Indexed OCR Text

Pages 1401-1420

. كتاب الحج
٤٠٢
النبى 19 من المنع أنه كان فى حياته وأن مكة بعده كسائر الأمصار يكون للمهاجر
استيطانها كما لو استوطنوا الكوفة والبصرة وغيرهما من البلاد.
قَالَ مَالِك: الْعُمْرَةُ سُنّةٌ وَلا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْخَصَ فِى تَرْكِهَا.
الشرح: وهذا كما قال أن العمرة سنة مؤكدة، وليست بفرض كالحج، وإنما
وصفها بالسنة، وإن كان معنى السنة ما رسم ليحتذى، فقد يكون ذلك فرضًا ويكون
مندوبًا إليه على طريق أصحابنا فى تسمية متأكد المندوب إليه إذا حصل على صفتها،
بأنه سنة على جهة الاصطلاح، وبقولنا قال أبو حنيفة فى أن العمرة ليست بواجبة.
وقال ابن حبيب وأبو بكر بن الجهم: هى فرض كالحج، وبه قال الشافعی.
والدليل على صحة ما نقوله أن هذا نسك ليس له وقت معين فلم يكن واجبًا
بالشرع كالطواف بالبيت على وجه النفل.
وجه قول ابن حبيب قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة: ١٩٦] والأمر
يقتضى الوجوب. والجواب أنا نقول بموجب الآية، وذلك أن تمامها لا يكون إلا بعد
الشروع فيها، ونحن نقول أن من شرع فيها وجب عليه إتمامها وكذلك صلاة النافلة
وصوم النافلة.
فصل: وقول مالك: ((ولا نعلم أحدًا من المسلمين أرخص فى تركها))، يريد أنها
متأكدة، وأنه لا يعلم أحدًا من المسلمين يفضل تركها ولا يرخص فيه بل يأمر بفعلها
ويفتى بتأكد حالها كما يفتى بالمسارعة إلى متأكد السنن لاسيما ما اختلف فى وجوبه
کالوتر.
قَالَ مَالِك: وَلا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِرَ فِى السَّنَةِ مِرَارًا.
الشرح: وهذا كما قال أن من سنة العمرة أن تكون فى السنة مرة، وأن الاعتمار
مرتين، إخراج لها عن سنتها وموضوعها. وقال مطرف: لا بأس أن يعتمر فى السنة
مرارًا. وقال ابن المواز نحوه، وبه قال أبو حنيفة والشافعى.
والدليل على ما ذهب إليه مالك ما تقدمت روايته من أن النبى ﴿﴿ إنما اعتمر مرة فى
العام، وأفعاله ﴿ على الوجوب أو الندب.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا نسك له إحرام وتحلل، فكان من سنته أن يكون مرة
فى السنة كالحج. ووجه قول مطرف أن هذه عبادة لا تختص بوقت فلم يكره تكررها
فى عام واحد كصوم النفل.

٤٠٣
کتاب الحج
قَالَ مَالِك فِى الْمُعْتَمِرِ يَقَعُ بِأَهْلِهِ: إِنَّ عَلَيْهِ فِى ذَلِكَ الْهَدْىَ وَعُمْرَةٌ أُخْرَى يَبْشَدِئُ
بِهَا بَعْدَ إِنْمَامِهِ الَّتِى أَفْسَدَهَا، وَيُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ الْتِى أَفْسَدَهَا إِلا أَنْ
يَكُونَ أَخْرَمَ مِنْ مَكَانٍ أَبْعَدَ مِنْ مِقَاتِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إِلا مِنْ مِيقَاتِهِ.
الشرح: وهذا كما قال أن المعتمر إذا وقع بأهله، فقد أفسد عمرته لأن الوطء يفسد
الحج والعمرة وينافيهما، ولا خلاف نعلمه فى أن الوطء يفسد هذين النسكين، ويجب
قضاؤهما والهدى، فأما القضاء، فلا يخلو أن يكون النسك الذى أفسده ححًا مفردًا أو
حجًا قرن بعمرة أو عمرة مفردة، فإن كان حجًا مفردًا، فعليه القضاء فى عام قابل
يقضى مثل ما أفسد، فإن أراد أن يقرن الحج الذى أفسد بعمرة لم يجزه فى قول جمهور
أصحابنا.
وروى القاضى أبو إسحاق فى مبسوطه عن عبدالملك بن الماجشون: أنه يجزئه.
وجه القول الأول أنه أدخل فى القضاء من النقص ما لم يكن فيما وجب عليه
قضاؤه، فوجب أن لا يجزئه، وإنما عليه أن يأتى مثل ما أفسده أو بأفضل، فإذا أدخل فى
القضاء نقص القران لم يجزه كما لو كانت عليه حجة، فأراد أن يقضى مكانها عمرة.
ووجه القول الثانى أن القارن قد أتى بما عليه من الحج، فوجب أن يجزئه ولا تمنع
صحة القضاء إضافة العمرة إليه، وإن أوجب ذلك دمًا كما لو قضى متمتعًا.
فصل: وقوله: ((وعليه عمرة أخرى))، يريد أنه لا يجزئه أن تصح تلك العمرة التى
أفسد، ولابد من قضاء عمرة مبتدأة يسلم إحرامها من الفساد، ولا ترتدف له عمرة
أخرى على هذه التى أفسد، ولو أردف عليها حجًّا، فعند ابن القاسم: لا ترتدف
الحجة على العمرة الفاسدة. وعند ابن الماجشون: يرتدف الحج عليها، ويصير قارنًا.
وجه رواية ابن القاسم أن هذا إحرام قد أفسد بالوطء، فلا يصح أن يردف عليه
إحرامًا صحيحًا كما لا يجوز أن يتمه على وجه الصحة لأن لزوم بقاء الإحرام الفاسد
يمنع من أن يطرأ إحرام صحيح لاستحالة اجتماعهما. ووجه رواية ابن الماجشون أن
هذه عمرة، فجاز أن يردف الحج عليها كالصحيحة.
فصل: وقوله: ((وعليه عمرة أخرى يبتدئها بعد إتمامه التى أفسد))، يريد أنه يمضى
على عمرته التى أفسد حتى يكملها ويحل منها كما يكمل التى لا فساد فيها، ولا
يخرج من التى أفسد بالفساد، بل يلزمه أن يمضى فى فاسد الحج والعمرة، كما يمضى

كتاب الحج
٤٠٤
فى صحيحهما، ولا يصح خروجه منهما إلا بالإكمال والتحلل. وهذا مذهب جمهور
الفقهاء.
وقال داود: ولا يمضى فى فاسدهما ويصح رفضهما متى شاء المكلف بعد التلبس
والإحرام لهما.
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾
[البقرة: ١٩٦] وهذا أمر والأمر يقتضى الوجوب. ودليلنا من جهة القياس أن إفساد
الحج سبب يجب به القضاء، فلم يخرج له من الإحكام كالفرات.
مسألة: وإن أفسد حجة، فأراد أن يقيم حجه على إحرامه الفاسد إلى عام آخر لم
يكن له ذلك، رواه ابن المواز عن مالك، قال: وليس له إلا أن يحل من حجه أو يتحلل
بعمرة إن كان فاته الحج.
ووجه ذلك أنه لا يكون قاضيًا لحجه الفاسد إلا بعد التحلل من هذا وابتداء إحرام
للقضاء، وفعل ذلك فى العام الثانى متعين عليه، فليس له إذا فاته الحج الفاسد أن يبقى
عليه إلى عام آخر لأنه لا يقضى ما عليه بذلك الإحرام الفاسد.
فصل: وقوله: ((ويحرم بها من حيث أحرم بعمرته التى أفسد))، يريد أن من أفسد
نسكًا، فعليه أن يقضيه ويحرم به من حيث كان أحرم بالنسك الذى أفسده لأن عليه أن
یقضی مثل ما كان أفسد.
وذلك يحتاج إلى تفصيل، وهى على ثلاثة أضرب، أحدهما أن يحرم بنسكه الأول
بعد أن يجاوز الميقات، والثانى: أن يحرم به من الميقات، والثالث: أن يحرم قبل الميقات،
فإن أحرم بعد أن جاوز الميقات، فلا يخلو أن يكون بذلك طائعًا أو عاصيًا، فإن كان
طائعًا مثل أن يكون منزله دون الميقات أو مجاوز الميقات، لا يريد نسكًا، ثم بدا له
فأحرم من موضعه، فإنما عليه أن يحرم بالقضاء من حيث كان أحرم بالنسك الذى
أفسده، ولا يلزمه أكثر من ذلك كما لا يلزمه إذا أفسد عمرة أن يقضى حجة.
مسألة: وإن كان إحرامه بالنسك الذى أفسده من دون الميقات عاصيًا لأنه يجاوز
الميقات، يريد للإحرام، ثم أحرم من دون الميقات، فلم أر فيه نصًا، وعندى أنه يلزمه
قضاؤه من الميقات الذى كان يلزمه أن يحرم بالنسك الأول منه لأنه بتجاوزه الميقات
بالنسك الأول كان عاصيًا، فلا يجوز له أن يكرر العصيان فى القضاء، كما لو أفسد
حجًا ترك فيه المبيت بالمزدلفة، فإنه لا يترك المبيت بها فى القضاء، ولو أفسد حجًا

٤٠٥
کتاب الحج
وجب عليه فيه فدية، بتطيب أو لبس ثياب لوجب عليه فى القضاء الامتناع من ذلك.
مسألة: وإن كان إهلاله بالنسك الأول من الميقات لزمه القضاء من الميقات. وقال
أبو حنيفة: إن أفسد عمرة جاز له أن يحرم بها من الحل.
والدليل على ما نقوله أنه معنى يجب اعتباره فى العمرة المقضية ابتداء بالشرع،
فوجب أن يعتمر فى قضائها كاجتناب الطيب والحلاق.
فصل: وقوله: ((إلا أن يحرم بها من أبعد من الميقات))، فليس عليه إلا أن يحرم من
ميقاته، ومعنى ذلك أن من أحرم من أبعد من الميقات فى ابتداء نسكه ثم أفسده لم
يكن عليه أن يقضى إلا من الميقات، ولا يلزمه أن يحرم فى القضاء من حيث كان أحرم
فى الابتداء لأن تقديم الإحرام من الميقات لم يكن واجبًا عليه فى الشرع، فلم يجب
عليه قضاؤه كترك الاستظلال حال النزول، وكالمشى إذا مشى فى عمرة من غير عذر.
قَالَ مَالِك: وَمَنْ دَخَلَ مَكّةَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
وَهُوَ جُنُبٌّ أَوْ عَلَى غَيْرٍ وُضُوءٍ، ثُمَّ وَقَعَ بِأَهْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ، قَالَ: يَغْتَسِلُ أَوْ يَتْوَضَّأُ ثُمَّ
يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيَعْتَمِرُ عُمْرَةٌ أُخْرَى، وَيُهْدِى، وَعَلَى
الْمَرََّةِ إِذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَهِىَ مُحْرِمَةٌ مِثْلُ ذَلِكَ.
الشرح: وهذا على ما قال أن من طاف وسعى على غير طهارة، فإن طوافه غير
صحيح لعدم شرط صحته، وهو الطهارة، وقد تقدم ذكر ذلك وبیانه، فإن جامع بعد
أن طاف كذلك وسعى، فهو بمنزلة من جامع فى عمرته قبل الطواف والسعى، فعليه أن
يتمادى على فاسد عمرته، فيطوف ويسعى ويحل منها ثم يقضى عمرة ويهدی هديًا.
فصل: وقوله: ((وعلى المرأة إذا أصابها زوجها، وهى محرمة، مثل ذلك))، يريد أن
عليها أن تتمادى فى حجها الفاسد ثم تقضى عمرة وتهدى؛ لأنه قد وجد منها من
إفساد الحج بالجماع ما وجد من الرجل، فكان حکمها فى ذلك کحكمه.
قَالَ مَالِك: فَأَمَّا الْعُمْرَةُ مِنَ النّْعِيمِ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنَ ومَنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ
إِلىَ أَىِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْحِلِّ ثُمَّ يُحْرِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌّ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَكِنِ الأَفَضْلُ
أَنْ يُهِلَّ مِنَ الْمِيقَاتِ الَّذِى وَقْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَوْ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ التّعِيمِ.
الشرح: وهذا كما قال أن العمرة من التنعيم لمن أراد ذلك مجزئ عنه لما قدمناه من

· كتاب الحج
٤٠٦
أن رسول الله ®® أمر عبدالرحمن أن يعمر عائشة من التنعيم، وهو أدنى الحل إلى مكة،
ولما قدمناه من أن من شرط النسك الجمع بين الحل والحرم، فهذا أقل ما يجزئ فى
العمرة، ولكن الفضل على ما قال فى الميقات الذى وقت النبى
الأصل فى ذلك ما روى عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله يصدر الناس بنسكين
وأصدر بنسك، فقال لها: ((انتظرى، فإذا طهرت، اخرجى من التنعيم فأهلى ثم ائتينا
بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك ونصبك».
نكاح المحرم
٧٦٢ - مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ
الَّهِ ﴿ بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ مَوَلاَهُ وَرَجُلاَ مِنَ الأنْصَارِ، فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةً بِنْتَّ الْحَارِثِ،
وَرَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُ.
الشرح: قوله: ((بعث أبا رافع مولاه ورجلا آخر))، ظاهره باتصال قوله: ((فزوجاه))،
جواز الاستنابة فى عقد النكاح والوكالة فيه، وسيأتى ذكره فى كتابه إن شاء الله
تعالى.
فصل: وقوله: ((ورسول الله ﴿ بالمدينة قبل أن يخرج))، يقتضى كونه حلالاً لأنه لا
خلاف أنه لم يحرم إلا بعد أن خرج من المدينة، وإنما قصد إلى الإعلام بذلك لاختلاف
٧٦٢ - أخرجه الترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٧٠. وأحمد فى المسند حديث رقم
٢٥٩٣٢. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٥٥. والبيهقى بنحوه فى الدلائل
٣٣٦/٤ عن أبى رافع. وذكره بنحوه الهيثمى فى المجمع ٢٦٧/٤ وعزاه للطبرانى فى الأوسط
عن عائشة.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٩٤/٥: هذا الحديث قد رواه مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان
ابن يسار، عن أبى رافع وذلك عندى غلط من مطر لأن سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين،
وقيل سنة سبع وعشرين، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بيسير، وكان قتل عثمان رضى
الله عنه فى ذى الحجة سنة خمس وثلاثين. وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان بن يسار من
أبى رافع، وممكن صحيح أن يسمع سليمان بن يسار من ميمونة، لما ذكرنا من مولده، ولأن
ميمونة مولاته، ومولاة إخوته أعتقتهم، وولاؤهم لها وتوفيت ميمونة سنة ست وستين وصلى
عليها ابن عباس، فغير نكير أن يسمع منها، ويستحيل أن يخفى عليه أمرها، وهو مولاها وموضعه
من الفقه موضعه.

.. ...........
كتاب الحج .
الناس فى صحة نكاح المحرم، وإنما اختلفوا لاختلافهم فى نكاح النبى ﴿ ميمونة، هل
كان فى حال إحرامه أو قبل أن يحرم؟ فروى عن أبى رافع ما تقدم.
وروى عن عبدالله بن عباس أن رسول الله ﴿﴿ تزوج ميمونة، وهو محرم، والذى
روى أبو رافع أولى لأنه باشر القضية، وهو بها أعلم ممن لم يباشرها.
وكذلك روى عن ميمونة: تزوجنى النبى ﴿14، ونحن حلالان بسرف، وهى أعلم
بحالها، وحال النبى ﴿3﴾ لاسيما، وقد ذكرت موضع العقد، وقد أنكرت هذه الرواية
على ابن عباس، فقال ابن المسيب: وهم ابن عباس فى تزويج النبى ﴿﴾، وهو محرم.
على أنه يمكن الجمع بينهما من وجهين، أحدهما: أن يكون ابن عباس أخذ فى
ذلك بمذهبه أن من قلد هديه، فقد صار مجرمًا بالتقليد، فلعله علم بنكاح النبى ﴿﴿ بعد
أن قلد النبى ﴿﴿ هديه وقبل أن يحرم، فقال: تزوجها محرمًا لما اعتقد أنه محرم بتقليد
الهدى. والوجه الثانى: أن يكون أراد المحرم فى الأشهر الحرم، فإنه يقال لمن دخل فى
الأشهر الحرم، أو الأرض الحرم محرم، فيجمع بين الخبرين.
٧٦٣ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْرٍ أَخِى بَنِى عَبْدِ الدَّارِ أَنَّ عُمَرَ بْنّ
عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ، وَهُمَا مُحْرِمَ انِ: إِنِّى
قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ، بِنْتَ شَيْئَةَ بْنِ حُبَيْرٍ(١) وَأَرَدْتُ أَنْ تَحْضُرَ، فَأَنْكَرَ
ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((لا
يَنْكِحِ الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكِحُ، وَلا يَخْطُبُ)).
الشرح: إرسال عمر بن عبيدالله إلى أبان بن عثمان أن يحضر نكاح ابنه، بمعنى
إشهار النكاح، وإحضار أهل الفضل والدين فيه، ويحتمل أيضًا أن يحضره لعلمه بما
يصحح العقد مما يفسده، فأنكر أبان نكاحهم فى حال الإحرام، وما دعى إليه من
حضوره، واستدل على ذلك بقوله :48: ((لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب)) وهذا
٧٦٣ - أخرجه مسلم ١٠٣٠/٢ كتاب النكاح، باب ٥، حديث ٤١ تحريم نكاح المحرم عن نبيه
ابن وهب. وأبو داود برقم ١٨٤١، ٢٧٠/٢ كتاب المناسك، باب المحرم يتزوج عن نبيه بن
وهب. والنسائى ٨٨/٦ كتاب النكاح، باب النهى عن نكاح المحرم عن عثمان بن عفان.
وأحمد ٦٤/١ عن عثمان. والبيهقى فى الكبرى ٦٥/٥. والدار قطنى ٢٦١/٣ عن ابن عمر.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٩٩/٥: لم يقل أحد فى هذا الحديث - فيما علمت - ابنة
شيبة بن جبير إلا مالك، عن نافع. ورواه أيوب وغيره، عن نافع فقال فيه: ابنة شيبة بن عثمان.

کتاب الحج
٤٠٨
يقتضى منع عقد النكاح للمحرم، ويقتضى منع المحرم من عقده لغيره، وإذا اقتضى المنع
من عقد نكاح المحرم اقتضى فساده إن عقد؛ لأن النهى يقتضى فساد المنهى عنه، وإلى
هذا ذهب مالك والشافعى، وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبدالله وعثمان بن عفان
وسعيد بن المسيب.
وقال أبو حنيفة: يعقد المحرم النكاح لنفسه ولغيره، وبه قال الثورى والقاسم بن
محمد. وروى عن معاذ بن جبل وابن عباس.
والدليل على ما نقوله ما احتج به أبان من أن النبى ﴿﴾ قال: ((لا ينكح المحرم ولا
ینکح ولا یخطب)).
ومن جهة القياس أن عقد النكاح معنى تصير به المرأة فراشًا، فوجب أن يكون
محظورًا على المحرم كوطء الأمة. ودليل آخر أن هذه عبادة تمنع الوطء والطيب،
فوجب أن تمنع عقد النكاح كالعدة.
فصل: وقوله: ((ولا يخطب))، يحتمل أن يريد به السفارة فى النكاح والسعى فيه،
ويحتمل أن يريد به إيراد الخطبة حال النكاح، فأما السعى، فإنه ممنوع، فإن سعى فيه
وتناول العقد لسواه أو سعى فيه لنفسه وأكمل العقد بعد التحلل لم أر فيه نصًا،
وعندی أنه قد أساء والنكاح لا يفسخ.
مسألة: وأما إذا خطب فى عقد النكاح وتناول العقد غيره، فهو على نحو ما ذكرناه
ومن حضر العقد، فقد أساء، رواه أشهب عن مالك، وقال أصبغ: لا شىء عليه.
٧٦٤ - مَالِك، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ
أَبَاهُ طَرِيقًا تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ، وَهُوَ مُخْرِمٌ، فَرَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِكَاحَهُ.
الشرح: قوله: ((أن عمر بن الخطاب رد نكاح طريف لما تزوج، وهو محرم))، ترجيح
لما ذهبنا إليه، وقلنا به من أن المحرم لا ينكح لأن عمل الأئمة وحكمهم لا يكون إلا
بعد مشاورة ونظر واستدلال واجتهاد ومراجعة من المخالف، إن كان فى ذلك خلاف
فهو أولى من قول قائل: لم يعمل به، ولا روجع فیه قائله ولا شاور فیه غيره، ورده
لنكاحه يحتمل أن يكون بفسخ، ويحتمل أن يكون بطلاق، والفسخ باسم الرد أليق.
٧٦٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٣٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٦٦/٥. معرفى
السنن والآثار ٩٧٥٧/٧. المجموع ٢٩٠/٧.

٤٠٩
کتاب الحج .
وقد اختلف قول مالك فى إبطال نكاح الحرم، فقال مرة: هو فسخ، وقال مرة: هو
طلاق، وسيأتى فى كتاب النكاح إن شاء الله تعالى:
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن عقد النكاح ممنوع حتى يحل بالإفاضة، فإن تزوج بعد
الرمى وقبل الإفاضة فسخ نكاحه. ورواه محمد عن ابن القاسم وأشهب.
والدليل على ذلك قوله : ((لا ينكح المحرم)) وما لم يتحلل التحلل التام فاسم
الإحرام يتناوله، وحقيقته باقية عليه. ووجه ذلك أن حكم إحرامه باق فى باب
الاستمتاع، فوجب أن یکون باقيًا. أصله قبل الرمى.
٧٦٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا
يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَلا عَلَى غَيْرِهِ.
الشرح: قوله: ((لا ينكح المحرم))، على ما تقدم من منعه النكاح حال الإحرام.
وقوله: ((لا يخطب على نفسه ولا على غيره))، منع له من تناول ذلك بوجه لنفسه
أو لغيره، وهو داخل تحت عموم نهى النبى 18 عن أن يخطب فى حديث عثمان، إلا
أن هذا أزال وجوه الاحتمال، ومنع التخصيص.
٧٦٦ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَّيَّبِ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ
يَسَارِ سُئِلُوا عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَقَالُوا: لا يَنْكِحُ الْمُخْرِمُ وَلا يُنْكِحُ.
الشرح: أكثر مالك، رحمه الله، من إدخال الآثار فى هذه المسألة لأن المخالف فيها
عبدالله بن عباس، وهو من فقهاء الصحابة، فأظهر قوة الخلاف عليه، وكثرته من
الصحابة والتابعين والحكم من الأئمة بخلافه، وأن هذه المسألة مما تهمم بها الناس فى
زمن الصحابة والتابعين وسألوا عنها وخاضوا كثيرًا فيها، وأن الجمهور على ما ذهب
إليه مالك، رحمه الله.
قَالَ مَالِك فِى الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ: إِنَّهُ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ إِنْ شَاءَ إِذَا كَانَتْ فِى عِدَّةٍ مِنْهُ.
الشرح: وهذا كما قال أنه إذا طلق امرأته طلقة رجعية فى حال إحرامه أو قبل
٧٦٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٤٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٦٥/٥. معرفة
السنن والآثار ٩٧٥٧/٧. الدارقطنى ٢٦١/٣ عن أنس. المحلى ١٩٨/٧.
٧٦٦ - ذكره ابن عبد البر فی الاستذكار برقم ٧٤٥.

كتاب الحج
٤١٠ ٠٠
ذلك، فإن له أن يراجعها ما كانت له الرجعة عليها ببقاء عدتها خلافًا لما يروى عن ابن
حنبل من منعه الرجعة.
والدليل على ما نقوله أن الرجعة ليست بنكاح، وإنما هى إصلاح ما انتلم من
النكاح ككفارة الظهار، والله أعلم.
حجامة المحرم
٧٦٧ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾
اخْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِلَحْتِىْ حَمَلٍ(١)، مَكَانٌ بِطَرِيقٍ مَّكْةَ(٣).
الشرح: قوله: ((احتجم، وهو محرم فوق رأسه))، بيان لموضع الحجامة لأنها تختلف
باختلاف مواضعها، وهى فى الرأس أشد لما يحتاج إليه من حلق شعر موضعها وربما
قتل شيئًا من الدواب، إلا أن ذلك كله مباح مع الحاجة إليه. وقد روى عنه: ((أو شيئًا
کان له علی قدمه)».
والحجامة تكون على ضربين، أحدهما: يحلق له شعر إذا كانت فى الرأس أو العنق
أو موضع فيه شعر، وضرب لا يحتاج إلى حلق شعر بأن يكون فى ظهر قدم أو ظهر أو
موضع لا شعر فيه، فأما إذا كانت بموضع فيه شعر، فعليه الفدية لإماطة الأذى بحلق
الشعر.
والأصل فى جواز ذلك حديث ((أن النبى ﴿ احتجم فوق رأسه)) وهو نص.
والأصل فى وجوب الفدية عليه قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من
رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦].
مسألة: فإن كانت الحجامة فى غير رأس، فاحتاج إلى حلق شعرها أو نتف شعر من
جسده لغير حجامة، فعليه الفدية. روى أحمد بن المعدل فى المبسوط عن عبدالملك بن
٧٦٧ - أخرجه البخارى ٤٠/٣ كتاب جزاء الصيد، باب الحجامة للمحرم عن ابن بحينة. ومسلم
٨٦٣/٢ كتاب الحج، باب ١١ برقم ٨٨ عن ابن بحينة. وأبو داود برقم ١٨٣٦، ١٧٣/٢
كتاب المناسك، باب المحرم يحتجم عن ابن بحينة.
(١) قال فى النهاية: هو بفتح اللام، موضع بين مكة والمدينة، وقيل عقبة، وقيل ماء.
(٢) فى مسلم بالقاحة وهو واد على نحو ميل من السقيا.

......... ٤١١
کتاب الحج
الماجشون: شعر الرأس والجسد سواء، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أهل
الظاهر: لا فدية عليه إلا أن يحلق شعر رأسه.
والدليل على ما نقوله أن هذا محرم ترفه بحلق شعر من جسده، فوجب عليه الفدية
کما لو حلق رأسه.
مسألة: ومن حلق موضع المحاجم ناسيًا أو جاهلاً ففى كتاب محمد: عليه الفدية،
قال: وذلك أنه أماط أذى، وكل ما فيه إماطة أذى، فعليه الفدية، وإن قل، وإن كان
لغير إماطة أذى ولا منفعة جاهلاً أو ناسيًا، فعليه فى الشعرة والشعرات قبضة طعام.
ووجه ذلك أن الفدية إنما تجب بالترفه والانتفاع بإماطة الأذى، فإذا حصل ذلك
بحلق يسير الشعر وجبت الفدية بحصول الانتفاع الكثير، وبحصول الانتفاع بإماطة
الأذى، وإذا كان لغير منفعة مقصودة، فإنه لا يحصل الترفه إلا بحلق الشعر الكثير أو
جميع الرأس أو أكثره، فإما إذا حصل ذلك لم يخل من الانتفاع والترفه، فتجب به
الفدية، وأما إذا حلق شعرة أو شعرات يسيرة لغير منفعة مقصودة، فإنه لا يحصل له
بذلك انتفاع ولا ترفه، فلا تجب عليه فدية، وعليه أن يطعم قبضة من طعام لذلك،
وبالله التوفيق.
٧٦٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لا يَحْتَجِمُ
الْمُحْرِمُ إِلا مِمَّا لا بُدَّلَهُ مِنْهُ.
قَالَ مَالِك: لا يَخْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إِلا مِنْ ضَرُورَةٍ.
الشرح: قوله: ((لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة))، يريد أنه ليس له فعل ذلك على
العادة من الاحتجام والفصادة لغبر مرض ولا لعلة تزال، وإنما هو لاستصحاب الصحة.
وأما إذا خاف تحدد مرض أو زيادته أو دوامه ورجا فى الحجامة دفع ما يخاف، فإن
الحجامة له مباحة على حسب ما تقدم من وجوب الفدية وانتفائها. وقد قال سحنون:
لا بأس أن يحتجم من أراد ما لم يحلق شعرًا ولا يحتجم فى رأسه، وإن لم يحلق من قتل
القمل. وروى نحوه عن عطاء.
وجه قول سحنون أن حاله فى ذلك حال الحلال إلا فيما يعود إلى حلق الشعر،
٧٦٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٤٧. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ٩٧٣٥/٧.
المجموع ٣٦١/٧.

کتاب الحج
٤١٢
وقتل القمل، فإذا احتجم وسلم فى ذلك الأمر، فلا حرج عليه.
فرع: فإن قلنا إنه ممنوع منه إلا لضرورة، ففعله لغير ضرورة، فقد قال ابن حبيب:
أكره الحجامة للمحرم إلا لضرورة، ولا فدية فى ذلك ما لم يحلق لها شعرًا. وروى ابن
نافع عن عبدالله بن عمر: إن احتجم لضرورة فلا شىء عليه، وإن احتجم لغير ضرورة،
فعليه الفدية بصيام أو صدقة أو نسك.
وجه ما قاله ابن حبيب أنه لو وجبت به الفدية لغير ضرورة لوجبت للضرورة
كحلق الرأس، ولما لم تجب للضرورة لم تحب لغير الضرورة كالمشى فى سوق العطارين.
*
*
ما يجوز للمحرم أكله من الصيد
٧٦٩ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ النّضْرِ مَوْلَى عُمَّرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِىِّ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى
أَبِى فَتَادَةً الأنْصَارِىِ، عَنْ أَبِى قَتَادَةً أَنْهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ حَتَّى إِذَا كَانُوا
بِبَعْضِ طَرِيقٍ مَّكَّةً تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمِ(١)، فَرَأَى حِمَارًا
وَحْشِيًّا، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبُوْا عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ
رُمْحَهُ، فَأَبَوْا فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ، فَقَتَلَهُ، فَأَكَّلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ
اللّهِ ﴿ وَأَتِى بَعْضُهُمْ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللّهِ ﴿ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((إِنَّمَا
هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ).
حتى إذا كانوا ببعض طريق مكة))، إخبار
الشرح: قوله: ((كان مع رسول الله
٧٦٩ - أخرجه البخارى فى كتاب الجهاد والسير حديث رقم ٢٦٩٨. ومسلم فى كتاب الحج
حديث رقم ٢٠٦٣. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٧٦. والنسائى فى كتاب مناسك
الحج حديث رقم ٢٧٦٤، ٢٧٧٣، ٢٧٧٤، ٢٧٧٥. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم
١٥٧٨. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٣٠٨٤. وأحمد فى المسند حديث رقم
٢١٤٨٨، ٢١٥٢٤، ٢١٥٤٤، ٢١٥٥٧، ٢١٥٦٤. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم
١٧٥٦، ١٧٥٧. والبيهقى فى الكبرى ١٨٧/٥ عن أبى قتادة. والبغوى بشرح السنة ٢٦٢/٧
عن أبى قتادة.
(١) قال النووى: فإن قيل كيف كان أبو قتادة غير محرم وقد جاوز ميقات المدينة وقد تقرر أن
من أراد حجا أو عمرة لا يجوز له مجاوزة الميقات غير محرم، قال القاضى: وجواب هذا أن
المواقيت لم تكن وقتت بعد وقيل لأنه # بعثه ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل.

......... ٤١٣
كتاب الحج ..
عن سفرهم، وقصدهم مكة عام الحديبية، وأن أبا قتادة كان غير محرم وتخلف مع
أصحاب له محرمين، وإنما جاز لأبى قتادة أن يكون غير محرم؛ لأن المواقيت لم تكن
وقتت بعد، ويحتمل أن يكون لم ينو الوصول إلى مكة، وإنما أراد أن يصحب رسول
الله ﴿﴿ إلى بعض الطريق ليكثر أصحابه وجماعته إلى موضع ماء، لكنه لما أتى، وهو من
المدينة على ثلاث ليال، تخلف مع أصحاب له عن رسول الله 198، ولم يكن تخلفه
ليعود من ذلك الموضع، وإنما كان على ما ينزل بعض أهل الرفقة وبعض الجيش للراحة
أو لمعنى يخصهم. وقد روى أنهم إنما تخلفوا عنه لأنهم إنما أخذوا غير طريقه لسبب
العدو الذى ذكر لهم فى ناحية من الطريق.
فصل: وقوله: «فرأی حمارًا وحشیًا، فاستوی علی فرسه)»، یرید أنه رآه وليس فيه ما
يقتضى أن أحدًا من المحرمين ولا من غيرهم أراه إياه، ولا أشار له. وقد ورد فى
حديث سعد بن الربيع، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، وليس فى هذا دلالة على
الصيد ولا إشارة لأن الدلالة على الصيد، والإشارة إنما هى أن يقصد بها المشير، والدال
إلى أن يرى المدلول، والمشار إليه الصيد، وضحك بعضهم إلى بعض لم يقصد بشىء من
ذلك، ولو قصد به ذلك لما كان أكبر من التنبيه على أمر لم يعين له، ولا أعلم بجنسه
ولا نبه على موضعه، فيكون ذلك سببًا إلى رؤيته.
وقد ورد فى الحديث ما يقتضى أن ضحك بعضهم إلى بعض ليس بدلالة على
الصيد، ولا إشارة إليه، وهو ما روى فى حديث عثمان بن عفان أن رسول الله ﴿﴾
قال: ((هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار له إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا مما
بقى من لحمها)) فنص رسول الله ﴿﴿ على أن الأمر بالحمل عليها أو الإشارة إليها
ممنوع، ولم يسألهم عن غير ذلك ولم ير الصحابة رضى الله عنهم ضحك بعضهم إلى
بعض من باب الإشارة والدلالة لأن الدلالة على الصيد سبب لقتله وتطرق إلى إتلافه،
وذلك محظور على المحرم.
فرع: فإن دل المحرم حلالاً أو حرامًا على صيد فقتله حرم أكل ذلك الصيد، حكى
ذلك القاضى أبو الحسن، وهل عليه جزاء أو لا؟ حكى القاضى أبو الحسن والقاضى
أبو محمد أنه إن لم يأكل منه، فلا قضاء عليه، وبه قال الشافعى.
وروى ابن المواز عن أشهب: إن دل المحرم حرامًا أو حلالاً على صيد، فقتله فعلى
كل واحد منهما الجزاء فإن دل حلالاً، فلا جزاء على الدال وليستغفر الله تعالى،

· کتاب الحج
٤١٤
وكذلك إن ناوله سوطًا، وابن القاسم لا يرى فى ذلك شيئًا على الدال، وهو المشهور
عن مالك.
وقال أبو حنيفة: على الدال المحرم جزاء وعلى القاتل المدلول إن كان حرامًا جزاء
آخر. والدليل على ما نقوله أن هذه نفس مضمونة فلم يلزم الدال عليها غرم. أصله إذ
دل على قتل غيره.
فصل: وإنما أبوا أن يناولوه رمحه أو سوطه لأن فى ذلك معونة على قتله، ومن منع
من قتله، فقد منع العون على قتله كقتل الآدمى، فإن أعان عليه بمناولة رمح أو سوط،
فقد أساء ولا جزاء عليه فى المشهور من المذهب، وحكى ابن المواز عن أشهب فى
ذلك من الخلاف مثل ما تقدم.
فصل: وقوله: ((فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﴿$)) يدل على القول بالرأى
والقياس، لأن كل طائفة منهم قد ذهبت فى ذلك إلى معنى ما دون نص؛ ولأنه لم
يحتج أحد منهم بنص ولو كان عنده واحتج به لصار الكل إلى ما احتج به ثم أعلم
رسول الله ﴿ باختلافهم فى ذلك فلم يعنف منهم أحد ولا قال للآكلين: لم قدمتم
على الأكل دون نص، ولا قال للممتنعين: لم امتنعتم دون نص، ولا قال: إنه قد كان
له فى ذلك نص كان يجب المصير إليه، وإنما قال ﴿﴿: ((إنما هى طعمة أطعمكموها الله)).
ويحتمل أن يريد به رزق يسره الله إليكم وبعثه لكم، وفى هذا تصريحٍ بالتحليل لا
من طريق أن الرزق لا يكون إلا حلالاً بل قد يكون حرامًا ويكون حلالاً، ولكن من
حيث أقرهم عليها ولم يمنعهم منها ولو لم يورد هذا اللفظ لما كان مبيحًا بقوله: ((كلوا
ما بقى منها)) وقال فی حدیث حسان: ((کلوه حلالاً)).
٧٧٠ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ كَانَ يَتَزَوَّدُ
صَقِيفَ الظّبَاءِ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
قَالَ مَالِك: وَالصَّفِيفُ الْقَدِيدُ(١).
الشرح: قوله: ((كان يتزود صفيف الظباء))، يقتضى استباحة أكل لحم الصيد، وهو
محرم لمن كان عنده قبل إحرامه ولمن أهدى أو ابتاعه بعد إحرامه، ولم يكن صيد من
٧٧٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٥٠.
(١) القديد: اللحم المجفف.

٤١٥٠
کتاب الحج .
أجله، وعلى هذا جماعة الفقهاء، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب والزبير بن
العوام وأبو هريرة، وممن منع ذلك على بن أبى طالب وعبدالله بن عباس وعبدالله بن
عمر.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه حديث أبى قتادة المتقدم، وهو قوله 98: ((كلوه
حلالاً)). وفى حديث هشام عن يحيى بن أبي كثير أن رسول الله ﴿لَه قال للقوم: ((كلوا
وهم محرمون)) وهذا نص لا يحتمل التأويل.
ودليلنا على ذلك أيضًا الحديث الذى يأتى بعد هذا وفيه ((أن النبى ﴿49 أمر أبا بكر،
فقسم الوحش بين الرفاق، والرفاق محرمون لأن النبى ﴿4﴾ كان محرمًا ومحال أن يتخلفوا
عن إحرامه، وإن تخلف منهم أحد بجواز ذلك والعدد اليسير.
٧٧١ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبُرَهُ عَنْ أَبِى قَتَادَةً فِى
الْحِمَارِ الْوَحْشِىِّ مِثْلَ حَدِيثٍ أَبِى النّضْرِ إِلا أَنَّ فِى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَىْءٌ).
الشرح: قوله: 18: ((هل معكم من لحمه)) إذ كانوا قد حكموا له أمره، يقتضى
السؤال عن بقيته عندهم ليأمرهم فيه بأمره، وقد روى فيما تقدم أنه أمرهم بأكله
وأباحه لهم، وقد يكون سؤاله عن بقيته مع ما تقدم من إباحته ليأكل منه فـ
وقد أخرج مسلم من حديث أبى حازم عن عبدالله بن قتادة عن أبيه أن النبى
قال: ((هل معكم من لحمه شىء)) قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول الله ﴾ فأكلها.
٧٧٢ - مَالِك، عَنْ يَحْثَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِىِّ أَنْهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُّ
٧٧١ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٦٩٢. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم
٢٠٦٣. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٧٦. وأخرجه النسائى فى كتاب مناسك الحج
حديث رقم ٢٧٦٤، ٢٧٧٣، ٢٧٧٤، ٢٧٧٥. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم
١٥٧٨. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٣٠٨٤. وأحمد فى المسند حديث رقم
٢١٤٨٨، ٢١٥٢٤، ٢١٥٤٤، ٢١٥٥٧، ٢١٥٦٤. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم
١٧٥٦، ١٧٥٧. والبيهقى فى الكبرى ١٨٧/٥ عن أبى قتادة. والدارقطنى ٢٦٦/٤ عن ابن
عمر.
٧٧٢ - أخرجه النسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٧٦٦.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٤٠٨/٥: لم يختلف على مالك فى إسناد هذا الحديث، واختلف=

كتاب الحج
٤١٦
إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التِّىُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنٍ سَلَمَةً
الضَّمْرِىِّ، عَنِ الْبَهْزِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ه خَرَجَ يُرِيدُ مَكْةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، حَتَّى إِذَا
كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذَا حِمَارٌ وَحْشِى عَقِيرٌ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: (دَعُوهُ
فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِىَ صَاحِبُهُ)) فَحَاءَ الْبَهْزِىُّ، وَهُوَ صَاحِبُهُ، إِلَى النّبِىِّ ﴿ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمْهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ ثُمَّ
مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالأَابَةِ بَيْنَ الرُّوَقَةِ وَالْعَرْجِ إِذَا ظَبِى حَاقِّفٌ(١) فِى ظِلِّ فِيهِ سَهْمٌ
فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّ أَمَرَ رَجُلا أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ لا يَرِيُهُ(٢) أَحَدٌ مِنَ النّاسِ حَتَّى
يُحَاوِزَهُ.
الشرح: قوله: ((خرج))، يريد مكة ((وهو محرم))، يريد أنه فى سفره كان محرمًا حين
اجتيازهم بالحمار العقير، إلا أن خروجه من المدينة كان غير محرم. وفائدة وصفه بذلك
أنه أمر فى الصيد بما أمر به، ولم يمنعه الإحرام من ذلك والتنبيه على أن من معه كانوا
محرمين، وقد أباح لهم أكل الصيد على هذا الوجه.
فصل: وقوله: ((حتى إذا كانوا بالروحاء)» وهو موضع بين مكة والمدينة ((إذا حمار
وحشى عقير))، وهذا الحمار العقير، قد كانت كملت فيه الذكاة، إما بالسهم الذى
رمى به وإما بغير ذلك، وهو ظاهر قوله: ((عقير))، فأتى بعد ذلك أصحاب رسول الله
﴿﴿، فوجدوه على تلك الحال، فذكروه له، ويقتضى أنهم وصفوا له من صفة السهم أو
الذكاة له ما دله على تقديم الملك عليه، فقال ﴿1: ((دعوه فإنه يوشك أن يأتى صاحبه))
نهاهم ﴿﴿ عنه لاستحقاق صائده له، وقد رأى أن الذى صاده وبلغ به ذلك المبلغ
سیقرب مجيئه إليه.
وقد یکون ظهر ذلك مما وصفوه له أنهم شاهدوا من دمائه قرب صاحبه منه، وأنه
إذا رأى الجيش قد قرب منه سيأتى ليمنعه أو يبيحه، ولو كان لا يجوز أكل المحرم الصيد
لمنعهم منه جملة، ولقال: كفوا عنه فإن هذا لا يحل للمحرم.
= أصحاب يحيى بن سعيد فيه على يحيى بن سعيد، فرواه جماعة كما رواه مالك، ورواه حماد بن
زيد، وهشيم، ويزيد ابن هارون، وعلى بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن
عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن النبى ﴿ ..
(١) حاقف: أى واقف منحى رأسه بين يديه إلى رجليه وقيل الحاقف الذى لجأ إلى حقف وهو
ما انعطف من الرمل.
(٢) يربيه: يهيّجه.

٤١٧
....
كتاب الحج .
فصل: وقوله: ((فجاء البهزى))، وهو زيد بن كعب البهزى السلمى، قال: وهو
صاحبه، فالظاهر أنه كان صاده، فقال لرسول الله (48: ((شأنكم به)) هبة منه للنبى
وأصحابه، فأمر رسول الله ﴾ أبا بكر، فقسمه بين الرفاق، والرفاق الجماعة من الناس
يجتمعون فى المأكل والنزول. والتعاون على العمل.
وهذا دليل واضح على أن للمحرم أكل لحم الصيد مع ما تقدم فى ذلك من الإخبار
وإنما جاز ذلك لأن هذا البهزى صاده. لنفسه، ولم يصده لغيره، ولعله لم يعلم أن
أصحابه يمرون بذلك الموضع محلين ولا محرمين.
فصل: وقوله: ((ثم مضى حتى إذا كان بالإثاية بين الرويشة والعرج))، هذه المواضع
كلها فى طريقه من المدينة إلى مكة، ((إذا ظبى حاقف فى ظل))، الحاقف هو الواقف فى
ظل يلتمس ظلها.
وقوله: ((وفيه سهم))، يريد أنه قد أصيب بسهم هو ثابت فيه وهو حى بعد، فزعم،
يريد أن الراوى زعم أن رسول الله ﴿﴿ أمر رجلا يقف عنده، يريد حراسته من الناس
لا یریبه أحد، یرید لا یعرض له.
ويحتمل أمره ذلك ﴿ وجهين، أحدهما: أن صاحبه الذى أصابه بالسهم، قد ملكه
فلا يجوز لأحد أن ينال منه شيئًا إلا بإذنه، والثانى: أنه إذا كان حيًا بعد لم يكن
للمحرم أن يذكيه، ولا أن يذكى من أجله، وبهذا فارق حكم هذا الظبى حكم الحمار
الوحشى الصغير الذى تقدم ذكره؛ لأن الحمار الوحشى كانت تحت الذكاة فيه، فإنما
أهدى المهدى إليهم لحمًا، فلذلك لم يقف عنده من يمنعه لجواز أن يتباعد أحد من
صاحبه أو يستوهبه إياه، والظبى الحاقف كان حيًا بعد.
٧٧٣ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ خَتِى إِذَا كَانَ بِالرَّبَدَةِ وَحَدَ رَكْبًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ
مُحْرِمِينَ فَسَأَلُوهُ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ وَحَدُوهُ عِنْدَ أَهْلِ الرَّبَذَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ. قَالَ أَبُو
مُرَيْرَةُ: ثُمَّ إِنِى شَكَكْتُ فِيْمَا أَمَرْتُهُمْ بِهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنٍ
الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَاذَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ؟ فَقَالَ: أَمَرْتُهُمْ بِأَكْلِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطّبِ: لَوْ أَمَرَّتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ بِكَ يَتَوَعِّدُهُ.
٧٧٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٤/١١.

.. كتاب الحج
٤١٨
الشرح: قوله: ((إنه أقبل من البحرين))، وهو يقرب من العراق إلا أنهما مما يلى
اليمن حتى إذا كان بالربذة، وهو موضع بين المدينة ونجد لقى ركبًا من أهل العراق،
يحتمل أن يكون أدركهم وأدركوه هناك أو التقى طريقاهما بالربذة، ووصف الركب
بأنهم كانوا محرمين، وهذا يقتضى أنهم أحرموا قبل الميقات لأن الربذة قبل الميقات.
فصل: وقوله: ((فسألوه عن صيد وجدوه عند أهل الربذة))، وظاهر هذا الصيد أنه
لم يقصد به المحرمون، ولا صيد من أجلهم لأن الربذة ليست بطريق المحرمين؛ إنما
يحرمون فى الأغلب من الميقات بعد مجاوزتها إلى مكة، فأفتاهم أبو هريرة بأكله لأنه لم
يصد من أجلهم، وما كان بهذه المثابة، فإن للمحرم أكله إذا ملكه بعد تمام الذكاة.
وكذلك روى سالم عن أبى هريرة أنه كان لحم صيد، وإنما سماه فى هذا الحديث
صیدًا لأنه من الصید کما یوصف الثوب بأنه کتان أو صوف أو قطن.
فصل: وقوله: ((ثم شككت فيما أفتيت به))، يريد أن الشك طرأ عليه بعد الفتوى
والعمل بها، وأما فى حين فتواه لهم، فلم يكن شاكًا، ولو شك قبل العمل بفتواه
لمنعهم من التقليد له، والعمل بقوله فلما طرأ عليه الشك بعد ذلك، والتبست عليه أدلة
الجواز، والمنع أراد أن يبحث عما أفتاهم به ويعلم صحته، فسأل عمر عن ذلك حين
قدم.
والظاهر أنه أخبر عمر بن الخطاب بسؤالهم وأمسك عما أجاب، فأراد عمر أن
يعلم ما أجاب به خشية أن يكون قد أفتاهم بغير ما يجب فيتكلف المشقة فى إعلامهم
أن ما أتاهم به أبو هريرة غير صحيح، فلما أخبره أبو هريرة أنه أفتاهم بأكله، قال له:
((لو أفتيتهم بغير ذلك لفعلت بك يتوعده)).
وذلك من عمر رضى الله عنه احتياط للدين واهتمام بأمره، وأراد أن لا ينهمل
الناس فى الفتوى، ولا يفتوا الناس ومن سألهم إلا يعد التثبت والتيقن لاسيما إن كان
أبو هريرة أخبره أنه شك بعد أن أفتاهم، فأشفق من أن يكون أفتاهم قبل إمعان النظر،
فبعث أبا هريرة بما توعده على التحرز بعد هذا فى فتواه، والإمساك عما يرتاب فيه إلا
ان یبین له وجه الصواب.
٧٧٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً
٧٧٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٥/١١.

كتاب الحج
٤١٩٠
...
يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنْهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَذَةِ، فَاسْتَفْتَوْهُ فِى لَحْمٍ صَيٍّْ
وَحَدُوا نَاسًا أَحِلّةٌ يَأْكُلُونَهُ، فَأَقْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنٍ
الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: بِمَ أَقْتَتَهُمْ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَقْتَتُهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: فَقَالَ
عُمَرُ: لَوْ أَقْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِأَوْ جَعْتُكَ.
الشرح: الكلام على متن هذا الحديث كالذى قبله أو نحوه. وقوله فى آخره:
لأوجعتك، تصريح منه بما توعده به، وإعلام منه بأنه نوى تأديب من يتسامح فى فتواه،
ويفتى قبل أن يتحقق لأنه شديد الإضرار بالناس فى تحليل الحرام وتحريم الحلال.
ولعل عمر قد شاهد فى ذلك فعلاً لأبى بكر رضى الله عنه يجرى بحرى النص على
جواز أكله كأمره لأبى بكر رضى الله عنه أن يقسم حمار الوحش على الرفاق، أو
إباحته لأصحابه أن يأكلوا مما بقى من صيد أبى قتادة، وأکله هو ﴿﴿ ما وصل إليه منه،
فلم يجز الاجتهاد فى خلاف ذلك، وعساه أن يكون قد بلغه بعض الخلاف فى ذلك
ممن لم يبلغه فعل النبى ﴿﴿ فيه، ولا حكمه فى شىء منه، فأراد عمر رضى الله عنه
المبالغة فى الإنكار على من يخالف فيه.
٧٧٥ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ كَعْبَ الأحْبَارِ أَقْبَلَ
مِنَ الشَّامِ فِى رَكْبٍ مُحْرِمِين حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَحَدُوا لَحْمَ صَّيْدٍ،
فَأَقْتَاهُمْ كَعْبٌ بِأَكْلِهِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْمَدِينَةِ ذَكَرُوا ذَلِكَ
لَهُ، فَقَالَ: مَنْ أَقْتَاكُمْ بِهَذَا؟ قَالُوا: كَعْبٌّ، قَالَ: فَإِّى قَدْ أَمَّرْتُهُ عَلَيْكُمْ خَتَّى تَرْحِعُوا
ثُمَّ لَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكّةَ مَرَّتْ بِهِمْ رِجْلٌ مِنْ حَرَاءٍ(١) فَأَقْتَاهُمْ كَعْبٌ أَنْ
يَأْخُذُوهُ، فَيَأْكُلُوهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا
حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تُفْتَِهُمْ بِهَذَا؟ قَالَ: هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنْ هِىَ إِلا نَثْرَةُ حُوتٍ يَنْرُهُ فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنٍ.
الشرح: قوله: ((أن كعب الأحبار أقبل من الشام فى ركب محرمين))، ظاهره يقتضى
٧٧٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٥٤. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٥٤/٩. الطبرى
فی تفسيره ١٢٦٨٧.
(١) رجل حراد: جراد كثير.

کتاب الحج
٤٢٠
أنهم أقبلوا من الشام، وهم محرمون، ويحتمل أيضًا أن يكونوا أقبلوا من الشام وأحرموا
بعد انفصالهم منه، غير أن ظاهر الحال يقتضى أنهم أحرموا قبل الميقات أو قدموا على
عمر بالمدينة بعد أن أحرموا وميقاتهم بين المدينة ومكة إلا أن يكونوا قدموا على عمر
بغير المدينة، وظاهر الحال خلاف هذا، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((حتى إذا كانوا ببعض الطريق، وجدوا لحم صيد، فأفتاهم كعب
بأكله))، يريد أنهم وجدوا صيدًا قد اصطاده حلال، وذكاه، فصار له حكم اللحم لا
حكم الصيد، ولذلك قال: وجدوا لحم صيد فلما قدموا على عمر ذكروا له ما أفتوا به
من إباحته؛ لأنه رضى الله عنه كان يهتبل بأمر الناس، وأمر دينهم، ويسأل عما جرى
لهم من ذلك فى طريقهم وتصرفهم، ولما كان يعرف ذلك من حاله يبدأ بالإخبار عنه،
فلما أخبر بما جرى من أكل اللحم بفتوى، سألهم من المفتى لهم بذلك ليعرف له فضله
ومكانه من العلم، فلما أخبروا بأنه كعب، قال: ((قد أمرته عليكم حتى ترجعوا))،
تنويهًا به لإصابته فى الفتوى، وتقديمًا له، وهذا التأمر يقتضى صلاته بهم، وحكمه
عليهم، ورجوعهم إلى رأيه وتصرفهم بأمره.
فصل: وقوله: ((وأنهم لما كانوا ببعض طريق مكة، مر بهم رجل من جراد))، وهو
القطيع منه، ((فأفتاهم كعب أن يأخذوه ويأكلوه))، ورأى للمحرم اصطياده لما اعتقد فيه
أنه من صيد البحر، فلما قدموا على عمر من حجهم، ذكروا له ذلك، فأنكر عمر،
وقال: ما حملك على ما أفتيتهم به، فاحتج عليه كعب بأنه من صيد البحر لما تقرر من
أن صيد البحر مباح للمحرمين، قال الله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾
[المائدة: ٩٦] فسأله عمر عن تصحيح ما ادعاه من صيد البحر، فقال له: وما يدريك
أنه من صيد البحر.
فلما لم يكن عند كعب فى ذلك دليل واضح، ولا نص له طريقه إلى نبي من الأنبياء
لجأ إلى أن أقسم بالله أنه نثرة حوت ينثره كل عام، وأراه أسند فى ذلك إلى ما وجد
فی کتب أهل الكتاب بما لا نعرف صحته، ولا تتعلق به فی حکم؛ لأنه قد دخله
التحريف والنقص والزيادة، فلا نعلم أن ما ينقل من التوراة وغيرها من الكتب هو مما
بقى على صحته، ولو ثبت ذلك للزمنا القول بصحته، فيما طريقه الخبر الذى لا يتعلق
به حکم.
وقد روى عبدالله به عمرو بن العاص أنه نثرة حوت. وروى عن سعيد بن المسيب

کتاب الحج
٤٢١
....
أن الله تعالى خلق الجراد مما بقى من طينة آدم، ورواه عبدالرزاق عن معمر عن الزهرى
عن ابن المسيب، قال: لم يخلق الله تعالى بعد آدم إلا الجراد، بقى من طينه شىء، فخلق
منه الجراد، وهذا أيضًا لا يعرف إلا بخبر نبى ولا نعلم فى ذلك خبرًا يثبت، فلا يصح
التعلق بشىء من ذلك.
والذى عليه الفقهاء أنه لا يجوز للمحرم صيد الجراد، وقد ذهب إلى تجويز ذلك
بعض الناس. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿وحرم عليكم
صيد البر ما دمتم حرمًا﴾ [المائدة: ٩٦] إنما يعلم صيد البر من غيره بما يأوى إليه،
ويعيش فيه، والجراد إنما هو فى البر، وفيه حياته ومكانه، فوجب أن يكون من صيد البر.
فصل: وإنما أقر عمر بن الخطاب کعب الأحبار على قسمه بحضرته أنه نثرة حوت،
إما لرأى رآه أوجب توقفه عن زجره؛ ويحتمل أن يكون عمر قد أنكر ذلك عليه، ولم
يبلغنا. ودليل ذلك أن كعب الأحبار قد رجع عن هذه الفتيا. وحكم مع عمر على
محرم أصاب جرادة بسوط، فحكم فيها كعب بدرهم، فقال له، عمر: إنك لكثير
الدراهم، لتمرة خير من جرادة، فتجاوز حد المنع لاصطياده إلى أن حكم فى جرادة
بدرهم.
وسُئِلَ مَالِك عَمَّا يُوجَدُ مِنْ لُحُومِ الصَّدِ عَلَى الطّرِيقِ، هَلْ بَيْتَاعُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ:
أَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ يُعْتَرَضُ بِهِ الْحَاجُّ وَمِنْ أَجْلِهِمْ صِيدَ، فَإِّى أَكْرَهُهُ وَأَنْهَى عَنْهُ،
فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ رَجُلٍ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُحْرِمِينَ، فَوَحَدَهُ مُخْرِمٌ فَابْتَعَهُ فَلا بَأْسَ بِهِ.
الشرح: وهذا كما قال أن لحم الصيد إذا وجده المحرم يبتاع أو وهب له أو صار
إليه بغير ذلك من الوجوه، فإنه لا يخلو أن يصاد من أجل محرم، أو من أجل محل، فإن
صيد من أجل محل، فلا خلاف على المذهب فى جواز أكله، وقد تقدم الدلیل علیه،
وإن صيد من أجل محرم، فلا يخلو أن يصاد قبل إحرامه أو بعده، فإن صيد وتمت ذكاته
قبل إحرامه، ثم أحرم، فإن أشهب بن القاسم رويا عن مالك: لا بأس أن يأكلوه.
وروى عنه ابن القاسم أيضًا أنه کره أکله.
ووجه الروایة الأولی أنه إنما صید له، وهو حلال، والصید فى ذلك الوقت له مباح
مطلق، ألا ترى أنه لو صاده هو وذبحه ليأكله حال إحرامه، ثم أحرم لجاز له أكله، فلا
یکون صيد غيره له بأشد من صیده هو ومباشرته.