Indexed OCR Text

Pages 1501-1520

کتاب الحج
٠٥٠٢
فوجه الدليل أن النبى ﴿ بعد طواف نسكه ركعتين، وأفعاله على الوجوب لاسيما
وقد نبه على أن ما فعله امتثالاً لقوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾
[البقرة: ١٢٥] وهذا أمر، وأمره على الوجوب.
ومن جهة القياس أن الطواف ركن من أركان الحج له تابع، فوجب أن يكون تابعه
واجبًا كالوقوف بعرفة، فإن الذى يتبعه الوقوف بالمزدلفة.
مسألة: فإن ترك حاج أو معتمر الركعتين أعاد الطواف ثم أتى بهما عقيب
الطواف، وسعى لأن ذلك من سنتها مع التمكن منه. وفى المدنية عن ابن القاسم:
يركعهما، ولا يعيد الطواف، ولا شىء عليه، ولو أعاد الطواف كان أحب إلى. وفى
غيرها عن ابن القاسم فيمن طاف ولم يركع: ولا يعيد الطواف ولا السعى.
فرع: فإن قلنا يلزمه إعادة الطواف لاتصال الركعتين به، فإن فات ذلك بالبعد عن
مكة ركعهما وأهدى، وذلك أن حكمهما وسنتهما أن يكونا عقيب الطواف، وذلك
أيضًا من تمام فضيلة الطواف، فإذا فاته ذلك أتى بهما على كل حال لأنهما لا يتعلقان
بوقت مخصوص، وكان عليه الهدى لنقص التفريق بين الطواف والركعتين الواجبتين.
فصل: وقوله: ((فربما صلى عند المقام)) المقام حجر اسماعيل، قال مالك فى العتبية:
سمعت بعض أهل العلم يقولون: إن إبراهيم قام هذا المقام، فيزعمون أن ذلك أثر
مقامه، فأوحى الله إلى الجبال أن تفرجى عنه حتى يرى المناسك.
فصل: وقوله: ((فربما صلى عند المقام وعند غيره)) يريد أنه كان يرى ركعتى
الطواف عند المقام، وفى غيره من الأماكن فى المسجد مجزئتين، وأنه كان يفعل
الأمرين، وذلك كله جائز إلا أنه يستحب أن تكون ركعتا الطواف الواجب خلف
المقام اقتداء بالنبى ﴿﴾ لاسيما وقد قرأ عند صلاته خلف المقام بركعتى الطواف:
﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] فالظاهر أنه مراد بالآية، وهذا أمر
وليس فى الصلوات ما يختص بمقام إبراهيم غير ركعتى الطواف، والله أعلم.
وسُئِلَ مَالِك عَنِ الطَّوَافِ إِنْ كَانَ أَخَفَّ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ، فَيَقْرُنَ بَيْنَ
الأسْبُوعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ يَرْكَعُ مَا عَلَيْهِ مِنْ رُكُوعٍ ◌ِلْكَ السُّبُوعِ؟ قَالَ: لَا يَنبَغِى ذَلِكَ،
وَإِنْمَا السَِّّةُ أَنْ يُنْبِعَ كُلَّ سُبْعٍ رَكْعَتَيْنٍ(١).
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٦١/١٢.

............. ٥٠٣
كتاب الحج .
الشرح: وهذا كما قال أن السنة للطائف أن يصلى عقيب كل سبع من الطواف
ركعتيه، ولا يفرق بين سبعين، لا يركع بينهما ركعتى الطواف الأول، وإن فعل
الأسبوعين، ولم يركع بينهما، فغير جائز، وجوز ذلك الشافعى.
والدليل على ما نقوله أن هذين نسكان لا يتداخلان، فلم يجز أن يشرع فى أفعال
ثان منهما قبل تمام الأول كالعمرتين. ودليل آخر أن هذين طوافان، فلم يشرع فى ثان
منھما قبل تمام ر کوع الأول كما لو كانا فى حجتين أو عمرتين.
قَالَ مَالِك فِى الرَّجُلِ يَدْخُلُ فِى الطَّوَافِ فَيَسْهُو حَتَّى يَطُوفَ ثَمَانِيَةَ أَوْ تِسْعَةً
أَطْوَافٍ قَالَ: يَقْطَعُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ زَادَ ثُمَّ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنٍ وَلا يَعْتَدُّ بِالَّذِى كَانَ زَادَ،
وَلَا يَنبَغِى لَهُ أَنْ يَبْنِىَ عَلَى النِّسْعَةِ حَتَّى يُصَلّىَ سُبْعَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ السُّنّةَ فِى الطّوَافِ
أَنْ يُتْبِعَ كُلَّ سُبْعٍ رَكْعَيْنٍ(١).
الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن من سعى فى طوافه، فبلغ ثمانية أطواف أو تسعة
أو أكثر من ذلك ثم ذكر، ولم يكن قصد أن يفرق بين كل سبعين، فإنه يقطع ويركع
ركعتين للسبع الكوامل، ويلغى ما زاد عليه ولا يعتد به إن أراد أن يطوف أسبوعًا
آخر، ولیبتدئه من أوله فیطوف سبعًا ثم یر کع، وهذا حکم العامد فى ذلك، فإن أكمل
السبوعين عامدًا أو ناسيًا صلى لكل واحد منهما ركعتين لأن الأسبوع الثانى مختلف
فيه، فأمرناه بالركوع مراعاة للاختلاف. هذا هو المشهور من قول مالك.
وقال ابن كنانة فى المدنية: وروى عيسى عن ابن القاسم يصلى ركعتين فقط،
واختار عيسى القول الأول.
وجه قول ابن القاسم أنه لما كان حكم كل أسبوع أن يعقبه ركعتاه وحال بين
الأسبوع الأول وركعتيه الأسبوع الثانى، بطل حكمه، فصلى ركعتين للأسبوع الثانى.
قَالَ مَالِك: وَمَنْ شَكَّ فِى طَوَافِهِ بَعْدَمَا يَرْكَعُ رَكْعَتَّىِ الطّوَافٍ فَلْيُعُدْ، فَلْيَتَمِّمْ
طَوَافَهُ عَلَى الْيَقِينِ ثُمَّ ◌ِيُعِدِ الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ لا صَلاةَ لِطَوَافٍ إِلا بَعْدَ إِكْمَالِ السُّبْعِ(٢).
الشرح: وهذا كما قال أن من شك بعد أن ركع لطوافه فى إتمامه طوافه، فلا يعلم
إن كان كمل السبع سبعًا أو إنما طاف ستًا أو خمسًا، فإنه لا يجزئه ذلك الطواف لأن
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٦١/١٢.
(٢) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٦١/١٢.

كتاب الحج
٥٠٤
الطواف لا يكون أقل من سبعة أطواف متيقنة، فعليه أن يرجع ويبنى على ما تيقن من
طوافه لقرب المدة لأنه إنما ذكر ذلك بأثر سلامه من الركعتين، فإن تيقن خمسة طاف
شوطين، وإن تيقن ستة طاف واحدًا ثم يعيد الركعتين؛ لأن حكمهما أن يصليا بعد تمام
الأسبوع.
مسألة: ولا يجزئ أكثر الطواف عن جمیعه، ولا بد من تمام عدده وپرجع له من بلده،
وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة لزمه إتمامه وإن كان قد رجع جبره
بالدم.
والدليل على ما نقوله حديث جابر بن عبدالله أن رسول الله ﴾ طاف بالبيت سبعًا
رمل ثلاثًا ومشى أربعًا، وأفعاله ﴿﴿ على الوجوب وقد قال ﴿3﴾: ((خذوا عنى
مناسككم))(١) والأخذ عنه أن يفعل كما يفعل. ودليلنا من جهة القياس أن هذه عبادة لا
يجبر أكثرها بالدم، فلم يجبر أقلها كالصوم والصلاة.
قال مالك: وَمَنْ أَصَابَهُ شَىْءٌ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَوْ يَسْعَى بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْ بَيْنَ ذَلِكَ، فَإِنّهُ مَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ طَافَ بَعْضَ الطّوَافِ أَوْ
كُلُّهُ، وَلَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَّىِ الطّوَافَِ، فَإِنّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَسْتَأْتِفُ الطّوَافَ وَالرَّكْعَتَيْنِ، وَأَمَّا
السَّعْىُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرَوَةِ فَإِنَّهُ لا يَقْطَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَا أَصَابَهُ مِنِ انْتِقَاضٍ وُضُوئِهِ،
وَلَا يَدْخُلُ السَّعْىَ إِلا وَهُوَ طَّاهِرٌ بِوُضُوءٍ(٢).
الشرح: وهذا كما قال أن من انتقض وضوؤه فى طوافه لزمه قطع طوافه، وأن
يتوضأ ويستانف الطواف من أوله.
وفى هذا الفصل بابان، أحدهما: أن من شرط الطواف الطهارة. والثانى: أن من
شرطه الاتصال.
*
الباب الأول فى الطهارة للطواف
اعلم أن الطواف عندنا من شرطه الطهارة، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة:
الطهارة واجبة له وليست من شرطه.
(١) أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٢٩٧). النسائى حديث رقم (٣٠٦٢). أبو داود
حديث رقم (١٩٧٠). أحمد فى المسند حديث رقم (١٤٠١٠).
(٢) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٦٢/١٢.

.... ٥٠٥
کتاب الحج
والدليل على ما نقوله ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: أول شىء بدأ به
رسول الله ﴿﴿ حين قدم من مكة أن توضأ ثم طاف، وأفعاله ﴿ عندنا على الوجوب.
ودليلنا من جهة القياس أن هذه عبادة لها تعلق بالبيت، فوجب أن يكون من
شرطها الطهارة كالصلاة.
مسألة: فإذا قلنا إن من شرطه الطهارة، فإنه إن طاف للإفاضة على غير طهارة، فهو
كمن لم يطف ويعيد أبدًا، ويرجع له من بلده. وأما طواف الورود، فقد يسقط
بالأعذار، وربما ناب عنه الدم بعد الفوات.
الباب الثانى فى اتصال الطواف
من شرط الطواف الاتصال، فلا يجوز تفريقه لأنها عبادة يبطلها الحدث، فكانت
الموالاة شرطًا فى صحتها كالصلاة والوضوء.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن التفريق على ضربين بالحدث أو بالعمل، فأما الحدث،
فإنه يمنع البناء ويمنع الركوع بعد الطواف لمن أحدث بعد تمامه ويلزمه فى الواجب أن
يتوضأ ويبتدئ الطواف، وهو فى النفل بالخيار إذا غلبه الحدث بين أن يتوضأ أو يترك،
ولا شىء علیه.
وأما العمل، فإن كثيره يمنع البناء كالخروج لنفقة ذكرها فى بيته أو ما أشبه ذلك،
وأما اليسير لغير عذر، فإنه مكروه، ولا يمنع البناء كالوقوف اليسير للحديث أو شرب
الماء لمن يغلبه العطش.
مسألة: وأما الخروج للصلاة، فإن الخروج للمكتوبة لا يمنع البناء. قال الشيخ أبو
بكر: لأن الطواف صلاة، ولا يجوز لمن فى المسجد أن يصلى بغير صلاة الإمام المؤتم به
إذا كان يصلى المكتوبة؛ لأن فى ذلك خلافًا عليه. وأما الخروج لصلاة الجنازة، فقال
ابن القاسم: يمنع البناء. وقال أشهب: لا يمنع ذلك.
وجه قول ابن القاسم أنه خرج من طوافه لغير صلاة تجب عليه، ويخاف فواتها،
فكان عليه ابتداء طوافه. أصل ذلك إذا خرج لطلب نفقة. ووجه قول أشهب أنه خرج
من طوافه لصلاة يخاف فوات فضلها، فكان له أن يبنى. أصل ذلك إذا خرج لصلاة
الجماعة.

کتاب الحج
٠٥٠٦
فصل: قوله: ((وأما السعى بين الصفا والمروة، فإنه لا يقطع عليه ما أصابه من
انتقاض وضوء)»، وذلك يقتضى معنيين، أحدهما: أنه ليس من شرط السعى الطهارة،
لأنها عبادة لا تعلق لها بالبيت كالجمار.
والثانى: أن الحدث فى أثناء السعى لا يمنع البناء على ما مضى منه، فمن أحدث فى
أثناء سعيه، فالأفضل له أن يخرج، فيتطهر لحدثه ذلك ثم يرجع فيبنى على ما تقدم منه،
ولو تمادى محدثًا لأجزاه.
فصل: وقوله: ((ولا يدخل السعى إلا وهو طاهر بوضوء)» يريد أن الوضوء مشروع
فيه لمن أمكنه الطهارة، وإن لم تكن شرطًا فى صحته، فأما الحائض التى لا تقدر على
إزالة حدثها فليس ذلك عليها.
الصلاة بعد الصبح والعصر فى الطواف
٨٠٩ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ
الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِىَّ أَخْبُرَهُ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بَعْدَ صَلاةِ
الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى عُمَرُ طَوَاقَهُ نَظَرَ فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ طَلَعَتْ، فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاعٌ بِذِى
طُرِّى فَصَلَّى رَكْعَتْنِ سُنّةَ الطَّوَافِ.
الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب لما قضى طوافه بعد الصبح نظر الشمس، فلما
لم يرها طلعت ركب حتى صلى الركعتين بذى طوى)) يقتضى امتناعه من الصلاة لما لم
تطلع الشمس واستجازته تأخير الركوع لذلك حتى طلعت الشمس بذى طوى
فصلاهما.
وفى ذلك ثلاثة أبواب، أحدها: أن الطواف بعد العصر والصبح غير ممنوع،
والثانى: أن الركوع له فى ذينك الوقتين ممنوع، والثالث: أن من حكم الركعتين
الاتصال بالطواف إلا أن يمنع من ذلك مانع.
٨٠٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٨٩. البيهقى فى السنن الكبرى ٩١/٥. شرح
معانى الآثار ١٨٧/٢. المجموع ٦٥/٨. المغنى ٣٨٣/٣.

٥٠٧٠٠
كتاب الحج .
الباب الأول فى أن الطواف بعد العصر والصبح غير ممنوع
جواز الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، لا نعلم فيه خلافًا. وقد سئل
مالك عن الطواف الواجب بعد العصر، فقال: لا بأس بذلك، ويؤخر الركوع حتى
تغرب الشمس.
والدليل على ما نقوله أن هذه عبادة أبيح فيها النطق، فجاز أداؤها بعد صلاة الصبح
والعصر. أصل ذلك الطهارة.
ووجه ثان أن كل عبادة ليس لأداء فرضها وقت معين، فإنه لا يمنع نفلها لوقت.
أصل ذلك الطهارة عكس الصلاة والصيام، وهذا حكم الجواز. وأما النفل فإن يكون
بعد طلوع الشمس وبعد غروبها ليتصل الركوع بالطواف.
*
*
الباب الثانى فى منع نفل الصلاة بعد العصر والصبح
تقدم أن الركوع للطواف الواجب وغيره ممنوع بعد العصر، وهو مذهب مالك
وأبى حنيفة. وقال الشافعى: ذلك مباح. ودليلنا ما قدمناه قبل هذا فى باب منع النوافل
التی لها أسباب فی آخر کتاب الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادته.
* *
*
الباب الثالث فى اتصال ركعتى الطواف به
أما اتصال الطواف بركعتيه، فهو من سننه، لأنها صلاة تضاف إلى عبادة، فكان من
سنتها أن تتصل بها وتضاف إليها كصلاة الاستسقاء.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن اتصالهما به أن يؤتى بهما عقبه، ولا يجوز تأخيرهما عنه
إلا لعذر الوقت أو لعذر النسيان، وذلك ما لم ينتقض وضوؤه لأن من حكمهما أن
يؤتى بهما بطهارة واحدة، وذلك لما لم يلزم من اتصالهما، وكانت الطهارة فى كل
واحدة منهما فاقتضى ذلك أن تكونا بطهارة واحدة ومثل هذا يلزم فى الوتر وركعتيه،
والله أعلم.
فرع: فإذا انتقض وضوؤه بعد الطواف، وكان طواف تطوع، فقد قال ابن حبيب:
هو مخير بين أن يتوضأ ويبتدئ الطواف وبين أن يترك ذلك، وإن كان الطواف واجبًا،
فعليه الوضوء لما قدمناه، والله أعلم.

کتاب الحج
٠٠٥٠٨٠
فصل: وقوله: «فر کب حتى أناخ بلی طوی فصلی ر کعتین)) يريد أنه صلى ركعتى
طوافه اللتين امتنع من أن يصليهما بالمسجد الحرام حين لم ير الشمس طلعت، وهذا
يقتضى أنه ليس من شرط ركعتى الطواف أن يصليهما بالمسجد الحرام غير أن الأفضل
تَّ صلى لركوعه خلف المقام، وذلك أفضل
أن یصلیهما بالمسجد لما روی ان النبى
موضع یصلی فیه.
مسألة: فإن منعه الوقت من صلاتهما فحانت الصلاة وهو فى منزله، فقد روى محمد
عن مالك: أرجو أن يجزئه أن يصليهما بمنزله.
وجه ذلك أن الركوع لا يتعلق بموضع مخصوص، وإنما يستحب الإتيان به فى المسجد
لاتصاله بالطواف ولكونهما من توابع الطواف المختصة بالمسجد، والله أعلم.
٨١٠ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزُّبِيْرِ الْمَكِّىِّ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ
يَطُوفُ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَدْخُلُ حُجْرَتَهُ، فَلا أَدْرِى مَا يَصْنَعُ.
الشرح: قوله: ((أنه كان يطوف بعد صلاة العصر)) يقتضى أن ذلك كان مباحا
عنده.
وقوله: ((ثم يدخل حجرته، فلا أدرى ما يصنع)) يريد أنه لا يدرى هل كان يركع
لطوافه بعد دخول حجرته أم لا؟ والأظهر أنه لم يكن يركع حتى تغرب الشمس لأنه
لو ركع قبل الغروب لركع فى المسجد؛ لأن ذلك أفضل؛ ولأن الأمر المعتاد لمن وصل
ركوعه بطوافه أن يركع فى المسجد، وانصراف عبدالله إلى منزله قبل أن يركع ظاهره
الامتناع من الركوع، ولا يمتنع فى ذلك الوقت من الزكوع للطواف إلا من رأى
الوقت لا يصلح لنافلة، وإن كان لها سبب.
٨١١ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ أَنْهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَيْتَ يَعْلُو بَعْدَ
صَلاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ مَا يَطُوفُ بِهِ أَحَدٌ.
٨١٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٩٠.
وقال فى الاستذكار: روى هذا الخر ابن عيينة، عن أبى الزبير بخلاف رواية مالك. ذكره ابن أبى
عمر وغيره، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن عباس طاف بعد العصر، فلا
أدرى أصلى أم لا؟ فقال له أبو الزبير: عمرو لم يصلى؟ قال: لا، قال أبو الزبير: لكنى رأيته
صلى.
٨١١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٩١. وقال: هذا خبر منكر يدفعه كل من رأى
الطواف بعد الصبح والعصر، ولا يرى الصلاة حتى تغرب الشمس.

٥٠٩
كتاب الحج .
الشرح: قوله: ((إن البيت كان يخلو فى هذين الوقتين لا يطوف به أحد)» يقتضى
الامتناع من الطواف فى هذين الوقتين، وإنما ذلك لأن الطائف فى ذلك الوقت إنما
يطوف أسبوعًا واحدًا ثم يمتنع من الطواف لامتناع ركوع الطواف الأول، ولأن من
سنة كل طواف أن لا يحول بينه وبين ركوعه طواف آخر، ولذلك كان يخلو البيت من
الطائفين فى ذينك الوقتين.
قَالَ مَالِك: وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ بَعْضَ أُسْبُوعِهِ ثُمَّ أَقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ أَوْ صَلاةُ
الْعَصْرِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّى مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يَبْنِى عَلَى مَا طَافَ حَتَّى يُكْمِلَ سُبْعًا، ثُمَّ لا يُصَلِّى
حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبَ. قَالَ: وَإِنْ أَخْرَهُمَا حَتَّى يُصَلّىَ الْمَغْرِبَ فَلا بَأْسَ
بِذَلِكَ.
قَالَ مَالِك: وَلا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ الرَّجُلُ طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ لا
يَزِيدُ عَلَى سُبْعٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَخِّرُ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ وَيُؤَخْرُهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ صَلَاهُمَا
إِنْ شَاءً، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَهُمَا حَتَّى يُصَلَّىَ الْمَغْرِبَ لا بَأْسَ بِذَلِكَ.
الشرح: وهذا كما قال أن من شرع فى طواف، فأقيمت عليه صلاة تمنع النافلة
بعدها، وهى الصبح أو العصر، فإنه يقطع طوافه، ويدخل مع الإمام فى صلاة الجماعة
لئلا تفوته صلاة الجماعة أو لئلا يخالف الإمام، فإذا أكمل صلاته مع الإمام بنى على ما
بقى من طوافه لأنه خرج لعذر يقطع الطواف، فكان له أن يبنى فإذا أتم أسبوعه أخر
الركوع لامتناع النافلة بعد الصبح أو العصر، فإن كانت صلاة الصبح انتظر إلى أن تطلع
الشمس وترتفع ثم يركع لطوافه.
فإن أخر عن ذلك الوقت فهو بمنزلة من أخر الركوع عن طوافه لغير عذر ولا يركع
عند طلوع الشمس لما روى عن عبدالله بن عمر قال: سمعت النبى 88 ينهى عن
الصلاة عند طلوع الشمس.
فصل: وإن كانت صلاة العصر انتظر حتى تغرب الشمس، ثم له أن يبدأ فيركع
لطوافه، وله أن يقدم صلاة المغرب ثم يركع لطوافه. وقد روى محمد عن القاسم أن
تقديم صلاة المغرب أفضل لاختصاصها بذلك الوقت.

٥١٠
٠٠ ..
كتاب الحج
وداع البيت
٨١٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لا
يَصْدُرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطّوَافُ بِالْبَيْتِ.
قَالَ مَالِك فِى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَإِنَّ آخِرَ النَّسُكِ الطّوَافُ بِالْبَيْتِ: إِنَّ ذَلِكَ
فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَّى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ
تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج ٣٢] وَقَالَ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٣٣]
فَمَحِلُّالشَّعَائِرِ كُلِّهَا وَانْقِضَاؤُهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَنِبْقِ.
الشرح: قول عمر رضى الله عنه: ((لا يصدرن أحد من الحاج حتى يطوف بالبيت»
يريد طواف الوداع للبيت، وذلك مشروع، وقد قال عمر بن الخطاب: («إنه آخر
النسك)). وذكر مالك أنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج:
٣٣] فثبت بذلك أن الطواف الوداع مشروع.
مسألة: إذا ثبت أنه مشروع، فليس بواجب لما روى عن عائشة، قالت: ((حججت
مع رسول الله .، فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبى 48 منها ما يريد
الرجل من امرأته، فقلت: يا رسول الله، إنها حائض؟ قال: أحابستنا هى؟ قالوا: يا
رسول الله أفاضت يوم النحر، قال: اخرجوا))(١).
فوجه الدليل من الحديث أنه خاف أن لا تكون طافت للإفاضة، وأن يحبسهم ذلك
بمكة، فلما أخبر أنها قد أفاضت، قال: اخرجوا ولم يحبسهم لعذر طواف الوداع على
صفية، كما خاف أن يحبسهم لعذر طواف الإفاضة.
وفى هذا مسألتان، إحداهما: حكم طواف الوداع وما يلزم من اتصاله بالخروج،
والثانية: حكم من يلزمه طواف الوداع.
مسألة: حكم طواف الوداع اتصاله بالخروج لأن حكم الوداع أن يكون متصلاً
بفراق من يودع، وليس شراؤه أو بيعه جهازًا أو طعامًا ساعة من نهار فاصلاً بين وداعه
وسفره، وإنما يفصل بينهما مقام يوم وليلة بمكة على ما فى المدونة.
٨١٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٩٢. الأم للشافعى ١٨٠/٢.
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٧٥٧، ٤٤٠١. مسلم حديث رقم ١٢١١. الترمذى
حديث رقم ٩٤٣. ابن ماجه حديث رقم ٣٠٧٢. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٥٨١،
٢٣٥٩٣، ٢٤٠٠٤، ٢٤٠٣٧.

........... ٥١١
کتاب الحج
مسألة: ويجزئ من الخروج فى ذلك الخروج إلى طوى والأبطح، فمن ودع وخرج
إليها، وأقام بها يومًا وليلة لم يلزمه الرجوع لأنه قد انفصل من مكان سكناه.
مسألة: فأما من يلزمه طواف الوداع، فإنه يلزم النساء والصبيان والعبيد والأحرار،
وكل واحد ممن يريد الخروج من مكة مسافرًا وعائدًا إلى وطنه، وإن قرب كأهل مر
الظهران وأهل عرفة.
وأما من أراد أن يخرج إلى العمرة، فإن كان خارجًا إلى الحل كالتنعيم والجعرانة،
فليس عليه طواف الوداع لأن هذا المكان مع قربه إنما يخرج منه للعودة إليه. وأما من
خرج إلى المواقيت كالجحفة ونحوها، فقد روى ابن القاسم عن مالك: عليه طواف
الوداع كالسفر إلى المدينة. وقال أشهب: ليس عليه.
وجه رواية ابن القاسم أن هذا سفر يختص بموضع معين، فشرع فيه طواف الوداع
كالسفر إلى المدينة. ووجه قول أشهب أن خروجه متضمن للعودة، فلم يكن عليه
طواف الوداع كخروج الحاج إلى عرفة.
فرع: ويجزئ عن طواف الوداع الطواف الواجب إذا خرج بأثره، فإن أقام بعده،
فعليه طواف الوداع لأن طوافه لفرضه قرب من طواف البيت، فليس عليه تجديد
طواف.
فصل: وقوله: ((فإن آخر النسك الطواف بالبيت)) يحتمل أن يريد به أن طواف
الوداع آخر النسك الذى تلبس به الحاج أو المعتمر، ويحتمل أن يريد به أن الطواف
آخر نسك يعمل لأنه بعد انقضاء كل نسك وعند فراق البيت، وإلى التأويل الأول
تتوجه أقوال أشهب. وأما أقوال ابن القاسم، فمبنية على التأويل الثانى.
وقد قال أشهب، فيمن أفاض ثم عاد إلى منى للرمى ثم صدر: فليودع بالطواف،
فإذا طاف هذا الطواف الذى هو آخر النسك، ثم أقام أيامًا ثم أراد الخروج، فليس
عليه أن يودع إن شاء فعل وإن شاء ترك، فجعل الطواف من جملة حجه على معنى أنه
وداع للنسك وليس لمفارقة البيت.
وقد قال ابن القاسم، فيمن اعتمر: إن خرج عن مكانه، فليس عليه طواف وداع،
وإن أقام فعليه طواف الوداع، فجعل طواف الوداع نسكًا كاملاً لمفارقة البيت. وما
قاله مالك وابن القاسم أظهر بدليل أنه يسقطه عن المكى المقيم.

· کتاب الحج
...
.
٥١٢
فصل: وقول مالك: ((إن ذلك لقول الله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله﴾ إلى.
قوله: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق))) اختلف الناس فى تأويل هذه الآية، فذهب
مجاهد إلى أن الشعائر هى البدن، وأنكر القاضى أبو إسحاق هذا القول، قال: ومما يبين
ذلك أنه تعالى قال: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ فأخبر تعالى أن البدن من
الشعائر، وهو يريد أن يجعلها جميع الشعائر، قال: ومما يبين ذلك أنه تعالى قال: ﴿فيها
منافع إلى أجل مسمى﴾ [الحج: ٣٣] وذلك يقتضى أن يكون أجلاً مؤقتًا كالوقوف
بعرفة والمبيت بالمزدلفة ورمى الجمار.
وقد روى عن زيد بن أسلم أنه قال: الشعائر ست: الصفا والمروة والجمار والمشعر
الحرام وعرفة والركن، والحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام
والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.
قال القاضى أبو إسحاق: وقوله تعالى: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ [الحج: ٣٣]
فإذا طاف الحاج بعد هذه المشاعر فقد حل بالبيت.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا الذى قاله القاضى أبو إسحاق يحتاج
إلى تأمل لأنه يحتمل أن يريد حل من الإحلال، ويحتمل أن يريد به حل من الوصول
وظاهر اللفظة إنما يقتضى أن الشعائر تنتهى إلى البيت العتيق، وإما بأن يكون الطواف به
آخر الشعائر، وإما أن يكون الطواف به نهايتها وتمامها.
٨١٣ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَدَّ رَجُلًا مِنْ مَرِّ
الظّهْرَانِ لَمْ يَكُنْ وَدَّعَ الْبَيْتَ حَتّى وَدَّعَ.
الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب رد رجلا من مر الظهران حتى ودع البيت لما
لم يكن ودعه)) يقتضى أن ذلك الرجل لم يكن عليه فيه كبير مشقة ولا خاف فوات
رفقة ولا رفاقه.
وقد روى عن مالك فيمن نسى الوداع حتى بلغ مر الظهران: أنه لا شىء عليه. قال
ابن القاسم: لم يحد فيه حدًا، وأرى أن لم يخف فوات أصحابه، ولا منعه کریه،
فلیرجع وإلا مضی، ولا شىء علیه.
فقول مالك محمول على من لم تلحقه مشقة بالرجوع من مر الظهران، ولذلك لم
٨١٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٩٣.

............. ٥١٣
كتاب الحج
يحد فيه حدًا، وإنما هو بمقدار الإمكان من غير مشقة، ولعل الذى رده عمر من مر
الظهران قد رأى به من القوة على ذلك وتمكنه له ما علم أنه لا تلحقه به مشقة، فندبه
إلى ذلك وأعلمه بما له فيه من الفضل فرجع بقوله فكان ذلك ردًّا له.
٨١٤ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ قَالَ: مَنْ أَفَاضَ فَقَدْ قَضَى اللَّهُ
حَجَّهُ، فَإِنّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَبَسَهُ شَىْءٌ، فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطّوَافَ
بِالْبَيْتِ وَإِنْ حَبْسَهُ شَىْءٌ أَوْ عَرَضَ لَهُ، فَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّهُ.
الشرح: قوله: ((من أفاض فقد قضى الله حجه)) يريد أنه قد كملت فرائضه وحل له
جميع ما يحل للحلال، وإن كانت إفاضته يوم النحر فلم يبق عليه إلا سنن الحج كالرمى
والمبيت بمنى، وإن كانت إفاضته بعد أيام منى لم يبق عليه من الحج ولا شىء مما لو
تركه للزمه دم، وإنما يبقى عليه من تمام نسكه على قول أشهب طواف الوداع، وهو
مندوب إليه.
فصل: وقوله: ((فإنه إن لم يكن حبسه شىء فهو حقيق أن يكون آخر عهده
الطواف بالبيت)) يريد أن ذلك مشروع له ومستحب فى حكمه، وهذا اللفظ إنما
يستعمل فى المندوب إليه دون الواجب، وبه قال مالك، فإن طواف الوداع عنده
مندوب إليه ومن تركه فحجه تام وليس عليه دم وقد أساء بتركه. وقال أبو حنيفة: هو
واجب، وليس بركن. وسيأتى ذكره بعد هذا مستوعبًا إن شاء الله.
فصل: وقوله: ((وإن حبسه شىء أو عرض له فقد قضى الله حجه) يريد أنه إن منعه
من طواف الوداع مانع فقد كمل حجه ولم يبق عليه منه شىء يكون محبوسا بسببه
فليرجع إلى بلده إن شاء الله، والله أعلم.
قَالَ مَالِك: وَلَوْ أَنَّ رَجُلا جَهِلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطّوَافَ بِالْبَيْتِ حَتَّى
صَدَرَ، لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا إِلا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَيَرْجِعَ فَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَنْصَرِفَ إِذَا
كَانَ قَدْ أَفَاضَ(١).
الشرح: وهذا كما قال أن من جهل أن يطوف حتى صدر، فلا يخلو أن يعلم ذلك،
وهو قريب، فيرجع فيطوف ثم ينصرف إلى بلده أو يعلم ذلك بعد أن بعد، وصار ممن
٨١٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٩٤.
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٨١/١٢.

٥١٤
كتاب الحج
تلحقه المشقة بالرجوع، فلا شىء عليه من رجوع ولا دم ولا غير ذلك.
وقال أبو حنيفة: عليه دم إذا فاته، وهو أحد قولى الشافعى، وله قول آخر مثل قولنا.
والدليل لما نقوله ما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ((يا رسول الله، إن
صفية بنت حيى قد حاضت، فقال رسول الله ﴿4: لعلها تحبسنا إن لم تكن طافت
معكن بالبيت؟، قلن: بلى، قال: فاخرجن)).
فوجه الدليل منه أنه لم يأمرها بدم، ولا أمرها بالمقام له، وهذا وقت تعليم فدل على
أنه غير لازم.
ودليلنا من جهة القياس أنه معنى لم يجب الدم بفواته على الحائض، فلم يجب على
غيرها. أصل ذلك التحصیب.
فصل: وقوله: ((إذا كان قد أفاض)) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يريد أن هذا حكم
من أفاض، وأما من لم يفض فإنه يرجع على كل حال قرب أو بعد، والثانى أن يريد
إذا كان أفاض يوم النحر.
وأما من أفاض بعد النحر واتصل خروجه، بإفاضته فليس عليه طواف وداع لأن
طواف الإفاضة يجزئ عنه، ويكون آخر عهده بالبيت الطواف. وأما طواف الوداع لمن
قدم الإفاضة يوم النحر أو لمن أقام بعد النحر مدة طويلة، ولا يكون آخر عهده الطواف
بالبيت إلا بطواف الوداع.
*
*
جامع الطواف
٨١٥ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةً ابْنٍ
الزُّبْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ(١)، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنْهَا قَالَتْ:
٨١٥ - أخرجه البخارى ٢٠٠/١ كتاب الصلاة، باب إدخال البعير فى المسجد للعلة عن أم سلمة.
ومسلم ٩٢٧/٢ كتاب الحج، باب ٤٢، حديث رقم ٢٥٨ عن أم سلمة. وأبو داود برقم
١٨٨٢، ١٨٣/٢ كتاب الحج، باب الطواف الواجب عن أم سلمة. والنسائى ٢٢٣/٥ عن أم
سلمة. وأحمد ٢٩٠/٦ عن أم سلمة، والبيهقى فى الكبرى ١٠١/٥ عن أم سلمة. وابن خزيمة
برقم ٥٢٣، ٢٦٣/١ عن أم سلمة. والبغوى بشرح السنة ١١٩/٧ عن أم سلمة.
(١) قال السيوطى: وقع فى الصحيح لأكثر الوارة عن عروة عن أم سلمة، بإسقاط زينب،-

٥١٥
كتاب الحج
(شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنّى أَشْتَكِى، فَقَالَ: طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَأَنْتِ
رَاكِيَةٌ، قَالَتْ: فَطُفْتُ رَاكِيَةٌ بَعِيرِى وَرَسُولُ اللَّهِ ﴿ حِينَئِذٍ يُصَلَّى إِلَى جَانِبٍ
الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بـ ﴿الطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾.
الشرح: قولها رضى الله عنها: ((شكوت إلى رسول الله (48 أنى أشتكى)) يريد أنها
شكت إليه أنها لا تطيق الطواف ماشية لضعفها من تلك الشكوى التى كانت بها،
فأمرها رسول الله ﴿﴿ أن تطوف من وراء الناس راكبة.
وفى هذا أربع مسائل إحداها: وجوب المشى فى الطواف، والثانية: جواز الطواف
محمولاً للعذر، والثالثة: المنع من ذلك لغير عذر، والرابعة: طواف النساء من وراء
الرجال.
مسألة: فأما وجوب المشى، فسيأتى، وأما جواز الطواف للراكب والمحمول للعذر،
فلا خلاف فيه نعلمه. والأصل فى ذلك هذا الحديث، وهو نص لا يخلو أن يكون راكبًا
ومحمولاً، فإن كان راكبًا، فيجب أن يكون راكب بعير من غير الجلالة لطهارة بوله
وروثه لأنه لا يؤمن أن يكون ذلك مندوبًا فى المسجد.
وأما إن كان محمولاً، فيجب أن يكون الطائف به لا طواف عليه، لأن الطواف
صلاة، فلا يصلى عن نفسه وعن غيره.
مسألة: وأما من طاف راكبًا أو محمولاً لغير عذر، فقد قال القاضى أبو محمد فى
إشرافه: لا يكره له ذلك. وقال محمد عن مالك: لا يجزئه، وإنما يريد بذلك نحوًا مما
ذهب إليه أبو محمد لأنه روى عن مالك أنه قال: يعيد طوافه، فإن لم يفعل، فليبعث
بهدی، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعی: لا دم عليه.
والدليل على ما نقوله ما قدمناه من أن المشى واجب فى الطواف، فإذا ترك ذلك
فقد ترك من نسكه واجبًا، فكان عليه الدم.
مسألة: وأما طواف النساء من وراء الرجال، فهو للحديث الذى ذكرناه: ((طوفى من
وراء الناس، وأنت راكبة))، ولم يكن لأجل البعير، فقد طاف رسول الله 19 على بعيره
يستلم الر كن محجنه.
=وفى رواية الأصيلى وغيرها بإثباتها، قال الدارقطنى: فى كتاب التتبع وهو الصواب وذاك
منقطع فإن عروة لم يسمعه من أم سلمة وتعقبه ابن حجر بأن سماعه منها ممكن فإنه أدرك من
حياتها نيفًا وثلاثين سنة وهو معها فى بلد واحد. انظر: تنوير الحوالك ٢٦٦.

........ كتاب الحج
٥١٦
..
وذلك يدل على اتصاله بالبيت لكن من طاف غيره من الرجال على بعير، فيستجب
له إن خاف أن يؤدى أحدًا أن يبعد قليلاً، وإن لم يكن حول البيت زحام، وأمن أن
يؤذى أحدًا، فلیقرب کما فعل النبى
وأما المرأة، فإن من سنتها أن تطوف وراء الرجال؛ لأنها عبادة لها تعلق بالبيت،
فكان من سنة النساء أن يكن وراء الرجال كالصلاة، ويحتمل أن يكون طواف أم سلمة
طوافًا واجبًا، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون طواف الوداع؛ لأنه لا تترك فضيلة إلا
لمشقة أو فوات أصحاب، وليس فى فعله على الراحلة شىء من ذلك.
فصل: قالت: ((فطفت ورسول الله ﴾ حينئذ يصلى إلى جانب البيت وهو يقرأ:
بـ﴿الطور وكتاب مسطور﴾)) [الطور: ٢] روى أن تلك الصلاة كانت صلاة الصبح.
روى ذلك فى حديث هشام عن أبيه عن أم سلمة أن رسول الله ﴿﴾ قال، وهو بمكة
وأراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله
: ((إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفى على بعيرك والناس يصلون، ففعلت ذلك فلم
تصل حتى خرجت)).
٨١٦ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الزُّبَيْرِ الْمَكِّىِّ أَنَّ أَبَا مَاعِزِ الأَسْلَمِىَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ سُفْيَانَ
أَخْرَهُ أَنْهُ كَانَ حَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْتَغْتِهِ، فَقَالَتْ: إِنِّى
أَقْبَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتّى إِذَا كُنْتُ بِبَابِ الْمَسْحِدِ هَرَقْتُ الدِّمَاءَ، فَرَجَعْتُ
حَتّى ذَهَبَ ذَلِكَ عَنِّى، ثُمَّ أَقْبِلْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ هَرَقْتُ الدِّمَاءَ،
فَرَجَعْتُ خَتِى ذَهَبَ ذَلِكَ عِّى، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ،
هَرَّقْتُ الدِّمَاءَ، فَقَالَ عَبْدُ الَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنْمَا ذَلِكِ رَكَّضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَاغْتَسِى ثَمَّ
اسْفِرِى بِتَرْبٍ، ثُمَّ طُوفِى.
الشرح: قولها: ((إلى أقبلت أريد أن أطوف بالبيت حتى إذا كنت عند باب المسجد
هرقت الدماء فرجعت)) يقتضى منع الحيض من دخول المسجد ومن الطواف، وقد دل
على ذلك حديث صفية الذى يأتى بعد هذا حين قال رسول الله : ((أحابستنا هى))
فلما أعلم بأنها قد أفاضت أمرها بأن تنفر.
٨١٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٩٦. عبد الرزاق فى المصنف ٢١١/١. كشف
الغمة ٦٧/١.

٥١٧
كتاب الحج
فصل: وقولها: ((فرجعت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء)) إلى آخر
قولها، إخبار عن تكرار ذلك منها، ويحتمل أن يكون ذهاب ذلك عنها وعودته إليها
مرارًا كان فى يوم واحد، أو أمر قريب بعضه من بعض تلفق فيه أيام الدم بعضها إلى
بعض، وتلغى ما بينها من أيام الطهر، ويحتمل أنها كانت تقيم مدة الحيض ثم ترى
الطهر وقتًا أو أوقات فتقبل إلى باب المسجد، فإذا دنت منه رأت الحيض.
فصل: وقول عبدالله بن عمر: ((إنما ذلك ركضة من الشيطان)) يحتمل وجهين،
أحدهما: أنها كانت رأت الدم فى مدة يكون جميعها أكثر الحيض، وإنما معنى ذلك أنه
من جملة الاستحاضة لكنه نسبه إلى الشيطان، وذلك بالمنع من الطواف وعدمه إذا لم
يرد الطواف، والثانى أن يكون ذلك فى مدة أو أمد لم يبلغ الدم فى آخرها إلى أن
يكون أكثر أمد الحيض أمد مخالف لحيضها المعتاد، فكأنه اختص بالمنع من الطواف،
ولذلك نسبه إلى الشيطان، ولو كان على عادتها فى الحيض لما أضافه إلى الشيطان،
ولكان أمرا اتفق لها لم يخالف عادتها.
فصل: قوله: ((فاغتسلى)) يحتمل أن يريد به الاغتسال من الحيض على حسب ما
تفعله المستحاضة، ويحتمل أن يريد غسل ما بها من الدم إن كان لم يجعل له حكم
الحيض.
وقوله: ((ثم استغفرى بثوب» يريد أن تتوقى به مما يجرى منه ثم يطوف بعد ذلك،
وقد أمنت الدم أن يصيب المسجد أو يصيب ظاهر جسدها، فتكون حاملة نجاسة.
٨١٧ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَّهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ كَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ مُرَامِقًا خَرَجٌ
إِلَى عَرَقَةً قَبْلَ أَنْ يَطُوفٌ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَطُوفُ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ.
قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
الشرح: قوله: ((كان إذا دخل مكة مراهقًا خرج إلى عرفة قبل أن يطوف بالبيت»
يريد قبل أن يطوف طواف الورود، وذلك أننا قد بينا فيما تقدم أن الوارد للحج يلزمه
طواف الورود، فإن تركه مع القدرة عليه لسعة الوقت، فقد روى محمد عن ابن
القاسم: عليه الهدى. وقال أشهب: لا هدى عليه.
وجه رواية ابن القاسم أ، الطواف للورود واجب للحج، فلزم بتركه من غير عذر
الهدى كترك الحلاق.
٨١٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٩٧.

.
٥١٨
کتاب الحج
ووجه رواية أشهب أن طواف الورود تحية للبيت، فترك ذلك لا يوجب الدم
كطواف الوداع.
مسألة: وأما المراهق، ومعنى ذلك أن يضيق وقته عما يحتاج إليه من الطواف
والسعى، وما لابد له من أحواله، ويرى أنه إن اشتغل فاته الحج، أو ضاق عليه الأمر،
فله تأخير الطواف. وقد روى محمد عن مالك: أن للمراهق تعجيل الطواف وتأخيره.
ووجه ذلك أنها عبادة واجبة يتكرر منها ما هو من أركان الحج، ومنها ما ليس
بركن، فإذا اقتصر على الركن مع سعة الوقت لسائر الطواف لزم الدم، وإذا تركه لعذر
ضيق الوقت، فالوقوف بعرفة وهو ركن ويتكرر فى الليل والنهار، فإذا اقتصر منه على
الليل مع القدرة على الوقوف بالنهار فعليه دم، وإن كان ذلك لضيق الوقت، فلا شىء
عليه. قاله ابن القاسم وأشهب من رواية ابن المواز عنهما.
مسألة: ومتى يكون الحاج مراهقًا؟ قال أشهب: إن قدم يوم عرفة أحببت تأخير
طوافه، وإن قدم يوم التروية أحببت تعجيله، وله فى التأخير سعة. رواه عنه محمد. وفى
المختصر عن مالك: إن قدم يوم عرفة، فليؤخر إن شاء، وإن شاء طاف وسعى، وإن
قدم يوم التروية ومعه أهله، فليؤخر إن شاء، فإن لم يكن معه أهله، فليطف وليسع.
ومعنى ذلك أن الاشتغال يوم عرفة بالتوجه إلى عرفة أولى لأن ذلك اليوم مختص
بها، فالاشتغال به دون ما قد فات وقته من المناسك التى ينوب عنها غيرها أولى وأما
يوم التروية، فمن كان معه أهله كان فى شغل مما لابد للمسافر بالأهل منه، وإن كلف
الطواف والسعى معه والخروج من يومه إلى منى لم يتسع له وقته وشق عليه تضييع ما
لا بد له منه فوسع له فى تأخيره. وأما المفرد، فحاله أخف واشتغاله أقل، فإن كان ذا
أثقال وحاشية واستضر بذلك، فله فى قول أشهب سعة.
فصل: وقوله: ((ثم يطوف بعد أن يرجع) يريد أنه يقتصر على طواف الإفاضة بعد
الرجوع من منى إلا أنه يسعى بعد الرجوع من منى، وإنما يسقط عنه ما كان يلزم غير
المراهق من طواف الورود، فاقتصر على طواف الإفاضة الذى يفعل بعد الرجوع من
منى، ولابد له لمن طاف طواف الورود ولمن لم يطفه لأنه من أركان الحج إلا أنه من
طاف طواف الورود وسعى بعده لم يسع طواف الإفاضة، ومن لم يطف للورود سعى
بعد طواف الإفاضة لأن السعى لا يكون إلا بعد طواف واجب.
فصل: وقول مالك: ((وذلك واسع إن شاء الله)) يريد أن ترك طواف الورود

٥١٩
کتاب الحج
للمراهق واسع ولا حرج عليه فيه، ويحتمل أن اللفظ للتخيير، وهو فيه أظهر، وبالله
التوفيق(١).
وسُئِلَ مَالِك هَلْ يَقِفُ الرَّجُلُ فِى الطّوَافِ بِالْبَيْتِ الْوَاحِبِ عَلَيْهِ يَتَحَدَّثُ مَعَ الرَّجُلِ؟
فَقَالَ: لا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُ.
الشرح: وهذا كما قال أنه يكره للرجل أن يقف فى حال طوافه يحدث غيره
ولاسيما فى الطواف الواجب، وهو وإن كان يكره فى غير الواجب، فكراهيته فى
الواجب أشد.
وفى هذا ثلاث مسائل، إحدهما: أن الكلام لا يبطل الطواف، والثانية: أن الكلام
بغير عبادة مكروه فى الطواف، والثالثة: إذا اقترن به الوقوف، فالمنع فيه أشد(١).
مسألة: فأما المسألة الأولى، فى أن الكلام لا يبطل الطواف، فقد روى ابن وهب
عن مالك فى المجموعة أنه قال: لا بأس بالكلام فيه، فأما الحديث فأكرهه فى
الواجب، وذلك يحتمل معنيين، أحدهما: أنه تكلم أولا على أنه لا يبطل الطواف،
(١) قال فى الاستذكار ١٩٢/١٢: اتفق العلماء على أن المراهق وهو الخائف، يسقط عنه
طواف الدخول كما يسقط عن المكى ولا يرون فى ذلك دمًا ولا غيره، فإذا طاف المكى أو
المراهق بالبيت بعد رمى الجمرة وصل طوافه ذلك بالسعى بين الصفا والمروة. وقد روى جماعة
من السلف أنهم كانوا يوافون مكة مراهقين خائفين لفوت عرفة فلا يطوفون ولا يسعون ولا
ينفطون إلى عرفة، فإذا كان يوم النحر ورموا جمرة العقبة وسعوا ورملوا فى طوافهم كما رملوا
فی طواف الدخول.
(١) قال فى الاستذكار ١٩٦/١٢: قد جاء عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((إن الطواف صلاة إلى الله،
عز وجل، أحل فيه الكلام فمن يطف فلا ينطق إلا بخير)). وحدثنى محمد بن إبراهيم قال: حدثنى
محمد بن معاوية، قال: حدثنى أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنى أبو
عوانة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: الطواف بالبيت صلاة فأقلوا من
الكلام. ورواه ابن جريج عن الحسن بن سالم، عن طاوس، عن رجل إدرك النبى ﴿® هكذا ذكر
مرفوعًا. وقال طاوس: وسمعنا ابن عمر يقول: اتقوا الكلام فى الطواف فإنما إنتم فى صلاة.
ذكره الشافعى، قال: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة بن أبى سفيان، عن طاوس. قال:
وحدثنى سعيد، عن إبراهيم بن نافع، قال: كلمت طاوسًا فى الطواف فكلمنى. وذكر ابن
جريج، عن عطاء أنه كان يكره الكلام فى الطواف إلا الشىء اليسير، وكان يستحب فيه الذكر
والتلاوة للقرآن. وكان بجاهدٌ يقرأ عليه القرآن فى الطواف. وقال مالك: لا أرى ذلك ويبقى
على طوافه. وقال الشافعى: أنا أحب القراءة فى الطواف وهو أفضل ما تتكلم به الألسن.

کتاب الحج
٥٢٠
فقال: لا بأس به بمعنى أنه لا يبطله ثم منع الحديث فيه، فقصد إلى ذكر أكثر منه ليبين
وجه الكراهية، ولذلك خص به الواجب ليبين شدة الكراهية، ويقصر ذلك على
الكراهية دون التحريم، وإفساد العبادة، والمعنى الثانى أنه أباح الكلمة والكلمتين، وكره
ما كثر من ذلك، وطال حتى يصير حديثا يشتغل به عن الإقبال على الطواف. وقد قال
فى المدونة: يوسع فى الأمر الخفيف من الحديث فى الطواف، وهو أشبه بالتأويل
الثانى، وهو الأظهر، والله أعلم.
مسألة: فأما المسألة الثانية فى كراهية الكلام فى الطواف لغير ذكر ولا حاجة، فقد
روى عن مالك: وليقل الكلام فى الطواف وتركه فى الواجب أحب إلىّ. وقال ابن
حبيب: الكلام فى السعى بغير ما أنت فيه أخف منه فى الطواف.
ومعنى ذلك أنه اشتغال بغير العبادة التى أمر بالإقبال عليها مع قصر مدتها أو مع
تعلقها بالبيت، فكان ذلك ممنوعًا ومكروهًا لاسيما إذا أقبل على أمر الدنيا أو على ما لا
یعنی، ولا فائدة فى الاشتغال به.
فرع: وأما القراءة، فقد روى ابن المواز عن مالك: لم تكن القراءة فيه من عمل
الناس، ولا بأس بها إذا أخفاها، ولا يكثر من ذلك. وفى المدونة: وكان يكره القراءة
فى الطواف، فكيف بإنشاد الشعر.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ووجهه عندى أن يفعل الطواف لأن
الطواف عبادة لم تشرع فيها القراءة، وإنما هى فى ذلك بمنزلة الصوم والحج، فيكره
الإتيان بها على ضربين، أحدهما: أن تفعل الطواف لأن الطواف لم تسن له قراءة كما
لم تسن للصوم والحج، وإنما سنت للصلاة. والضرب الثانى: وذلك أن يكثر من ذلك
جماعة الناس أو من يقتدى به حتى يظن ذلك من سنن الطواف، فأما من أخفاها، ولم
يقرأ للطواف، ولم یکثر من ذلك حتی یقتدى به، إن کان ممن يقتدى به، فلا بأس بها
على ما حكاه لأنها من الأذكار المتقرب بها كالدعاء والتسبيح والتهليل والتكبير.
مسألة: وأما المسألة الثالثة فى أن الوقوف للحديث أشد، فقد قال ابن حبيب:
الوقوف للحديث أشد فى السعى والطواف أشد منه بغير وقوف، وهو فى الطواف
الواجب أشد.
ووجه ذلك أن الوقوف فيه ممنوع والحديث أيضا ممنوع، فاجتمع فيه أمران ممنوعان،
ولأن فى ذلك فضلاً بين أبعاض العبادة المشروع اتصالها وتفريقًا لأجزائها بالإقبال على
غيرها من غير عذر، فتأكد المنع فى ذلك.

٥٢
...
كتاب الحج .
قَالَ مَالِك: لا يَطُوفُ أَحَدٌ بِالْبَيْتٍ وَلا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا وَهُوَ طَاهِرٌ.
الشرح: وهذا كما قال أنه لا يجوز لأحد أن يطوف بالبيت إلا وهو طاهر؛ لأن
طهارة الحدث شرط فى صحة الطواف، وكذلك لا يمس الركن إلا وهو طاهر كأنه
جزء من الطواف، وقد تقدم ذكر ذلك كله.
فصل: وأما قوله: ((ولا بين الصفا والمروة إلا وهو طاهر)) فإنما ذلك لمعنيين، أحدهما
أن الطهارة فيه أفضل. والثانى: أنه متصل بالطواف الذى من شرطه الطهارة وليس من
شرط السعى بين الصفا والمروة الطهارة، ولو أحدث أحد بعد الطواف أو الركوع
لکان من حکمه ان یتوضأ لسعیه، فإن لم يفعل وسعی محدثًا، صح سعيه، و کذلك لو
حاضت المرأة بعد أن طافت وركعت لطافت على حالها من الحيض وأجزأها ذلك
لأنها عبادة لا تختص بالبيت كالوقوف بعرفة.
البدء بالصفا فى السعى
٨١٨ - مَالِك، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ
أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّفَا
وَهُوَ يَقُولُ: (نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا)).
الشرح: قوله: ((إن رسول الله ﴿﴿ حين خرج من المسجد) يريد الصفاء والخروج
إلی الصفا یکون بآثر الطواف متصلا بالركوع له.
وفى ذلك مسألتان، إحداهما: فى لزوم اتصاله بركعتى الطواف، والثانية: فى صفة
الخروج إليه.
مسألة: وأما لزوم ترتيبه بعد ركعتى الطواف ولزوم اتصاله بهما، فلما روى عن
عبدالله بن عمر ((أن رسول الله ﴾ كان إذا طاف فى الحج أو العمرة أول ما يقدم
٨١٨ - أخرجه مسلم ٨٨٨/٢ كتاب الحج، باب ١٩ رقم ١٤٧ عن جابر. والترمذى برقم ٨٦٢،
٢٠٦/٣ كتاب الحج، باب تقبيل الحجر عن جابر. والنسائى فى كتاب الحج، باب ٢٣٧/١٥٧
عن عروة. وابن ماجه برقم ٣٠٧٤، ١٠٢٢/٢ كتاب المناسك، باب حجة رسول الله لا عن
جابر. وأحمد ٣٢٠/٣ عن جابر. والبيهقى فى الكبرى ٨٥/١ عن جابر.