Indexed OCR Text

Pages 1661-1680

............ ٩٥
كتاب الحج
سُئِلَ مَالِك هَلْ يُرْمَى عَنِ الصَّبِىِّ وَالْمَرِيضِ، فَقَالَ: نَعَمْ وَيَتَحَرَّى الْمَرِيضُ حِينَ
يُرْمَى عَنْهُ فَيُّكَبِّرُ، وَهُوَ فِى مَنْزِهِ، وَيُهَرِيِقُ دَمًّا، فَإِنْ صَحَّ الْمَرِيضُ فِى أَيَّامِ التّشْرِيقِ
رَمَّى الَّذِىِ رُمِىَ عَنْهُ، وَأَهْدَى وُجُوبًا.
الشرح: ومعنى ذلك أن الصبى يلزمه الرمى كما يلزم غيره، وكذلك المريض، فمن
استطاع منهما المشى إليه أو كان له من يحمله غيره، فإنه لا يلزمه أن يباشر بنفسه، إن
كان الصبى يفهم ما يؤمر به، وكان مع المريض ذهنه. وقد روى معنى هذا عن مالك
فى المبسوط.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك فى مختصره: إن رجا المريض أن يصح فى أيام
التشريق، فليؤخر الرمى إلى آخر أيام التشريق، فإن لم يرج ذلك رمى عنه وأهدى.
ويحتمل هذا عندى وجهين، أحدهما: أن يكون قولاً واحدًا، وذلك أنه نص أولا
على أنه إن كان له من يحمله، ويطيق ذلك مضى وعجل الرمى، وإن لم يكن له من
يحمله، ورجا أن يطيق ذلك فى بقية أيام التشريق أخر الرمى، وإن لم يرج ذلك، ولم
یکن له من یحمله رمی عنه.
ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن يكون فى ذلك قولان، أحدهما: إن رجا أن يفيق فى
أیام الرمی آخر ذلك ولم یرم عنه أحد، وإن لم یرج ذلك أمر من یرمی عنه.
والرواية الثانية أنه لا ينظر فيما يرجوه من حاله فى أيام التشريق، وإنما ينظر فيما
يطيقه وقت الرمى ويومه ذلك، فإن استطاع على الرمى، وإلا رمى عنه غيره، وإن كان
يرجو أن يرمى فى بقية أيام التشريق.
وجه رواية ابن عبد الحكم أن الرمى له وقتان، وقت أداء، ووقت قضاء، وسیأتی
بيان ذلك إن شاء الله تعالى فإن رجا أن يرمى فى الوقت، فهو أولى، ولا معنى لرمى
غیره عنه؛ لأنه یرجو ان یرمی بنفسه.
ووجه رواية ابن القاسم أن وقت الرمى هو لكل يوم فى نفسه، ولذلك يجب الدم
على من أخره عنه، فإذا يئس من أن يرمى بنفسه عن يومه استناب فى ذلك لما اتفقنا
عليه من جواز الاستنابة، وهذا كالوضوء والتيمم من يئس من إدراك الوقت المختار
تيمم، ولم يؤخر التيمم إلى وقت الضرورة.
فرع: فإذا قلنا برواية ابن عبد الحكم، فإنه يرجع فى ذلك إلى ما يظن بنفسه وحاله،

کتاب الحج
٠٠
٩٦
قاله الشيخ أبو بكر، قال: وهو كالعادم للماء، إنما يرجع فى عدمه ووجوده إلى ما
يغلب على ظنه.
مسألة: فإن لم يطق المريض السير، ولم يكن له من يحمله، على رواية ابن القاسم،
أو ظن أنه لا يطيق الرمى فى أيام التشريق، فرمى عنه، ثم صح فى أيام التشريق، فإنه
يرمى. لما مضى من الأيام ويهدى، رواه ابن القاسم عن مالك وابن عبد الحكم عن
مالك. وهذا قول جماعة شيوخنا.
وروى ابن المواز عن أشهب فى المريض يصح فى أيام التشريق، فيرمى ما رمى عنه:
لا دم علیه.
وجه القول الأول، قال الشيخ أبو بكر: إنماوجب عليه؛ لأنه قد يمكن أن يعتقد أنه لا
يقدر على الرمى، وهو لو تحامل لاستطاعه، فلذلك وجب عليه الهدى، وإن كان
معذورًا.
قال القاضى أبو الوليد: وهذا عندى فيه نظر لأنه قد يكون بحالة لا يشك هو ولا
غيره فى أنه لا يطيق ذلك، ومع ذلك فإنه يجب عليه الهدى، وإنما يجب عليه الهدى،
وإن تيقن العذر؛ لأنه من ترك شيئا من سنن الحج لزمه الهدى، سواء تيقن عذره أو لم
يتيقن، كان ذلك لعذر أو لغير عذر، كترك المبيت بمزدلفة. وهذا فيما ليس له مثل من
الأركان التى لا يتم الحج إلا بها. وأما ما له مثل من الأركان كطواف الورود، فإنه
يسقط للعذر، ولا يجب بذلك دم.
ووجه قول أشهب أن الرمى له بدل، وهو رمى غيره عنه، وفى البدل نقص عن.
المبدل منه يجبر بالدم، فإذا أدرك الرمى فى أيام التشريق، فباشره بنفسه، فقد جبر نقص
الرمى فسقط عنه.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فلا يرمى عن الصبى والمريض إلا من قد رمى عن نفسه، فإن
لم يكن رمى أولا عن نفسه، فإنه يبدأ أولا بالرمى عن نفسه بالجمار الثلاث، ثم يبدأ
بالرمى من أول الجمار، ورواه أشهب عن مالك.
ووجه ذلك أن التوالى مشروع فى الرمى، فلزمه أن يوالى عن نفسه، ثم يوالى عن
غيره.
مسألة: ومن رمى عن غيره، فهل يقف عند الجمرتين. روى ابن المواز عن ابن
القاسم أنه اختلف فيه قوله، فقال: لا يقف، وقال: يقف.

. .............
كتاب الحج .
وجه القول الأول أن الوقوف عند الجمرتين إنما هو للدعاء، ولا يستناب فيه
كالصلاة. ووجه القول الثانى أن الوقوف تبع للرمى، فجاز أن يستتاب فيه، وإن لم
يستنب فى مثله إذا لم يكن تبعًا كركعتى الطواف.
قَالَ مَالِك: لا أَرَى عَلَى الَّذِى يَرْبِى الْجِمَارَ أَوْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ
غَيْرُ مُتَوَضِّى إِعَادَةٌ وَلَكِنْ لا يَتْعَمَّدُ ذَلِكَ.
وهذا كما قال أن من سعى أو رمى الجمار على غير طهارة، فإنه يجزئه ولا إعادة
عليه؛ لأن هذه قرب لا تعلق لها بالبيت، فلم تكن الطهارة شرطًا فى صحتها، وإنما
تكون الطهارة شرطًا فى صحة القرب التى لها تعلق بالبيت كالصلاة والطواف.
والأصل فى ذلك ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال لعائشة حين شكت إليه أنها
نفست: ((افعلى ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت))(١)، فأباح لها فعل كل قربة
من الحج لا تعلق لها بالبيت، وفى ذلك السعى والرمى والوقوف بعرفة والمزدلفة.
فصل: وقوله: ((ولكن لا يتعمد ذلك)) يقتضى أنه يستحب الطهارة لفعل هذه
القرب كلها، وإن لم تكن شرطًا فى صحتها، وذلك أن قرب الحج مبنية على أن
الطهارة مشروعة فى جميعها، إما وجوبًا وإما استحبابًا.
ولذلك شرع الغسل للإحرام ودخول مكة والوقوف بعرفة، وإن لم يكن شىء من
ذلك كله واجبًا بل يصح فعل هذه المعانى من غير طهارة، فما كان من الأركان،
فالغسل له مشروع، وما كان من غير الأركان، فمن حكمها أن يكون فاعلها على
طهارة، وإن لم تكن الطهارة لها.
٩١٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لا تُرْمَى الْحِمَارُ فِى
الأَيَّامِ الثّلاثَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ.
الشرح: قوله: ((لا ترمى الجمار فى الأيام الثلاثة)) يريد أيام التشريق ((حتى تزول
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٠٥. مسلم حديث رقم ١٢١١. أحمد فى المسند حديث
رقم ٢٥٨١٢.
٩١٠ - أخرجه الترمذى فى الحج ٨٧٧، ٨٧٨. والنسائى فى مناسك الحج ٣٠١٦، ٣٠١٧. وأبو
داود فى المناسك ١٦٨٥. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٢٧، ٣٠٢٨. وأحمد فى باقى مسند
الأنصار ٢٢٦٥٨.

..
٩٨
كتاب الحج
الشمس)). وقد روى القاضى أبو إسحاق فى المبسوط عن مالك، وقال عنه: فإن رماها
قبل الزوال، فليعد الرمى. زاد ابن حبيب عن مالك: وهو كمن لم يرم.
والأصل فى ذلك ما رواه ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر، قال: رمى رسول الله
◌َّ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعده، فإذا زالت الشمس.
مسألة: ومن رمى الجمار بعد أن صلى الظهر، فقد أخطأ، ولا شىء عليه، رواه ابن
حبيب عن مالك، وإنما محل الرمى للجمار بعد الزوال، وقبل الصلاة من جهة الوقت،
ومن جهة الرتبة.
وأما من جهة الوقت، فإن رمى الجمار يجب أن يقدم بأثر الزوال. وأما من جهة
القياس، فإن تقديمها على الصلاة مشروع. والأصل فى ذلك من جهة المعنى أن الصلاة
مشروعة فى الجماعة بعد الزوال وشرع التأخير لها لأجل اجتماع الناس ورمي الجمار
مشروع بعد الزوال، ولم تشرع فيه جماعة، فكانت المبادرة به أولى، لأنه لا وجه
لتأخيره وتقديم العبادة فى أول أوقاتها مشروع، إلا أن تؤخر لمعنى يقتضى ذلك.
مسألة: إذ ثبت ذلك، فإن أول أداء الرمى لكل يوم من أيام التشريق زوال الشمس
منه وآخره غروب الشمس ووقت القضاء من غروب شمسه إلى بقية أيام التشريق الليل
والنهار سواء فى القضاء، يبين ذلك ما روى عن مالك فى رمى رعاء الإبل الجمار:
أنهم لا يرمون اليوم الذى يلى يوم النحر إلا فى اليوم الذى بعده. قال: لأنه لا يقضى
شىء يجب، فإذا وجب ومضى كان القضاء بعد ذلك والله أعلم.
الرخصة فى رمي الجمار
٩١١ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا الْبَدَّاحِ ابْنّ
٩١١ - أخرجه أبو داود برقم ١٩٧٥، ٢٠٨/٢ كتاب الحج باب رمى الجمار عن عاصم بن عدى.
والترمذى برقم ٩٥٤، ٢٨٠/٣ عن عاصم بن عدى كتاب الحج باب الرخصة للرعاة أن يرموا
يوما ويدعوا يوما. وأخرجه النسائى ٢٧٣/٥ عن عاصم بن عدى كتاب الحج باب رمى الرعاة.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٠٥/٦: لم نجده عند شيوخنا فى كتاب يحيى إلا عن أبى البداح
ابن عاصم بن عدى، كما رواه جماعة الرواة عن مالك، وهو الصحيح فى إسناد هذا الحديث،
كما قال أحمد، فإن کان یحیی رواه كما قال أحمد، فهو غلط من يحيى، والله أعلم، أو من غيره،
ولم يختلفوا فى إسناد هذا الحديث عن مالك، إلا ما ذكر أحمد بن خالد عن يحيى، وقد اختلفوا-

............. ٩٩
کتاب الحج .
عَاصِمٍ بْنٍ عَدِىٌ(٢) أَخْرَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَرْخَصَ لِعَاءِ الإِبِلِ فِى الْتُوَّةِ
خَارِجِينَ عَنْ مِنِّى، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ
يَرْمُونَ يَوْمَ النّغْرِ.
٩١٢ - مَالِكِ، عَنْ يَخْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى رَبَاحٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ
أَنْهُ أُرْخِصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللّيْلِ، يَقُولُ: فِى الزَّمَانِ الأَوَّلِ.
قَالَ مَالِك: تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ الَّذِى أَرْخَصَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِى
تَأْخِيرٍ رَمْيِ الْحِمَارِ فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْهُمْ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرٍ، فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ
الَّذِى يَلِى يَوْمَ الْنَحْرِ رَمَوْا مِنَ الْغَدِ وَذَلِكَ يَوْمُ النّفْرِ الأَوَّلِ فَيَرْمُونَ لِلْيَوْمِ الَّذِى مَضَى
ثُمَّ يَرْمُونَ لِيَوْمِهِمْ ذَلِكَ؛ لأَنْهُ لا يَقْضِى أَحَدٌ شَيْئًا حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَحَبَ عَلَيْهِ
وَمَضَى كَانَ الْقَضَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ بَدَا لَهُمُ النّفْرُ، فَقَدْ فَرَغُوا، وَإِنْ أَقَامُوا إِلَى الْغَدِ،
رَمَوْا مَعَ النّاسِ يَوْمَ النّفْرِ الآخِرِ وَنَفَرُوا.
الشرح: قوله: ((أن رسول الله ﴾ أرخص لرعاء الإبل فى البيتوتة خارجين عن
منى)) يقتضى أن هناك منع خص هذا منه؛ لأن لفظة الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخص
من المحظور للعذر.
وذلك أن للرعاء عذرًا فى الكون مع الظهر الذى لابد من مراعاته والرعى به للحاجة
إلى الظهر فى الانصراف إلى بعيد البلاد، وقد قال تعالى: ﴿وتحمل أثقالكم إلى
=عنه فى ألفاظه، وقد كان سفيان بن عيينة يقول فى إسناد هذا الحديث، شيئًا يشبه ما حكاه
أحمد عن يحيى فى روايته عن مالك ويعضده، وذلك أنه قال فيه: عن أبى البداح بن عدى، عن
أبيه، ومرةلم يقل: عن أبيه، والصواب فى إسناد هذا الحديث، ما قاله مالك فى رواية جمهور
الرواة عنه: ((أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، حدثنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمن، حدثنا
أحمد بن شعيب، أخبرنا عمرو بن على، حدثنا يحيى القطان، حدثنا مالك، أخبرنا عبد الله بن
أبی بکر، عن أبيه، عن أبی البداح بن عاصم بن عدی، عن أبیه ... فذ کره». انتھی باختصار.
(*) قال ابن عبد البر: أبو البداح بن عاصم بن عدى، لا يوقف على اسمه، وكنيته اسمه، وقال
الواقدى: أبو البداح، لقب غلب عليه، ويكنى أبا عمرو، توفى فى سنة سبع عشرة ومائة فى
خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربع وثمانين سنة، وهو أبو البداح بن عاصم بن عدى بن
الجد بن العجلان، من بلى، من قضاعة، حليف لبنى عمرو بن عوف.
٩١٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٩٢.

کتاب الحج
١٠٠ ٠٫٠٠٠
بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧]، فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى.
فصل: وقوله: ((يرمون يوم النحر)) يريد جمرة العقبة، ثم يغيبون عن منى على ما
فسره مالك، أول أيام التشريق، وهو الذى يلى يوم النحر، فإذا كان اليوم الثانى من
أيام التشريق، وهو الذى يلى يوم النحر فإذا كان اليوم الثانى أيام التشريق، وهو اليوم
الذى يتعجل فيه النفر من يريد التعجيل أو من يجوز له التعجيل رموا عن اليومين، بدأوا
برمى ما عليهم من الرمى لليوم الأول من أيام التشريق، وإنما رموا فى اليوم الثانى عن
اليوم الأول، ولم يرموا فى اليوم الأول عنهما، لما قاله مالك، رحمه الله، من أنه لا
یقضی شيئًا قبل وجوبه، وإنما يقضى بعد وجوبه وخروج وقته.
ولذلك لا يرمى فى اليوم الثانى عن الثالث، فلو رمى فى أول يوم لما جاز له أن
يرمى إلا عن يومه ذلك خاصة دون اليوم الثانى، وكان يلزمه أن يأتى فى اليوم الثانى
فيرمى عنه، فتلحقه مشقة التكرر ويضيع الظهر، فأبيح له التأخير إلى اليوم الثانى،
فيكون قد وجب عليه رمى اليوم الأول قضاء ورمى اليوم الثانى أداء.
فصل: وقوله: ((يرمون يوم النحر)) أخبر أن رميهم يوم النحر لا يتعلق به رخصة،
ولا يغير عن وقته، ولا أضافه إلى غيره ((ثم يرمون الغد)) يريد أنه يرمى لليومين، فقال:
((يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين)) فذكر الأيام التى يرمى لها، وهى الغد، وهما أول
أيام التشريق وثانيهما، ولم يذكر وقت الرمى، وإنما يرمى لهما فى اليوم الثانى من أيام
التشريق بعد الزوال، ولذلك جمع بينهما فى اللفظ، فقال: ((ليومين) وقد فسر ذلك
مالك على ما تقدم ذكره.
فصل: وقوله: ((ثم يرمون يوم النفر)) يحتمل وجهين، أحدهما: أن يريد أنهم يرمون
ليومين، يرمون للأول، ثم يرمون يوم النفر، وهو يوم رميهم؛ لأنه يوم النفر الأول،
فيكون قوله: ((ثم يرمون يوم النفر)) تفسيرًا لأحد اليومين اللذين يرمى لهما، واستغنى
عن ذكر الأول بقوله: ((يرمون لیومین)» ثم بين اليوم الثانى منهما، فعلم بذلك اليوم
الأول.
وعلى هذا يكون يوم النفر المذكور فى الحديث يوم النفر الأول لمن أراد أن يتعجل ،
ويكون فائدة قوله: ((ثم يرمون ليوم النفر)) أنه لا يجوز أن يرمى لليوم الثانى حتى يكمل
رمی الیوم الأول.
والوجه الثانى، أن يريد بقوله: ((يرمون الغد وبعد الغد ليومين)) أن يبين بهذا كلامه

........... ١٠١
کتاب الحج .
ثم استأنف بقوله: ((ثم يرمون يوم النفر)) لمن لم يرد التعجيل، فالمراد بقوله: ((يوم النفر
الثانى)) وهو الثالث من أيام التشريق، فعلى هذا فسر مالك الحديث ومن أراد التعجيل،
فإنه إذا رمى فى اليوم الثانى عن اليوم الأول والثانى تعجل، وأجزأه ذلك.
فصل: وقوله: ((وفى حديث عطاء أرخص للرعاء فى الرمى بالليل))(1) إنما أبيح لهم
ذلك؛ لأنه أرفق بهم وأحوط فيما يحاولونه من رعى الإبل، لأن الليل وقت لا ترعى فيه
الإبل ولا تنتشر، فیرمون فى ذلك الوقت.
وقال ابن المواز: إن رعوا بالنهار ورموا بالليل، فلا بأس به. ويحتمل أيضًا أن يرموا
على هذا فى كل ليلة لاستغنائهم فى ذلك الوقت عن حفظ الإبل على وجه الرعى،
ويحتمل إن كان فى ذلك عليهم مشقة أن يكون رميهم بالليل على حكم رميهم بالنهار
من الجمع، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((فى الزمن الأول)) يقتضى إطلاقه زمن النبى ﴿5؛ لأنه أول زمان
هذه الشريعة، فعلى هذا هو مرسل، ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء، فيكون
موقوفًا متصلاً، والله أعلم.
٩١٣ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِهِ أَنَّ ابْنَةَ أَخِ لِصَفِيَّةَ بِنْتٍ أَبِى عُبَيْدٍ
نُفِسَتْ بِالْمُزْدَلِفَةٍ فَتَخَلّقَتْ هِىَ وَصَفِيَّةٌ حَتَّى أَنْتَا مِنِى بَعْدَ أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ
النّحْرِ، فَأَمَرَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ تَرْبِيًا الْجَمْرَةَ حِينَ أَنْنَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِمَا شَيْئًا.
الشرح: قوله: ((أن صفية وبنت أخيها تخلفت)) لما ذكره من نفاس بنت أخيها، فأتيا
منى بعد غروب الشمس من يوم النحر أو بعد أن فاتهما الرمى، وفى هذا أن الأغلب
أن مقام صفية مع ابنة أخيها كان بعلم عبد الله بن عمر، والذى لا ريب فيه أنه علم
بذلك بعد مجيئهما.
وقد سئل عن حكمهما، فلم ينكر المقام على صفية مع ابنة أخيها، وإن كان العذر
مختصًا بابنة أخيها دونها، ولا يبعد أن يكون مثل هذا مباحًا لمن خيف عليه الضياع
(١) قال فى الاستذكار: لما رخص النبى 29 لرعاء الإبل بالرمى فى الليل دل ذلك على أن
الرمى بالليل وغيره أفضل منه، لأن الليل لا يجوز فيه الرمى أصلاً، لإجماع العلماء أن الرمى
للرعاء وغير الرعاء لا يجوز تأخيره حتى تخرج أيام التشريق، فدل ذلك على أن الرمى فى ليل
التشريق رخصة للرعاء وأن الرمى بالنهار هو فى الوقت المختار.
٩١٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٩٣.

.. كتاب الحج
١٠٢
والهلاك فى الانفراد مثل هذه الحال أن يقيم مع من يخاف عليه الهلاك بانفراده،
وترجى نجاته وصلاح حاله بالمقام معه، ويجرى ذلك مجرى جواز التيمم لمن لا ماء معه،
وخاف على غيره الهلاك من العطش ويعطيه إياه فيحييه به.
فصل: وقوله: ((فأمرهما عبد الله بن عمر أن يرميا الجمرة حين أتيا)) يريد أنهما قد
أدركنا وقت قضاء الرمى، وإن لم يدركا وقت أداء الرمى، فأمرهما بقضاء الرمى،
وأول وقت رمى جمرة العقبة طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره وقت مغيب الشفق
من ذلك اليوم، وأول وقت القضاء آخر أيام التشريق.
وقوله: ((أن يرميا حين أتيا)) دليل على جواز الرمى بالليل، وقد تقدم أن الليل
والنهار، سواء فى قضاء الرمى. والدليل على ذلك أنه من أفعال الحج، فجاز فعله بالليل
كالطواف والسعي والوقوف.
فصل: وقوله: ((ولم ير عليهما شيئًا)) يقتضى أنه لم ير عليهما دمًا ولا غيره. وقد
قال مالك فى المبسوط: وأما أنا فأرى على كل من كان فى مثل حال صفية يوم
النحر، ولم یرم حتى غابت الشمس الدم.
ووجه ذلك أن من فاته الأداء لزمه الرمى والھدی کالذی یمرض، فلا يقدر على
الرمى فى وقت الأداء ويرمى آخر أيام التشريق، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فمن ترك جمرة العقبة، فذكرها ورماها قبل غروب الشمس
من يوم النحر، فلا شىء عليه، وإن رماها بعد غروب الشمس متى كان فى أيام
التشريق أو لياليه، فعليه الدم، قاله مالك.
ووجه ذلك أنه إذا أدرك وقت الأداء، فلا شيء عليه، وإذا فاته وقت الأداء لزمه
الهدى، على كل حال، فإن أدرك وقت القضاء قضى، وإن فاته لم يقض ولزمه الدم
فی الوجهین.
فرع: وإذا لم يرمها حتى تنقضى أيام التشريق، فهل يفسد حجه أم لا؟ قال مالك:
لا یفسد حجه، وعليه ما تقدم ذكره من الهدى، وقاله جمهور أصحاب مالك. وقال
عبد الملك بن الماجشون: يبطل حجه، وعليه الحج قابلاً والهدى.
وجه قول مالك أنه من أفعال الحج، فلا يختص بيوم عرفة، فلم يفت الحج بفواته فى
وقته كسائر الرمى. ووجه آخر أن من أمن فوات الحج لم يطرأ عليه ما يفسده. أصل

١٠٣٠٠٠
كتاب الحج
ذلك من رمى. ووجه آخر أن كل فعل بعد الوقوف بعرفة، لا يبطل الحج بتأخيره
كطواف الإفاضة . .
ووجه قول عبد الملك أنه معنى لو جامع قبله فسد حجه، فإذا فاته وجب أن يفوته
حجه كالوقوف بعرفة، والتحلل عند ابن الماجشون إنما يقع بالفعل لا بمضى الوقت.
مسألة: ومن ترك حصاة منها، فلا يخلو أن يذكرها قبل مغيب الشمس أو بعد ذلك،
فإن ذكرها قبل مغيب الشمس رمى تلك الحصاة وحدها، وليس عليه أن يستأنف رمى
غيرها.
ووجه ذلك أنه رمى جميعها فى وقت الأداء، وليس من شرطها الموالاة، وإن كان
مشروعًا فيها ومستحبًا إلى أن رمى ما قد رمى منها فى وقتها المختار أفضل من تأخيره
إلى الوقت الذى فيه ذكر الحصاة المنسية على وجه لجمع معها.
مسألة: فإن ذكرها بعد مغيب الشمس، ففى المبسوط عن مالك فيمن ترك من جمرة
العقبة حصاة أو حصاتين حتى غابت الشمس: أنه يرمى ما تركه، ولا يعيد ما رمى.
وفى الموازية عن ابن القاسم فيمن ذكر حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، فذكر ذلك من
الغد: أنه یعید الرمی فی ثانیة ویھریق دمًا.
ووجه رواية المبسوط أن هذا قد ذكر نقص الجمرة فى وقت ترمى فيه، فكان عليه
أن يرمى ما ذكر دون ما رمى. أصل ذلك إذا ذكرها فى يوم، ويحتمل هذا وجهین،
أحدهما أن يرى أن وقت الأداء إلى طلوع الفجر من ثانى يوم النحر. والوجه الثانى: أن
يعتقد أن وقت الأداء إلى غروب الشمس من يوم النحر، لكنه لا يعيد ما رمى منه
للموالاة بعد انقطاع الموالاة فى وقت أداء ولا وقت قضاء.
ووجه رواية الموازية أن الرمى فى يوم النحر أداء والرمى بعد ذلك قضاء له، ولا تعتبر
الموالاة بين القضاء والأداء، وإن اعتبر بين الأداء المفرد والقضاء المفرد بالآخر، وإن لفق
الأداء بعضه ببعض والقضاء كذلك.
سُئِلَ مَالِك عَمَّنْ نَسِىَ جَمْرَةً مِنَ الْحِمَارِ فِى بَعْضٍ أَيَّامٍ مِنِى حَتَّى يُمْسِىّ، قَالَ:
◌ِيَوْمٍ أَىَّ سَاعَةٍ ذَكَرٌ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ كَمَّا يُصَلَّى الصَّلاَةَ إِذَا نَسِيَهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا لَيْلا أَوْ
نَهَارًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَمَا صَدَرَ وَهُوَ بِمَكّةَ أَوْ بَعْدَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ الْهَدْىُ
وَاحِبٌّ(١).
(١) قال فى الاستذكار ٢٢٣/١٣: أجمع العلماء على أن من لم يرم الجمار أيام التشريق حتى
تغيب الشمس من آخرها أنه لا يرميها بعد، وأنه يجبر ذلك بالدم أو بالطعام على حسب=

کتاب الحج
١٠٤
..
الشرح: وهذا كما قال أن من نسى رمى جمرة من الجمار فى بعض أيام التشريق
حتى يفوته وقت الأداء مغيب الشمس من يوم الجمرة، فإنه يقضيها ما دام فى وقت
القضاء. وقد بينا حكم الوقت فيما تقدم.
وفى هذا خمسة أبواب، أحدها: فيمن نسى رمى حصاة من الجمار، والباب الثانى:
فيمن نسى جمرة كاملة، والباب الثالث: فيمن نسى رمى جمار يوم، والباب الرابع:
فيمن نسى الرمى كله، والباب الخامس: فى صفة الرمى.
*
*
الباب الأول
فى من نسى رمى حصاة من الجمار
ومن نسى رمى حصاة من جمار أيام التشريق، فأخرها عن موضعها،، وذكرها بعد
.
أن رمى غيرها من الجمار، وقبل أن تغيب الشمس من يومه ذلك، فالمشهور من
المذهب أنه يرمى تلك الحصاة وحدها، ثم يرمى ما رمى بعدها من الجمار.
وذلك مبنى على فصلين، أحدهما: أن الترتيب فى الجمار واجب، فلا يجوز أن
يشرع فى رمى جمرة حتى يكمل رمى جمرة كركعات الصلاة لا ينتقل لركعة حتى
يكمل عمل الركعة التى قبلها. والفصل الثانى: أن الموالاة ليست بشرط فى صحة
الرمى، وإذا كان الرمى كله فى وقت الأداء أجزا، ويقتضى قول ابن كنانة فى المدنية
قولاً ثانيًا: يستأنف رمى الجمرة التى نسى الحصاة منها بسبع حصيات.
وذلك يقتضى فصلين، أحدهما: أن الترتيب الذى ذكرناه والموالاة شرط فى
=اختلافهم فيها. فمن ذلك أن مالكًا قال: لو ترك رمى الجمار كلها أو ترك جمرة منها أو ترك
حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى فعليه. وقال أبو حنيفة: إن ترك الجمار كلها كان عليه
دم وإن ترك جمرة واحدة فعليه لكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع من حنطة إلى
أن يبلغ دمًا، إلا جمرة العقبة فمن تركها فعليه دم. وكذلك قال الأوزاعى إلا أنه قال: إن ترك
حصاةً تصدق بشىء. وقال الثورى: يطعم فى الحصاة أو الحصاتين والثلاث فإن ترك أربعًا
فصاعدًا فعليه دم. وقال الليث: عليه فى الحصاة الواحدة دم. وقال الشافعى: فى الحصاة الواحدة
مد، وفى حصاتان مدان، وفى ثلاث حصيات دم. وله قول آخر مثل قول الليث، والأول أشهر
عنه. قال أبو عمر: قد رخصت طائفة من التابعين، منهم مجاهد، فى الحصاة الواحدة، ولم يروا
فيها شيئا.

کتاب الحج
.... ١٠٥
صحتها، فيحمل الخلاف بين هذين القولين فى الموالاة، فعلى القول الأول ليس بشرط
فى صحة الرمى، وعلى قول ابن كنانة، هو شرط فى صحتها.
مسألة: وإذا ذكر ذلك من الغد، فإنه يرميها، ثم يعيد رمى ما رمى بعدها من
یومها، ثم یرمی لليوم الذی ذکرها فیه، وإن كان قد رماها.
وذلك مبنى على فصلين، أحدهما: أن اليوم الثانى وقت لقضاء رمى اليوم الأول.
والثانى: أن الترتيب بين رمى اليوم الأول وبين رمى اليوم الثانى واجب ما لم يفت
وقت الرمى لليوم الثانى.
فرع: وهل يرمى الحصاة التى نسيها من الجمرة خاصة أو يبتدئ رمى تلك الجمرة
بسبع؟ ففى كتاب ابن المواز عن أشهب: يستأنف رميها بسبع حصيات. وفى غير
الموازية عن ابن القاسم: يرمى الحصاة التى نسى خاصة. وفى المدنية عن ابن القاسم: إن
ذكرها من يومه رمى تلك الحصاة خاصة وما بعدها، وإن ذكرها من الغد استأنف
رمی تلك الجمرة بسبع ورماها بعدها.
ووجه قوله بإفراد الحصاة أنه ذاكر لها بعد أن انفصل من غيرها، فلم يكن عليه إلا
رميها، وهذا مبنى على أن التفريق للنسيان لا يمنع صحتها ولا فضيلتها، وإن منع من
فضيلتها، فإنه أمر لا يستدرك إلا بعد الانفصال من رمى الجمار؛ لأن ما فات من
فضيلة أول الوقت أعظم.
ووجه قولنا يرمى الجمرة كلها أن هذا قضاء لهذه الحصاة، فوجب أن يكون جميع
الجمرة يشملها ذلك، وليس كذلك إذا ذكرها من يومه، فإنه يفردها بالرمى؛ لأن
ذلك أداء لجميعها، ولو رمى الحصاة خاصة من الغد لكان مؤديا لبعض الجمرة قاضيًا
لبعضها، وذلك لا يجوز؛ لأنه لا يجوز أن يختلف حكمها.
مسألة: فإن ذكرها بعد أن غابت الشمس من اليوم الثانى، فإنه يرمى تلك الحصاة
أو يرمى الجمرة كلها بسبع على الاختلاف فى ذلك، ثم يرمى ما رمى بعدها من
یومها، ولا یعد رمی جمار الیوم الثالث إن کان قد رماها.
وذلك مبنى على فصول، أحدها: أن قضاء يوم لا يتبعض، وأنه إذا وجب قضاء
بعضه وجب قضاء جميعه، والثانى: أن وقت الترتيب بين ما وجب قضاء وبين ما رمى
بعده يفوت بفوات وقت أداء الرمى الذى بعده، والثالث: أنه لا يفوت الترتيب بين
الرمى لليوم الأول واليوم الثالث إذا بقى وقت أدائه.

كتاب الحج
١٠٦
وإن فات الترتيب بين الرمى لليوم الأول واليوم الثانى، فحصل للرمى ثلاثة أوقات،
أحدها: وقت أداء الرمى وهو من وقت رمى تلك الجمرة إلى انقضاء ذلك اليوم.
والثانى: وقت قضائه، وهو من أول وقت الرمى لليوم من أيام التشريق إلى انقضاء أيام
التشريق. والوقت الثالث: وقت استدراك فضيلة الترتيب، وهو وقت أداء الرمى لليوم
الذى يعاد للترتيب.
مسألة: ومن ذكر الحصاة بعد أن غابت الشمس من آخر أيام التشريق، فليس عليه
قضاؤها، وهل عليه دم أو لا؟ لا يخلو أن يذكر ذلك فى يومه أو بعد أن تغيب الشمس
فيه، ولكنه فى أيام التشريق أو بعد أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق، ويعبر عن
ذلك بأنه لا يخلو أن يذكر الحصاة فى وقت الأداء أو فى وقت القضاء أو بعد فوات
وقت القضاء، فإن ذكر ذلك فى وقت الأداء، فقد روى ابن القاسم عن مالك: لا
هدى عليه، ولم أر فى هذه المسألة خلافًا لهذا القول.
مسألة: وإن ذكرها فى وقت القضاء، فقد قال ابن القاسم: عليه هدى. وفى المدنية
عنه: أنه إن ذكرها فى وقت الأداء رماها بسبع، ولم يذكر هديًا. وقال بأثر ذلك: إن
کان أصاب النساء، فعليه هدى. ويحتمل أن يكون قولاً ثانیًا.
وجه القول الأول أنه قد فاته الرمى فى وقت الأداء، فلزمه الدم لنقص القضاء.
ووجه القول الثانى أنه قد رمى الجمرة، فلم يلزمه دم كما لو رماها فى وقت الأداء.
مسألة: وإذا ذكرها بعد فوات القضاء، فعليه الدم، ولا نعلم فى ذلك خلافًا.
وو جهه انه قد فاته الرمی فعلیه الدم.
الباب الثانى
فى من نسى جمرة كاملة
من نسى جمرة كاملة، فذكرها فى يومه بعد أن رمى غيرها، فإنه يرميها ويعيد ما
بعدها، ولا شىء عليه، وإن ذكرها فى وقت القضاء، فإنه يرميها ويرمى ما بعدها مما
يدرك وقت أدائه، وإن ذكرها بعد فوات وقت القضاء، فلا رمى عليه وعليه الدم ذلك
يتخرج على ما تقدم إن ذكرها فى وقت أداء الجمرة المنسية، فلا خلاف أن الدم لا
يجب عليه، وإن ذكرها بعد فوات القضاء، فلا خلاف أن الدم عليه، وإن ذكرها فى
وقت قضائها، ففى وجوب الدم عليه روايتان على ما نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.

١٠٧٠
........
کتاب الحج
الباب الثالث
فى من نسى رمى جمار يوم
من نسى رمى يوم كامل من أيام التشريق، فذكره فى وقت الأداء، فإنه يرميه على
رتبته وسنته، فإن ذكر ذلك فى وقت القضاء رماه على رتبته، ثم أعاد رمى ما كان
رمى قبله فى الأيام وبعده مما أدرك وقت أدائه. واختلف قول مالك فى وجوب الهدى
عليه على حسب ما تقدم.
الباب الرابع
فى من نسى الجمار كلها
وأما من نسى الجمار كلها فى أيام منى، فذكر ذلك فى آخر أيام التشريق بعد
الزوال، فإنه يرمى لليوم الأول على سنته، ثم يرمى لليوم الثانى على السنة، ثم يرمى
لليوم الثالث على سنته، رواه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك.
ووجه ذلك ما يلزم من الترتيب فى حال الأداء، فكذلك فى حال القضاء كالصلاة
ما لزم فيها من الترتيب فى حال الأداء لزم مثله فى حال القضاء، وسواء ذكر ذلك بعد
أن نفر من منى أو قبل ذلك إذا ذكر ذلك قبل أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق.
مسألة: فإن ذكر ذلك بعد انقضاء أيام منى مغيب الشمس من آخرها، فقد فاته
الرمى، ولا سبيل له إليه، وهل عليه الدم، إن ذكر ذلك فى آخر أيام منى، ورمى فى
وقت القضاء؟.
اختلف قول مالك فيه، فمرة قال: عليه الدم، ومرة قال: لا دم عليه. وقال ابن
حبيب: إن رمى قبل الصدر، فلا دم عليه، وإن ذكر بعد النفر، فعاد فرمى فى وقت
القضاء، فعلیه الدم. وقال ابن وهب: إن تعمد، فعلیه الهدى، وإن نسى، فلا هدى
عليه، إلا أن يفوته الرمى.
ووجه قولنا بوجوب الدم عليه ما تقدم من إدخاله النقص على الرمى بتأخيره عن
وقت الأداء إلى وقت القضاء. ووجه القول بنفى ذلك جملة ما تقدم من أنه قد رمى فى
وقت الرمى، فلم يجب عليه دم كما لو رمى فى وقت الأداء.

كتاب الحج
١٠٨
ووجه التفريق بين ما قبل النفر وما بعده، أن من نفر عن منى فقد نوى إطراح
الرمى وجميع مناسك منى، إما متعمدًا وإما ناسيًا معتقدًا أنه لا يلزمه شىء منها، ومن
كان مقيمًا منى بعد، فإنه باق على حكم أدائها أو قضائها، فلم يكن عليه دم إذا
استدرك فعل شىء منها. ووجه القول الثانى أن المتعمد آثم بتعمده ترك نسك من
المناسك، والناسى معذور، والقولان المتقدمان لمالك أجرى على طريق النظر، والله
أعلم.
الباب الخامس
فى صفة الرمى
أما الرمى، فصفته أن يرمى الجمرتين الأوليين من أعلاهما ويرمى جمرة العقبة من
أسفلها، وقد تقدم ذكر ذلك، ولا يرميها مجتمعة، بل يرمى كل جمرة متفرقة، فإن فعل
لم يجزه، وعليه أن يرمى بست حصيات، ويعتد مما رمى من السبع الأول بحصاة
واحدة، قاله مالك.
ووجه ذلك أن الاعتبار بعدد الرمى وبعدد الحصى، فإذا أخل بعدد الرمى لم يعتد
من الحصى إلا بقدر عدد الرمى.
مسألة: ولا يجزئه أن يضع الحصى وضعًا، قاله ابن القاسم فى المدونة. وكذلك لا
يطرحه طرحًا، فإن فعل لم يجزئه، ولكن يرميه رميًا.
ووجه ذلك أن الشرع إنما ورد فى ذلك بالرمى، وهو المروى عن النبى ﴾ وأفعاله
على الوجوب.
مسألة: فإذا قلنا إنه يرميها فى سبع مرات، فعليه أن يوالى ذلك، ولا ينتظر بين كل
حصاتين؛ لأن الموالاة مشروعة فيها.
فصل: وقوله: ((ليرم أى ساعة ذكر من ليل أو نهار)) يريد أنه لا يؤخر رميها عن
وقت ذكرها لأنها فعل عبادة يتعلق بوقت، فإذا فات وقت أدائها لزم تعجيل قضائه
كصلاة الفرض، ولذلك احتج مالك على تعجيل قضائها أى وقت ذكر ذلك من ليل
أو نهار بما يلزم تعجيل الصلاة منى ذكرها من نسيها من ليل أو نهار.
فصل: وقوله: ((فإن كان ذلك بعد ما صدر وهو بمكة أو بعد ما يخرج منها، فعليه

........... ١٠٩
کتاب الحج
الهدى)) يريد ما صدر من منى، وذلك يكون على وجهين، الأول: أن يفوت وقت
الرمى بمغيب الشمس من آخر أيام التشريق، والثانى: مثل أن يفوت وقت الرمى.
فإن كان ذلك بعد أن فات وقت الرمى، فإنما عليه الهدى لما فاته من الرمى، وإن
كان لم يفت وقت الرمى، فعليه أن يرجع، فيرمى ما بقى عليه من الرمى. وقد تقدم
من قول ابن حبيب أن عليه الدم؛ لأنه من بعد النفر.
وقول مالك يحتمل الوجهين، أحدهما: أن يريد بيان وجوب الهدى على من نفر
قبل أن يرمى، سواء رجع له فيما ترك أو لم يرجع، ولذلك لم يذكر الفوات ولا
الرجوع وإلادراك، والثانى: أن يريد بذلك أن من صدر وفاته الرمى لفوات وقت
القضاء، أن عليه الهدى، وإن لم يفته ذلك، فلا هدى عليه، والله أعلم وأحكم.
الإفاضة
٩١٤ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطّبِ خَطَبَ النّاسَ بِعَرَفَةً، وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ، وَقَالَ لَهُمْ فِيَمَا قَالَ: إِذَا جِئْتُمْ
مِى فَمَنْ رَمَى الْحَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُّمَ عَلَى الْحَاجِّ إِلا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، لا
يَمَسَّ أَحَدٌ نِسَاءً وَلا طِيبًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.
الشرح: قوله: ((خطب الناس بعرفة)) يزيد يوم عرفة، وخطبته ليست للصلاة، وإنما
هى لتعليم الحاج، ولذلك قال: ((وعلمهم أمر الحج)) يريد أنه علمهم من أحكامه ما
يستقبلونه من المبيت بالمزدلفة وجمع المغرب والعشاء بها والوقوف بها بعد طلوع
الفجر والدفع منها إلى منى ورمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم الذبح والنحر، ثم الحلاق
ثم طواف الإفاضة لمن أراد تعجيله أو تأخيره، ثم المبيت بمنى ورمى الجمار أيام
التشريق، وحكم التعجيل والتأخير والنفر والتحصيب.
فصل: وقوله رضى الله عنه: ((إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة، فقد حل له ما حرم
على الحاج إلا النساء والطيب)) يريد أن أول التحلل رمى جمرة العقبة، فمن رماها
استحل بها إلقاء التفث ولبس الثياب وغير ذلك من محظورات الإحرام إلا النساء
والطيب، فأما النساء، فلا خلاف فى بقاء تحريمهن حتى يطوف طواف الإفاضة.
٩١٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٩٤. ابن كثير فى مسند الفاروق ٣٢٤/١.

كتاب الحج
١١٠ ٠٠
مسألة: وأما الطيب، فاختلف العلماء فى إباحته، فمنع من ذلك مالك وأجازه غيره
وقد تقدم ذكره.
مسألة: فإذا ثبت منعه، فمن تطيب فلا فدية عليه، عند مالك؛ لأنه قد وجد منه
بعض التحلل برمى جمرة العقبة، ولأنه مما اختلف العلماء فى إباحته، وبذلك فارق
إصابة النساء، فإنه متفق على المنع منه.
مسألة: ولم يذكر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بمنى تحريم الصيد، وذلك أن
المقيم بها مقيم بالحرم والصيد ممنوع فيه للحلال، فلا يستبيحه لطواف الإفاضة ولا
غيره، وإنما تكلم على ما يستباح بطواف الإفاضة ويمنع منه الإحرام خاصة دون حرمة
الحرم، ولا خلاف على المذهب أن الصيد ممنوع فى ذلك الوقت فى الحل، ولو أصاب
الصيد فى الحل قبل طواف الإفاضة لكان عليه جزاؤه، وقد قال به ابن القاسم.
٩١٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ رَمِى الْحَمْرَةً ثُمَّ خَلَقَ أَوْ قَصَّرَ وَنَحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ فَقَدْ حَلَّ
لَهُ مَا حَرُمٌ عَلَيْهِ إِلا النِّسَاءَ وَالطّيبَ حَتّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ(١).
الشرح: قوله: ((من رمى الجمرة)) يريد جمرة العقبة يوم النحر، ((ثم حلق رأسه
وقصر ونحر هديًا إن كان معه)) قدم الحلاق فى اللفظ على النحر، والنحر مقدم فى
الرتبة غير أن الواو لا تقتضى رتبة، فأعلمنا أن إضافة النحر والحلاق إلى الرمى لا يبيح
النساء ولا الطيب، وإنما يبيح ذلك طواف الإفاضة؛ لأنه نهاية التحلل من الإحرام.
٩١٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٩٥. البيهقى فى السنن الكبرى ١٣٥/٥. ومعرفة
السنن والآثار ١٠٢٢/٧. شرح معاني الآثار ٢٣١/٢. المحلى ١٣٩/٧. المغنى ٠٤٣٨/٣
(١) قال فى الاستذكار ٢٢٧/١٣ - ٢٢٨: فى هذه المسألة أربعة أقوال السلف، والخلف.
أحدها: قول عمر هذا: أنه من رمى جمرة العقبةن فقد حل به كب ما حرم عليه إلا النساء،
والطيب. وهو مذهب عمر فى الطيب. والثانى: إلا النساء، والطيب، والصيد، وهو قول مالك
وحجته قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ ومن لم يحل له وطء النساء، فهو حرام.
والثالث: إلا النساء والصيد. وهو قول عطاء، وطائفة من العلماء. والرابع: إلا النساء خاصة.
وهو قول الشافعى، وسائر العلماء القائلين بجواز الطيب عند الإحرام، وقبل الطواف بالبيت عى
حديث عائشة.

............ ١١١
كتاب الحج
دخول الحائض مكة
٩١٦ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْى فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ ا يَحِلُّ خَتَّى
يَجِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا)). قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطْفْ بِالْبَيْتِ وَلا بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: ((انْقُضِى رَأْسَكِ
وَامْتَشِطِى وَأَهِلَى بِالْحَجِّ وَدَعِى الْعُمْرَة). قَالَتْ: فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ إِلَى الْتّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ:
هَذَا مَكَانُ عُمْرَتِكِ، فَطَافَ الَّذِينَ أَهُلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا
مِنْهَا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا
بِالْحَجُّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا(١).
٩١٧ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةً بْنِ الزُّبِيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلٍ ذَلِكَ.
الشرح: قولها: ((فأهللنا بعمرة))(١) يحتمل أن تريد بذلك أزواج النبي ﴾، ويحتمل
٩١٦ - أخرجه البخارى فى الحيض ٢٨٥. ومسلم فى الحج ٢٣٥٥. والترمذى فى الحج ٨٦٧.
والنسائى فى الطهارة ٢٨٨، الحيض والاستحاضة ٣٤٦، مناسك الحج ٢٦٨٩، ٢٧١١،
٢٧١٢، ٢٧٥١. وأبو داود فى المناسك ١٥١٨. وابن ماجه فى المناسك ٢٩٥٤، ٢٩٩١.
وأحمد فى باقى مسند الأنصار ٢٤١٤٣، ٢٤٢٦٩، ٢٤٤٠٢، ٢٤٦٥٤، ٢٤٧٧٤، ٢٤٨٩١،
٢٥١٣٩. والدارمى فى المناسك ١٧٧٥، ١٨٢٥.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٣٠/٦: هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك بهذا
الإسناد عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - ولم يتابعه عليه أحد فيما علمت من
رواة الموطأ، وإنما هذا الحديث فى الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة،
عن عائشة - ھکذا بهذا الإسناد وهو عند یحیی بهذا الإسناد کذلك أيضا؛ وپاسناد آخر عن عبد
الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ فانفرد يحيى لهذا الحديث بهذا الإسناد وحمل عنده هذا
الحديث بهذين الإسنادين عن مالك فى الموطأ، وليس ذلك عند أحد غيره فى الموطأ - والله
أعلم.
٩١٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٣٤/١٣.
(١) قال فى الاستذكار ٢٣٩/١٣ - ٢٤٠: أما قولها: ((فأهللنا بعمرة)) فإن عروة قد خولف=

کتاب الحج
..
١١٢
أن تريد من كان معها أو طائفة أشارت إليهم، ولا يصح أن تريد جماعة النبى
لأنها قد ذكرت أن منهم من أهل بعمرة، ومنهم من جمع بين العمرة والحج.
فصل: وقوله : ((من كان معه هدى فليهل بالحج من العمرة ثم لا يحل حتى يحل
منهما)) يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون رسول الله ﴾ قال ذلك عند الإهلال
بالإحرام والدخول فيه، فقال: ((من كان معه هدى)) فلا عليه أن يقرن إن شاء ذلك
ليبين جواز القران.
ویکون معنى من كان معه هدى أحد وجهين، أحدهما: من كان معه الآن، وهو
يريد أن يقلده ويشعره، فليقلده ويشعره إذا أحرم بحجته؛ لأن ذلك وقت وجوبه عليه.
والوجه الثانى: من وجد ثمنه وأمكنه أن يهديه، ويكون فائدة ذلك الحض على الحج
من ذلك العام لمن كان معه الهدى.
ولعله علم من هذه صفته أو من بعضهم العزم على ترك الحج والاقتصار على فعل
العمرة لأجل الهدى فخص من نحر الهدى على أن يقرن فيحج فى عامه ذلك مع ما
فيه من جواز القران.
والمعنى الثانى: أن يكون النبى ## أمر بذلك بعد الإحرام بالعمرة، وبعد تقليد
الهدى وإشعاره، على أن ينحر منى فى حجتهم، وأن يحل من عمرته عند وصوله إلى
مكة ثم يبقى حلالاً وهديه مقلدًا مشعرًا، حتى يحرم بالحج يوم التروية ثم ينحر هديه
منى يوم النحر، فأمرهم النبى 8* أن يردفوا الحج على العمرة ويعودوا قارنين.
ومعنى ذلك المنع لهم من التحلل مع بقاء الهدى، وذلك ممنوع لقوله تعالى: ﴿ولا
تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله ## فى حديث حفصة
المتقدم: ((إنى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر)) ويقتضى ذلك أن يكون
النبى ﴿٤﴾ قال ذلك على هذا الوجه فى وقت يمكن فيه إرداف الحج على العمرة.
فصل: وقوله: ((ثم لا يحل حتى يحل منهما)) يحتمل أنه نص على المنع من ذلك؛ لأنه
-فى ذلك عنها. قال أبو عمر: لم يخالفه عندى من هو حجة عليه لأن عروة أحفظ أصحاب
عائشة. ومن أهل بعمرة فى أشهر الحج، وهو يريد الحج فى عامه، فهو متمتع بإجماع إذا حج.
ومعلوم أن خروجهم كان فى ذى القعدة، وهو من شهور الحج، وحجوا فى عامهم، فدل على
أنه كان منهم المتمتع بالعمرة إلى الحج، ومنهم المنفرد بالحج، ومنهم من قرن العمرة مع الحج.
وهذا مالا خلاف فيه من أهل الآثار وعلماء الأمصار.

١١٣
کتاب الحج
لا يبيح التحلل من العمرة مع البقاء على حكم الإحرام بالحج، فمنع من الحلاق للعمرة
والتحلل منها بشىء، حتى يحل الحل كله عند التحلل من الحج.
ويحتمل أنه نص على المنع من التحلل؛ ليستفاد بذلك المنع من التحلل مع بقاء
الهدى على تقليده، ويحتمل أن يكون نص على ذلك ليعلمهم معنى القران وحكمه أنه
لا يتحلل من العمرة وإن أتى القارن بالعمل الذى يخصها ولم يبق من العمرة إلا ما
يخص الحج، فإنه باق على حكم القران، وأن ما يبقى عليه من الإحرام ثابت فى حق
العمرة كما هو ثابت فى حق الحج حتى يكمل الحج، فيكون التحلل منهما.
فصل: وقول عائشة رضى الله عنها: ((فقدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت
ولا بين الصفا والمروة)) وذلك أن الطواف ممنوع فى حق الحائض؛ لأن من شرطه
الطهارة لأنه عبادة مختصة بالبيت كالصلاة والسعى بين الصفا والمروة مرتب على
الطواف بالبيت لا يصح إلا بعده، فمن لم يصح طوافه لم يسع بين الصفا والمروة، وإن
كان السعى بينهما ليس من شرطه الطهارة، ولو أن امرأة دخلت طاهرًا، فطافت بالبيت
وصلت الركعتين، ثم حاضت لجاز لها أن تسعى بين الصفا والمروة، وإن كان الأفضل
السعى بينهما على طهارة، وقد تقدم من قول مالك أنه لا إعادة على من سعى على
غير طهارة.
فصل: وقولها: ((فشكوت ذلك إلى رسول الله ﴿ه)) يقتضى أنها لم تكن ساقت
هديًا، ولا كانت ممن أمن أن يردف الحج على العمرة، وإنما كانت ممن يسوغ له
التمادى على التمتع بالعمرة إلى الحج، فكان من حكمها إذا دخلت مكة أن تطوف
بالبيت وتسعى بين الصفا والمروة، ثم تحل من عمرتها ثم تستأنف بالحج، فلم يمكنها
إتمام عمرتها لتعذر الطواف والسعى عليها من أجل حيضتها، فشكت ذلك إلى رسول
الله ﴿ ..
فصل: وقوله : ((القضى شعرك وامتشطى)) يحتمل والله أعلم أنه أباح لها فى
ذلك لأذى أدركها من طول إحرامها، وتمادى الشعث عليها وكثرة هوام أو غير ذلك
مما أباح لها به الامتشاط ونقض رأسها لما كان فى ذلك من إزالة الأذى عنها؛ لأن
الحلاق ممتنع عليها، وهذا كما أمر كعب بن عجرة بالحلاق إذا أذاه هوامه؛ لأن كعب
بن عجرة ممن حكمه الحلاق، ولم يأمرها بالتقصير؛ لأن التقصير ليس فيه إماطته أذى،
والحلاق فيه إماطة أذى، وإنما أمر بالامتشاط ونقض شعرها لما فيه من إماطة الأذى.

کتاب الحج
١١٤ ..........
...
فصل: وقوله: ((وأهلى بالحج ودعى العمرة)) يريد 18 أن تردف الحج على عمرتها
التی قد أحرمت بها.
ومعنى قوله ﴿﴿: ((ودعى العمرة))(٢) دعى العمل بها على ما اقتضاه إحرامها بها
من إفرادها، ويحتمل أن يريد بذلك دعى الطواف والسعى للعمرة، إذا تعذر ذلك عليها
بالحيض حتى تطوف وتسعى للحج والعمرة طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا.
فصل: وقولها: (فلما قضيت الحج) ذكرت قضاء الحج لأنه أتم ما يفعل من
النسكين نسك الحج؛ لأن الطواف والسعى يشترك فيهما النسكان، وما بعد ذلك من
الوقوف بعرفة والمزدلفة ورمى الجمار والمبيت بمنى، وهو مما يختص بالحج، وهو آخر ما
يفعل من النسك لمن عجل الإفاضة، فلذلك نصت على قضاء الحج.
فصل: قولها: ((أرسلنى مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم فاعتمرت)) يقتضى
أن الإحرام بالعمرة إنما يكون من الحل؛ لأن النسك يقتضى الجمع بين الحل والحرم
وعمل العمرة كله فى الحرم، فلابد من الإحرام من الحل، والتنعيم أقرب الحل إلى البيت.
فصل: وقوله 18: ((مكان عمرتك)) يحتمل أن يريد به أنها عمرة مفردة بالعمل،
مكان عمرتك الأولى التى أرادت أن تفردها بالعمل، فلم تكملها على ذلك، ودخلت
فى عمل حج للعذر المانع من إتمامها على الوجه الذى أحرمت بها عليه.
فصل: وقولها: ((فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا))
تريد أنهم طافوا عند ورودهم للعمرة وسعوا لها، ثم حلوا لما كمل عمل عمرتهم، ثم
قالت: ((ثم طافوا طوافا آخر بعد أن دفعوا من منى لحجهم)) وذلك أنهم أحرموا بالحج
من مكة، فتأخر طوافهم وسعيهم بعد الوقوف بعرفة، وهذا حكم من أحرم بالحج من
مكة أن يتأخر طوافه وسعيه لحجه حتى يعود من منى؛ لأن الطواف الذى هو ركن من
أركان الحج هو طواف الإفاضة، وأما طواف الورود، فإذا لم يكن ورود سقط وبقى
الطواف الذى هو ركن من أركان الحج، وهو بعد رمى جمرة العقبة.
فصل: وقولها: ((وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا
واحدًا)) تريد والله أعلم، أحد وجهين، إما أنهم لم يطوفوا غير طواف واحد الورود،
(٢) قال فى الاستذكار ٢٤٢/١٣: أما قولها: ((دعى العمرة)) فإن جماعة من أصحابنا، وأصحاب
الشافعى تأولوا فى قوله: ودعى العمرة، أى دعى عمل العمرة، يعنى الطواف بالبيت، والسعى
بين الصفا والمروة؛ لأنه ﴿! أمرها برفض العمرة، وإن شاء الحج، كما زعم الكوفيون.