Indexed OCR Text
Pages 1441-1460
کتاب الحج ٤٤٢ فنص تعالى على أن الذى أمر به من النعم يكون هديًا، ولا يصح ذلك فيما دون الجذع من الضأن، والثنى من غيره. ودليلنا من جهة القياس أن هذا حيوان ورد الشرع فيه بصفة الهدى، فلم يجز فیه ما قصر سنة عن سن الهدى. أصل ذلك هدى التمتع. فصل: وقوله تعالى: ﴿أو کفارة طعام مسا کین أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره﴾ [المائدة: ٩٥] قال ابن عباس: كل شىء فى القرآن بلفظ ((أو)) فهو على التخيير، وهو الظاهر من الآية، والمفهوم منها والله أعلم، فقاتل الصيد خير بين الهدى والإطعام والصيام، فأيها شاء من ذلك يحكم به، وهذا مذهب أبى حنيفة والمشهور من مذهب الشافعى. وروى عن ابن سيرين أنها على الترتيب، وحكى مثله عن الشافعى فى القديم وأصحابه ینکرونه. والدليل على ما نقوله لفظ الآية، فإنه ورد بلفظ ((أو)) وظاهرها التخيير مع أن ((أو)) لا تحتمل الترتيب وإن احتملت غير التخيير من المعانى. ودليلنا من جهة المعنى أن هذه كفارة فى الحج للطعام فيها مدخل، وكانت على التخيير كفدية الأذى. فرع: فإن اختار أن يحكم عليه بالمثل فيما له مثل من النعم، حكم عليه به، وإن اختار الإطعام فيما له مثل أو فيما لا مثل له حكم عليه به يقوم عليه الصيد نفسه بالطعام، وبهذا قال أبو حينفة. وقال الشافعى: إنما يقوم عليه المثل. والدليل على ما نقوله أننا إذا اتفقنا على أنه لابد من اعتبار أحد الأمرين الصيد أو مثله، فاعتبار الصيد أولى، لأنه المتلف، وبسببه وجب الجزاء. ودليلنا من جهة المعنى أن فى الطعام معنى يجب صرفه إلى المساكين بسبب الصيد، فوجب اعتباره بالصيد كالمثل من النعم. فرع: وتقويم الصيد نفسه بالطعام هو المختار لأن الطعام هو المأخوذ، وإنما يقوم بالدراهم إذا كانت هى المأخوذة، فإن قوم الصيد بالدراهم ثم قومت الدراهم بالطعام، جاز أن ذلك يؤول إلى معرفة القيمة لاسيما والتقويم غالبًا إنما يكون بالدنانير أو الدراهم، لكن فى ذلك تطويل وتكرار اجتهاد وتقويم يكثر معه السهو، وتقليل مواضع الاجتهاد أولی وأبعد من السهو. ٤٤٣ كتاب الحج والفرق بين هذه المسألة وبين تقويم المثل بالطعام، فإنما معناه جملة لتكرر مواضع الاجتهاد وتطويل طرق النظر مع القدرة على التحرز من ذلك أن الدنانير والدراهم أصول الأثمان وقيم المتلفات، وقد يتوصل بها إلى معرفة القيمة بالطعام، إذا كان الصيد لا تعرف قيمته بالطعام ولا جرت عادة بشراء مثله بالطعام، وإنما يشترى بالدراهم فيتوصل بمعرفة قيمته من الدراهم إلى معرفة قيمته من الطعام، وليس كذلك المثل، فإنه ليس بأصل للتقويم ولا يتوصل به إلى تحقيقه، فإذا كثرت به مواضع الاجتهاد لم يكن له وجه غير الخطأ فيه والعدول عن وجه الصواب فى تقويم ما يراد تقويمه به، مع أن تقويم الصيد بالدراهم، ثم تقويم الدارهم بالطعام، لا يخالف تقويم الصيد بالطعام لأن القيمة فى الوجهين واحدة، وليس كذلك تقويم المثل لأننا لا نشك أن قيمة الفدية أكثر من قيمة التعامة بكثير، فإذا حكم عليه بإخراج قيمة البدنة، فقد حكم عليه بأكثر من قيمة النعامة بكثير، فلذلك افترقا، وفى تقويم الصيد ثلاثة أبواب. * الباب الأول فى صفة التقويم وقد اختلف أصحابنا فى ذلك، فقال يحيى: ينظر كم يشبع الصيد من نفس، ثم يخرج قدر شبعهم طعامًا، ويمثل هذا قال ابن القاسم وسالم، وقد قال فى المدونة: ينظر إلى ما يساوى من الطعام، وبنحو ذلك قال بن المواز. وجه قول يحيى أن من الحيوان ما لا قيمة له کالضبع والثعلب، فوجب أن يكون الاعتبار بمقداره، فإن ذلك لا يعدم فى شىء من الحيوان، ولو راعينا القيمة لأعدمنا دم کثیر من الحيوان. ووجه الرواية الثانية أن الحيوان كله تراعى قيمته على حسب ما هو حين إتلافه ولو اعتبر بالشبع منه لذهب کثیر من قيمة جلده، ولا اعتبرنا فی قیمته ما لم یکن علیه حین إتلافه. فرع: فإذا قلنا بالرواية الثانية فإنه يقوم حيًا، وهو المروى عن مالك أنه تلزمه قيمته على الصفة التى أتلفه عليها، وإن قلنا برواية يحيى فى مراعاة الشبع، فإنه لا يمكن أن يقوم حیًا وإنما يعتبر مقدار لحمه بعد ذبحه، وكم عدد من شبع من لحمه. فرع: ولا تعتبر فراهية الصيد ولا جماله والفاره وغير الفاره فى ذلك سواء، قاله مالك. کتاب الحج ٤٤٤ ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: ٩٥] وقد علمنا أنه لم يرد المثل من جهة الآحاد لأن ذلك كان يقتضى أن يخرج عن صغير النعم بقرة أو شاة لأن ذلك أقرب إلى مقدارها من البدنة والفصيل، وذلك خلاف الإجماع، فعلمنا أن المراد بذلك المماثلة من جهة الجنس والخلف. الباب الثانى فى موضع التقويم الذى قاله جماعة أصحابنا أنه تراعى قيمته حيث أصاب الصيد، إن كان له هناك قيمة، فإن لم تكن له هناك قيمة لأنه ليس بموضع استيطان ولا مقام ولا به أنيس انتقل إلى أقرب المواضع إليه مما يمكن التقوم فيه. ووجه ذلك أن قيمته إنما هو ترتيب عليه هناك كسائر المتلفات، ويجب أن يراعى أيضًا ذلك الوقت، وذلك الإِبان لأن القيمة قد تختلف باختلاف الأوقات، وهذا على الظاهر من المذهب، فأما على قول يحيى، فلا يراعى شىء من هذا، وإنما يراعى الشبع خاصة من جنس ذلك الصيد. الباب الثالث فى موضع إخراج الجزاء وذلك أنه يخرجه حيث أصاب الصيد، إن كان فيه من يقبله، فإن لم يكن فيه من يقبله، ففى أقرب المواضع إليه يكون فيه من يقبله. ووجه ذلك أن القيمة إذا روعى فيها سعر البلد، وجب الإخراج به، وإلا كان فى ذلك إسقاط بعض حقوق الله تعالى بأن يقوم عليه فى موضع غلاء السعر، فيخرجه فى موضع رخصه. فرع: فإن أخرجه بموضع آخر، فقد قال مالك فى المدونة. يحكم عليه فى المدينة ويطعم بمصر، إنكارا لذلك. قال ابن القاسم: معناه: أنه إن فعل لم يجزه، وقال فى الموطأ: يجزئه، وسيأتى ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. وقال ابن وهب وأصبغ وغيرهما: يجزئه. وجه قول مالك أنه لا يجزئه مبنى عندى على أن الصيد نفسه يقوم بالطعام. ووجه قول أصبغ مبنى على أن الصيد يقوم بالدراهم، ثم تقوم الدارهم بالطعام. ٤٤٥٠ .... کتاب الحج . فصل: فإذا قلنا بقول من يجيز ذلك، فإن فيه تفصيلاً واختلافًا. روى فى العتبية يحيى عن ابن وهب أنه يخرج قیمة الطعام الذی حکم به علیه حیث أصاب الصید، فیشتری به طعامًا حيث يريد إخراجه، سواء كان أرخص طعامًا من بلد أصابه أو أغلى. وقال أصبغ: إن أخرج الجزاء على سعره بموضعه ذلك أجزاه حيث كان. وقال ابن المواز: إن أصاب بمصر، فأخرج الطعام بالمدينة أجزاه لأن سعرها أغلى، وإن أصاب الصيد بالمدينة وأخرج الطعام بمصر لم يجزه إلا أن يتفق سعراهما. وقال ابن حبيب: إن كان الطعام ببلد الإخراج أرخص، اشترى بثمن الطعام الواجب عليه يبلد الصيد طعامًا فأخرجه، فإن كان يبلد الإخراج أغلى، أخرج المكيلة الواجبة عليه، وهذا يقرب ظاهره من قول ابن المواز، وهو إن شاء الله أحوط الأقوال على قول من أجاز إخراجه بغير بلد إصابة الصيد، والله أعلم. مسألة: ويفرق من هذا الطعام مدًا لكل مسكين يمد النبى ل﴾، قال من تقدم من شيوخنا: إنما كان ذلك لأنها كفارة، والكفارة الإطعام فيها مد لكل مسكين، وهذا ينتقض على قول من قال من شيوخنا: إن مد هشام من مد النبى ﴿1، فإنه يطعم به فى كفارة الظهار، ويتحرر من هذا أن يقال إنه طعام فى كفارة لا يجب فيها ترتيب ولا يتعلق بعدمه أذى، فأشبه الإطعام فى كفارة الفطر فى رمضان عامدًا أو كفارة اليمين بالله تعالی. فرع: فإن كان فى الطعام كسر مد، فإنه يعطى لمسكين ولا يلزم جبره. ووجه ذلك أن الإطعام إنما كان بالقيمة، وقد استوفيت القيمة بالإخراج، ولو قيل فيه يلزم جبره، لم يبعد عندى لأن ما يدفع من الكفارات لكل مسكين مقدار لا يتبعض لأنه لو أعطى مسكينين مدًا بينهما لم يجزه حتى يجبر ما يعطى أحدهما. مسألة: ولو اختار الصوم صام عن كل مسكين يومًا، وبه قال عطاء. وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل مدين يومًا، وهذه المسألة مبنية على سنة كفارة الفطر فى رمضان، وقد تقدم ولا خلاف أن اعتبار الصوم بالإطعام لقوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وإنما الخلاف فى صفة الاعتبار، ومقدار ما يقابل اليوم من الإطعام، والله أعلم. فرع: فإن كان فى قيمة الصيد من الطعام كسر مد، فقد قال ابن القاسم فى المدونة؛ یصام يوم كامل. ٤٤٦ کتاب الحج ووجه ذلك أن إسقاط كسر المد غير جائز لأنه لله تعالى، فلا يجوز إلقاؤه وتبعيض اليوم لا يمكن، فلم يبق إلا جبره كالأيمان فى القسامة. مسألة: ولا يتبعض الإطعام والصيام بأن يطعم عن بعض الكفارة ويصوم عن بعض، ولكن يطعم عن جميعها أو يصوم عن جميعها، قاله ابن القاسم فى المدونة. ووجه ذلك أنها كفارة شرع، فلم يجز فيها التبعيض ككفارة اليمين. قَالَ مَالِك: فِى الَّذِى يَصِيدُ الصَّيْدَ وَهُوَ حَلالٌ ثُمَّ يَقْتُلُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِمَنْزِلَةِ الَّذِى ◌َْتَاعُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ثُمَّ يَقْتُلُهُ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ: فَعَلَيْهِ حَزَاؤُهُ(١). الشرح: وهذا كما قال أن الذى يصيد وهو حلال، ثم يقتله بعد أن يحرم أنه بمنزلة الذى يبتاعه فى حال إحرامه فيقتله، وذلك أن الذى يحرم وفى يده صيد صاده وهو حلال، قد حرم عليه قتله لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥] فنهى عن قتله فى حال الإحرام وقد استويا فى ذلك، وإنما اختلف أصحابنا فى استدامة إمساكه، فجوزه أشهب، ومنعه غيره ولم يختلفوا فى منع القتل. فصل: وقوله: ((وقد نهى الله عن قتله، فعليه جزاؤه))؛ لأن من نهى عن قتل الصيد لأجل إحرامه فقتله عليه الجزاء لأنه قتل الصيد فى حال إحرامه، وتلك الصفة التى تناولها النهى على ما وردت فيه الآية، والله أعلم. قال مالك: وَالأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَصَابَ الصَّيْدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحَزَاءِ. قَالَ مَالِك: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِى الَّذِى يَقْتُلُ الصَّيْدَ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يُقَوَّمَ الصَّدُ الَّذِى أَصَابَ فَيَنْظَرَ كَمْ ثَمَنُّهُ مِنَ الطّعَامِ، فَيَطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّا أَوْ يَصُومَ مَكَانَ كُلِّ مُدِّ يَوْمًا، وَيُنْظَرَ كَمْ عِدَّةُ الْمَسَاكِينِ، فَإِنْ كَانُوا عَشَرَةٌ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانُوا عِشْرِينَ مِسْكِيْنًا صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، عَدَدَهُمْ مَا كَانُوا، وَإِنْ كَانُوا أَكْفُرَ مِنْ سِينَ مِسْكِينًا(١). الشرح: قوله: ((من أصاب الصيد وهو محرم، حكم عليه))، يريد أن الحكم شرط فى إخراج الجزاء، والله تعالى قد وصف ما ألزمه من الإحرام بذلك، فقال: ﴿مثل ما قتل (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٥٩. (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٥/١٢. ٤٤٧٠٠ کتاب الحج من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] فجعل لذلك شروطًا منها: أن الجزاء من النعم، والثانى: أنه يحكم به ذوا عدل، والثالث: أنه بصفة الهدى، والرابع: أن يبلغ الكعبة، فلا يجوز الإخلال بشىء من ذلك ثم خير بين ذلك وبين الإطعام والصيام إلا فى صفة الحكم لأنه ليس الطعام ولا الصيام من النعم، فلا يصح أن يهدى ولا يساق إلى الكعبة، إنما يصح اشتراكهما فى الحكم، فكان الحكم شرطًا فى ذلك كله وصفة ما يلزمه منه فيما مثله الهدى من النعم حكما عليه بذلك، فإِن أخرجه فقد برئ مما لزمه، وإن أراد انتقال عنه بعد الحكم عليه به، وهل له ذلك أم لا؟ حكى القاضى أبو محمد أنه ليس له ذلك، وإليه أشار الشيخ أبو إسحاق. وفى المدونة: أنه يجوز له الانتقال بحكم مستأنف. فصل: وقوله: ((أحسن ما سمعت فى الذى يقتل الصيد فيحكم عليه فيه، أن يقوم الصيد الذى أصاب فينظركم ثمنه من الطعام)) على ما يقوم من أن الصيد يقوم بالطعام، فينظر ذلك المقدار، فيطعم منه إن اختار الإطعام كل مسكين مدًا. فصل: وقوله: ((فيطعم كل مسكين مدًا أو يصوم مكان كن مد يومًا))، ظاهره يقتضى أنه إذا حكم عليه بالإطعام كان له أن يطعم كل مسكين مدًا أو يصوم مكانه يومًا دون حكم، وعلى هذا إنما يحتاج إلى الحكم فى إخراج المثل أو إخراج الطعام، فأما التخيير بينه وبين الصيام والتكفير بدلا من الطعام، فلا يحتاج فيه إلى حكم، ولذلك وجه لأن الصوم مقدر بالطعام تقديرًا بالشرع؛ لأنه تعالى قال: ﴿أو عدل ذلك صيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فأما إطعام المثل، فيحتاج إلى تقدير واعتبار، فلا بد فيه من حكم الحكمين، وإذا قلنا إن الكفارة تتحتم بحكم الحكمين ولا يجوز الانتقال عما حكما به، فإن الأظهر عندى أن يخبراه بما يحكمان عليه من الهدى، ومن الإطعام والصيام، ثم يخيرانه فى ذلك، فإن اختار أحد ذلك حكما به عليه، فإن قلنا إنه لا ينحتم عليه ذلك بحكمهما، وأن له الانتقال، فإن اختار أحد ما يكفر به حكما عليه بمقدار ما يريانه من ذلك. فرع: فإن قلنا حكمهما لازم، فالذى قاله القاضى أبو محمد والشيخ أبو إسحاق: أنه إذا حكما عليه بما حكما فليس له الانتقال، ولم يفرقا بين ما يكفر به، وإن قلنا إن حكمهما غير واحد لازم على ما فى المدونة، فإنه إن حكم عليه بالهدى ثم اختار الإطعام لزم أن يحكم عليه بالإطعام، لأن الإطعام يحتاج إلى تقدير فى الهدى، وكذلك إن أحب أن ينتقل من الإطعام أو الصيام إلى هدى، وإن أراد الانتقال من إطعام إلى · كتاب الحج. ٤٤٨ صيام، فعلى ظاهر لفظ الموطأ لا يحتاج إلى استئناف حكم لأن تقدير الصيام بعد معرفته مقدار الواجب من الطعام فقد تقرر بالشرع .. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى استئناف الحكم لأن بعض الكوفيين يقول: إنه يصام عن كل مدين يوم، فيحتاج إلى اجتهاد وحكم يتخلص به من الخلاف، ولعل اللفظ أطلق والمراد إعادة الحكم فى الصيام. مسألة: فإن أراد الحكم بالمثل نظر إلى مثله من النعم على ما ذكر فيحكم به، وإن آزاد الحكم بالطعام قدر مقدار ما يلزمه من الطعام، وإن أراد الحكم بالصيام، فلا بد من معرفة ما يلزم من الطعام إن أراد التكفير به وبذلك يتوصل إلى معرفة ما يلزمنه من الصيام لأن الصيام عدل الطعام، فلا بد من معرفة مقدار الطعام ليصح أن يعادل بالضوم. فصل: وقوله: ((وإن كانوا أكثر من ستين مسكينًا))، يريد أن الإطعام والصيام فى جزاء الصيد كما يتقدر بعدد ينتهى إليه، فلا يزاد عليه كما تتقرر سائر الكفارات كان جزاء الصيد، وإن كان كفارة، فهو معلق بقدر الصيد، فوجب أن يعتبر ذلك بالغاً ما بلغ. قَالَ مَالِك: سَمِعْتُ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى مَنْ قَتَلَ الصَّدَ فِى الْحَرَمِ، وَهُوَ حَلالٌ بِمِثْلٍ مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَى الْمُخْرِمِ الّذِى يَقْتُلُ الصَّدَ فِى الْحَرَمِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ(١). الشرح: ومعنى ذلك أن جزاء الصيد فى الحرم عانى القاتل المحرم والقاتل الحلال، سواء لا يزاد على المحرم لسبب إخرامه، وهو أيضًا مثل الذى يجب على المحرم؛ لأن الخلال، يجب عليه الجزاء، إنما أصاب من الصيد فى الحرم لحرمة الحرم، والمحرم يجب عليه بإصابة الصيد فى الحل مثل ذلك، فإذا تداخلت الحرمتان لم تؤثر فى زيادة الجزاء گاحرام القارن، وقد تقدم الكلام فی ذلك. ما يقتل المحرم من الدواب. ٧٧٩ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((خَمْسٌ (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ١٦/١٢. ٧٧٩ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٦٩٧. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠٧٦، ٢٠٧٧. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٧٧٧، ٢٧٧٩، ٢٧٨١،= کتاب الحج ٤٤٩ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِى قَتْلِهِنَّ حُنَاحٌ، الْغُرَابُ وَالْحِدََّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)). الشرح: قوله ﴿1: ((خمس من الدواب)) اسم واقع على ما دب ودرج، إلا أنه استعمل فى عرف اللغة فى نوع من الحيوان، وقد تستعمل على أصلها مع القرائن التى يتبين المراد بها، وقد بين ﴿لَ﴾، فلذلك جاز أن يوقع عليها اسم الدواب. فصل: وقوله :﴿﴿: ((ليس على المحرم فى قتلهن جناح) يقتضى إباحة ذلك على كل وجه إلا ما خصه الدليل؛ لأن الجناح اسم واقع على الإثم فكأنه قال: لا إثم فى قتلهن على المحرم، فإذا أبيح قتلها فلا معنى للكفارة والجزاء بقتلها؛ لأن الكفارة لا تستعمل فى المباح، ولا تعلق لها به، والذى ذهب إليه شيوخنا المالكيون من أهل العراق فى تفسير هذا الحديث: أن كا ما يبتدئ بالضرر غالبًا، فإن للمحرم قتله ابتداء، فى الحل والحرم ولا شىء عليه فى ذلك. وإنما الخمس الدواب المنصوص عليها جامعة لأنواع ذلك، وهى الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، وهو كل ما يعدو ويفترس ويخيف الإنسان من الأسد والنمر والفهد والذئب وغيرهما. وقد ذكر مالك فى موطئه الفرق بين الطير منها وبين الكلب العقور، وسنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. وقال أبو حنيفة: يقتل المحرم ابتداء الذئب والكلب والعقور والغراب والحدأة، ولا جزاء عليه، وإن قتل فهدًا أو أسدًا أو نمرًا أو غير ما سميناه من الأصناف الأربعة، فعليه الجزاء، وإن عدت عليه، فقتلها فلا جزاء عليه. والدليل على ما نقوله الحديث المذكور، وهو قوله ﴿﴿: ((والكلب العقور)) وهذا الاسم ينطلق على الأسد والنمر، وكل ما يعقر الإنسان لأن الكلب مأخوذ من التكلب، ومنه قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤] والعقور مأخوذ من العقر. وهذه الصفة فى الأسد والنمر أبين وأثبت منه فى الذئب وغيره من الكلاب. وقد روى عن أبى هريرة وهو من أهل اللسان، أنه قال: الكلب العقور، هو الأسد. =٢٧٨٢، ٢٧٨٣، ٢٧٨٤، ٢٨٣٧، ٢٨٣٨، ٢٨٣٩. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٧٢. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٣٠٧٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٣١٥، ٤٦٤٤، ٤٧٠٠، ٤٨٤٧، ٤٨٦١، ٤٨٨٦، ٤٩١٣، ٥٠٧٢، ٥٢١٩، ٥٢٨٢، ٥٩٥٠. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٤٧، ١٧٤٨. كتاب الحج ٤٥٠ ٠٠ ودليلنا من جهة القياس أن هذا حيوان يلحق الضرر من جهته بالعدوان والافتراس غالبًا، فجاز للمحرم أن يبتدئه بالقتل كالذئب والكلب العقور. فصل: وقال الشافعى: كل حيوان يحرم أكله، فإنه مباح للمحرم قتله إلا السبع، وهو المتولد بين الذئب والضبع. وأما الصيد الذى يستباح أكله، فذلك يحرم على المحرم صیده. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦] والصيد اسم واقع على كل متوحش يصطاد، سواء كان مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل لحمه، ولذلك يصح أن يقال اصطاد فلان سبعًا، كما اصطاد ظبيًا، ولا يصح أن يقال اصطاد شاة، ولا إنسانًا. ومن جهة القياس أن هذا وحشى لا يبتدئ بالضرر غالبًا فوجب الجزاء على من قتله محرمًا كالضبع والثعلب. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن هذه الأنواع التى يختص بعضها بمعان من الضرر لا يوجد فى غيرها. فأما الغراب والحدأة، فإن مضرتهما، ليست بأنه يخاف أن يقتلا أحدًا فى الغالب، ولكنها يكثران فى الغالب، ويغتفلان الناس فيأخذان الأزواد واللحمان، ولا يمكن الاحتراز منهما لكثرتهما، ودنوهما من الناس، والفأرة تختص بفرض الثياب، والمزاود وإفساد الطعام، ولا يمكن الاحتراز منهما، والعقرب تؤذى باللدغ، ولا يمكن الاحتراز منه، لاسيما فى حال النوم والاضطجاع والكلب العقور يؤذى بالعقر والفرس والإجاحة مع ما فيه من القوة على ذلك، وإنه إذا عدا لم يكن يستطاع دفعه، فأبيح للمحرم دفع ذلك باغتفاله، وطلب غرته لأنه إذا كان متحرزًا، فقصده لم يستطع فى الغالب دفعه. فصل: وقوله : ((الغراب والحدأة)). قال القاضى أبو الحسن: نص النبى عليهما، ونبه بذلك على ما هو أكثر ضررًا منهما فى بابهما، وهذا الكلام يحتاج إلى تأمل لأنه ليس فى جنسهما ما يبلغ ضررهما؛ لأن أكثر ضررهما ليس لشدة فيهما، وإنما لكثرتهما ودنوهما من الناس، وطلبهما الغفلة حتى لا يمكن الاحتراز منهما، ولا الانفصال عنهما إلا بقتلهما وصيدهما. وأما الرخم والعقبان، فإنها نادرة نافرة عن الناس، فإن اتفق أن يكون منها ما يعدو، فهو نادر كسائر الحيوان. ٤٥١ .... كتاب الحج . فصل: وأما الفأرة، فقد قال القاضى أبو الحسن: إنه 48 نص على الفأرة، ونبه على ما هو أقوى منها فى جنسها وأبسط حيلة، وهذا أيضًا من ذلك الباب لأن الفأرة ليست تؤذى بقوة ولا يمغالبة، وإنما تؤذى باختلاس ومدوامة، وانفراد بالمتاع، والزاد ولا نعلم ما يساويها فى جنس إذايتها، فكيف بما يزيد عليها فى ذلك ونحو ذلك كلامه فى العقرب ويتجه عليه من الاعتراض ما تقدم. فصل: وأما الكلب العقور، فذكر القاضى أبو الحسن أيضًا أنه نص عليه، ونبه على ما هو أقوى منه فى بابه، وهذا على طريقة من قال: إن اسم الكلب لا يتناول إلا الكلب، فلذا نص على الكلب العقور لأجل إذايته. ولما كان الأسد والنمر من جنسه وأعظم ضررًا منه، كان فى ذلك تنبيه عليهما، وعلى ما كان من السباع مثلهما. وأما من قال: إن اسم الكلب العقور يقع على الأسد والنمر، فإنه يتناولهما إباحة قتل الكلب العقور من جهة النص لا من جهة التنبيه. ٧٨٠ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾ قَالَ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ: الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ وَالْجِدَّة. الشرح: قوله : ((من قتلهن، وهو محرم، فلا جناح عليه، على نحو ما تقدم، ويحتمل لفظة محرم، أن يكون محرمًا بنسك، وأن يكون فى الحرم حلالاً، لأننا قد بينا أن اللفظ يتناولهما. وقد روى ذلك مفسرًا من حديث سالم عن أبيه عن النبى ! قال: ((خمس لا جناح على من قتلهن فى الحرم والإحرام، الفأرة والعقرب والغراب والحداة والكلب العقور)(١). ٧٨٠ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٦٩٧. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠٧٦، ٢٠٧٧. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٧٧٧، ٢٧٧٩، ٢٧٨١، ٢٧٨٢، ٢٧٨٣، ٢٧٨٤، ٢٨٣٨، ٢٨٣٩. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٧٢. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٣٠٧٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٣١٥، ٤٦٤٤، ٤٧٠٠، ٤٨٤٧، ٤٨٦١، ٤٨٨٦، ٤٩١٣، ٥٠٧٢، ٥٢١٩، ٥٢٨٢، ٠٥٩٥٠ والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٤٧، ١٧٤٨. (١) أخرجه ابن ماجه ٨٥٨/٢ كتاب الحج رقم ٧٩ ما يندب للمحرم وغيره عن ابن عمر. أحمد ٥٤/٢ عن ابن عمر. الطیرانی فی الكبير ٣٢٩/١٧ عن ابن عمر. کتاب الحج ٤٥٢ ٧٨١ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّ قَالَ: ((خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِى الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ). الشرح: قوله: 18: ((خمس فواسق)) الفسق فى كلام العرب الخروج، يقال فسقت الثمرة إذا خرجت عن قشرتها وفسق الرجل إذا خرج عما أمر به من الطاعة وقويم الطريقة. وقال القاضى أبو الحسن: إنما سماها فواسق؛ لخروجها عما عليه سائر الحيوان بما فيها من الضراوة التى لا يمكن الاحتراز منها على ما بينا، ولا يكاد أن تعرى هى عنه. ٧٨٢ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ فِى الْحَرَمِ. الشرح: أمر عمر بقتل الحيات فى الحرم لما قدمناه من أن أذاهن لا يمكن الاحتراز منه إلا بابتدائها بالقتل، ولو تركت إلى أن تبتدى هى لابتدأت به فى وقت نوم أو غفلة، فلا يمكن مدافعتها فيه مع ما طبعت عليه من أنها لا تنفك من الأذى، ولا تنصرف أن لا تعدو وهى شائعة فى جنسها. وقد روى ابن مسعود أن النبى ـّ أمر فى غار منى بقتل حية(١). مسألة: وأما الوزع، فهل يقتلها الحلال فى الحرم، قال مالك: لا بأس بذلك، ولو تركت لكثرت وغلبت فجعل مالك، رحمه الله، أذاها فى كثرتها؛ لأن لها أذى بإفساد ٧٨١ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٦٩٨. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٠٦٩. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٦٦. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٨٣٠، ٢٨٣٦، ٢٨٣٧، ٢٦٣٩، ٢٨٤٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٢٣، ٢٣٤٣٠، ٢٣٧٦٤، ٢٤١٤٦، ٢٤٧٥٦، ٢٥٠٤٣. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ٠١٧٤٨ قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٣٢/٥: هذا حديث يتصل، عن النبى 18 ويستند من حديث ابن عمر، وعائشة، وكلاهما قد سمع منه عروة. وقد روى هذا الحديث وكيع، عن مالك، عن هشام، بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ولم يذكر فيه عائشة من رواة الموطأ أحد - فيما علمت - والله أعلم. وهو محفوظ عن عائشة، وعن ابن عمر. ٧٨٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٦٣. عبد الرزاق فى المصنف ٤٤٣/٤. المجموع ٣٢٢/٧. المحلى ٤٤٩/٤. (١) أخرجه النسائی فى الصغری حديث رقم ٢٨٨٣، ٢٨٨٤. ............ ٤٥٣ كتاب الحج . ما تدخل فيه مع أن النبى ﴿﴾ سماها فاسقة، غير أن مالكًا كره للمحرم بنسك أن يقتلها. ومعنى ذلك أن لا يكون غالبًا إلا فى البيوت وحيث يقتله، ويدفع مضرته الحلال، ومدة الإحرام يسيرة والفرق بينه وبين الفأر أن الفأر أكثر أذى وتسليطًا، وأسرع فى الفرار والعودة، وهذا إنما هو من مالك، رحمه الله، على وجه الكراهية؛ لأن عائشة رضى الله عنها قالت: سماه النبى ﴿﴿ فويسقًا، ولم أسمعه أمر بقتله، فلو كانت عائشة رضى الله عنها ممن روى عن النبى ﴿﴿ أمره بقتل الفواسق الخمس ولم تسمعه أمر بقتل الوزغ، توقف عن قتله حال الإحرام. قال مالك: وسمعت النبى ﴿﴿ أمر بقتله، فحمل ذلك على حال الإحلال، سواء كان فى الحرم أو غيره، لما قدمنا ذكره. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن قتلها المحرم، فقد قال مالك: يتصدق بشىء مثل شحمة الأرض. ووجه ذلك أنه يضعف عن الضرر ابتداء، ويضعف عن التحرز والفرار، ولا يكثر فى مسافة الإحرام، بل لا يوجد إلا نادرا مما يحمل فى متاع أو غيره، فأشبه سائر الهوام، والله أعلم. قَالَ مَالِك فِى الْكَلْبِ الْعَقُورِ الَّذِى أُمِرَ بِقْلِهِ فِى الْحَرَمِ: إِنَّ كُلَّ مَا عَقَرَ النَّاسَ وَعَدَا عَلَيْهِمْ وَأَخَافَهُمْ مِثْلُ الأَسَدِ وَالنِّرِ وَالْفَهْدِ وَالذّْبِ فَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ السِّبَاعِ لا يَعْدُو مِثْلُ الصَّبْعِ وَالتَّغْلَبِ وَالْهِرِّ وَمَا أَشْبَهَهُنَّ مِنَ السِّبَاعِ، فَلا يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ، فَإِنْ قَلَهُ فَدَاهُ. الشرح: وهذا كما قال، رحمه الله أن كل ما عدا على الناس من هذه السباع وأخافهم، وجرت عادته بذلك، وعرف من حاله أنه يبتدئ بذلك، فإن اسم الكلب العقور يتناوله، ويقع عليه فى اللغة. وقد روى ذلك عن أبى هريرة رضى الله عنه، وهو من أهل اللسان، وإذا كان الأسد والتمر من جميع ما يقع عليه هذا الاسم، وذلك الكلب والذئب، واستبيح غير الكلب والذئب لما فيهما من ذلك، فبأن يستبيح قتل الأسد والنمر أولى. مسألة: ولم يختلف قول مالك، رحمه الله، فى الأسد والنمر. والفهد أنه يجوز .... كتاب الحج ٤٥٤ ... للمحرم قتلها. واختلف قوله فى الذئب، فروى عنه ابن عبدالحكم إباحة ذلك ومنعه. وجه إباحة قتله لما فيه من اختلاس، وتكرر الضرر والأذى كالعقرب والحدأة لأن اسم الكلب العقور يتناوله، فوجب أن يحمل على عمومه. ووجه المنع أنه لا يبتدئ غالبًا بالعقر والتفرس، وإنما يفعل ذلك فى النادر أو عند انفراده بصغار المواشى، فأشبه الضبع. مسألة: وأما قتل صغار الأسد والتمر والفهود، وما يجوز قتل كبارها، فهل يقتل ابتداء أم لا؟ روى البرقى عن أشهب جواز ذلك. وروى ابن المواز عن ابن القاسم وأشهب منع ذلك. وجه القول الأول عموم الخبر، وهو قوله ﴾ ((والكلب العقور)) ومعلوم أنه يصفه بالعقر لأنه قد عقر، وإنما وصفه بذلك بجنسه، وهو صفة صغاره. ووجهه القول الثانى أنه حيوان لا يقدر على الضرر، فلم يجز للمحرم قتله كالهر. فرع: فإن قتلها، فهل يفديها أم لا؟ قال ابن القاسم: لا فدية عليه. وقال أشهب: عليه الجزاء. وجه قول ابن القاسم أنه من جنس ما نص وأبيح قتله، وإنما معنى قتله لصغره وعدم أذاه، فإذا صيد لم تجب فيه فدية، لأنه قد تيقن أذاه وضرره فى المستقبل إذا كبر، وذلك يمنع وجوب الفدية فيما قتل منه كالمريض من هذا الجنس، فإنه لا يجب بقتله فدية. ووجه قول أشهب أن هذا منع من قتله لأنه لا يقدر على الابتداء بالضرر، فوجبت فيه الفدية كالضبع. فصل: وقوله: ((وأما الضبع والثعلب والهر وما أشبهها من السباع، فلا يقتلهن المحرم))، فإن معنى ذلك أنه من جنس الحيوان المستوحش الذى لا يبدأ بالضرر غالبًا، بل يفر من الإنسان إذا رآه. وكان عطاء يقول: إن الهر الوحشى سبع عاد، وأنه يجوز للمحرم أن يبدأه بالقتل، وما قلنا أبين شاء الله. مسألة: وروى محمد عن مالك: لا يقتل المحرم قردًا. قال ابن القاسم: ولا يقتل خنزيرًا وحشيًا، ولا إنسيًا ولا خنزير الماء. قال ابن حبيب: ولا يقتل الذئب، وشبهه من السباع التی لا تؤذی، یرید تبدأ بالضرر. ووجه ذلك ما ذكرناه. ٤٥٥ ......... كتاب الحج فصل: وقوله: ((فإن قتله وداه))، يريد أن من قتل شيئًا من هذه السباع التى لا تبدأ بالضرر غالبًا من غير أن تعدو علیه، فعليه جزاؤه. وروى ابن القاسم فيمن قتل خنزيرًا وحشيًا أو إنسيًا أو خنزير المناء: عليه جزاؤه. وقال ابن حبيب فيمن قتل الذئب: عليه جزاؤه. وقال الشافعى: كل ما لا يستباح أکله، فإن قتله مباح للمحرم وغيره إلا السبع، وقد تقدم ذكره. قال مالك: وَأَمَّا مَا ضَرَّ مِنَ الطّيْرِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لا يَقْتَلُهُ إِلا مَا سَمَّى النّبِىُّ . الْغُرَابُ وَالْحِدََّةُ، وَإِنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الطَّيْرِ سِوَاهُمَا فَدَاهُ. الشرح: وهذا كما قال أنه لا يقتل ابتداء من الطير إلا الغراب والحدأة؛ لأن المنع عام فى الطير وسائر الحيوان لقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ثم خص النبى ◌ّ من الجملة الغراب والحدأة، فبقى باقى الطير على الحظر، وأيضًا فإننا بينا أن مضرتهما التى أباحت قتلهما لا يشاركهما فى إباحة القتل. مسألة: وقد اختلف قول مالك فى إباحة قتلهما ابتداء، فالظاهر من مذهب مالك، رحمه الله، ما أثبته فى موطئه، وهو الأشهر عنه. وقد روى عنه أشهب منع ذلك للمحرم وفى الحرم. وجه القول الأول أنهما من الفواسق التى ورد النص بإباحة قتلها كالعقرب والحية. ووجه الرواية الثانية أنهما من سباع الطير، فلم تبدأ بالقتل كالعقبان والنسور. والأول هو الصحیح لموافقة ظاهر حديث النبى مسألة: وأما صغار الغربان، فقد قال ابن القاسم: يوديها إن قتلها إذا كانت صغارًا لا حركة فيها، ولم أر فيها خلافًا بيننا لأصحابنا. وأما وجوب الفدية على قول من رأى الفدية بقتل كبارها فيين. وأما على قول من لم ير الفدية بقتل كبارها فإنه يحتمل القولين إن قلنا بما تقدم من قول ابن القاسم أنه لا جزاء بقتل صغارها، وتعليلنا ذلك بأنه لا يخاف الآن منها الضرر فلذلك منع قتلها، وأنه مما يخاف ضررها فى المستقبل، فلا جزاء على قاتلها، فلا فدية على هذا فى صغار الغربان والحدأة، وإن عللنا لذلك على مقتضى قول أشهب أنه إنما يراعى ابتداء ضرره اليوم فى وجوب الفدية بقتل صغارها. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى أن لا فدية فى قتلها. وقد كتاب الحج ٤٥٦ ..... .... روى ابن المواز عن ابن القاسم: لا فدية فى قتل صغار الحيات والعقارب، والله أعلم. فصل: وقوله: ((وإن قتل المحرم شيئًا من الطير غيرهما وداه))، يريد أن من قتل غير الغراب والحدأة من سباع الطير أو غير سباعها وداه، ولا خلاف على المذهب أنه لا يجوز قتلها ابتداء. ومن قتلها فعليه الفدية، فإن ابتدأت بالضرر، فلا جزاء على قاتلها على المشهور من المذهب، فيمن عدت عليه سباع الطير أو غيره من الوحش. وقال أشهب: عليه فى الطير الفدية، وإن ابتدأت بالضرر. وقال أصبغ: من عدى عليه من سباع الطير، فقتله وداه بشاة. قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلط، واحتج ابن القاسم فى المبسوط بأن الإنسان أعظم حرمة من الصيد، وإن قتله الإنسان دفعًا عن نفسه، فلا شىء عليه، والله أعلم. ما يجوز للمحرم أن يفعله ٧٨٣ - مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ الْعِىِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنْهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْعَطَّابِ يُقَرَّدُ بَعِيرًا لَهُ فِى طِينٍ بِالسُّقْيَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ. قَالَ مَالِك: وَأَنَا أَكْرَمُهُ. الشرح: قوله: ((رأى عمر بن الخطاب يقرد بعيرًا له فى طين))، يريد أنه كان يزيل عنه القراد، ويلقيها فى الطين فى حال إحرامه. وقد اختلف فى ذلك، فأجازه عمر وابن عباس، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وكرهه ابن عمر وسعيد بن المسيب، وبه قال مالك. والأصل فى ذلك منع قتل القمل وإلقائها عن الجسد، فنقول: إن هذا حيوان يتولد فى جسده حيوان من غير جنسه، فلم يكن للمحرم طرحه عما يختص به من الأجسام کالقمل من جسد الإنسان. ٧٨٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٦٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢١٢/٥. عبد الرزاق فى المصنف ٤٤٩/٤ المحلى ٢٤٤/٧. المغنى ٣٤٣/٣. المجموع ٣٢٢/٧. ٤٥٧٠ ....... كتاب الحج .. مسألة: وهذا حكم جميع الهوام، لا يجوز للمحرم قتله إلا ما تقدم ذكره، فيلزم المحرم الامتناع من قتل الذباب والنمل والذر والعظايا والخنافس وبنات وردان والدود والبراغيث. والدليل على ذلك قوله ﴿﴿ لكعب بن عجرة: ((أتؤذيك هوامك))(١) ثم أباح له إزالته على أن يفتدى، فدل على المنع من إزالة ما يقع عليه هذا الاسم من غير أذى. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن الهوام على ضربين، ضرب منه يختص بالأجسام، ويتولد فيها، ويعيش منها مع السلامة كالقراد فى أجسام الدواب والقمل فى أجسام بنى آدم، وضرب لا يختص بذلك كالنمل والذر والدود والبراغيث والبعوض والذباب والبق. فأما ما كان من ذلك من دواب الجسد، فلا يقتله المحرم ولا يزيله عن الجسد المختص به إلا لكثرة أذی یظهر فيميطه عنه. وهل يكون عليه فدية أو إطعام؟ قال مالك: عليه فدية أذى، إذا أصاب الكثير منه، وإن أصاب اليسير، فإطعام شىء من الطعام. وقال ابن القاسم: فى القليل والكثير من ذلك الإطعام. وجه قول مالك، رحمه الله، الحديث الذى يأتى بعد هذا، وهو قوله : ((أتؤذيك هوامك؟ قال: نعم، قال: احلق رأسك، وانسك بشاة، وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، مدين مدين)) فوجه الدليل منه، أنه إنما أذن له فى حلق رأسه، وإن كان يصل إلى إزالة الهوام بالغسل والمشط، لما كان الواجب بقتل الهوام هو الواجب بحلق الشعر. ووجه قول ابن القاسم أنه قتل القمل، فلم يجب به فدية غير يسير الطعام. أصل ذلك قتل الیسیر. فرع: وهل يجرى ذلك مجرى الصيد أو مجرى إلقاء التفث؟، لم أر فيه نصًا لأصحابنا. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أنه يحتمل الوجهين، أما مشابهته لقتل الصيد، فإنه يحرم عليه قتله فى غير الجسم المختص به، فلا يجوز له أن يقتل قملة ساقطة فى الأرض، كما يجوز له أن يتلف شعرًا ساقطًا فى الأرض، لما كان محض إلقاء (١) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (١٧١٥). مسلم حديث رقم (١٢٠١). الترمذى حديث رقم (٢٩٧٤). أبو داود حديث رقم (١٨٥٦). ابن ماجه حديث رقم (٣٠٨٠). أحمد فى المسند حديث رقم (١٧٦٣٥). کتاب الحج ..... ٤٥٨ التفث، فلو كان قتل القمل من باب إلقاء التفث خاصة، لجاز أن يقتله على غير جسمه، فإن قيل لو كان حكمه حكم قتل الصيد؛ لجاز له أن يلقيه عن جسمه كما يجوز له أن يلقى الذر عن جسمه والقراد وغير ذلك. فالجواب عنه من وجهين، أحدهما: أنه يحتمل أن يثبت له الحكمان، فلم يجز إلقاؤه من الجسد لما فيه من إزالة التفث ولم يجز قتله لأنه من باب الاصطياد وقتل الحيوان. والوجه الثانى: أنه إنما منع من طرحه عن جسمه لضعف هذا الحيوان، فإنه إذا أزيل عن موضع تولده ومكانه المختص به كان سبب هلاكه الذی یجری مجرى قتله، ولذلك قلنا إنه من أزال فرخ صيد عن موضعه ومكانه المختص به كان عليه جزاؤه؛ لأنه عرضه للهلاك، ولذلك منعناه من تقريد بعيره؛ لأن فيه إزالة القراد عن موضع حياته، وإن كان البعير لا يرى فيه إلقاء تفثه كما لا يمنع من إزالة شعره إلا أننا إذا قلنا من باب قتل الصيد، وجب أن يمنع وجوب الفدية بقليل ذلك وكثيره كما يمنع وجوبه بتقريد البعير وقتل كثير من الهوام، وإنما يجب فى ذلك الإطعام. قال محمد: تجزئه قبضة من طعام، وقد كان يجب أن يكون له بدل من الصوم وأقل ذلك اليوم الواحد، وإذا قلنا إنه من باب إلقاء التفت تعلقت الفدية بكثيره دون يسيره كحلق الشعر، فمن نتف شعرة أو شعرات يسيرة، فلا فدية عليه، وإنما إطعام، ومن حلق رأسه أو كثيرًا من شعره، فعليه الفدية. مسألة: وأما الحلم والقراد والحمنان، فهى من دواب جسم البعير فليس للمحرم أن يلقيه لما ذكرناه لأن ذلك سبب هلاكه إلا أن يرى من البعير إضرارًا من كثرة ذلك، واستضراره بها فيزيلها عنه، ويطعم كما يجوز له أن يلقى القمل عن جسمه إذا أضر ذلك به. فصل: وأما ليس من دواب الجسم كالبراغيث والبعوض والبق والنمل والذباب، فإنه يجوز للإنسان طرحه عن جسده؛ لأنها ليست من دواب جسدة. وكذلك يجوز له أن يطرح عن جسده القراد والحلم والحمنان إلا القمل خاصة، ويطرح عن بعيره العلق وسائر الحيوان إلا القراد، وما كان من دواب جسده ولا يقتل شيئًا من ذلك، فإن قتله، فقد قال مالك: يطعم، وقال مرة: أحب إلىّ أن يطعم، وإن ابتدأ الإنسان شيًا من ذلك بالضرر فقتله، فقد قال مالك فى محرم لدغته ذرة فقتلها، وهو لا يشعر: أرى أن يطعم شيئًا و كذلك النملة. ووجه ذلك أن ضررها یسیر، فطرحها يقوم مقام قتلها فى دفع أذاها. ............ ٤٥٩ کتاب الحج . ٧٨٤ - مَالِكِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِى عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ أَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةً زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ تُسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ، أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَلْيَحْكُكْهُ، وَلْيَشْدُدْ وَلَوْ رُبِطَتْ يَدَاىَ، وَلَمْ أَجِدْ إِلاَ رِحْلَىَّ لَحَكَكْتُ. الشرح: قولها: ((فليحككه وليشدد))، تريد أنه لا يتقى شىء من القمل ولا نتف شىء من الشعر لأنه لم تجر العادة بقتل القمل بمثل هذا، لأنه يزول عن موضعه من الجسد إلى غيره لشدة الحك فى ظاهر جسده، وما لم يخف منه على المحرم إتيان شىء من المحظور عليه، فهو مباح. وقد قال مالك: لا بأس أن يحك المحرم ما يرى من جسده وقروحه، وإن أدمى جلده، فنص علی إباحة ما یری. ويحتمل أن يكون ما لا يرى ممنوعًا عنده لجواز أن يزيل منه بحكه قملاً يسقطه إلى الأرض، ولذلك قال من رواية إسماعيل بن أبى أويس عنه: يحك المحرم رأسه حكًا رفيقًا لا يقتل به شىء من الدواب. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أنه يتوقى شيئًا آخر، وهو ما ينتف شعرًا. وقد روى إسماعيل عن مالك أيضًا أن المحرم يحك جسده ما بدا له إذا لم يكن فى جلده شىء من الدواب، إن كان يرى فى ظاهره قملاً، فقد روى ابن نافع عن مالك: لا بأس أن يحك موضعها، ولا يتعمد طرحها، ولا قتلها، فعلى هذه الرواية الفرق بين الجسد والرأس أن ما فى الجسد من القمل يبدو له ويظهر إليه، وما فى الرأس يخاف مواقعة المحظور بالمبالغة فيه ولا علم له به. وقد قال مالك فى المختصر الصغير: يحك المحرم ما يرى من جسده، وإن أدمى، فعلى هذا لا فرق بين رأسه وما لا يرى من جسده. فصل: وقولها: ((لو ربطت يداى ولم أجد إلا رجلى لحككت)، تريد استباحة قوة ذلك فى نفسها حتى أنها لو منعت حك جسدها بيديها، وأمكنها أن تحك ذلك برجليها لفعلت مع عدم الرفق بالحك بالرجل، وأن من باشر ذلك برجله لا يكاد أن يعلم ما يأتى من إزالة حيوان عن موضعه أو نتف شعر من جسده. ٧٨٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٦٦. ٤٦٠ ٠٠ كتاب الحج ٧٨٥ - مَالِك، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِى الْمِرْآةِ لِشَكْرٍ كَانَّ بِعَيْنَيْهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ. الشرح: قوله: ((نظر فى المرآة لشكو كان بعينيه))، يريد أنه استباح ذلك لهذه العلة، ويحتمل أن يكون أخبر أن سبب نظره فيها كان لشكو عينيه لأنه ليس فى النظر فى المرآة ما يمنع من أجل الإحرام لأن نظر الإنسان إلى جسده كله مباح له فى حال إحرامه. وفى العتبية من رواية أشهب عن مالك أنه كره للمحرمة أن تنظر وجهها فى المرآة. ومعنى ذلك والله أعلم، ما رواه محمد عن مالك أنه قال: إنما ذلك خيفة أن ترى شعثًا، فتصلحه، وليس من شأن المحرم تسوية الشعر، ومن فعل فلا شىء عليه ويستغفر الله. ووجه ذلك ما قدمناه من أنه ليس من محظورات الإحرام، وإنما يخاف عليه إزالة شىء من الشعر، فليستغفر الله لتعرضه لذلك. فصل: وقوله: ((لشكو كان بعينيه))، يقتضى أن نظره فى المرآة كان لأجل ذلك، وقد يحتمل أن يكون ذلك على وجه التسبب، ويحتمل أن يكون هو معنى الإباحة. وقد روى محمد عن مالك: ليس من شأن المحرم النظر فى المرآة إلا من وجع. ومعنى ذلك أن النظر فى المرآة إنما يكون غالبًا لإصلاح الوجه وتزيينه وإزالة ما فيه من شعث، وذلك من ممنوعات الإحرام، فإذا نظر فيه لوجع به، فلا بأس بذلك لأنه قد قصد به ما هو مباح له. ٧٨٦ - مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةٌ أَوْ قُرَادًا عَنْ بَعِيرِهِ. قَالَ مَالِكٍ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ. الشرح: ((كان يكره أن ينزع المحرم حملة أو قرادة عن بعيره)) على حسب ما تقدم لأنه حيوان لا يجوز للمحرم قتله، وفى إزالته عن جسم البعير تعرض لهلاكه، واختار ٧٨٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٦٧. البيهقى فى السنن الكبرى ٢١٣/٥. البغوى فى شرح السنة ٢٥٩/٧. المغنى ٣٢٠/٣. المحلى ٢٤٧/٧. ٧٨٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٦٥. عبد الرزاق فى المصنف ٤٤٨/٤. كشف الغمة ٢٢١/١. المجموع ٣٤٢/٧. المحلى ٢٤٤/٧. ٤٦١ کتاب الحج مالك قول عبدالله بن عمر على قول أبيه للدليل الذى دله على صحته، وأدخل القولين جميعًا لتعرضهما للمجتهد من بعده، وهذا غاية النصح والإنصاف رضى الله عنه وأرضاه. ٧٨٧ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مَرْيَمَ أَنْهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ ظُفْرٍ لَهُ انْكَسَرَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ سَعِيدٌ: اقْطَعْهُ. الشرح: سؤاله سعيد بن المسيب عن ظفر انكسر وأمر سعيد له بقطعه يدل على أنه بقى متعلقًا يتأذى به، فأمره سعيد بن المسيب بقطعه، وقد رواه ابن وهب، أخبرنى مالك عن عبدالله بن أبى مريم، قال: انكسر ظفرى، وأنا محرم، فتعلق فآذانى، قال: فذهبت إلى سعيد بن المسيب فسألته، فقال: أقطعه، ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] ففعلت. وذلك أن قطع الظفر ممنوع للمحرم لأنه من إماطة الأذى وإلقاء التفث المعتاد بطول السفر والإحرام، فإن قطعه فإن ذلك على ضربين، أحدهما: أن يقطعه لضرورة، والثانى: أن يقطعه لغير ضرورة، فإن قطعه لضرورة، فإن ذلك أيضًا ينقسم على قسمين، أحدهما، أن يقطعه لضرورة مختصة بالظفر، والثانى: أن يقطعه لضرورة غير مختصة بالظفر. فأما الضرورة المختصة بالظفر، فمثل ما ذكرناه أن ينكسر الظفر، فيبقى متعلقًا يتأذى به، فهذا يقطعه، ولا شىء عليه فيه، على ما ذكرناه، ولا نعلم فيه خلافًا فى المذهب ما اقتصر على قطع ما يتأذى به، فإن قطع أكثر من ذلك افتدى، رواه ابن وهب عن مالك. ووجه ذلك أنه فيما زاد على إزالة الضرر متعد، فتلزمه بذلك الفدية. مسألة: وأما إن كان الضرر من غير سبب الظفر مثل أن يكون بأصابعه قروح، فلا يقدر على مداواتها إلا بتقليم أظفاره، فإنه يقلمها ويفتدى، قاله مالك. ووجه ذلك أن الضرورة تبيح له تقليم الأظفار، إلا أنه لما لم يكن الضرر من جهة الظفر لزمته الفدية لأنه قلمها غير مستضر بها ولا خارجة عن هيئتها وأصل خلقتها. فصل: وأما الضرب الثانى، وهو أن يقلم أظفاره لغير ضرورة، فإنه مرتكعب للمحظور تجب عليه بذلك الفدية، سواء فعل ذلك عامدًا أو جاهلاً أو ناسيًا. ٧٨٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٦٨.