريد نزع مخاط يابس من أنفه، فتتقلع معه شعرات، ففى المبسوط عن مالك: لا شىء عليه. فصل: وقوله: ((أو طلى جسده بالنورة)) على ما ذكره لأنه لا فرق بين إزالته الشعر عن جسده بنتف أو حلق أو طلاء نورة أو غير ذلك إذا كان قاصدًا إلى إزالته، ومن طلى جسده بنوره، فقد قصد إزالة الشعر، فكانت عليه فدية. فصل: وقوله: ((أو حلق مواضع محاجمه)) يريد أن عليه الفدية، إن حلق لها شعرًا، ولا فرق بين أن يفعل ذلك لضرورة أو غيرها لأن إماطة الأذى لا تختلف بالضرورة فى وجوب الفدية. مسألة: وأما الحجامة، فقد قال ابن حبيب عن مالك: لا شىء عليه فيها، وإن كان يكرهها ما لم يحلق شعرًا. وقال سحنون: لا بأس بها ما لم يحلق شعرًا لها. كتاب الحج ١٣٨ ٠٠ ........ وجه قول مالك أن المحاجم إذا كانت فى موضع شعره، فإنه بالحجم ينقطع كثير منه. ووجه قول سحنون أنه غير قاصد إلى قطعه، وقد أمن من قتل الهوام، فلو كانت المحاجم فى الرأس ولم يحلق لها شعرًا، فقد قال سحنون: إنه مخالف للحجامة فى غير الرأس لما يخاف أن يقتل من الدواب. فصل: وقوله: ((إن من فعل شيئًا من ذلك ناسيًا أو جاهلاً فعليه الفدية)) على ما قدمنا من أن حكم النسيان والعمد، فيما يعود إلى إماطة الأذى وإلى محظورات الإحرام کلها سواء. وقد دللنا علی ذلك ما یغنی عن إعادته. فصل: وقوله: ((ولا ينبغى له أن يحلق موضع المحاجم)) يحتمل وجهين، أحدهما: لا ينبغى أن يحلق ذلك للاحتجام إلا للضرورة لأن إماطة الأذى لا تفعل، وإن فدى إلا لضرورة. والثانى: أن حلق الشعر فى الجملة محظور على المحرم، وأن هذ من جملته، فأخبر أن حكمه حكم سائر شعر الجسد، والله أعلم. قال مالك: وَمَنْ جَهِلَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِىَ الْحَمْرَةَ افْتَدَى. الشرح: وهذا كما قال أن من جهل، فحلق رأسه قبل أن يرمى الجمرة، فعليه الفدية لأنه حلق قبل أن يتحلل من شىء من إحرامه، وأول التحلل رمى جمرة العقبة، فإذا رماها، فقد وجد منه تحلل من إحرامه، وإذا لم يوجد منه تحلل، فلا يجوز له الحلق، وكذلك روى عن النبى 18 أنه رمى جمرة العقبة ثم نحر هديه ثم حلق، وقد تقدم الكلام فيه بما یغنی عن إعادته. ما يفعل من نسى من نسكه شيئًا ٩٣٣ - مَالِك، عَنْ أَيُّبَ بْنِ أَبِى تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ حُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَسِىَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًّا. قَالَ أَيُوبُ: ا أَدْرِى قَالَ: تَرَكَ أَوْ نَسِىَ. الشرح: قوله رضى الله عنه: ((من ترك من نسكه شيئًا أو نسيه فليهرق دمًا)) يريد مما هو مشروع فى نسكه، وذلك أن النسك على ثلاثة أضرب، ضرب، هو ركن من ٩٣٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩١٣. البيهقى فى السنن الكبرى ١٥٢/٥. المغنى ٤٤٨/٣. المحلى ٢٥٦/٧. المجموع ١٠٦/٨. ١٣٩ کتاب الحج . أركانه، وهو الإحرام والطواف والسعى فى العمرة، وفى الحج الإحرام والطواف والسعى والوقوف بعرفة، هذا على المشهور من المذهب، وزاد عبد الملك بن الماجشون: رمى جمرة العقبة يوم النحر، فهذا من ترك شيئًا منه لم يصح نسكه، و کان عليه إتمامه، ولا يجزئه عنه دم ولا غيره. وضرب ثان: وهو موجبات الحج، وليس بركن من أركانه كالإحرام من الميقات لمن مر به مريدا للنسك وطوف الورود لغير المراهق، والمبيت بالمزدلفة للحاج، ورمى الجمار، كلها على المشهور من المذهب، أو رمى الجمار فى أيام التشريق، على ما تقدم من مذهب ابن الماجشون، والمبيت بمنى ليالى منى، فهذه التى أراد عبد الله بن عباس بقوله فى هذا الحدیث. وقد تأول مالك فى ذلك، وفيما يوجب الفدية من اللباس والطيب، وما يجرى بحری ذلك مما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى. والضرب الثالث: ليست من واجبات الحج، وإنما هى من أحكامه المشروعة فيه على وجه الندب والاستحباب كالخروج إلى منى يوم التروية قبل الزوال، وصلاة الظهر والعصر بها، وصلاة المغرب والعشاء، والمبيت بها، ثم صلاة الصبح بها يوم عرفة، والمقام بالمزدلفة حتى يصبح، وتقديم الرمى على الذبح، وتقديم الذبح على الحلاق، ورمى الجمرتين الأوليين من أعلاهما، والوقوف عندهما، وما جرى مجرى ذلك، فهذه كلها مشروع الإتيان بها مندوب إليها، فمن تركها أو نسيها، فقد ترك الأفضل، وليس علیه فى ذلك دم، ولا غيره. قَالَ مَالِك: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ هَدْيًا فَلا يَكُونُ إِلا بِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ نُسُكَّا فَهُوَ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُ النِّسُكِ (١). الشرح: وقوله: ((ما كان من ذلك هديًا)) يريد أن ما لزم بشىء من ذلك من الهدى على ما تقدم تفسيره فى الحديث قبل هذا، فلا يكون إلا بمكة؛ لأن الهدايا لا تكون إلا بمكة، قال الله تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، فلا يجوز أن ينحر هديًا إلا بمنى أو بمكة على ما تقدم. وقوله: «وما كان من ذلك نسگا، فهو يكون حيث أحب صاحب النسك)) يريد (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٣١٠/١٣. كتاب الحج ١٤٠ بقوله هاهنا النسك فدية الأذى لأنه الذى لصاحبه أن يذبحه حيث شاء، إذا لم يثبت له حكم الهدى، وقد قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه فقدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، واسم النسك يصح أن يقع على فدية الأذى وعلى الهدى، وعلى كل واحد من أعمال الحج والعمرة، ويقع على جملة الحج والعمرة لكن المراد به فى هذا الموضع إراقة الدم على وجه الفدية لأن كل واحد مما ذكرنا أنه يقع عليه اسم النسك اسم مختص به، وإن کان اسم النسك یعم ذلك كله، فما يهدى اسم يختص به، وهو الهدى ولما يخرج على وجه الفدية اسم يختص به، وهو الفدية ولسائر الأفعال التى ذكرناها اسم يختص بها من رمى جمار وغير ذلك أنه أراد بالنسك هاهنا دم الفدية، ولذلك قال: إن له أن يجعله حیث شاء. وهذا يدل على أنه تأول قوله: ((من ترك من نسكه شيئًا)»، أراد به ترك شىء من المناسك، أو فعل شىء من أفعال الحج، أو ترك صفة من صفات الإحرام، وهى الامتناع من اللباس والطيب وغير ذلك من محظورات الإحرام التى تجب بها الفدية، وكذلك معنى قوله: ((من نسى شيئا من نسكه))، فأخل بصفة من صفات إحرامه، والله أعلم وأحكم. جامع الفدية قَالَ مَالِك فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ شَيْئًا مِنَ النِّيَابِ الَّتِى لَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَلْبَسَهَا، وَهُوَ مُحْرِجٌ، أَوْ يُقَصِّرَ شَعَرَهُ، أَوْ يَمَسَّ طِبًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِيَسَارَةٍ مُؤْنَةِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ، قَالَ: لَا يَنْبُفِى لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِدْيَةُ(١). الشرح: وهذا على ما قال أن من أراد أن يأتى شيئًا من محظورات الإحرام من غير ضرورة ويقتدى واستسهل الفدية لقلتها أو لكثرة ماله، فإنه لا يجوز له ذلك من غير ضرورة، وهو آثم حرج، وإنما يجوز له ذلك بشرط الضرورة، والأذى الذى ليس معتاد. والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه فقدية (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٩١٤. .............. ١٤١ کتاب الحج . من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]، فاشترط فى استباحة ذلك الضرورة والأذى. ولذلك قال مالك: وإنما أرخص فى ذلك للضرورة، وكذلك قال النبى ولا لكعب ابن عجرة وقد رأى كثرة ما به من القمل، وأن ذلك مما يتأذى به، فسأله: ((أيؤذيك هوامك؟ فلما قال: نعم، قال له: احلق رأسك)) وأمره بالفدية، فعلق إباحة ذلك بالتأذى بالهوام، فلا يجوز إلا على ذلك، لأن النبى ﴾ جعل علة الإباحة من الحظر الأذى، والله أعلم. فصل: وقول مالك رحمه الله: ((وعلى من فعل ذلك الفدية)) الظاهر أنه أراد وإن كان الحلق واللباس والتطيب من المعانى المحظورة لغير ضرورة، فإن الفدية تجب على من فعل ذلك، ولا يخرج بالحظر والإثم عن وجوب الفدية، وإن كان الحالف بيمين الغموس لا تجب عليه الكفارة، وكذلك قاتل العمد. ويحتمل أن يريد به أنه إنما أبيح له فعل شىء من ذلك للضرورة، وأوجب عليه مع ذلك الفدية ليظهر تغليظ المنع، وإنما أبيح له بشرط الضرورة، أوجب عليه مع ذلك الفدية، فكيف بمن فعله لغير ضرورة. سُئِلَ مَالِك عَنِ الْفِدْيَةِ مِنَ الصِّيَّامِ أَوِ الصَّدَقَةِ أَوِ النِّسُكِ، أَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ فِى ذَلِكَ؟ وَمَا النَّسُكُ؟ وَكَمِ الطَّعَامُ؟ وَبِأَىِّ مُدِّ هُوَ؟ وَكُمِ الصِّيَامُ؟ وَهَلْ يُؤَخِّرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَمْ يَفْعَلُهُ فِى فَوْرِهِ ذَلِكَ؟!(١). قَالَ مَالِك: كُلُّ شَىْءٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ فِى الْكَفَّارَاتِ كَذَا أَوْ كَذَا فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ فِى ذَلِكَ، أَنَّ شَىْءٍ أَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَعَلَ. قَالَ: وَأَمَّا النِّسُكُ فَشَاةً وَأَمَّا الصِّيَامُ فَثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَأَمَّ الطَّعَامُ فَيُطْعِمُ سِئَةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ بِالْمُدِّ الأوَّلِ مُدِّ النّبِيِّ الشرح: قوله وقد سئل عن فدية الأذى، اصاحبها مخير بين الصوم والإطعام والدم: «إن کل شیء فی کتاب الله فى الكفارات كذا وكذا فصاحبه مخير» ذلك جواب. للسائل عن أكثر مما سأله عنه؛ لأن السائل إنما سأله عن فدية الأذى فقط، فأجاب عنها وعن غيرها من الكفارات، وذلك سائغ المسئول أن يخص مسألة السائل (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٣١٢/١٣. كتاب الحج .. ١٤٢ بالجواب، أو يزيد عليها، وذلك بقدر ما يرى من فهم السائل وحاجته إلى ذلك. فإذا كان السائل من أهل الفهم، وممن يحرص على العلم أجيب بأكثر مما سأل إن أمكن ذلك؛ لأنه عون له على ما يطلبه من العلم وإرشاد له إلى ما لا يهتدى إلى السؤال عنه، وجمع له لكثير من العلم، ولعل فيه تقريبًا لما تعلق الحكم الذى يسأل عنه نقد زاده علمًا مع جوابه عما سأل عنه. فصل: وقوله: ((ما فى كتاب الله تعالى من الكفارات بأوانه)) على التخيير احترازًا مما ورد لغير التخيير فى غير الكفارات من قوله تعالى: ﴿ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، فإن ((أو)) هاهنا ليست للتخيير، وإنما هى للمساواة. وفى قوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات: ١٤٧]، ليست للتخيير أيضًا، وإنما هى للإبهام، وأما فى الكفارات حيث وردت فى القرآن، فإنما هى للتخيير، وكذلك وردت فى كفارات الأيمان وجزاء الصيد وفدية الأذى. فصل: وقوله: ((وأما النسك فشاة)) يريد أنها لا يجوز التقصير عنه، وقد قدمنا أنه من أخرج عنها من بهيمة الأنعام بدنة أو بقرة أجزأه. وقوله: ((وأما الصيام، فثلاثة أيام وأما الإطعام فيطعم ستة مساكين مدين مدين لكل مسکین» فعلی ما تقدم فی حدیث النبى فصل: وقوله: ((مدان بالمد الأول، مد النبى ﴿) فلأنه المد الشرعى، ومتى أطلق المد فى الشرع اقتضى ذلك مد النبى 48 لأنه مد صاحب الشرع، ومد وقت إثبات. الشريعة. وقول مالك: ((إنه المد الأول)) يريد أنه مد المدينة قبل مد هشام، وهو الذى كان یجری فی عهد النبی ﴿﴾. قَالَ مَالِك: وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِذَا رَمَى الْمُحْرِمُ شَيْئًا، فَأَصَابَ ثًَّا مِنَ الصَّدِ لَمْ يُرِدْهُ، فَقَلَهُ، إِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ، وَكَذَلِكَ الْحَلالُ يَرْبِى فِى الْحَرَمِ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا لَمْ يُرِدْهُ فَيَقْتُلُهُ، إِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ لأَنَّ الْعَمْدَ وَالخَطَأَ فِى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٌ(١). (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٣١٢/١٣. : ٠٠ ١٤٣ کتاب الحج . الشرح: قوله: ((فمن أصاب صيدًا لم يرده فقتله أن عليه أن يفديه)) لأن العمد والخطأ فى ذلك بمنزلة سواء حكم صحيح، وبه قال جمهور الفقهاء غير دواد الأصبهانى، فإنه قال: لا فدية على من أصاب صيدًا خطأ. وقد تقدم الكلام فيه بما یغنی عن إعادته. مسألة: وما تسبب من فعل المحرم مما لا تدعو المحرم الضرورة العامة إليه، فهلنك فيه صيد، فعليه جزاؤه مثل أن ينصب شركا للصيد أو يحفر بئرًا ليقع فيه سبع، فوقع فى ذلك صيد، فعطب، فعليه جزاء ذلك عند ابن القاسم. واحتج لذلك بأنه نصبه للصيد، فكان ضامنًا لما وقع فيه بمنزلة من حفر فى منزله بتر للسارق، فوقع فيه غير السارق، فإن عليه جزاءه، ولو حفر للماء فوقع فيه صيد أو غيره، لم يكن عليه شىء، ولذلك قال ابن القاسم فيمن حفر محرمًا بئرًا للماء فعطب فيه الصید: أنه لا شىء علیه. فصل: وقوله: ((وكذلك الحلال يرمى فى الحرم شيئًا فيصيب صيدًا لم يرده، فيقتله أن عليه أن يفديه)) يريد أن حكم المحرم فى ذلك حكم الإحرام، وأن عمده وخطأه فى ذلك سواء، وعلى ذلك يتفرع ما قدمناه مما يتسبب من فعل المحرم إذا تسبب مثل ذلك من فعل الحلال فى الحرم. مسألة: ومن أرسل كلبه فى الحل على صيد فى الحل قريبًا من الحرم فقتله، فقد روى ابن المواز عن أصبغ: لا شىء عليه. وفى المبسوط، وقد قال أصحابنا: عليه الجزاء. فالقول الأول مبنى على أن ما قرب من الحرم، ليس له حكم الحرم فى المنع من الصيد، إلا من جهة التغرير، فإذا سلم من مواقعة المحظور، فهو مباح. ووجه القول الثانى ما احتج به أن هذا موضع حكمه حكم الحرم؛ لأن ما فيه یسکن بسکون ما فی الحرم وینفر بحر كته. مسألة: ومن رمى من الحل صيدًا فى الحل قريبًا من الحرم، فأصابه فى الحل، فتحامل الصيد، فدخل الحرم، فمات فيه، فقد قال ابن المواز: لا فدية عليه، فإن كان السهم أنفذ مقاتله أکل، وإن لم يكن أنفذ مقاتله لم يؤ كل. ووجه سقوط الفدية عنه، أنه قد سلم من إصابة الصيد فى الحرم، فإن كانت کتاب الحج ١٤٤ ذكاته، قد كملت فى الحل بإنفاذه مقاتله أكل، وإن لم يتم فى الحل لم يؤكل، ويجىء على قول ابن الماجشون فى المبسوط: لا يؤكل لأن ما قرب من الحرم، حكمه حكم الحرم. مسألة: ومن رمى من الحرم صيدًا فى الحل، فأصابه أو رمى من الحل صيدًا فى الحل، إلا أن سهمه لم يقتله فأنفذ إلى الحرم، فقد قال ابن القاسم فى المسألتين: لا يأكله، وعليه جزاؤه. وقال أشهب: يأكله، ولا جزاء عليه فى المسألتين. وجه قول ابن القاسم أن هذا صيد لم يتخلص من حرمة الحرم، فلم يجز أكله، فوجب به الجزاء. أصل ذلك إذا كان الصيد فى الحرم. ووجه قول أشهب أن هذا صيد فى الحل، فكان اصطياده مباحًا. أصل ذلك إذا کان الصائد فى الحل. مسألة: ومن أرسل كلبه أو بازه فى الحل على صيد فى الحل، فاتبعه، فأدر كه فى الحرم فقتله، ففى المدونة: إن كان أرسله بقرب الحرم، فعليه جزاؤه، ولا يؤكل الصيد، وإن كان أرسله ببعد من الحرم بحيث لا يظن أنه يدخل الحرم، فلم يدركه إلا فى الحرم، ففى المدونة من قول مالك: لا يؤكل ذلك الصيد، ولا جزاء عليه. ووجه ذلك أنه فى المسألة الأولى غرر، فعليه الجزاء. وفى المسألة الثانية لم يغرر، فلا جزاء عليه. وقد أصيب الصيد فى المسألتين فى الحرم، فلا يؤكل. مسألة: ومن أرسل كلبه فى الحل على صيد فى الحل، وأدخله الكلب الحرم، ثم أخرجه، فقتله فى الحل، فالصيد لا يؤ كل على كل وجه، ويعتبر فى وجوب الجزاء ما تقدم من قرب الحرم وبعده، قاله ابن القاسم فى المدونة ووجهه ما تقدم. مسألة: ومن أرسل كلبه من الحرم على صيد فى الحل، فقد قال ابن القاسم: عليه جزاؤه، ولا يؤكل. وقال ابن الماجشون: له أن يرسل كلبه من الحرم على صيد فى الحل إذا كان الصيد موضع بعيد من الحرم لا يسكن لسكونه؛ لأن الحرم لا يحرم الصائد، وإنما يحرم الصيد. ووجه قول ابن القاسم أن الحرم يمنع الصائد كما يمنع الإحرام. قَالَ مَالِك فِى الْقَوْمِ يُصِيبُونَ الصَّيْدَ جَمِيعًا وَهُمْ مُخْرِمُونَ أَوْ فِى الْحَرَمِ، قَالَ: أَرَى أَنَّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ جَزَاءَهُ، إِنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْهَدْىِ، فَعَلَى كُلِّ إِنْسَانِ مِنْهُمْ هَدْى، وَإِنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالصِّيَامِ كَانَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمُ الصِّيَامُ، وَمِثْلُ ١٤٥ كتاب الحج ذَلِكَ الْقَوْمُ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ خَطَأْ، فَتَكُونُ كَفَّارَةُ ذَلِكَ عِثْقَ رَقَبَةٍ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ أَوْ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ(١). الشرح: وهذا كما قال أن القوم إذا أصابوا الصيد جميعًا، وهم مجرمون أو فى الحرم؛ لأن حكم ذلك عنده سواء، يجب الجزاء به فى المسألتين، فإن على كل إنسان منهم جزاء كاملاً كما لو انفرد بقتله؛ لأن حكم ذلك كالكفارة، والكفارة لا تتبعض، وقد تقدم بياننا لذلك. فصل: وقوله: ((فإن حكم عليهم بالهدى، فعلى كل إنسان منهم هدى)) يريد أنه إن كان مثل من النعم واختاروا الحكم عليهم بالمثل، فعلى كل إنسان منهم أن يهدى ذلك فى المثل، ولو اختار بعضهم الهدى وبعضهم الإطعام وبعضهم الصيام يحكم على كل إنسان منهم بما اختار من ذلك بقدر ما كان يحكم عليه به لو انفرد بقتله. فصل: وقوله: ((وإن حكم عليهم بالصيام كان على كل إنسان منهم صيام)) يريد إن اختاروا أن يحكم عليهم بالصيام، فإن الصيام أيضًا لا يتبعض فى حقهم، ويحكم على كل إنسان من الصيام بما كان يحكم عليه به لو انفرد بقتله، وقد فسر ذلك واحتج له بالقوم يقتلون الرجل خطأ، أنه يجب على كل واحد منهم كفارة كاملة كما لو انفرد بقتله. قَالَ مَالِك: وَمَنْ رَمَى صَيْدًا أَوْ صَادَهُ بَعْدَ رَمْيِهِ الْجَمْرَةَ وَحِلاقِ رَأْسِهِ غَيْرَ أَنْهُ لَمْ يُفِضْ إِنَّ عَلَيْهِ حَزَاءَ ذَلِكَ الصَّيْدِ؛ لأنَّاللَّهَ تَبَّارَكَ وَتَّعَالَى قَالَ: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَمَنْ لَمْ يُفِضْ فَقَدْ بَقِىَ عَلَيْهِ مَسُّ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ(١). الشرح: وهذا كما قال أن من لم يفض، فلم يكمل تحلله بدليل أنه ممنوع من النساء والطيب، فلا يجوز له الاصطياد؛ لأنه إنما ابيح له الاصطياد بعد التحلل، قال الله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ وهذا لم يكمل تحلله بعد، فإن خرج إلى الحل، لم يجز له الاصطياد لحرمة إحرامه. وإنما يستباح برمى جمرة العقبة ما تجب به الفدية مما ليس من دواعى الاستمتاع من حلق الشعر وإلقاء التفث واللباس الذى لا يجب به هدى، وإنما خص من ذلك الطيب؛ لأنه من دواعی النكاح والاستمتاع، وذلك ممنوع بعد فی حقه. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٣١٤/١٣. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٣١٥/١٣. کتاب الحج ١٤٦ قَالَ مَالِك: لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيمَا قَطَعَ مِنَ الشَّحْرِ فِى الْحَرَمِ شَىْءٌ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًّا حَكَمَ عَلَيْهِ فِيهِ بِشَىْءٍ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ(٢). الشرح: قوله: ((ليس على المحرم فيما قطع)) إلى آخر الفصل ذكر فيه مسألتين، إحداهما قوله: ((ليس على المحرم فيما قطع من الشجر فى الحرم شىء)) والثانية قوله: ((وبئس ما صنع)) فنص على المنع من ذلك، وتتعلق بذلك مسألة ثالثة، وهى تبيين الشجر الممنوع قطعه وتمييزه من غيره. فأما المسألة الأولى فى أنه لا يجب به شىء، فهو مذهب مالك. وقال أبو حنيفة والشافعى: يجب عليه به الجزاء. ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى لو أتلفه المحرم فى الحل، لم يجب عليه جزاء، فإذا أتلفه الحلال فى الحرم لم يجب عليه جزاء. أصله ذبح الدواب. مسألة: وأما المسألة الثانية فى المنع من قطع شجر الحرم، فهو مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة. والأصل فى ذلك ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها)). مسألة: وأما تبيين ما يستباح قطعه من شجر الحرم وتمييزه مما هو ممنوع، فإن الممنوع منه ما هو من شجر البادية مما لا يملك غالبًا وجرت العادة بأن ينبت من غير عمل آدمى كالطلح والسمر والسعدان، وما جرى مجرى ذلك، وكذلك سائر أنواع الحشيش إلا الإذخر. والأصل فى ذلك ما روى عنه ﴿ أنه قال: ((لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها)). فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لصاغتنا وقبورنا، فقال ـا: ((إلا الإذخر))(١). قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والسنا عندى مثله، ولم أر فيه نصًا لأصحابنا غير أن الحاجة إليه عامة، ولأنه لم يزل يؤخذ وينقل إلى البلاد على سبيل التداوى، ولم ينكره أحد فصح أنه مباح، وهذا فيما يثبت بنفسه، فكان على حكم أصله. وأما ما غرس منه واتخذ بالعمل وملكه العامل. (٢) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٣١٦/١٣. (١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٣٤٩، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٤٣١٣. مسلم حديث رقم ١٣٥٣. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٨٩٢. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٧٩، ٣٢٤٣. ١٤٧٠ کتاب الحج . قال القاضى أبو الوليد: فعندى أنه يجوز أخذه، وهو قول أبى حنيفة. وقال الشافعى: لا يجوز ذلك. ووجه إباحة ذلك عندى أنه منزلة ما يأنس من الوحش، فإن الحرم لا يمنع منه. فرع: وأما ما جرت العادة بأنه يملك ويغرس ويعمل كالنخل والرمان والجوز والخوخ وما أشبهها، فإنه غير ممنوع قطعه وكذلك ما كان يتخذ من البقول، وسواء نبت بنفسه أو بصنع آدمى؛ لأنه على أصله، ويجرى ذلك مجرى الحيوان ما كان أصله التأنيس، فإنه لا يمنع من اصطياده فى الحرم، وإن توحش. قَالَ مَالِك فِى الَّذِى يَجْهَلُ أَوْ يَنْسَى صِيَامَ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ أَوْ يَمْرَضُ فِيهَا فَلا يَصُومُهَا حَتَّى يَقْدَمَ بَدَهُ، قَالَ: لِيُهْدِ، إِنْ وَجَدَ هَدْيًا وَإِلَا فَلْيُصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِى أَهْلِهِ وَسَبْعَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ. الشرح: نص مالك رحمه الله على حكم من جهل أو نسى صيام ثلاثة أيام فى الحج، ويحتمل قوله: ((أو جهل)) وجهين، أحدهما: أن يكون جهل الحكم. والثانى: أن يكون معنى جهل، فعل ما لا يجوز، فيكون معنى جهل هنا تعمد، فإن قلنا إن معنى جهل تعمد، فقد استوعب حكم العامد والناسى. وإن قلنا معنى جهل لم يعلم الحكم، فإنه ترك ذكر العامد، وإن كان حكمه حكم الناسى والمخطئ إعظامًا لفعله، وتغليظًا لحكمه، والأفضل أن تجعل لفظة جهل على الوجهين لاحتمالها لهما. فصل: وقوله بعد ذلك: ((أو يمرض فيهما)) نص على المرض ليستوعب أقسام التاركين بذكر النسيان والعمد لغير عذر، والعمد للعذر الغالب، فإنه إذا قدم بلده يهدى أن وجد هديًا، وإن عدمه صام على ما تقدم من أن الاعتبار بحال الأداء، فإذا كان حال الأداء واجدًا للهدى لم يجزه الصوم، وإن كان حين الوجوب معسرًا، وإن كان حين الأداء عادمًا للهدى أجزأه الصوم. فصل: وقوله: ((صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد ذلك)) على ما تقدم من أن صيام المتمتع الذى لا يجد الهدى إنما توجه الأمر به إليه فى الحج ثلاث أيام وسبعة بعد الرجوع، فمن لم يصم حتى يقدم بلده عادمًا للهدى، فإنه يصوم ثلاثة أيام وسبعة بعد ذلك. كتاب الحج ١٤٨ ومعنى ذلك الفصل بين الثلاثة والسبعة، والتقديم لها عليها فى الرتبة. وقد تقدم من قول أحمد بن المعدل: إن الليل فاصل، فلم تبق إلا الرتبة فى النية. وتقدم من معنى قول أصبغ أن ذلك شرط فى صحتها. ومن قول مالك ما يدل على أن الترتيب قد سقط وجوبه، وقوله منها: ((وسبعة بعد ذلك)) يدل على أن الترتيب، إما واجب وإما مستحب. مسألة: وبقى هاهنا مسألة، فإن كل ما يراعى فيه الفصل بين الثلاثة والسبعة، والترتيب فى الوقت أو بعده، فإنه يجوز صيامه فى أيام التشريق عند عدم المتعة والقران، وما لا يراعى فيه الفصل أو الترتيب فى الوقت إنما يجب صيام عشرة أيام وغير ذلك من الصوم، فإنه لا يصام فى التشريق والعاشر عن المشى وصيام فدية الأذى، فإنه لا يجوز صوم شىء من ذلك أيام التشريق. جامع الحج ٩٣٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ الْعَاصِ أَنّهُ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لِلنَّاسِ بِمِنِّى، وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (نْحَرْ وَلا حَرَجَ، ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْبِىَ قَالَ: (رْمٍ وَلا حَرَجَ، قَالَ: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ عَنْ شَىْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخْرَ إِلا قَالَ: ((افْعَلْ وَلا حَرَجٌ). الشرح: قوله: ((وقف رسول الله ﴿﴿ للناس بمنى)) يحتمل أنه وقف ليعلم الناس دينهم، ويجيبهم عن مسائلهم فقد علم أنه وقت سؤال يسأله فى ذلك الوقت عما فاته من حجه، وعما أدرك وعما قدم وأخر، ويسأله قوم عن المستقبل عنى، وروى أن ذلك كان يوم النحر منى. ٩٣٤ - أخرجه البخارى فى العلم ٨١، ١٢١، الحج ١٦٢١، ١٦٢٢، الأيمان والنذور ٦١٧٢. ومسلم فى الحج ٢٣٠١: ٢٣٠٥. والترمذى فى الحج ٨٣٩، الجنائز ٩١٦. وأبو داود فى المناسك ١٧٢٢، الصوم ٢٠١٤. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٤٢، ٣٠٥١. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٦١٩٦، ٦٥٠٩، ٦٥٩٣، ٦٦٦٣، ٦٧٣٦. والدارمى فى المناسك ١٨٢٨، ١٨٢٩. ........... ١٤٩ کتاب الحج . فصل: وقوله: ((فجاء رجل، فقال: لم أشعر، فحلقت قبل أن أنحر)) يحتمل وجهين، أحدهما: أن يريد به نسيت، فقدمت الحلاق عليه، وهو الأصح، و کذلك رواه ابن جريج عن عيسى بن طلحة عن عبيدالله بن عمر، وحدثه أنه شهد النبى ولا يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل، فقال: إنى كنت أحسب أن كذا قبل كذا. فصل: وقوله :﴿َ﴾: ((انحر ولا حرج)) يحتمل أن يريد لا إثم عليك، لأن الحرج الإثم، ومعظم سؤال السائل إنما كان عن ذلك خوفًا من أن يكون قد أثم، فأعلمه النبى أن لا حرج عليه، إذ لم يقصد المخالفة، وإنما أتى ذلك عن غير علم، ولا قصد مع خفة الأمر، وإنما هو ترتيب مستحب لا تبطل العبادة مخالفته، ولا تؤثر فيها نقصًا. عن شىء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا فصل: وقوله: ((فما سئل رسول الله حرج)) لا يقتضى إباحة ذلك؛ لأنه إنما سأل عمن فعل ذلك جهلاً، وقد بين الترتيب فى الحج، فكان ذلك هو المشروع، ولا يقتضى ذلك رفع الحرج فى تقديم شىء ولا تأخيره عن المسألتين المنصوص عليهما؛ لأننا لا ندرى عن أى شىء غيرهما سئل فى ذلك اليوم، وجوابه إنما كان عن سؤال السائل، فلا يدخل فيه غيره كما لا يدخل فى قوله: ((انحر ولا حرج، ارم ولا حرج)) غير ذلك مما لم يسأل عنه ولم يجب فيه، والله أعلم. ٩٣٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْرٍ أَوْ حَجُّ أَوْ عُمْرَةٍ، يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: ((لا إِلهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَّهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، آيُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». الشرح: قوله: ((كان رسول الله ﴿﴿ إذا قفل من حج أو غزو أو عمرة)) يريد يرجع إلى المدينة موضع استيطانه ومقامه والقفول هو الإياب، ولا يسمى المتوجه من بلده قافلاً، وإنما يسمى بذلك الراجع إليه، فكان رسول الله ﴿﴿ إذا رجع إلى المدينة من سفر. ٩٣٥ - أخرجه البخارى فى الحج ١٦٧٠. ومسلم فى الحج ٢٣٩٤. والترمذى فى الحج ٨٧٣. وأبو داود فى الجهاد ٢٣٨٩. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٣٦٧، ٤٣٤١، ٤٤٠٧، ٤٤٨٧، ٤٧٢٠، ٥٠٤٣، ٠٥٥٦٧ كتاب الحج ... ١٥٠ . وإنما كانت السفارة فى أحد هذه الوجوه الثلاثة، غزو أو حج أو عمرة، فكان يكبر على كل شرف من الأرض تعظيمًا لله، ومواظبة على ذكره وإظهارًا لكلمته، وإنما كان يخص بذلك الشرف؛ لأن منه يرى من الأرض ما يقع عليه بصره، فكان يستحب أن يفعل ذلك أول ما يرى من الأرض مما فتحه الله عليه، ويستقبله بالتكبير والتعظيم، ولأن ما شرع فيه الإعلام من الذكر، فالأحق به ما علا من الأرض كالأذان والتلبية؛ لأن فى ذلك إظهارًا للذكر، وفى تخصيص المطمئن به من الأرض ضرب من التستر. فصل: وقوله: ﴿﴿: ((لا إله إلا الله) إظهار للتوحيد، وإعلام به واستدامة للإيمان به. وقوله: ((له الملك وله الحمد)) تخصيص له بالملك والحمد لأن الألف واللام فى كل واحد منهما للجنس، فجعل جنس الملك، وهو جميعه لله تعالى لأنه لا ملك لأحد على الحقيقة إلا له، وجعل جميع الحمد لله عز وجل، فإن أحدًا لا يستحق الحمد على الحقيقة سواه، وإنما يحمد غيره لما أمر الله أن يحمد. فصل: وقوله: ﴿﴿: ((على كل شىء قدير)) إعلام أنه هو القدير على ما كان يعدهم به من نصر عبده، وإظهاره على الدين كله، وإذكار لهم بما أخبرهم به من عظيم قدرته تعالى، وأنه لا يغلب من نصره ولا ينصر من حاربه. فصل: وقوله :﴿4: ((آيبون تائبون)) يريد ﴿﴿ أنه ومن كان معه من الصحابة الكرام آیبون من سفرهم، تائبون لله تعالی من کل ما نھی عنه، عابدون له دون من سواه، ساجدون له، حامدون على ما تفضل به عليهم من النصر والتأييد، والحفظ فى السفر والعون عليه، والتوفيق للصواب فى جميعه. فصل: وقوله : ((صدق الله وعده)) يريد والله أعلم، أنه الصادق فى وعده لرسوله ®® بنصره وتأييده وعصمته من الناس، ((ونصر عبده ورسوله، وهزم الأحزاب وحده)) يريد 48 أنه تعالى المنفرد بإعزاز دينه، وإهلاك عدوه، وغلبة الأحزاب، ويحتمل أن يريد به فى سائر الأيام والمواطن، والله أعلم. ٩٣٦ - مَالِك، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ٩٣٦ - أخرجه مسلم فى الحج ٢٣٧٨. والنسائى فى مناسك الحج ٢٥٩٥، ٢٥٩٦، ٢٥٩٧، ٢٥٩٨، ٢٥٩٩. وأبو داود فى المناسك ١٤٧٥. وأحمد فى مسند بنى هاشم ١٨٠٠، ٢٠٧٨، ٢٤٧٩، ٣٠٢٧. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٦١/٦: هذا الحديث مرسل عند أكثر الرواة للموطأ، وقد أسنده= ......... ١٥١ کتاب الحج ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴿ مَرَّ بِامْرَأَةٍ، وَهِىَ فِى مِحَفْتِهَا(١) فَقِيلَ لَهَا هَذَا رَسُولُ اللّهِ ﴿ فَأَخَذَتْ بِضَبْعَىْ(٢) صَبِىٌّ كَانَ مَعَهَا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ). الشرح: قوله: ((أن رسول ﴿4 مر بامرأة وهى فى محفتها)) ذكر أن ذلك فى حجة الوداع، فقيل لها: ((هذا رسول الله (5) فقد كانت فيمن آمن به، ولم تره، ولم تعرف عينه فلذلك أخبرت به. فصل: وقولها فى الصبى: ((ألهذا حج)) سؤال عن حكم الصبى، إن كان ممن تصح منه هذه العبادة، وإنما أرادت به الحج المشروع على سبيل الندب والاستحباب، ولذلك قال لها: ((نعم ولك أجر)) يريد والله أعلم فى عونه على ذلك. مسألة: والصبيان على ضربين، ضرب يفهم ما يؤمر به، وضرب يصغر عن ذلك، فلا يفهم ما يؤمر به، ولا ینتھی عما نهى عنه. فأما الأول، فروى ابن المواز وابن وهب عن مالك: لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع سنين وخمس، فنعم، وهذا إنما هو على الاستحباب، وإن أحرم به وألزم الإحرام لزمه، وإن كان صغير جدًا لا يفهم، فقد قال فى المبسوط، فى الصبى الذى لا يتكلم من صغره: لم يلب عنه، ولكن يجرد، فإذا جرد ونودى بتجريده للإحرام، فهو محرم. ووجه ذلك عندى أن الرضيع لا يفهم ولا يمتثل ما يؤمر به، ولا یزدجر عما عنه، فكان كالمغمى عليه مع ما يلحقه من المشقة بالإحرام. مسألة: فإن كان ممن يستطيع الطواف والسعى، باشر ذلك بنفسه، وإن كان لا یستطیع ذلك لضعفه أو لأنه لا يفهمه، طاف به من حج به. ووجه ذلك أنا إذا جوزنا إحرامه، وألزمناه إياه، كان من مقتضاه الطواف والسعى، و کان لا يطيق ذلك، ولابد أن يطوف به غيره. =عن مالك ابن وهب والشافعى وابن عثمة وأبو المصعب وعبد الله بن يوسف، قالوا فيه: عن مالك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس أن رسول الله ١٠٠٠ . الحدیث. (١) محفتها: هى شبيه الهودج. (٢) بضبعی: هما باطنا الساعد. .. ١٥٢ کتاب الحج وفى ذلك مسائل، وذلك أن مناسك الحج أفعال وسعى، فأما الأفعال، فتنقسم إلى قسمین کما ینقسم السعى إلى قسمین. فأما القسم الأول من الأفعال، فله تعلق بالبيت ويفتقر إلى طهارة، كركعتى الفجر، فهذا القسم لا يدخله النيابة، ولا يفعله أحد من كبير ولا صغير، ولا يفعله كسائر الصلوات، ولا يلزم على هذا المستأجر على الحج؛ لأننا إذا قلنا إن الحج إنما هو حج المباشرة له، فإنما للمستأجر عنه نفقته، فإن المصلى إنما يركع عن نفسه، فليس فى ذلك نيابة عن أحد. وإن قلنا إن الحج عن المحجوج عنه، فلا يلزمنا أيضًا لأن المباشر للحج لما دخل فيه، لزمه جميع أفعاله، وهو المطلوب بها، ولذلك يلزمه الإحرام، وغير ذلك من أفعال الحج، ولزمه الإمساك عن الصيد وغير ذلك من محظورات الإحرام، وإنما كلامنا فى منسك واحد من مناسك الحج أو العمرة، يفعله أحد عن أحد، ألا ترى أن غير ذلك من مناسك الحج المفردة يفعلها عن غيره أو بغيره من هو محرم بالحج، ولا يصح أن يحج أحد عن أحد، من هو محرم عن نفسه بالحج، فبان الفرق بينهما. مسألة: وأما القسم الثانى من الأفعال، فلا يفتقر إلى طهارة، ولا تعلق له بالبيت کرمى الجمار، فهذا تدخله النيابة للضرورة، إلا أنه لما كان من الأفعال، ولم يجز أن يفعله النائب عن نفسه وعن المستنيب فعلاً واحدًا، ولكن يفعله عن نفسه، ثم يفعله عن المستنيب ثانية. والكلام فيه فى فصلين، أحدهما: أنه لا ينوب فيه فعل واحد عن عبادة رجلين. والثانى: أنه يجب أن يتقدم فعل النائب عن نفسه قبل أن يفعله عن غيره. والدليل على أنه لا ينوب فعل واحد عن نسك رجلين، أن النائب قد لزمه هذا الفعل عن نفسه كاملاً على وجهه، فلم يجز أن ينوب عن فعل غيره؛ لأنه لا يفعله حينئذ عن نفسه على ما قد لزمه. ووجه ثان أن فعله عن نفسه فرض؛ لأنه قد لزمه بإحرامه وفعله عن غيره تطوع، ولا يجوز أن يكون فعل واحد، يقتضى به الفرض والتطوع. مسألة: وأما السعى، فإنه ينقسم إلى قسمين، القسم الأول: يفتقر إلى الطهارة، وله تعلق بالبيت كالطواف، فهذا يجوز أن يفعله الإنسان عمن عجز عنه لصغره، ولا يجوز کتاب الحج . ١٥٣ .... أن ينوب عنه فيه جملة؛ لأن له تعلقًا بالبيت ويفتقر إلى الطهارة كالصلاة، وإنما جاز أن يفعله به؛ لأن ذلك من باب الحمل له، ويجوز أن يفعله الإنسان راكبًا للعذر، فالحمل فيه من هذا الباب، ولا يجوز أن يفعله عن نفسه وعن غيره فى طوف واحد لتعلقه بالبيت، وافتقاره إلى الطهارة، ولأنه قد لزمه فرضه، فلا يجوز أن يؤدى بفعل واحد فرضًا، ويتطوع به. مسألة: والقسم الثانى من السعى، لا تعلق له بالبيت، ولا يفتقر إلى طهارة كالسعى بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة والمزدلفة، فهذا يجوز أن يفعله عن نفسه ولغيره فى مرة واحدة؛ لأنه عمل لا يفتقر إلى الطهارة، ولا يتعلق بالبيت كالحمل له إلى منى وعرفة. ٩٣٧ - مَالِكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِى عَبْلَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيٍ أَنَّ رَسُولَ الَّهِ ﴿ قَالَ: (مَا رُؤْىّ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلا أَدْحَرُ(١) وَلا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِى يَوْمٍ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزِّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَحَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذّنُوبِ الْعِظَامِ إِلا مَا أُرِىَ يَوْمَ بَدْرٍ، قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنّهُ قَدْ رَأَى حِبْرِيلَ بَرَعُ(٢) الْمَلائِكَةُ). الشرح: قوله ﴿﴾: ((ما رؤى الشيطان يومًا هو فيه أصغر)) يحتمل أن يريد الصغار والخزى والذل، ويحتمل أن يريد به تضاؤله وصغر جسمه، وأن ذلك يصيبه عند نزول الملائكة وإغضاب نزولها له. وقوله: ((ولا أحقر» يحتمل الوجهين المتقدمين فى أصغر. وقوله: ((ولا أغيط)) من الغيظ الذى يصيبه فى يوم عرفة. فصل: وقوله: ((وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب ٩٣٧ - أخرجه البغوى فى شرح السنة ١٥٨/٧ عن عبيد الله بن كريز. البيهقى فى الشعب برقم ٤٠٦٩ عن طلحة. السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٨/١ وعزاه لمالك. والبيهقى والأصبهانى فى الترغيب عن طلحة بن عبيد الله بن كريز. وذكره فى الكنز برقم ١٢١٠٥. وعزاه السيوطى للبيهقى فى الشعب عن طلحة بن عبيدالله. والمنذرى فى الترغيب والترهيب ٢٠١/٢ عن طلحة ابن عبيد الله. (١) أدحر: أى أبعد عن الخير. (٢) يزعُ: أى يصفهم للقتال من ويكفهم من أن يشف بعضهم على بعض فى الصف. کتاب الحج ١٥٤ ....... العظام)) يحتمل أن يكون منزل الرحمة التى يراها أنه يرى الملائكة ينزلون على أهل عرفة، قد عرف الشيطان أنهم لا ينزلون إلا عند الرحمة لمن ينزلون عليه. ولعل الملائكة يذكرون ذلك، إما على وجه الذكر بينهم أو على وجه الإغاظة للشيطان لعنه الله، ويخلق الله للشيطان إدراكًا يدرك به نزولهم، ويدرك به ذكرهم لذلك، ولعله يسمع منهم إخبارهم بأن الله تعالى قد تجاوز لأهل الموقف عن جميع ذنوبهم، وعما يوصف بالعظم منها. ويحتمل أن ينص على ذلك، ويحتمل أن يخبر به عنه بخير يفهم منه المعنى، وإن لم ينص على نفس المعصية سترًا من الله تعالى على عباده المغفور لهم. فصل: وقوله 468: ((إلا ما رأى يوم بدر)) وذكر ((أنه رأى الشيطان جبريل عليه السلام يزع الملائكة)) يعنى والله أعلم، يمنعها مما أمر أن يمنعها منه، ويقتضى ذلك أن تكون ملائكته نزلت بالرحمة على أهل بدر مع النصر الذى نصرهم الله به على أعدائهم، وكان الشيطان أدركه الصغار والغيظ يوم بدر لما رأى من الرحمة مع النصر، ويحتمل أن يكون ذلك أصابه لما رأى من النصر، وإن لم يدرك معنى الرحمة التى أنزلت علهيم، فأدركه الصغار لما رأى من ظهور الإِيمان وغلبة الحق. ٩٣٨ - مَالِك، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِىِ زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَّاشِ بْنِ أَبِى رَبِيعَةً، عَنْ طَلْحَةَ بْنٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َّ قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ: أَنَا وَالنُّونَ مِنْ قَبْلِى لا إِلّهَ إِلا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ). الشرح: قوله : ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة)) يريد ﴿﴿ أنه أكثر ثوابًا للداعى، وأقرب إلى الإجابة، فإن الفضل للداعى إنما هو فى كثرة الثواب وكثرة الإجابة. فصل: وقوله : ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) يريد والله أعلم، أنه أكثر ثوابًا من غيره من الأذكار، ويحتمل أن يريد أنه أفضل ما دعا إليه، إلا أن الأول أظهر؛ لأنه أورد ذلك فى تفضيل الأذكار بعضها على بعض، ويحتمل أن يخص هذا الدعاء بأنه أفضل ما دعا به، هو والنبيون قبله، يعنى أن ٩٣٨ - أخرجه البخارى فى الحج ١٧١٥. ومسلم فى الحج ٢٤١٧. والترمذى فى الجهاد ٢٣١٠. وابن ماجه فى الجهاد ٢٧٩٥. وفى باقى مسند المكثرين ١١٦٢٥، ١٢٢٢٠، ١٢٣٨٧، ١٢٤٦٤، ١٢٩٣٣،١٢٨٦٦، ٠١٢٩٥٥ ٠١٣٠٣٠ والدارمى ١٨٥٧.