Indexed OCR Text
Pages 1621-1640
٥٥ ........... کتاب الحج الباب الثانى فى صفة الحلاق والتقصير أما صفة الحلاق، فقد قال ابن المواز عن مالك فى الحاج: إن من الشأن أن يغسل رأسه بالخطمى والغاسول، حين يريد أن يحلق، قال: ولا بأس أن يتنور ويقص شاربه و لحيته قبل أن يحلق. وروى ابن المواز عن ابن القاسم فى المعتمر يغسل رأسه قبل أن يحلقه، أو يقتل شيئًا من الدواب، أو يلبس قميصًا بعد تمام السعى، قال: أكره ذلك. وهذا ليس على معنى الحلاق بين مالك وابن القاسم. وإنما اختلف قولهما؛ لأن مالكًا تكلم فى حكم الحج وابن القاسم تكلم فى حكم العمرة. والفرق بينهما أن الحاج قد وجد منه قبل الحلاق تحلل، وهو الرمى والمعتمر لا يوجد منه قبل الحلاق تحلل. - مسألة: ويبدأ بالحلاق من الشق الأيمن، ويبلغ به إلى العظمين اللذين فى الصدغين عند منتهى اللحية، قاله ابن حبيب. ولا يجزئ حلق الرأس دون استيعابه، حكاه الشيخ أبو بكر وغيره عن مالك. والدليل على ذلك أن النبى ﴿4 حلق رأسه، وقال: ((خذوا عنى مناسککم)». وأما التقصير، فلا يخلو أن يكون المقصر، رجلاً أو امرأة، فإن كان رجلاً، فقد قال مالك: ليس تقصير الرجل أن يأخذ من أطراف شعره، ولكن يجز ذلك جزًا، وليس مثل المرأة، فإن لم يجزه، وأخذ منه، فقد أخطأ ويجزيه، وبه قال الشيخ أبو بكر. ومعنى ذلك أن يأخذ منه ما يقع عليه اسم التقصير، وليس ذلك بأن يأخذ اليسير من شعر رأسه. قال القاضى أبو الوليد: وفى هذا عندى نظر، وذلك أنه قد منع أن يفعل من ذلك ما تفعله المرأة، والذى تفعله المرأة يقع عليه اسم التقصير، ولو كان الذى يأخذ من أطراف شعره لا يقع عليه اسم التقصير لم يجزه. وقد قال مالك: إنه يجزئه، وإنما أراد المبالغة فى ذلك على وجه الاستحباب، وأن يبلغ به الحد الذى يقرب من أصول الشعر، وهذا الذی یوصف بالجز. مسألة: وأما المرأة، فإنها إذا أرادت الإحرام أخذت من قرونها لتقصر، فإذا حلت قصرت، قاله ابن المواز: ومعنى ذلك أن تيسر فى مواضع التقصير ليتمكن الأخذ من جمیعه. .. كتاب الحج ٥٦ ........... مسألة: وكم مقدار ما تقصر؟ روى عن ابن عمر أنه قال: مقدار أنملة. وقد روى ابن حبيب عن مالك: قدر الأنملة، أو فوق ذلك بقليل، أو دونه بقليل. وروى عن عائشة: يجزها قدر التطريف. قال مالك: ليس لذلك عندنا حد معلوم، وما أخذت منه أجزأها، ولابد من أن تعم بالتقصير الشعر كله، طويله وقصيره. والدليل على ذلك أنها عبادة تتعلق بالرأس، فكان حكمها فيه الاستيعاب كالمسح فى الوضوء. الباب الثالث فى موضع الحلاق والتقصير موضع الحلاق فى الحج منى، وفى العمرة مكة، وإنما يتعلق الحلاق والتقصير بهذين الموضعين على أنه هو المشروع على سبيل الاستحباب. وقد قال مالك فى الذى يذكر الحلاق بمكة قبل الطواف الإفاضة: لا يطوف، وليرجع إلى منى، فيحلق ثم يفيض، فإن لم يفعل وحلق بمكة أجزأ عنه. وقد روى ابن القاسم فيمن حلق فى الحل أيام منى: لا أرى عليه شيئا إذا حلق فى أيام منى. الباب الرابع فى وقت الحلاق والتقصير أما الحلاق والتقصير، فله وقتان، أحدهما: أن يوقت بالزمان، والثانى: أن يوقت بفعل ما هو مقدم عليه فى الرتبة، فأما توقيته بالزمان فبعد طلوع الفجر بعد رمى جمرة العقبة، وأما آخره، فقد روى محمد عن مالك، فيمن أفاض قبل أن يحلق: إن ذكر فى أيام منى فحلق، فلا شىء عليه، وإن ذكر بعدها حلق وأهدى. وقال ابن القاسم: إذا تباعد ذلك بعد الإفاضة أهدى، وليس لذلك حد، وإن ذكر وهو بمكة قبل أن يفيض، فليرجع حتى يحلق، ثم يفيض، وسنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. مسألة: وأما توقيته بما يترتب عليه من الأفعال، فإنه إذا طلع الفجر حال الرمى، فإذا رمى نحر هديًا، إن كان معه، ثم يحلق بعد ذلك، ثم له أن يطوف للإفاضة. ومن حلق قبل أن يرمى، فقد قال ابن حبيب: من جهل محلق يوم النحر قبل أن یرمی، فدیة الأذى. ................ ٥٧ كتاب الحج ووجه ذلك أنه حلق قبل أن يوجد منه. تحلل والحلق فى ذلك الوقت محظور لحق إحرام لم يوجد فيه تحلل، فلزمه لذلك فدية الأذى، وهذا فيمن أفرد الحج، وسواء كان قدم السعى أو أخره كالمراهق الوارد أو المحرم بالحج من مكة. وأما القارن، فالمشهور من مذهب مالك أن حكمه فى ذلك حكم المفرد. وذهب أبو بكر بن الجهم إلى أن القارن لا يحلق بعد الرمى حتى يطوف ويسعى، والله أعلم. ومن أفاض قبل الحلاق، ففى المختصر أنه اختلف فيه، فقيل يرجع فيحلق، ثم يفيض، فإن لم يفض، فلا شىء عليه وقيل ينحره ثم يحلق، ولا شىء عليه، وسنذكره بعد هذا إن شاء الله. الباب الخامس فيما يتعلق بهما من الأحكام أما ما يتعلق بهما من الأحكام، فإنه لا يخلو أن يكون المحرم حاجًا أو معتمرًا فإن كان حاجًا، فإذا حلق فقد حل له كل شىء حرم عليه من إلقاء التفث، وجاز له أن يدهن ويقص شاربه، ويلبس المخيط. وقد تقدم من قول مالك: أن ذلك كله قد حل له بالرمى قبل الحلاق، وأنه إذا حلق، فقد حل له كل شىء إلا النساء والطيب والصيد حتى يفيض من منى إلى مكة. قال ابن حبيب: وفى الطيب اختلاف. مسألة: ومن وطئ قبل أن يحلق أو يقصر، فقد لزمه الهدى كان فى حج أو عمرة، رواه ابن القاسم عن مالك ويجب أن يكون معنى ذلك فى الحج أنه رمى وطاف للإفاضة ثم وطئ قبل أن يحلق، فلزمه الهدى لأنه قد بقى عليه بعض التحلل، وهو الحلاق أو ما يقوم مقامه من التقصير. مسألة: ومن مس الطيب قبل أن يحلق فى الحج، فقد أساء ولا دم عليه. ووجه ذلك أنه قد وجد منه تحلل، وهذه حالة مختلف فيها فى إباحته. مسألة: وأما المعتمر، فإذا كمل طوافه وسعيه، فلا يلبس ثيابًا، ولا يمس طيبًا حتى يحلق أو يقصر. وقد كره مالك ذلك كله، وقد تقدم ذكره، فإن فعل، فقد قال ابن حبيب عن مالك: لا شىء عليه. کتاب الحج ٥٨ ووجه ذلك أنه قد كمل عمرته، ولم يبق عليه منها شىء غير التحلل. مسألة: فإن وطئ قبل أن يحلق، فقد اختلف قول مالك فيه فى رواية ابن المواز عنه، قال مرة: عليه عمرة أخرى. وقال مرة: ليس عليه إلا الهدى. وجه القول الأول أنه لم يوجد منه تحلل فى هذا النسك، فإذا وطئ وجب أن يفسد. أصل ذلك إذا وطئ فى الحج قبل الرمى. ووجه الرواية الثانية أنه وقت لو مس فيه الطيب لم تجب عليه فدية، فإذا وطئ لم تفسد عمرته، وإنما يلزمه الهدى لما وطئ قبل أن يتحلل وبعد تمام فعل العمرة. ووجه الرواية الثالثة أنه وقت لو مس فيه الطيب ولبس المخيط، لم تجب عليه فدیة، فإذا وطئ لم يجب عليه شىء فى العمرة. أصل ذلك ما بعد الحلاق، والله أعلم. الباب السادس هل هو نسك أو تحلل لنا أنه نسك من مناسك الحج، وهو أحد قولى الشافعى، وله قول آخر: أنه مباح بعد الحظر يمنع الإحرام، فإذا زال الإحرام زال تحريمه للحلاق، وتقليم الأظفار، ولبس الثياب. والدليل على أنه نسك يثاب صاحبه على فعله قوله تعالى: «التدخلن المسجد الحرام إن شاء الله﴾ [الفتح: ٢٧] الآية، فوصف دخول المسجد على هذه الصفة فيما وعدهم به، ولو لم يكن نسكًا مقصودًا لما وصف دخولهم به كما لم يصف دخولهم بلبسهم الثياب والتطيب. ووجه ثان أنه كناية عن الحج أو العمرة، ولو لم يكن من النسك لما کنی به عنه. ودليلنا من جهة السنة الحديث المتقدم أنه ﴾ قال: ((رحم الله المحلقين، ثم قال فى الثالثة: والمقصرين)) فلو لم يكن فعلاً يثاب عليه فاعله لما دعا له، والثانى: أنه أظهر تفضيل الحلاق على التقصير، ولو لم يكن نسكًا له فضيلة من عليه ثواب لما كان أفضل من التقصير كما أنه ليس لبس نوع من الثياب أفضل من لبس غير ذلك. ٨٨١ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ أَنْهُ كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ لَيْلا، ٨٨١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٥٧. ......... ٥٩ کتاب الحج وَهُوَ مُعْتَمِرٌ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيُؤَخِّرُ الْحِلاقَ خَتَّى يُصْبِحَ، قَالَ: وَلَكِنَّهُ لا يَعُودُ إِلَى الْبَيْتِ فَيَطُوفُ بِهِ خَتَّى يَحْلِقَ رَأْسَهُ، قَالَ: وَرَّبَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَوْتَرَ فِيهِ وَلا يَقْرَبُّ الْبَيْتَ. الشرح: قوله: ((أنه كان إذا دخل مكة معتمرًا أو طاف وسعى ليلاً أخر الحلاق حتى يصبح)) ووصف ذلك بالتأخير؛ لأن السنة تعجيله، واتصاله بالفراغ من السعى لما فيه من تعجيل سلامة النسك مما عسى أن يدخل عليه من نقص وطء أو غيره، وجاز التأخير لما يتعلق بالوقت من تعذر الحلاق فى الأغلب وقد روى عن مالك فيمن طاف وسعى لعمرته من الليل: فلا بأس أن يؤخر الحلاق إلى الصبح. قال: وتعجيل ذلك أفضل. فصل: وقوله: ((ولكنه لا يعود إلى البيت)) يريد أنه كان لا يطوف بالبيت حتى يتحلل من عمرته بالحلاق؛ لأن من سنة المعتمر أن لا يطوف بالبيت متنفلاً حتى يكمل عمرته، ويتحلل منها بالحلاق. وقد قال مالك فيمن طاف وسعى لعمرته ليلاً فأخر الحلاق حتى يصبح: لا يتنفل بطواف، ولا يدخل البيت، ولا يقربه حتى يحلق. قال أصبغ فى العتبية والموازية: فإن فعل، فلا شيء عليه. قال مالك: ولا يدخل البيت حتى يحلق، فإن فعل، فذلك واسع. وهذا على ما تقدم أن الخلاف منى على وجه الاستحباب، لأن النحر بها والحلاق متصل، وقد شرع تعجيله، وكذلك فعل النبى ﴿لا نحر هديه وحلق رأسه منى بأثر نحر هديه، وأفعاله ﴿﴿ على الوجوب، أو على الندب، فمن نسى حلق رأسه، فذكر ذلك بمنی أیام منی حلق بها. قَالَ مَالِك: إِلْقَاءُ التّفَثُ حِلاقُ الشَّعْرِ وَلُبْسُ الثَّابِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ. قَالَ يَحْبَى: سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ نَسِىَ الْحِلاقَ بِمِنَّى فِى الْحَجِّ مَلْ لَهُ رُخْصَةٌ فِى أَنْ يَحْلِقَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَالْحِلاقُ بِمِنِّى أَحَبُّ إِلَىَّ(١). الشرح: وهذا على نحو ما تقدم أن الحلاق يمنى على وجه الاستحباب لأن النحر بها والحلاق متصل، وقد شرع تعجيله، وكذلك فعل النبى ﴿ نحر هديه وحلق رأسه (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١١١/١٣. كتاب الحج ... ٦٠ بمنى بأثر هديه، وأفعاله ﴿ على الوجوب، أو على الندب، فمن نسى حلق رأسه، فذكر ذلك منی أیام منی حلق بها. قَالَ مَالِك: الأَمْرُ الَّذِى لا اخْتِلافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ أَحَدًّا لا يَحْلِقُ رَأْسَهُ وَلا يَأْخُذُ مِنْ شَعَرِهِ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَلا يَحِلُّ مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتِى يَجِلَّ بِمِنَّى يَوْمَ النّحْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ خَتِى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا على نحو ما تقدم أن أحدًا لا يحلق ولا يأخذ من شعره ممن کان معه هدی حتى ينحر لما قدمناه من أن الحلاق بعد النحر. والأصل فى ذلك ما احتج به مالك من قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ وهذا وإن كان بلفظ البلاغ، فإن معناه النحر؛ لأنه قد قال تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، ومعناه منحور بها بدليل أنه لو مات بها قبل أن ينحر لما أجزا عن جزاء الصيد. فصل: وقوله: ((ولا يحل من شىء حرم عليه حتى يحل يوم النحر بمنى)) يريد أنه لا يكون تحلل من شىء من الإحرام قبل يوم النحر، ولذلك قلنا إنه لا يرمى الجمرة ولا يحلق قبل طلوع الفجر من يوم النحر، وهذا يقتضى أنه لا يفيض قبل طلوع الفجر، وقد تقدم للقاضى أبى الحسن نحو ذلك. التقصير ٨٨٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ مِنْ رَمّضَانَ، وَهُوّ يُرِيدُ الْحَجَّ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْ رَأْسِهِ وَلا مِنْ لِحْتِهِ شَيْئًا حَتَّى يَحُجَّ. قَالَ مَالِك: لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى النّاسِ. الشرح: قوله: ((كان لا يأخذ من رأسه ولحيته شيئًا إذا نوى الحج بعد الفطر من رمضان)) لأنه كان يريد توفير ما يأخذ من ذلك فى حجه عند الحلاق، وإنما ذلك مستحب، ولذلك استحب للمعتمر أن لا يحلق إذا كان بقرب الحج ليوفر شعره ٨٨٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٥٨. الشافعى فى الأم ٢٥٣/٧. کتاب الحج ٦١٠٠ ... للحلاق فى الحج، ولعل عبد الله بن عمر كان يترك ذلك بعد الأخذ منه عند الفطر للتجمل للعيد، ولذلك لم يوقت ترك الأخذ منه بما قبل العيد. فصل: وقول مالك: ((وليس ذلك على الناس)) يريد أنه لا يجب على الناس التزام مثل هذا على وجه الوجوب، ويحتمل أن يريد أنه ليس عليهم على وجه الندب والاستحباب؛ لأنه لم يرد ما يؤيده عند مالك، رحمه الله، ولما فيه من طول التشعث وتقديم الامتناع من الأخذ من الشعر قبل الإحرام بمدة طويلة، والله أعلم. ٨٨٣ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا حَلَقَ فِى حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ. الشرح: قوله: ((أنه كان إذا حلق فى حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه)) يريد أنه كان يقص منهما مع حلق رأسه، وقد استحب ذلك مالك، رحمه الله، لأن الأخذ منهما على وجه لا يغير الخلقة من الجمال والاستئصال لهما مثلة كحلق رأس المرأة، فمنع من استئصاهما أو أن يقع منهما ما يغير الخلقة، ويؤدى إلى المثلة. وأما ما تزايد منها وخرج عن حد الجمال إلى حد التشعث وبقاؤه مثله، فإن أخذه مشروع، فلما كانت من الشعور التى يجوز الأخذ منها تعلق بها حكم النسك على وجه الاستحباب. ٨٨٤ - مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنٍ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلا أَتَى الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: إِنِّى أَفَضْتُ وَأَفَضْتُ مَعِى بِأَهْلِى، ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى شِعْبٍ، فَذَهَبْتُ لأَذْنُوَ مِنْ أَهْلِى، فَقَالَتْ: إِنِّى لَمْ أَقَصِّرْ مِنْ شَعَرِى بَعْدُ، فَأَخَذْتُ مِنْ شَعَرِهَا بِأَسْنَانِى ثُمَّ وَقَعْتُ بِهَا، فَضَحِكَ الْقَاسِمُ، وَقَالَ: مُرْهَا فَلَتَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهَا بِالْحَلَمَيْنِ. قَالَ مَالِك: أَسْتَحِبُّ فِى مِثْلِ هَذَا أَنْ يُهْرِقَ دَمًّا، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَسِىَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَلْيُهْرِقْ دَمًّا(١). ٨٨٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٥٩. الشافعى فى الأم ٢٥٣/٧. المغنى ٤٣٧/٣. المجموع ١٥٦/٨، ١٦٤. ٨٨٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٦٠. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٠١٩٠/٧. المجموع ١٦٤/٨. (١) ذكره البيهقى فى معرفة السنن والآثار ١٠١٩٢/٧. ٦٢ .. كتاب الحج الشرح: قوله: ((إنى أفضت، وأفضت معى بأهلى)) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه توجه للإفاضة وعدل إلى الشعب فى توجهه إلى الإفاضة، ويحتمل أن يكون يريد بقوله: ((أفضت)) طفت طواف الإفاضة، وأنه عدل إلى الشعب لانصرافه من الإفاضة إلى منى، وهو ظاهر اللفظ لقوله: ((أفضت)) وإنما يقتضى الإفاضة الشرعية، وهى طواف الإفاضة. فصل: وقوله: ((فذهبت لأدنو من أهلى، فقالت: إنى لم أقصر بعد)) منعته الدنو منها، ومعناه الجماع، لما لم تكن قصرت بعد، وهذا يقتضى أن من طاف للإفاضة ولم يحلق، فإنه لا يجامع أهله لأنه قد بقى عليه شىء من التحلل لأن الحلاق من التحلل فى اخج. فصل: وقوله: ((فأخذت من شعرها بأسنالى ثم وقعت بها)) يريد أنه رأى ذلك تقصيرًا يبيح منها ما يمنعه عدم التقصير، وضحك القاسم بن محمد رضى الله عنه ما أخبره به عن نفسه من الحرص على الجماع، والتسبب له، وإقامته القص بأسنانه لشىء من شعرها، مقام التقصير اللازم لها حرصًا على بلوغ ما أراده منها. فصل: وقوله: ((مرها، فلتأخذ من شعرها بالجلمين)) يحتمل أمرين، أحدهما: أنه علم أن أخذه من شعرها بأسنانه لا يمكنه استيعاب جميع شعرها بالتقصير، وكان يرى أنه لا يجزئ إلا الاستيعاب، فأمره بأن يقصر بالجلمين؛ لأنهما مما يمكن الاستيعاب بهما. ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن يعتقد أنه لا يجزئ الأخذ من الشعر بالأسنان ولا بغيرها، إلا ما كان من الحديد الذى اعتيد التقصير به، وأما التقصير بالأضراس، فإنه لا يقوم مقام القص بالجلمين. فصل: وقول مالك: ((استحب فى مثل هذا أن يهريق دمًا)) معناه أنه لما أصاب النساء قبل تمام تحلله بالحلاق كان عليه الدم، وأيضًا فإن طوافه للإفاضة قبل الحلاق مما قد اختلف أصحابنا فى إعادته فى وجوب الهدى به، فكيف إذا تحللها الوطء. فصل: وقوله: ((وذلك أن عبد الله بن عباس قال: من نسى من نسكه شيئًا فليهرق دمًا)) احتجاجه على ذلك بقول عبد الله بن عباس يحتمل أن يريد به أنه قول قد قاله غيره، فجاز أن يذهب إليه بوجه من الاجتهاد، ويقتضى ذلك أن النسيان والعمد عنده فى ذلك سواء أو لأنه إذا كان عليه أن يهريق دمًا فى نسيانه مع عذر النسيان، فبأن يكون ذلك عليه فى العمد والجهل أولى، ولما احتج على ذلك بقول ابن عباس: ((من نسی من نسكه شيئا)» اقتضی أن یکون الحلاق عنده نسكاً، وإلا لم يتناوله الدليل. ٦٣٠٠ ... كتاب الحج .. وفى ذلك وجه آخر، وذلك أن ما قاله عبد الله بن عباس يقتضى وجوب الهدى؛ لأن من نسى من نسكه شيئًا كالمبيت بالمزدلفة أو رمى الجمار، فقد وجب عليه الهدى، وإن كان فيها ما يستحب فيه الهدى، لكن لما احتمل قول ابن عباس الوجوب والندب، واشتمل على المعنيين، تعلق به الندب؛ لأنه متناول له. ويجوز أن يكون مالك، رحمه الله، يريد بقوله: ((استحب له)) أنه يستحب إيجابه عليه، ويكون قول من أوجب ذلك أحب إليه من قول من لم يوجبه، فيكون الهدى على هذا القول واجبًا، والله أعلم. ٨٨٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ لَقِىَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ يُقَالُ لَهُ الْمُجَبَّرُ قَدْ أَفَاضَ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، جَهِلَ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى الْبَيْتِ فَيُفِيضَ. الشرح: الرجل الذى يقال له المجبر، هو ابن أخى عبد الله بن عمر، وهو عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، وكان المجبر قد أفاض، ولم يحلق ولم يقصر، جهل أن ذلك كان يلزمه، فأمره عبد الله أن يرجع فيحلق أو يقصر. وهذا يقتضى أن الرجوع إلى موضع الحلاق بمنى، ولو لم يأمره بالرجوع إلى منى، لقال: فأمره أن يحلق ثم يفيض. ولما قال: أمره أن يرجع، فيحلق ثم يرجع إلى البيت فيفيض، فهم منه أنه لقيه بغير منى، ولعله لقيه بين مكة ومنى منصرفًا إلى منى، فأمره أن يتمادى إلى منى، فيحلق ثم يرجع إلى البيت، فيعيد طواف الإفاضة. وقد اختلف فيه، ففى المختصر: يرجع فيحلق ثم يفيض، وقيل ينحر ويحلق، ولا شیء علیه. فإذا قلنا إنه يعيد الإفاضة، فوجهه أنهما تحللان مرتبان، فإذا قدم الآخر منهما وجب الإتيان به، ما لم يفت وقته كالحلاق، ورمى جمرة العقبة. ووجه القول الثانى أنهما معنيان سنا بعد رمى الجمرة، وقبل رمى الجمار، فتقديم أحدهما على الآخر، لا يوجب الإعادة كالحلق والذبح. ٨٨٥ - ذكره البغوى فى شرح السنة ٢١٤/٧. ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٦١. المحلى ١٨١/٧. ... ٦٤ .... کتاب الحج فرع: فإن قلنا يعيد الإفاضة، فإن ذلك على الاستحباب. وفى المختصر: من ترك ذلك، فلا شىء عليه. ووجه ذلك ما قدمناه. وهل عليه هدى أم لا؟ روى ابن المواز عن مالك: إن ذكر فى أيام منى حلق ولا شىء عليه، وإن ذكر بعد منى حلق وأهدى، قال ابن القاسم: إن تباعد ذلك بعد الإفاضة أهدى، وليس لذلك حد، هذا الجواب يصح أن يكون لتأخير الحلاق على القولين جميعًا فى الأمر بإعادة الإفاضة، وعلى القول الثانى، والله أعلم، وقد تقدم ذكره. ٨٨٦ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ دَعَا بِالْتَلَمَيْنِ فَقَصَّ شَارِهُ، وَأَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ وَقَبْلَ أَنْ يُهِلَّ مُحْرِمًا. الشرح: قد روى عن ابن عمر أنه كان يوفر شعر رأسه ولحيته إذا أراد الحج من آخر رمضان، فيحتمل أن يكون سالم بن عبد الله رأى فى ذلك خلاف رأيه، ويحتمل أن يكون سالم إنما كان يفعل ذلك فى العمرة، وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك فى الحج، وحکمهما عندهما مختلف. وأما قص الشارب، فلم يختلفا فيه، وقد روى فى المجموعة عن مالك فى الذى يريد أن يحرم: لا بأس أن يقص شاربه، ويقلم أظفاره، ويتنور عندما يريد أن يحرم. وأما شعر رأسه، فأحب إلى أن يعفى ويوفر للشعث. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والفرق عندى بين الشارب واللحية والرأس، أن الشارب يلحقه الأذى بطوله، ولا يلحق ذلك بطول شعر الرأس، واللحية، والثانى أن توفير اللحية والرأس تشعيث لهما ولا يتشعث الشارب بأن لا يقصر شعره، فلا یفید توفیره شعثًا. فصل: وقوله: ((أنه كان يفعل ذلك قبل أن يركب وقبل أن يهل)) يدل على أن ذلك عنده من جملة التنظيف وتوابع الغسل للإحرام، فيجب أن يعمل بأثر الغسل، فإذا أكمل ذلك کله ر کب، فإذا استوت به راحلته، أحرم. ٨٨٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٦٢. ٠.٠ .. ........... ٦٥ کتاب الحج . التلبيد ٨٨٧ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ ضَّفَرَ رَأْسَهُ، فَلْيَحْلِقْ وَلا تَشَّهُوا بِالتِّلْبِهِ :. ٨٨٨° - مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ عَقَصَ رَأْسَهُ أَوْ ضَفَرَ أَوْ لَبَّدَ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجِلاقُ. الشرح: قوله: ((من صفر)) التضغير أن يضفر شعر رأسه، إذا كان ذا جمة ليمنعه ذلك من الشعث والعقص أن يعقص شعره فى قفاه، إذا كان ذا جمة لئلا يتشعث، والعقد كذلك والتلبيد أن يجعل الصمغ فى الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام ليمنعه ذلك من الشعث، قال ذلك كله ابن حبيب، فأمر عمر بن الخطاب من فعل هذه المعانى التى تمنع الشعث، أن يحلق، ولم یبح له التقصير. وذلك على وجهين، أحدهما: أنه بدل ما تمتعوا به من مباعدة الشعث، والثانى: أنه لا يكاد مع التلبيد أن يتوصل إلى التقصير من جميع الشعر. وقال مالك فى الموازية: من لبد أو عقص أو ضفر أو ربط شعره قبل أن يحرم من الرجال، فلابد من الحلق. مسألة: فإن لبدت المرأة، فقد قال مالك فى الموازية: ليس عليها إلا التقصير. ومعنى ذلك ما قدمناه، من أن المرأة ممنوعة من الحلاق، وهذا يقتضى أن الحلاق للملبد، إنما هو بدل ما فاته من الشعث، وما منع منه التلبيد، ولو كان امتناع التقصير من جميع الشعر لكان حكم المرأة فى ذلك حكم الرجل؛ لأنه لابد لها فى التقصير من جمع شعرها، ولا تتوصل إلى ذلك عندى إلا بعد أن تمتشط ويذهب التلبيد. فصل: وقول عمر رضى الله عنه: ((ولا تشبهوا بالتلبيد)) هكذا رواه أكثر الرواة، أى لا تشبهوا به، فإن من تشبه به وجب عليه ما وجب على الملبد من الحلاق، قاله ابن حبيب. ٨٨٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٦٣. قال فى الاستذكار ١١٩/١٣: قد روى مثل قول ابن عمر هذا عن النبى وله من وجه حسن ويروى فى هذا الحديث: ((تَشبهُوا وَتُشبهوا)) بضم التاء وفتحها، وهو الصحيح بمعنى تتشبه. ومن روى («تشبهوا)) أراد لا تشبهوا عليها فتفعلوا أفعالا تشبه التلبيد الذى من سنة فاعله أن يحلق. ٨٨٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٦٣. ٠٠٦٦ کتاب الحج الصلاة فى البيت وقصر الصلاة وتعجيل الخطبة بعرفة ٨٨٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالُ بْنُ رَبَاحٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِىُّ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَسَأَلْتُ بِلالا حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةٍ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى. الشرح: قوله: ((أن رسول الله 8 دخل هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة البيت)) سنة فى دخول البيت وإغلاقه عليه، دليل على جواز ذلك لمن أبيح له الانفراد فيه للدعاء والذكر والصلاة، ولمن حضرته نية، وإنما جاز ذلك فى البيت بخلاف المساجد؛ لأنه ممنوع منه فقفل عليه؛ لأن مقصوده الطواف به، وذلك إنما يكون فى خارجه وسائر المساجد المقصود منها الصلاة فيها، فليس لأحد أن ينفرد ٨٨٩ - أخرجه البخارى فى الصلاة ٣٨٢، ٤٤٨، ٤٧٤، ٤٧٥، ٤٧٦، الجمعة ١١٠١، الحج ١٤٩٥، ١٤٩٦، الجهاد والسير ٢٧٦٦، المغازى ٤٠٤٩. ومسلم فى الحج ٢٠٤٢، ٢٣٥٨، ٢٣٥٩، ٢٣٦٠، ٣٢٦١، ٣٢٦٢، ٠٢٣٦٣ والترمذى فى الحج ٨٠٠، ٨٧٤. والنسائى فى المساجد ٦٨٥، ٦٩٢، القبلة ٧٤١، ٧٤٩، مناسك الحج ٢٨٤، ٢٨٥٥، ٢٨٥٦، ٢٨٥٧. وأبو داود فى المناسك ١٧٣٠. وابن ماجه فى المناسك ٣٠٥٤، ٣٠٦٣. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٦٥٧، ٤٩٢٩، ٥٦٥٧، ٥٧٤٧، ٥٩٥١، باقى مسند الأنصار ٢٢٧٦٠، ٢٢٧٦٩، ٢٢٧٨٠. والدارمى فى المناسك ١٧٩٢. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٦٦/٦: هكذا رواه جماعة من رواة الموطأ عن مالك، قالوا فيه: عمودا عن يمينه، وعمودين عن يساره، منهم: يحيى بن يحيى النيسابورى وبشر بن عمر الزهرانى؟ وكذلك رواه الربيع عن الشافعى، عن مالك. ورواه عثمان بن عمر عن مالك، فقال فيه: جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره. وروى أبو قلابة عن بشر بن عمر، عن مالك: عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره؛ وكذلك رواه إسحاق بن الطباع، عن مالك، وقد روى ذلك عن ابن مهدى، عن مالك فى هذا الحديث: وجعل عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يساره، كذلك رواه بندار عنه؛ وكذلك رواه الزعفرانى عن الشافعى، عن مالك؛ وكذلك رواه القعنبى وأبو مصعب وابن بكير وابن القاسم ومحمد بن الحسن الفقيه، عن مالك. وروت طائفة من رواة الموطأ عن مالك هذا الحديث، وانتهى حديثهم إلى: ثم صلى. وزاد ابن القاسم فى هذا الحديث عن مالك بإسناده هذا: وجعل بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع. ورواه ابن عفير وابن وهب وابن مهدى عن مالك، كما رواه ابن القاسم، إلا أنهم قالوا: ثلاثة أذرع، ولم يقولوا: نحو. ٦٧ .... کتاب الحج . بذلك فيها فى وقت حاجة الناس إليها. فصل: وقول عبد الله: ((فسألت بلالاً حين خرج)) دليل على حرصه على العلم واقتفائه لآثار النبى ولن﴾ وتحفظه على ما شاهد منها، وسؤاله عما غاب عنه، فقال له بلال: ((جعل عمودًا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى)) وذلك دليل على جواز الصلاة فى البيت. وبهذا قال جمهور الفقهاء؛ لأن لفظ الصلاة إذا أطلق فى الشرع، اقتضى الصلاة المعهودة دون الدعاء، وإن كان اسم الصلاة ينطلق عليه إلا أن عرف الشرع جرى فى استعمال هذه اللفظة على الصلاة التى فيها الركوع والسجود، فوجب حمل هذه اللفظة على ذلك إلا أن يدل دليل على غير ذلك، هكذا روى هذا الحديث مالك وغيره من رواية نافع. ورواية مجاهد، فقال: ((أتى ابن عمر فقيل له: هذا رسول الله ﴿5﴾ دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت والنبى ﴿﴿ قد خرج، وأجد بلالاً قائمًا بين الناس، فسألته، فقلت: صلى ﴿3﴾ فى الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين الساريتين اللتين على يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى فى وجه القبلة ركعتين))(١). ٨٩٠ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنْهُ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ (١) أخرجه البخارى حديث رقم ٣٩٧. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٩٠٧. أحمد فى المسند حدیث رقم ٢٣٣٦٨، ٢٣٣٩٠. ٨٩٠ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج ١٥٥٠. والنسائى فى الصغرى كتاب مناسك الحج ٢٩٥٣، ٢٩٥٧. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٧١/٦: هذا الحديث يخرج فى المسند، لقول عبد الله بن عمر للحجاج: الرواح هذه الساعة إن كنت تريد السنة. ولقول سالم: إن كنت تريد أن تصيب السنة، فأقصر الخطبة، وعجل الصلاة. وقول ابن عمر: صدق. وروى معمر عن الزهري، أنه كان شاهدًا مع سالم وأبيه هذه القصة مع الحجاج. وذكر ذلك عبد الرزاق وغيره، عن معمر، عن الزهرى، وذلك عند أهل العلم وهم من معمر. وقال يحيى بن معين: وهم فى ذلك معمر وابن شهاب لم ير ابن عمر ولا سمع منه شيئا. وقال أحمد بن عبد الله بن صالح: قد روى الزهرى عن عبد الله بن عمر نحو ثلاثة أحاديث. وقال: هذا مما لا يصححه أحد سماعا، وليس لابن شهاب سماع من ابن عمر، غير حديث معمر هذا، إن صح عنه. وأما محمد بن يحيى الذهلى النيسابورى، فقال: ممكن أن يكون الزهرى قد شاهد ابن عمر مع سالم فى قصة الحجاج، واحتج برواية معمر، وفيها: فركب هو وسالم وأنا معهما حين زاغت الشمس، وفيها= .. كتاب الحج .. ٦٨ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ أَنْ لا تُخَالِفَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ فِى شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَّفَةَ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَأَنَا مَعَهُ، فَصَاحَ بِهِ عِنْدَ سُرَادِقِهِ أَيْنَ هَذَا؟ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ وَعَلَيْهِ ◌ِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَّةٌ، فَقَالَ: مَا لَّكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُنّةَ؟ فَقَالَ: أَهَذِهِ السَّاعَةً قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْظِرْنِى حَتَّى أُفِيضَ عَلَىَّ مَاءً ثُمَّ أَخْرَجَ، فَنْزَلَ عَبْدُ اللّهِ حَتَى خَرَجَ الْحَجَّجُ، فَسَارَ بَيْنِى وَبَيْنَ أَبِى، فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنّةَ الْيَوْمَ، فَاقْصُرِ الْخُطْبَةِ وَعَجِّلِ الصَّلاةَ؟ قَالَ: فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْمَا يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: صَدَقَ سَائِمٌ. الشرح: قول عبد الملك للحجاج: ((لا تخالف ابن عمر فى أمر الحج)) إقرار بدينه وعلمه، وأنه القدوة فى زمانه الذى يجب أن يقتدى به أهل وقته. ((ومضى عبد الله إلى الحجاج حين زالت الشمس يوم عرفة)) مسارعة إلى الخير ومعونة عليه وحرصًا لى إثبات ما عنده من العلم، ونشره وانتفاع الناس به وتوجهه إليه حين زالت الشمس، هو السنة، لما يلزم من تعجيل الصلاة ذلك اليوم. وقد ذكر جابر بن عبد الله من حديث النبى 18 فى الحج ((حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصوى، فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادى، فخطب الناس))(١) وذكر الحدیث. فالسنة تعجيل الصلاة فى ذلك اليوم ليتعجل الوقوف. وقد قال ابن حبيب: يبدأ بالخطبة إذا زالت الشمس أو قبل الزوال بيسير، قدر ما يفرغ من الخطبة، وقد زالت الشمس. قال الشيخ أبو محمد: وفى قول ابن حبيب هذا نظر، وقد قال أشهب فى كتابه: إذا خطب قبل الزوال، لم يجزه، وليعد الخطبة، إلا أن يكون قد صلى الظهر يريد بعد الزوال، فتجزئه. -قال الزهرى: وكنت يومئذ صائمًا، فلقيت من الحر شدة. قال محمد بن يحيى: وقد روى ابن وهب عن عبد الله العمری عن ابن شهاب حو روایة معمر فی حدیثه، انتھی باختصار. (١) أخرجه مسلم حديث رقم ١٢١٨. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٦٠٤، ٦٥٥. أبو داود حديث رقم ١٢٧٧. ابن ماجه حديث رقم ٣٠٧٤. الدارمى حديث رقم ١٨٥٠. ٦٩ ... کتاب الحج. وهذا التأويل من الشيخ أبى محمد فيه نظر؛ لأنه قد عاد فيه إلى ما أنكره على ابن حبيب. وقوله: إلا أن يكون قد صلى الظهر، إنما يريد أشهب، أنه لا يعيد الخطبة بعد الصلاة لأنه قد فات وقتها، وهى نافلة. وأما الصلاة فقد علم أنها لا ترجى قبل الزوال، فلا معنى لاشتراط ذلك فیها. والذى يتحقق من الخلاف بين ابن حبيب وأشهب أن ابن حبيب يرى أن يؤتى بالخطبة قبل الزوال وأشهب يمنع من ذلك، ويرى إعادتها لمن فعل ذلك إلا أن يفوت بفعل الصلاة، والصلاة لا تكون إلا بعد الزوال على كل حال، وإنما جاز ذلك لأن الخطبة ليست للصلاة، وإنما هى تعليم للحاج، ولذلك لم يغير حكم الصلاة فى الجهر، ولم يتقدم الأذان عليها، فلم يكن من شرطها أن يكون وقتها وقت الصلاة، وإنما من حكمها ذلك لما شرع من اتصالها بالصلاة، والله أعلم. فصل: ولعل عبد الله بن عمر، إنما صاح عند سرادقه ليكون أسرع لخروجه من إدخال الأذن عليه، وهذا كله لما أراد من الإسراع، وتعجيل الوقوف، وخروج الحجاج، وعليه ملحفة معصفرة، يحتمل أن تكون غير مقدمة، وإن كان المطبوع كله مكروهًا للأئمة، لكن ليس الحجاج ممن يقتدى به فى ذلك، فيغتر بذلك من رآه يلبس المصبوغ. فصل: وقوله: ((الرواح إن كنت تريد السنة)) يقتضى أنه بعد الزوال إلا أنه أعلمه أن السنة التعجيل. وقول الحجاج: ((أهذه الساعة؟)) دليل على أنه كان يعتقد تأخير الصلاة والوقوف عن ذلك الوقت حتى أعلمه عبد الله بن عمر أن السنة التعجيل فى ذلك الوقت، فلما قال له الحجاج: ((أنظرنى حتى أفيض علىَّ ماء)) وكان الغسل فى ذلك اليوم مشروعًا لاسيما لمن يؤم بالناس، انتظره رفقًا به وعونًا على الطاعة. فصل: وقول سالم: ((وسار بينى وبين أبى)) يحتمل أن يكونوا على رواحلهم؛ لأن السنة الركوب فى ذلك الموطن لمن كانت له راحلة وحج راكبًا كما فعل النبي ﴿ 4﴾. وقد تقدم ذكره من حديث جابر. وقول سالم له: ((إن كنت تريد السنة اليوم» الظاهر أنها سنة النبى ﴿3﴾، وبتصديق عبد الله بن عمر له يدخل فى المسند. فصل: وقوله: ((فاقصر الخطبة، وعجل الوقوف)) أصحابنا العراقيون يطلقون أنه لا کتاب الحج ٧٠ ............. يخطب الإمام يوم عرفة، ومعنى ذلك أنه ليس لما يأتى به من الخطبة تعلق كخطبة الجمعة، ولا يغير حكم الصلاة فينقلها إلى القصر والجهر، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: يخطب الإمام يوم عرفة، وكذلك يقول جميع أصحابنا المغاربة والمدنيون، يقولون: يخطب الإمام، إلا أنهم لا يجعلون للخطبة حكم الخطبة للصلاة فيما نذكره، وإنما يجعلون لها حكم التعليم ولا يبعد أن يكون ابن حبيب إنما قال: يخطب بعرفة قبل الزوال؛ لأنها ليست للصلاة، ولو كانت للصلاة لوجب أن يشتركا فى الوقت. وقد قال مالك: كل صلاة يخطب لها، فإنه يجهر فيها بالقراءة، فقيل له: فعرفة يخطب فيها، ولا يجهر لها بالقراءة، فقال: إنما تلك للتعليم، ومما يبين أنها ليست للصلاة أن المؤذن لا يؤذن إلا بعد الخطبة، ولو كانت الخطبة للصلاة لوجب أن يؤذن فى أول الخطبة كالجمعة. مسألة: ومن حكم هذه السنة أن يخطب خطبتين، يجلس بينهما. قال ابن المواز: وخطب الحج ثلاث، أولهن: قبل يوم التروية بيوم بعد صلاة الظهر فى المسجد الحرام، وقيل: قبل الزوال، والأول قولنا، وهى لا يجلس فى وسطها، يعلم الناس مناسكهم وخروجهم إلى منى، وصلاتهم بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح يوم عرفة وغدرهم منها، وغير ذلك. والخطبة الثانية: بعرفة يجلس بينها، وهى تعليم الناس ما بقى من مناسكهم من صلاتهم بعرفة، ووقوفهم بها، ودفعهم ومبيتهم بمزدلفة وصلاتهم بها، ووقوفهم بالمشعر الحرام والدفع منه، ورمى جمرة العقبة والحلق والنحر والإفاضة. والخطبة الثالثة: بعد يوم النحر بيوم، وهو أول أيام الرمى، وهى خطبة واحدة لا يجلس فيها، وهى بعد الظهر يعلم الناس الرمى وأوقاته، وكيف هو ويوم كفرهم، وما لهم من التعجيل فى يومين وتعجيل الإفاضة والسعى فى تأخيرها والبيتوتة بمنى ليالى منى، ولا يجهر بالقراءة فى صلاته فى شىء من هذه الخطب. قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وتفتح هذه الخطب الثلاث بالتكبير كالأعياد، ويكبر فى خلال كل خطبة ويجلس فى وسطها بين كل خطبتين. مسألة: ومتى يؤذن للظهر؟ قال ابن حبيب: يؤذن للظهر إذا جلس الإمام بين الخطبتين. وفى العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك: يؤذن يوم عرفة، والإمام يخطب. کتاب الحج ٧١٠٠٠ .... وفى المدونة إذا فرغ الإمام من خطبته، قعد على المنبر، وأذن المؤذن، فإن فرغ من أذانه قام فنزل الإمام، فصلی بالناس. فرع: ويؤذن لصلاة الظهر، ويقام لها، وأما صلاة العصر، فقال أبو القاسم فى المدونة: يؤذن لها ويقام لها. وقال ابن الماجشون: لا يؤذن للعصر، ويقال لها. وجه قول ابن القاسم أنهما صلاتا فرض يجمع بينهما، فكان لكل واحدة منهما أذان وإقامة كالصلاتين يجمعان فى السفر أو المطر. الصلاة بمنى يوم التروية والجمعة بمنى وعرفة ٨٩١ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ بِمِنِّى ثُمَّ يَغْدُو إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِلَى عَرَفَةَ. الشرح: قوله: ((أنه كان يصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى)) يريد أنه كان يخرج من مكة يوم التروية، وهو يوم منى، وهو الثامن من العشر. قال ابن حبيب: إذا مالت الشمس من يوم التروية، فطف بالبيت سبعًا، واركع، واخرج إلى منی، فإن خرجت قبل ذلك، فلا حرج. وروى ابن المواز عن مالك: يخرج من مكة يوم التروية قدر ما يصلون بها الظهر، فإذا وصل إلى منى صلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم يبيت بها إلى أن يصبح، فيصلى الصبح، وكذلك فعل النبى ﴿﴿ وأفعاله فى القرب على الوجوب أو الندب، فإذا دل دليل على انتفاء الوجوب، فهى على الندب. مسألة: وكره مالك المقام بمكة يوم التروية حتى يمسى إلا أن يدركه وقت الجمعة بمكة يوم التروية من مكى أو غيره. قال فى باب آخر: فمن أقام بها أربعة أيام، فعليهم أن يصلوا الجمعة قبل أن يخرجوا. قال ابن القاسم: معناه أنه ممن يلزمه إتمام الصلاة. قال أصبغ: فأما المسافر، فإن شاء خرج، وإن شاء صلى الجمعة، وأخر إلى أن يصلى لفضيلة المسجد الحرام. قال محمد: وأحب إلىّ خروجه إلى منى ليدرك بها الظهر والعصر، وإنما تكلم مالك عمن لم يفعل حتى أخذه الوقت. ٨٩١ - أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ١١٢/٥. ومعرفة السنن والآثار ١٠٠٥٦/٧. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٦٧. ٧٢ كتاب الحج فصل: وقوله: ((ثم يغدو إذا طلعت الشمس إلى عرفة)) هو السنة. وقد روى ابن المواز عن مالك: يغدو الإمام والناس إذا طلعت الشمس إلى عرفة إلا من كان ضعيفًا أو بدابته علة، فلا بأس أن يغدو قبل طلوع الشمس، وذلك كله لما قدمناه من الاقتداء بفعل النبى قال ابن حبيب: ومن غدا من منى إلى عرفة قبل طلوع الشمس، فلا يجلوز محسر حتى تطلع الشمس على ثبير ومعنى ذلك أن ما قبل بطن خسر فى حكم منى، فلا يكون غاديًا إلى عرفة إلا بخروجه من منى إلى بطن محسر بعد طلوع الشمس. قَالَ مَالِك: وَالأَمْرُ الَّذِى لا اخْتِلافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الإِمَّامَ لا يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فِى الظُّهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ يَخْطُبُ النّسَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَنَّ الصَّلاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ إِنْمَا هِىَ ظُهْرٌ، وَإِنْ وَافَقَتِ الْجُمُعَةَ، فَإِنَّمَا هِىَ ظُهْرٌ، وَلَكِنْهَا قَصُرَتْ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ. قَالَ مَالِك فِى إِمَامِ الْحَاجِّ إِذَا وَفَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةً أَوْ يَوْمَ الْنّحْرِ أَوْ بَعْضَ أَّمِ التّشْرِيقِ: إِنّهُ لا يُحَمِّعُ فِى شَىْءٍ مِنْ تِلْكَ الأَيَّامِ. قوله: ((أن الإمام لا يجهر بالقرآن فى الظهر من يوم عرفة)) لأنها ظهر، وذلك أن الخطبة لا تأثير لها فيها لما قدمناه، وإذا وافق، فإنها ظهر أيضًا، وإنما تقصر للسفر، وليست بصلاة جمعة لأن عرفة ليست موضع تجميع؛ لأن التجميع لا يكون إلا بموضع استيطان وإقامة، وعرفة ليست بدار قرار، ولا بدار استيطان، ولا إقامة، فلا تجمع فيها، وأيضًا فإنه ليس فيها قرية، وهى شرط فى صحة الجمعة. فصل: وإذا وافق يوم الجمعة يوم عرفة أو يوم النحر أو بعض أيام التشريق، لم يجمع فى شىء من ذلك، أما فى عرفة، فلما قدمناه، وأما منى، فإنها وإن كانت قرية مبنية، فليست بدار استيطان ولا إقامة، ولا لها أهل يستوطنونها، وإنما يسكنها الناس أيام منى خاصة، وما كان بهذه المثابة، فلا يجوز أن يجمع فيها، ولو سكنت واستوطنت لكان حكمها حكم سائر البلاد فى التجميع، والله أعلم. * صلاة المزدلفة ٨٩٢ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرٌ ٨٩٢ - أخرجه البخارى فى الجمعة ١٠٢٩، الحج ١٥٦١. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها= ٧٣ ...... کتاب الحج .. أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ه صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُؤْدَلِفَةِ حَمِيعًا. الشرح: قوله: ((أنه ﴿ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا)) يحتمل من جهة اللفظ أنه صلى كل واحدة منهما بالمزدلفة، وإن كان صلى كل واحدة منهما منفردة، ويحتمل أن يكون جمع بينهما، وهو الأظهر؛ لأنه يقتضى الأمرين جميعًا الجمع بينهما بالمزدلفة، والجمع بينهما على سنة الجمع. ٨٩٣ - مَالِك، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةً ابْنِ زَيْدٍ أَنّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأْ، فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَّالَ: ((الصَّلاةُ أَمَامَكَ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُرْدَلِفَةٌ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِى مَنْزِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. = ١١٤١، الحج ٢٢٦٧. والترمذى فى الحج ٨١٣. والنسائى فى ٦٠٢: ٦٠٤، مناسك الحج ٢٩٧٦: ٢٩٨٦. وأبو داود فى المناسك ١٦٤٥: ١٦٤٩. وابن ماجه فى المناسك ٣٠١٢. وأحمد فى مسند المكثرين من الصحابة ٤٢٤٢، ٤٩٣٩، ٥٨١٠، ٦١١١، ٦١٨٤. والدارمى فى الصلاة ١٤٧٩، المناسك ١٨٠٨. والطحاوى فى معانى الآثار ٢١٢/٢. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٨١/٦: هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك، فيما علمت إلا محمد ابن عمرو الغزى، فإنه ذكر فيه الظهر والعصر بعرفة، وزاد ألفاظا ليست فى الموطأ عند أحد الرواة. ٨٩٣ - أخرجه البخارى فى الوضوء ١٣٦. ومسلم فى الحج ٢٢٤٥. والنسائى فى المواقيت ٦٠٥، مناسك الحج ٢٩٧٢، ٢٨٧٣، ٣٠٢٨، ٣٠٩٢، ٣٠٣٠. وأبو داود فى المناسك ١٦٤١، ١٦٤٤. وابن ماجه فى المناسك ٣٠١٠. وأحمد فى مسند الأنصار ٢٠٧٤، ٢٠٧٦١، ٢٠٨٠٤، ٢٠٨٢٠. والدارمى فى المناسك ١٨٠٦. والطحاوى معانى الآثار عن أسامة ٢١٤/٢. والبيهقى بالسنن الكبرى ٨٣/١ عن أسامة. والبغوى بشرح السنة ١٦٧/٧ ٠ من أسامة. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٩٢/٦: هكذا رواه جماعة الحفاظ الأثبات من رواة الموطأ عن مالك، فيما علمت، إلا أشهب، وابن الماجشون، فإنهما روياه عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد. والصحيح إسقاط ابن عباس من هذه الرواية، انتھی باختصار. .· كتاب الحج ٧٤ الشرح: قوله: ((دفع رسول الله ﴿ من عرفة)) قد تقدم أن دفعه كان بعد غروب الشمس. وقد قال ابن حبيب: وإذا دفع الإمام من عرفة، فارفع يديك إلى الله سبحانه وتعالى، وادفع وعليك السكينة والوقار، وإن كنت راجلاً فامش الهوينا، ولا تنسل، وإن كنت راكبًا، فاعنق ولا تهرول، ولا بأس إذا وجدت فجوة أن تحرك شيئًا. والأصل فى ذلك حديث أسامة بن زيد المتقدم، أن رسول الله # كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة، نص. مسألة: ويستحب أن يأخذ فى طريقه من عرفة إلى المزدلفة بين المأزمين، رواه ابن المواز وابن حبيب عن مالك، قال: فإن أخذ من غير ذلك الطريق، فلا شيء عليه؛ لأنه لیس فيه إخلال النسك. فصل: وقوله: ((حتى إذا كان بالشعب، نزل، فبال)) ليس النزول بالشعب بسنة ولا مشروع؛ لأنه ليس من جنس العبادات. قال ابن حبيب: لم ينزل النبى $$$ بين عرفات وجمع إلا ليهريق الماء. وقال عكرمة: الشعب التى كانت الأمراء تنزله، اتخذه رسول الله ﴿﴿ مبالاً، واتخذتموه مصلی. فصل: وقوله: ((فتوضأ ولم يسبغ الوضوء)) يريد بقوله: ((توضأ)) الاستنجاء من البول، ويريد بقوله: ((لم يسبغ الوضوء)) وضوء الحدث، ولذلك قال أسامة: ((الصلاة يا رسول الله)) تذكرة له لما رأى من تركه الاستعداد لها بالوضوء، ويحتمل أن يريد بقوله: ((فتوضأ)) وضوء الحدث، وأراد بقوله: ((ولم يسبغ الوضوء)) لم يبالغ فيه مبالغته إذا أراد الصلاة به. وقد روى هذا المعنى فى الحديث، فيكون وضوء ذلك وضوءًا آخر ليكون على طهارة، والله أعلم. فصل: وقوله ﴿﴾: ((الصلاة أمامك)) يقتضى أن ذلك ليس بوقت الصلاة، وأن ذلك ليس بموضع للصلاة، أو أن الأمرين جميعًا، قد اتفقا هنالك، وذلك أن من وقف بعرفة لا يخلو أن يقف بها مع الإمام أو بأثر دفع الإمام، فمن وقف مع الإمام ودفع بدفعه، فقد قال مالك: لا يصلى حتى يأتى المزدلفة فيجمع بينهما، واستدل على ذلك بقوله ﴾: ((الصلاة أمامك)). فصل: فمن صلى قبل أن يأتى المزدلفة دون عذر، فقد قال ابن حبيب: يعيد متى علم بمنزلة من صلى قبل الزوال لقول رسول الله : ((الصلاة أمامك)) وبه قال أبو