Indexed OCR Text

Pages 1341-1360

· كتاب الحج
٣٤٢
والجواب أنه قد يجوز ذلك للمحرم للضرورة ولا ضرورة أشد من الحاجة إلى التوقی
فى الحرب، وهو ﴿4، إنما دخلها عنوة ولو سلم له ذلك لكان أمرًا يختص به؛ وقد قال
: ((أن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدى وإنما أحلت لى ساعة
من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس))(٣).
فرع: فإن دخل مكة حلالاً؟ فقد روى القاضى أبو محمد أنه أساء ولا فدية عليه
لأن دخول محل الفرض لا يوجب الدخول فى الفرض كدخول منى وعرفة.
فرع: فإذا جاوز الميقات، مريد الإحرام غير محرم، فليرجع إلى الميقات ما لم يحرم،
فإن أحرم فلا يرجع لأنه قد ترتب عليه الدم بإحرامه، فلا يسقط عنه برجوعه. أصل
ذلك إذا رجع بعد التلبس بالطواف والسعى.
مسألة: وهذا القول فى تأخير الإحرام عن الميقات، فأما تقديمه، فإنه لا يجب به
شىء، وقال القاضى أبو محمد: يكره له ذلك ولم يفصل. وقد روى محمد بن مالك: لا
بأس أن يحرم الرجل من منزله، إذا كان منزله دون الميقات ما لم يكن قريبًا من الميقات،
فیکړه له ذلك. وقال الشافعى: لا یکره ذلك جملة.
والدليل على ما ذكرناه قوله : ((يهل أهل المدينة من ذى الخليفة)) وهذا وإن
كان لفظه، لفظ الخبر فإن معناه الأمر لأن خبر النبى ﴿® لا يجوز أن يكون بخلاف
مخبره، وقد نجد من لا يهل منها وإن كان أمرًا، فلابد أن يكون واجبًا أو ندبًا، وعلى
كلا الوجهين، فقد تعلق النهى بضده على حسب ما هو أمر به. ودليلنا من جهة
القياس أنه أحد الميقاتين، فكره التقدم عليه بالإحرام كميقات الزمان.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن تخصيص هذه المواقيت بأهل كل جهة، يفيدا ختصاصهم
بها ويختص أيضًا بمن مر عليها من غير أهلها لما روى عن ابن عباس عن النبى
: أنه
قال: ((لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة)).
فصل: وقوله: ((وبلغنى أن رسول الله ﴿! قال: ويهل أهل اليمن من يلملم) غاية
فى التحرى والتوقى والتمييز لما سمعه من النبى 18 مشافهة مما لم يسمعه منه وبلغه
عنه. وقد روى ابن عباس أن النبى ﴿ وقت لأهل اليمن يلملم، وأما أهل العراق،
(٣) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم (٤٢٩٥). مسلم حديث رقم (١٣٥٤).
الترمذى حديث رقم (٨٠٩). النسائى فى الصغرى حديث رقم (٢٨٧٦). أحمد فى المسند
حدیث رقم (١٥٩٣٨).

٣٤٣
کتاب الحج
فروی عبدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب وقت لهم ذات عرق. وروى عن عائشة
وجابر أن النبی ۵﴾﴾ وقته لهم.
٧٢٠ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ قَالَ: أَمَرَ
رَسُولُ اللّهِ ﴿ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُوا مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامٍ مِنَ الْجُحْفَةِ،
وَأَهْلَ نَحْدٍ مِنْ قَرْنِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا هَؤُلاءِ الثَّلاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولٍ
اللّهِ ﴿ وَأَخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((وَيُهِلُّ أَهْلُ الْتُمَنِ مِنْ يَلَعْلَم).
الشرح: قوله: ((أن رسول الله (48 أمر أهل المدينة أن يهلوا من ذى الحليفة))، أمر
وظاهره الوجوب، وقد يصرف إلى الندب بدليل أن وجد فى الشرع، وهذا يقتضى ما
قلناه من أن تقديم الإحرام وتأخيره عليه ممنوع غير مختار يتعلق به النهى؛ لأن الأمر
بالشىء نهى عن جميع أضداده، فالأمر بإيقاع الإحرام من الميقات يقتضى منع إيقاعه
من غير ذلك الموضع من التقديم عليه والتأخير عنه كما اقتضى ذلك توقيت الإحرام
بالزمان.
٧٢١ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنَ الْفُرُعِ.
الشرح: قوله: «أن عبدالله بن عمر أهلَّ من الفرع)»، وإن كان روى عن النبى
الأمر بالإهلال من الميقات، فإنه لا يمنع صحة الاحتجاج به على من خالف، ورأى
تقديم الإحرام قبل الميقات لجواز أن يكون عبدالله بن عمر رضى الله عنه ترك ظاهره
لرأى رآه أو تأويل تأوله.
وهكذا روى عبدالله بن عباس أن عائشة اشترت بريرة، فأعتقتها فخيرها رسول
٧٢٠ - أخرجه البخارى فى كتاب العلم حديث رقم ١٣٠، وكتاب الحج حديث رقم ١٤٢٥،
١٤٢٨، ١٤٣٠، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ٦٧٩٨. ومسلم فى كتاب الحج حديث
رقم ٢٠٢٤، ٢٠٢٥، ٢٠٢٦، ٢٠٢٧. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٦١، ٨٣١.
والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٠١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٢٦٥١، ٢٦٥٢،
٢٦٥٥. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٤٧٦، ١٧٣٧. وابن ماجه فى كتاب
المناسك حديث رقم ٢٩٠٥، ٢٩١٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٢٢٣، ٤٣٢٧، ٤٣٥٦،
٤٨٢٦، ٤٨٤٣، ٤٨٦٥، ٤٩٢٥، ٥٠٧١، ٥٢٣٥، ٥٢٧٣، ٦١٠١. والدارمى فى. كتاب
المناسك حديث رقم ١٧٢٣، ١٧٩٠.
٧٢١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٩٥.

.. كتاب الحج
٣٤٤
الله ﴿﴿ وأخذنا بذلك من خبره، وإن كان عبدالله بن عباس يرى أن بيع الأمة طلاقها.
وفى كتاب محمد، قال مالك: كان خروج عبدالله إلى الفرع لحاجة ثم بدا له
فأحرم منها.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والذى عندى أن مالكًا، رحمه الله، إنما نفى
بذلك عن عبدالله بن عمر أن يقصدها للإحرام منها.
٧٢٢ - مَالِك، عَنِ الثّقَةِ عِنْدَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إِيَاءَ.
الشرح: قوله: ((أن عبدالله بن عمر أهل من إيلياء))، يريد بيت المقدس، وهذا تقديم
للإحرام قبل الميقات، وقد روى ابن المواز عن مالك جواز ذلك وكراهيته، فيما قرب
من الميقات، وروى العراقيون كراهيته على الإطلاق.
وجه رواية العراقيين ما قدمناه قبل هذا من أمره بالميقات وتوقيته الإحرام به يمنع
تقديمه عليه وتأخيره عنه كميقات الزمان. ووجه رواية ابن المواز أن التوقيت إنما هو لمنع
مجاوزته بالإحرام لا لمنع التقديم عليه لأن الإهلال قبل الميقات مباح، ويمنع استصحابه
بعد الميقات، والأول أقيس، فدخل على هذا ميقات الزمان.
فرع: وإذا قلنا برواية ابن المواز، فالفرق بين القرب والبعد، أن من أحرم بقرب
الميقات، فإنه لا يقصد إلا مخالفة التوقيت لأنه لم يستدم إحرامًا، وأما من أحرم على
البعد منه فإن له غرضا فى استدامة الإحرام، وهذا كما قلنا إن من كان فى شعبان لم
يجز له أن يتقدم صيام رمضان بصيام يوم أو يومين، ومن استدام الصوم من أول شعبان
جاز له استدامة ذلك حتى يصله برمضان.
٧٢٣ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَهَلَّ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ بِعُمْرَةٍ.
الشرح: اعتمار النبى ﴿ من الجعرانة حين رجع من حنين، والجعرانة وحنين
متقاربان، فاعتمر من الجعرانة، ولعله 198 إنما أجمع على العمرة بعد أن حل بالجعرانة،
وأنه قبل ذلك لم يكن عزم على الرجوع إلى مكة حتى يلقى عدوًا أو يحدث سفرًا أو
ما شاء الله من ذلك، ويحتمل أن يكون قصد دخول مكة من حنين لأنه لم يبد له أن
يعتمر إلا من الجعرانة، وقد كان يجوز له دخول مكة بغير إحرام على ما قاله شيوخنا.
٧٢٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٩٦.
٧٢٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٩٨.

٣٤٥
....
كتاب الحج .
وذلك أن سحنونًا قال، فيمن دخل معتمرًا فحل من عمرته ثم خرج لحاجة عرضت
له إلى مثل جدة أو الطائف، وهو ينوى الرجوع إلى مكة ليحج من عامه: ليس عليه أن
يدخل بإحرام، مثل ما قال مالك فى الذين يختلفون إلى مكة بالحطب والفاكهة، وإن
كان حين خرج إلى سفره لم ينو العودة ثم بدا له، فعليه الإحرام، وذلك أن من دخل
مكة وخرج منها ينوى العودة إليها، فقد صار حكمه حكم أهلها الذين تعرض لهم
الحوائج خارجها، فيخرجون إليها وليس عليهم إحرام لدخولها.
مسألة: ومن سلك طريقًا إلى مكة، وهو لا ينوى أن يبلغها، فلما جاوز الميقات
نوى دخول مكة أجزأه أن يحرم من حيث نوى ذلك، ولا يرجع لأنه إنما قصد مكة من
حیث أحرم.
العمل فى الإهلال
٧٢٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْسَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿٤﴾: كَبَيْكَ
اللَّهُمَّ لَبَيْكَ: لَبَيْكَ لا شَرِيكَ لَّكَ لَيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ
لَكَ. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَيْكَ لَبَّيْكَ لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ
بيَدَيْكَ لَبَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ(١).
٧٢٤ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٤٤٨. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم
٢٠٢٩. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٥٥، ٧٥٦. والنسائى فى كتاب مناسك الحج
حديث رقم ٢٦٩٥، ٢٦٩٦، ٢٦٩٧، ٢٦٩٨. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم
١٥٤٧. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٢٩٠٩. وأحمد فى المسند حديث رقم
٤٢٢٥، ٤٥٩٠، ٤٦٦١، ٤٧٥٥، ٤٧٧٧، ٤٨٢٧، ٤٨٤٢، ٤٩٠٧، ٥٢١٨، ٥٢٥١،
٥٧٤٩، ٥٨٧١. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم ١٧٤٠. والبيهقى فى الكبرى
٤٤/٥ عن عبد الله بن عمر. والدارقطنى ٢٥٥/٣ عن ابن عمر.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٢١/٥: يقال: إنه لم يسمع أبو الربيع الزهرانى من مالك غير
هذا الحدیث. حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علی الدینوری، حدثنا
عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز البغوى، وحدثنا خلف، حدثنا أبو الطاهر محمد بن عبدالله
القاضى، حدثنا موسى بن هارون الحمال، قالا: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع الزهرانى،
حدثنا مالك، عن نافع عن ابن عمر، قال: ((كانت تلبية رسول الله 19 لبيك اللهم لبيك، لبيك
لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». هكذا روى هذا الحديث=

کتاب الحج
٣٤٦
......
الشرح: قوله: ((أن تلبية رسول الله (8))، يريد التى كان يلبى بها ويواظب عليها،
وإن كان لا يواظب على تلبية مخصوصة لما اختصت بالنسة إليه، ومواظبته ﴾ عليها
على سبيل الاختيار لها لا على على سبيل الوجوب، ولذلك زاد فيها عبدالله بن عمر
وبأى لفظ لبى الملبى أجزأه.
ولبيك(٢) إجابة الداعى، مأخوذ من ألب بالمكان، إذا أقام به كأنه قال: هذا مقيم
عندك، وثنى على معنى أنها إجابة، على سبيل التأكيد هذا الذى يذكره أهل اللغة.
مسألة: والتلبية مسنونة فى الحج غير مفروضة، قال ذلك الشيخ أبو القاسم فى
تفریعه.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: إنها ليست من أركان الحج، وإلا فهى
واجبة، ولذلك يجب الدم بتر کها.
فصل: وأما قوله: ((لبيك إن الحمد والنعمة لك))، فإنه يروى بكسر الهمزة وفتحها؛
وقال قوم: إن كسر الهمزة أبلغ فى المدح(٣)، وليس ذلك يبين لأن كسر الهمزة إنما
يقتضى الإخبار بأن الحمد والنعمة لك، وأنه ابتداء كلام، وفتح الهمزة يقتضى التلبية
من أجل أن الحمد والنعمة له، وليس فى أحد اللفظين مزية مدح.
فصل: وقوله: ((والخير بيديك))، يقتضى أن جميع الخير بيديه؛ لأن الألف واللام
لاستغراق الجنس، فكان الملبى يلبى ربه، وهو يعتقد أن جميع الخير بيديه، والرغباء لك
إذا فتح الراء مد، وإذا ضمها قصر، وكأنه قال: إن المرغوب إليه، هو الله تعالى
والمقصود بالعمل.
٧٢٥ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُصَلِّى
=أبو الربيع الزهرانى، ولم يذكر زيادة ابن عمر، وكل من روى الموطأ ذكرها فيه، وذكرها أيضا
جماعة من غير رواة الموطأ.
(٢) (لبيك)): قال الجمهور: هى مثناة لتكثير والمبالغة ومعناها إجابة بعد إجابة ولزومًا لطاعتك
مثنى للتوكيد لاتثنية حقيقية واشتقاقها من لب بالمكان إذا أقام به ولزمه، وقيل من قولهم دارى
تلب دارك أى تواجهها، وقيل من قولهم حب لباب أى خالص محض، وقال إبراهيم الحربى:
معنى لبيك أى قربا منك وطاعة والالباب العرب.
(٣) قال النووى: يروى بكسر الهمزة وفتحها والكسر أجود على الاستئناف والفتح على
التعلیل.
٧٢٥ - أخرجه البخارى ٢٦٣/٢ كتاب الحج باب قوله تعالى: ﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾-

٣٤٧٠٠
كتاب الحج
فِى مَسْجِدِ ذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلْتُهُ أَهَلَّ.
الشرح: قوله: ((كان يصلى فى مسجد ذى الحليفة ركعتين))، هذا اللفظ إذا أطلق فى
الشرع اقتضى ظاهره فى عرف الاستعمال النافلة، وهو المفهوم من قولهم: صلى فلان
ركعتين، وإن كان قد روى أن صلاة النبي ﴿﴿ بذى الحليفة كانت صلاة الفجر، وقد
اختار مالك أن يكون إحرامه بأثر نافلة لأنه زيادة خير. وقد كان الحسن بن أبى الحسن
يستحب أن يكون الإحرام بأثر صلاة فريضة.
مسألة: فإن لم يحرم بأثر صلاة نافلة وأحرم بأثر فريضة أجزأه، فإن ورد الميقات فى
وقت لا تجوز فيه الصلاة النافلة، وليس بوقت فريضة، فالأفضل أن ينتظر وقت جواز
الصلاة إلا أن يخاف فواتًا أو عذرًا فإن أحرم ولم ينتظر ذلك أجزأه لأن ذلك مندوب
إليه وليس بواجب ولا شرط فى صحة الإحرام.
فصل: وقوله: ((فإذا استوت به راحلته أهل))، يريد أن تستوى قائمة، وهذا الاستواء
والانبعاث أخذها فى القيام واستواؤها كمال القيام، وذهب مالك وأكثر الفقهاء إلى أن
المستحب أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة على لفظ الحديث. وقال أبو
حنيفة: يهل عقيب الصلاة إذا سلم منها. وقال الشافعى: يهل إذا أخذت ناقته فى
المشى.
والدليل على صحته ما ذهب إليه مالك ما روى مسلم بن حسان عن نافع عن ابن
عمر ((أن رسول الله ﴿﴿ أهل حين استقلت به راحلته قائمة)).
٧٢٦ - مَالِكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنْهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ:
-عن أنس. ومسلم ٨٤٥/٢ کتاب الحج؛ یاب ٥ رقم ٢٩ عن ابن عمر.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٢٦/٥: لم يختلف الرواة عن مالك فى إرسال هذا الحديث بهذا
الإسناد، وقد روی معناه مسندا من حديث ابن عمر وأنس من وجوه ثابتة.
٧٢٦ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٤٤١. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم
٢٠٣٤. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٤٧. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث
رقم ٢٧٠٥. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٠٨. وابن ماجه فى كتاب المناسك
حديث رقم ٢٩٠٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٥٨٨، ٤٦٩٨.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٢٨/٥: هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة للموطأ عن مالك
رحمه الله وكذلك رواه ابن عيينة، كما رواه مالك سواء بلفظ واحد، وبإسناده قال فيه: سمعت
موسى، سمع سالما، سمعت ابن عمر، فذكره، ورواه شعبة، عن موسى بن عقبة، فخالفهما فى
معناه.

كتاب الحج
٣٤٨
بَيْدَاؤُكُمْ (١) هَذِهِ الْتِى تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ:﴿ فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إِلا
مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِى مَسْجِدَ ذِى الْحُلَيْفَةِ.
الشرح: قوله: ((بيداؤكم هذه التى تكذبون على رسول الله ﴿﴿ فيها))، يعنى والله
أعلم، أنهم يقولون إن النبى ﴿ أخر الإحرام والإهلال بالحج والعمرة حتى أشرف
عليها، وذلك مروى عن أنس قال: ((صلى النبى ﴿﴾ بالمدينة، ونحن معه، الظهر أربعًا،
وصلى بذى الحليفة ركعتين، ثم بات فيها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به ناقته
على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة)) فأنكر عبدالله بن عمر الرواية
ووصفها بالكذب لأن الكذب الإخبار بالشىء على ما ليس به قصد بذلك المخبر، أو
لم يقصد.
وقد روى عن أنس غير هذا، واختلفت الرواية عن ابن عباس، فروى عنه أنه أهل
بأثر السلام من الصلاة، فحفظ ذلك عنه، ثم ورد قوم فوجدوه يهل حين استوت به
راحلته، فحفظوا ذلك عنه، وقال: أهل حين استوت ناقته على البيداء، وأصح هذه
الروايات ما وافق رواية ابن عمر، فإن روايته لم تختلف فى ذلك.
وفى المدنية عن ابن نافع: أنكر مالك الإحرام من البيداء، وقال: ما البيداء، وهذا
الحديث الذى ذكره ابن عباس يسوغ لنا فى حديث أنس، ويلزمنا الجواب عنه إذا
اعترض به علينا أبو حنيفة، فنقول: إن حديث ابن عمر أولى؛ لأنه أحفظ الناس
للمناسك، وابن عباس فى حجة الوداع صغير.
ووجه آخر أن ابن عباس اختلفت روايته فى هذا الحكم، ولم تختلف رواية ابن
عمر. ووجه ثالث أن حديث ابن عمر صحيح لا يختلف فى صحته، وحديث ابن
عباس رواية محمد بن إسحاق عن خصيف، ولا يحتج بحديثه.
فصل: وقوله: ((ما أهل رسول الله ﴿﴿ إلا من عند مسجد ذى الحليفة))، يقتضى أنه
أفضل مواضع ذى الحليفة للاقتداء بالنبى ﴿19 والتبرك بموضع إحرامه ومن أحرم من غير
ذلك الموضع من ذى الحليفة أجزأه؛ لأنه لا يمكن كل واحد من الناس أن يحرم من ذلك
الموضع مع عظم الرفاق وكثرة البشر وتزاحم الناس.
(١) قال ابن عبد البر: وأما قوله فى هذا الحديث: ((بيداؤكم)) فإنه أراد موضعكم الذى تزعمون
أن رسول الله ﴾ لم يهل إلا منه، قال ذلك ابن عمر منكرا لقول من قال: إن رسول الله ﴾
إنما أهل فى حجته حين أشرف على البيداء، والبيداء الصحراء يريد بيداء ذى الحليفة.

٣٤٩٠
کتاب الحج
وقد سئل مالك عن الجحفة أيحرم المرء من أول الوادى أو أوسطه أوآخره؟ فقال:
هو مهل كله، قال: وسائر المواقيت كذلك، وأحب إلى أن يحرم من أول الوادى حتى
يأتى على ذلك كله، وهو محرم، فالمواقيت على ضربين، ميقات أحرم النبى
ـا منه،
وميقات لم يحرم منه، فأفضله موضع إحرام النبى
٧٢٧ - مَالِك، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ
لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ
يَصْنَعُهَا قَالَ: وَمَا هُنَّ يَا ابْنَ حُرَيْجِ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَّانِ إِلَا الْمَانِيْنِ،
وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّئَّةَ(١)، وَرَأَيْتُكَ تَصْبِغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ
أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلالَ، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التّْوِيَةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ عُمَرَ: أَمَّا الأَرْكَانُ، فَإِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللّهِ ﴿ يَمَسُّ إِلا الْمَانِّيْنِ، وَأَمَّا النّعَالُ
السِّيّةُ، فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَلْبَسُ النِّعَالَ الْتِى لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا،
فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّ الصُّفْرَةُ، فَإِنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿هَا يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنّا
أُحِبُّ أَنْ أَصْغَ بِهَا، وَأَمَّ الإِهْلالُ، فَإِنِّى لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يُهِلُّ خَتَّى تَنْبُعِثَ
بِهِ(١) رَاحِلْتُهُ.
الشرح: قوله: ((رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدٌ من أصحابك يصنعها))، سؤاله عن
وجه تعلقه بها، وهل عنده فى ذلك توقيف من النبى ﴿﴿ أو فعل ما فعل عن رأى
واجتهاد؛ لأن عبدالله بن عمر كان كثير التحفظ لأفعال النبى ﴿﴾ شديد الاقتداء به
فيها، معروفًا بذلك مشهورًا فى الصحابة والتابعين، فأراد ابن جريج أن يعلم ما خالف
٧٢٧ - أخرجه البخارى فى كتاب الوضوء حديث رقم ١٦١. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم
٢٠٠٣٧، ٢٢٢٥. والنسائى فى كتاب الطهارة حديث رقم ١١٦، وكتاب مناسك الحج حديث
رقم ٢٨٩٨، ٢٨٩٩، ٢٩٠٠، ٢٩٠١، ٢٩٠٢، ٢٩٤٦، وكتاب الزينة حديث رقم ٤٩٩٦،
٥٠٢٤، ٥١٤٧. وأبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٠٩، وكتاب اللباس حديث رقم
٣٥٤٢، وكتاب الترحل حديث رقم ٣٦٧٧. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم
٢٩٠٧، ٢٩٣٧، وكتاب اللباس حديث رقم ٣٦١٦. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٤٢٧،
٤٩٨٧، ٥٠٨٥، ٥٦٢٦، ٦١٧٤،٥٦٧٣. والبيهقى فى الكبرى ٣١/٥ عن عبدالله بن عمر.
(١) السبتية: نعال من جلد مدبوغ ليس فيها شعر.
(١) تنبعث به: تستوى قائمة.

· كتاب الحج
٣٥٠ .٠.
فيه أصحابه من ذلك إن كان لسنة من النبى ﴿ أو لرأى منه، وأعلمه بخلاف جماعة
من الصحابة له ذلك ليكون ذلك أبعث له على قوة الاجتهاد وشدة التحرز من السهو
والغلط.
ثم فسرها ابن جريج حين سأله ابن عمر عن ذلك، فقال: ((رأيتك لا تمس من
الأركان إلا اليمانيين))، فأخبره ابن عمر أنه لم ير النبى ﴿﴿ يمس منها غير اليمانيين،
وهذه سنة كافية، فيما ذهب إليه لأن النبى ﴿﴿ طاف أشواطًا وأسابيع، ولم يره ابن عمر
مع ذلك يمس من الأركان غير اليمانيين، فالظاهر أنه قصد تركها، ويحتمل أن يكون
◌ّ ترك استلامها لأن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم * فصار الركنان الشاميان
ليسا بركنين على الحقيقة، وقد تأول ذلك عبدالله بن عمر فيهما، وسيأتى بعد هذا إن
شاء الله تعالى، وهذا اختيار مالك أن لا يستلم من الأركان غير اليمانيين للمعنى الذى
ذ کرناه.
فصل: وقوله: ((ورأيتك تلبس النعال السبتية))، وهى نعال تدبغ بالقرظ، ويجب أن
يكون على قول ابن عمر لا شعر فيها. وقد روى سحنون عن ابن وهب أن النعال
السبتية كانت سوداء لا شعر فيها. قال محمد: فقلت له: قال بعضهم: هى النعال المدبوغة
بالقرظ، سميت بذلك لأن أكثرهم كان يلبسها غير مدبوغة إلا أهل السعة منهم.
قال سحنون: قد أعلمتك ما قال فى ابن وهب، وهذا الذى قاله محمد بن سحنون لا
يعترض على ما قاله ابن وهب لأنه لم يمتنع أن تكون السبتية المدبوغة بالقرظ وتكون لا
شعر فيها، وأن العرب كان يلبس أكثرهم النعال غير مدبوغة، وأن السبتية كان لا
يلبسها إلا أهل الشرف والسعة. ولذلك قال الشاعر:
يحذى نعال السبت ليس بتوأم
ولا يصح أن تكون السبتية مدبوغة بالقرظ وعليها شعر، ويحتج عبدالله بن عمر
اختصاصه بلبسها بأن النبى ﴿﴿ كان يلبس النعال التى لا شعر عليها.
فصل: وقوله: ((ورأيتك تصبغ بالصفرة))، يحتمل أن يريد الخضاب، ويحتمل أن يريد
الثياب، وقال يحيى بن عمر: يريد أنه كان يصبغ بها ثيابه لا لحيته. قال: وهذا معناه عند
أصحاب مالك. قال أحمد بن خالد: ولا يثبت أن النبى 48 صبغ لحيته بصفرة ولا غيرها
ولا أدرك ذلك، توفى رسول الله ﴿﴿ وليس فى لحيته ورأسه عشرون شعرة
بيضاء.

٣٥١
....
كتاب الحج
وقد روى زيد بن أسلم عن أبيه أن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران، فقيل له
فقال: كان رسول الله ﴾ يصبغ ثيابه، وكان - أو رأيته - أحب الطيب إليه.
وهذا الحديث الذی ذکره أحمد بن خالد رواه أبو داود علی غیر هذا الوجه، روی
عن زيد بن أسلم أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه بالصفرة، فقيل
له: لم تصبغ بالصفرة، فقال: إنى رأيت رسول الله
؛ یصبغ بها، ولم يكن شىء أحب
إلیه منها، وقد کان یصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته.
والذی روی عن ابن عمر أنه كان يصفر لحيته أكثر وأصح من الذى رواه أحمد بن
خالد ولا يمتنع أن یکون النبی ۵﴾ کان یصبغ ثيابه و لحيته بالصفرة فیقتدى به فى ذلك
ابن عمر ويستحبها من أجله فيصبغ بها ثيابه ولحيته، والله أعلم، كما رأى النبى
أهل بعمرة، فأحصر بعدوٍّ، فتحلل فأردف هو الحج على العمرة لما خاف أن يصد عن
البيت ليتحلل دونه إن حصر، وقال: ((ما أمرهما إلا واحد)).
فصل: وقوله: ((ورأيتك إذا كنت بمكة لم تهل حتى يكون يوم التروية)، يوم التروية
يوم منى، وهو ثامن، عشر ذي الحجة، فكان الصحابة يهلون لهلال ذى الحجة، وكان
ابن عمر يؤخر إهلاله، فإذا كان يوم التروية أهل ووصل خروجه إلى منى بإهلاله،
ولذلك قال: «وأما الإهلال، فإنی لم أر رسول الله 18 یھل حتى تنبعث به راحلته»،
يريد أن تأخيره الإهلال إلى يوم التروية، وترك تقديمه فى أول العشر لمن كان مقيمًا بمكة
من قاطن أو قادم ممن يريد الإحرام منها إنما اختار ذلك لأنه لم ير النبى ان يهل حتى
تنبعث به راحلته متوجهًا، وأخذ فى فعل الحج، فرأى عبدالله بن عمر أن إهلاله يوم
التروية حين تنبعث به راحلته متوجهًا إلى منى أشبه بفعل النبى ﴿٤﴾ وأقرب إلى الاقتداء
به من الإهلال فى أول ذى الحجة، والمقام بمكة إلى يوم التروية ولعمرى إنه لوجه حسن
لمن کان بغیر بمكة.
وقد روى ابن وهب فى موطئه عن مالك: لا ينبغى لأحد أن يهل بحج أو عمرة ثم
يقيم بأرض يهل بها حتى يخرج. ورواه ابن عبدالحكم عن مالك.
ووجه ذلك أن الإهلال إنما هو إجابة لمن دعا إلى الحج وتلبيته للداعى، وليس المقام
من جنس التلبية، ولا مما يجب أن يقرن بها، وإنما يجب أن يقرن بها المسارعة بالعمل
الذى يشاكلها، وهذا كله لمن كان بغير مكة، وأما من كان بمكة فقد اختار أكثر
الصحابة والعلماء والإهلال أول ذى الحجة. ورواه ابن القاسم عن مالك وابن
عبدالحکم.

.. كتاب الحج
٣٥٢
ووجه ذلك أن يستديم المحرم الإحرام وبأخذ بحظ من الشعث على حسب ما فعله
النبى ﴿ حين أحرم من ميقاته، فلما فات أهل مكة الشعث بقطع المسافة، عوضوا من
ذلك مسافة من الزمان، وسيأتى بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وروى أكثر الرواة هذه اللفظة: ((حتى تنبعث به راحلته)) ومعناه تنبعث من الأرض
للقيام، وخالفهم عبدالله بن إدريس، فرواه عن مالك وجماعة معه بلفظ ((الاستواء))
ولیس محفوظ.
٧٢٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّى فِى مَسْجِدٍ ذِى
الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَرْكَبُ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلْتُهُ أَحْرَمَ.
الشرح: قوله: ((كان يصلى فى مسجد ذى الخليفة ثم يخرج فيركب))، دليل على
أن رواحلهم كانت بقرب المسجد ببابه، وما اتصل به وبقرب منه ثم قال: ((فإذا
استوت به راحلته أحرم)»، وذلك موافق لما قلناه من أن الإهلال يجب أن يكون عند
استواء الراحلة قائمة لمن يركبها مناخة.
وقد روى هذا الحدیث فليح بن سليمان فقال فيه: فإذا استوت به راحلته قائمًا
أحرم، ولو كان ممن يركب قائمًا على حسب ما يفعله أكثر الحاج اليوم لكان إهلاله
إذا استوى عليها راكبًا.
٧٢٩ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِى
الْحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلْتُهُ، وَأَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
الشرح: قوله: ((أن عبدالملك بن مروان أهل من عند مسجد ذى الحليفة)) فى ذلك
الوقت وفعله مشهور، ولا يفعله إلا عن مشاورة أبان بن عثمان، ومن كان مثله من
أهل العلم والدين، وقد اشتهر فعله بذلك اشتهار فعل الخلفاء بحضرة أئمة الأمصار
وعلماء الإسلام ولم ينكر ذلك عليه، فثبت أنه المعروف المشهور.
٧٢٨ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٤٥٢. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم
٢٠٣١، ٢٠٣٧، ٢٣٩٧، ٢٣٩٨. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٩٦.
٧٢٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٠٣. المغنى ٤٠٤/٣. المحلى ١٢٥/٧.

٣٥٣٠٠
.....
كتاب الحج .
......
رفع الصوت بالإهلال
٧٣٠ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ
الْمَلِكِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ خَلَادِ بْنِ السَّائِبِ الأنْصَارِىِّ، عَنْ
أَبِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((أَتَانِى جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِى أَنْ آمُرَ أَصْحَابِى أَوْ مَنْ مَعِى أَنْ
يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتّلِيَةِ أَوْ بِالإِهْلالِ، يُرِيدُ أَحَدَهُمَا».
الشرح: قوله: ((أتانى جبريل))، إخبار منه ﴿﴿ أن هذا الأمر مما أتاه به جبريل، وأنه
لم يقتصر فيه على ما أداه إليه اجتهاده.
وقوله: ((أمرنى أن آمر أصحابى أو من معى)) الشك من الراوى، ومن معه هم
أصحابه لاسيما على ما ذهب إليه جمهور أصحاب الحديث، فإنهم يقولون فلان له
صحبته، وإن لم يكن رأى النبى ﴿﴾ إلا مرة واحدة.
أما القاضى أبو بكر فذهب إلى أن للصحبة مزية على الرؤية، وأن اسم الصحابى إنما
يطلق على من صحب النبى ﴿﴿، وكان معه، وجميع من حج مع النبى ﴿ فقد صحبه
فى طريقه وحجه، وما قاله أبو بكر أظهر من جهة اللغة غير أن المعروف المشهور عند
أصحاب الحديث ونقلة الآثار ما قدمناه.
فصل: وقوله: ((أمرنى أن آمر أصحابى أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية))، فإن التلبية من
شعائر الحج ومما لا يجوز للحاج تعمد تركها فى جميع نسكه، ومتى تركه فى جميعه
عامدًا أو غير عامد، فعليه دم. وقال الشافعى: لا دم عليه.
والدليل على ذلك أنه ترك واجبًا فى الحج، فلم يسقط وجوبه عنه إلى غير بدل
كالمبيت بالمزدلفة، فإن سلموا وجوب التلبية وإلا فالحديث حجة عليهم لأن ظاهر الأمر
الوجوب(١).
٧٣٠ - أخرجه الترمذى فى كتاب الحج حديث رقم ٧٥٩. والنسائى فى كتاب مناسك الحج
حديث رقم ٢٧٠١. أبو داود فى كتاب المناسك حديث رقم ١٥٤٨. وأحمد فى المسند حديث
رقم ١٥٩٦١. والبيهقى فى السنن الكبرى ٤٢/٥ عن خلاد بن السائب، عن أبيه. والدارقطنى
٢٣٨/٢ عن خلاد بن السائب، عن أبيه. والطبرانى فى الكبير ١٦٨/٧ عن خلاد بن السائب،
عن أبيه. والبغوى بشرح السنة ٥٣/٧ عن خلاد بن السائب، عن أبيه. وذكره فى الكنز برقم
١١٩١٢ وعزاه السيوطى لأحمد، وابن عدى، وابن حبان، والحاكم عن خلاد بن السائب.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٤٤/٥: هذا حديث اختلف فى إسناده اختلافا كثيرا، وأرجو أن
تکون رواية مالك فیه اصح ذلك، إن شاء الله.
(١) قال ابن عبد البر: اختلف العلماء فى وجوب التلبية وكيفيتها، فذهب أهل الظاهر إلى=

· کتاب الحج
٣٥٤ ٠
فصل: وأما رفع الصوت بالتلبية، لما كانت التلبية من شعائر الحج كان من سنتها
الإعلان به ليحصل المقصود منها كالأذان وليس له أن يرفع صوته حتى يشق على
نفسه، ولکن علی قدر طاقته وبحسب ما لا يتأذى إلا به.
مَالِكَ أَنْهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْتَلْبَةِ لِتُسْمِعِ
الْمَرَأَةُ نَفْسَهَا.
الشرح: وهذا كما قال أنه ليس على النساء رفع أصواتهن بالتلبية؛ لأن النساء ليس
شأنهن الجهر لأن صوت المرأة عورة، فليس عليها من الجهر إلا بقدر ما تسمع نفسها،
وما زاد على ذلك من إسماع غيرها، فليس من حكمها والجهر فى الصلاة كذلك.
قَالَ مَالِك: لا يَرْفَعُ الْمُحْرِمُ صَوْتَهُ بِالإِهْلَالِ فِى مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ لِيُسْمِعْ نَفْسَهُ
وَمَنْ ◌َلِهِ إِلا فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدٍ مِنِّى، فَإِنّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِيهِمَا.
الشرح: وهذا كما قال أن المحرم لا يرفع صوته بالإهلال فى غير مسجد منى،
والمسجد الحرام من مساجد الجماعات، وهذا المشهور عن مالك. وروى القاضى أبو
الحسن أن ابن نافع روى عن مالك أنه قال: يرفع صوته بالتلبية فى المساجد التى بين
مكة والمدينة، قال أبو الحسن: هذا وفاقًا للشافعى فى أحد قوليه، وله قول ثان: أنه
يستحب رفع الصوت بالتلبية فى سائر المساجد.
ووجه قول مالك المشهور عنه أن المساجد مبنية للصلاة، وذكر الله تعالى، وتلاوة
القرآن، فلا يصح رفع الصوت فيها بما ليس من مقصودها لأنه لا تعلق لشىء منها
بالحج، وأما المسجد الحرام ومسجد الخيف، فللحج اختصاص بهما من الطواف
والصلاة أيام منى، ولسبب الحج بنيا، فلذلك استحب رفع الصوت فيهما بالتلبية.
قَالَ مَالِك: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ الْتَلِيَةَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ وَعَلَى كُلِّ
شَرَفٍ(١) مِنَ الأَرْضِ.
الشرح: وهذا كما قال أن التلبية مستحبة دبر كل صلاة لأن ذكر الله تعالى
=وجوب التلبية، منهم داود وغيره. وقال سائر أهل العلم: ذلك من سنن الحج وزينته. وكان
مالك يرى على من ترك التلبية من أول إحرامه إلى آخر حجه دما يهريقه. وكان الشافعى، وأبو
حتیفة لا یریان عليه شيئا، وإن كان قد أساء عندهم.
(١) شرف: مكان مرتفع.

كتاب الحج .
٣٥٥
...
مشروع بأثر الصلوات فيستحب للحاج ما يختص به، وما هو شعاره، وهو التلبية،
وهذا حكم جميع الصلوات المفروضة والمسنونة والنافلة، رواه ابن المواز عن مالك.
فصل: وقوله: ((وعلى كل شرف من الأرض))، يريد ما ارتفع منها. وقال فى
الواضحة: وفى بطن كل واد وعند لقى الناس وعند انضمام الرفاق وعند الانتباه من
النوم، وإنما يريد بذلك أن هذه هى الأحول التى تقصد بالتلبية لأن التلبية شعار الحاج
فشرع الإتيان بها عند التنقل من حال إلى حال، والله أعلم.
*
إفراد الحج
٧٣١ - مَالِك، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِّ ﴿ أَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ،
فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَّلَ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ
رَسُولُ اللّهِ ﴿ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَمَلَّ بِحَجُّ أَوْ جَمَعَ
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يُحِلُوا حَتّى كَانَ يَوْمُ النّحْرِ (١).
الشرح: قولها: ((خرجنا مع رسول الله ﴿ عام حجة الوداع))، وهو عام عشرة
من الهجرة، ولم يحج النبى 18 من المدينة غير هذه الحجة)، حج أبو بكر بالناس عام
تسعة، وحج النبى 18 بعده عام عشرة، وإنما سميت حجة الوداع لأن النبى
وعظهم فيها وودعهم، فسميت حجة الوداع.
٧٣١ - أخرجه البخارى فى كتاب الحج حديث رقم ١٤٦٠. ومسلم فى كتاب الحج حديث رقم
٢٣٥٥. والنسائی فی کتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٦٧، ٢٧١٢. وأبو داود فى كتاب
المناسك حديث رقم ١٥١٦، ١٥١٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٤٢، ٢٢٩٤٧،
٢٣٧٣٠، ٢٤٤٠٢، ٢٤٦٥٤، ٢٤٨٧١، ٢٤٨٩١، ٠٢٥١٣٩
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٤٦/٥: هذا حديث ثابت صحيح، وقد روى عن مالك، عن
محمد بن عبدالرحمن، عن سليمان بن يسار، أن رسول الله، ، عام حجة الوداع، خرج إلى
الحج، فمن أصحابه من أهل بحج، ومنهم من جمع الحج والعمرة، ومنهم من أهل بعمرة، فأما من
أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحل، وأما من كان أهل بعمرة فحل. وهذا الحديث المرسل
داخل فى مسند أبى الأسود، عن عروة، عن عائشة، هذا. وفيه خروج النساء فى سفر الحج مع
أزواجهن، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.

کتاب الحج
٣٥٦
فصل: وقولها: ((فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل
بالحج))، تريد أن من نسك منهم كان على هذه الثلاثة الأضرب، ولا يصح نسك على
غير هذه الوجوه الثلاثة، وهى كلها مشروعة جائزة لأن النبى ﴿لَ﴾ أقر عليها.
وفى قولها بعد هذا التقسيم: (إن النبى (48 أهل بالحج))، تصريح بأنه أفراد الحج لا
أنها قد نفت عنه الصفتين الأخریین و جعلته ممن كان نسكه الحج.
وقد اختلف الناس فى حج رسول الله ®، فذهب مالك إلى أنه أفرد، وهو أحد
قولى الشافعى. وقال أبو حنيفة والثورى: إنه قرن الحج والعمرة. وقال أحمد بن حنبل
وإسحاق: وتمتع، وهو أحد قولى الشافعى. واختلفوا على حسب ذلك فى الأفضل من
هذه الصفات.
وفى الحديث دليل على صحة ما ذهب إليه مالك وعائشة أقعد بالنبى ﴿﴿ وأعلمهم
بما كان عليه لاسيما وقد تقصت أصناف النسك، وقسمته ثلاثة أقسام، قسم قرن الحج
بالعمرة، وقسم أحرم بالعمرة، وذلك يقتضى إفراده لها وإلا كان من القسم الأول،
وهو قسم القران، وقسم أحرم بالحج، وذلك يقتضى إفراده له وإلا دخل فى القسم
الأول، وجعلت النبى 18 ممن أحرم بالحج، وذلك يقتضى إفراده له، وقد أجمعنا على
أن ما فعله من صفات الحج، فهو الأفضل.
فصل: وقولها: ((فأما من أهل بعمرة فحل))، تريد بعد أن طاف وسعى بمكة، وأما
من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحل حتى كان يوم النحر، وهو وقت كمال
الحج لأن أول وقت تحلل الحاج يوم النحر ومن أهل بالحج والعمرة، فلا ينفعه تمام
طوافه وسعيه فى جواز تحلله من عمرته لأنه لما قرن بين النسكين.لم يصح تحلله من
أحدهما إلا بتحلله من الآخر لأنه قد صار حكمهما حكم النسك الواحد، والله
أعلم.
٧٣٢ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ
٧٣٢ - أخرجه مسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٣٥٥. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم
٧٤٩. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٦٥، ٢٦٦٦. وأبو داود فى كتاب
المناسك حدیث رقم ١٥١٤. وابن ماجه فى كتاب المناسك حدیث رقم ٢٩٥٥، ٢٩٥٦.
وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٤٨، ٢٤٨٦٩. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم
١٧٤٣. وابن عدى فى الكامل ٢٤٣/٦، عن عامر بن ربيعة.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٣٤٧/٥: هذا أصح حديث يروى عن النبى ®! أنه أفرد الحج،=

٣٥٧
....
كتاب الحج .
الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ أَفْرَدَ(١) الْحَجَّ.
٧٣٣ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ: وَكَانَ يَتِيمًا فِى
حَجْرِ عُرْوَةً بْنِ الزُّبَيْرِ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ أَفْرَدّ الْحَمَّ.
الشرح: قولها: ((إن رسول الله (9) أفرد الحج))(٢)، يقتضى إفراده من كل ما يمكن
أن يقترن به وهى العمرة، وهذا اللفظ ينطلق من جهة اللغة على كل من اعتمر فى
أشهر الحج، فحل من عمرته ثم أهل بالحج لأنه قد أفرد الحج من مقارنة العمرة إلا أن
عرف الشرع يقتضى أن إفراده الحج هو ما لم تقارنه عمرة، وإلا كان متمتعًا فإذا أُطلق
فى الشرع إفراد الحج، فهم منه ترك التمتع والقران.
مَالِك أَنْهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ مُفْرَدٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُهِلَّ بَعْدَهُ
بِعُمْرَةٍ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ الَّذِى أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . .
الشرح: وهذا كما قالوا أن من أهل بحج ثم أراد أن يردف العمرة على الحج، لم
- وإليه ذهب مالك فى اختياره الإفراد وأصحابه، وأبو ثور، وجماعة؛ وروى ذلك عن أبى بكر،
وعمر وعثمان وهو أحد قولى الشافعى واختياره.
(١) الإفراد: الإحرام بالحج غير مقترن بعمرة.
٧٣٣ - أخرجه مسلم فى كتاب الحج حديث رقم ٢٣٥٥. والترمذى فى كتاب الحج حديث رقم
٧٤٩. والنسائى فى كتاب مناسك الحج حديث رقم ٢٦٦٥، ٢٦٦٦. وأبو داود فى كتاب
المناسك حديث رقم ١٥١٤. وابن ماجه فى كتاب المناسك حديث رقم ٢٩٥٥، ٢٩٥٦.
وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٤٨، ٢٤٨٦٩. والدارمى فى كتاب المناسك حديث رقم
٠١٧٤٣
(٢) قال النووى: قد اختلفت روايات الصحابة رضى الله عنهم فى صفة حجة النبى 188 حجة
الوداع هل كان مغردًا أم قارنًا أم متمتعًا، وقد ذكر البخارى ومسلم رواياتهم كذلك، وطريق
الجمع أنه # كان أولا مفردًا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنًا فمن
روى الأفراد فهو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمرين، ومن روى التمتع أراد التمتع
اللغوى والانتفاع والارتفاق، وقد ارتفق بالقران كارتفاق المتمتع وزيادة وهو الاقتصار على فعل
واحد وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها. انتهى باختصار. انظر: صحيح مسلم شرح النووى
کتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام.

كتاب الحج
٣٥٨
يكن ذلك له؛ لأن إرداف الإحرام على الإحرام، يقتضى أن يستفاد بالثانى فائدة وحكم
لا يوجد بالأول، وإلا فلا فائدة لهذا الإرداف، وكذلك لا يصح أن يردف حجًا على
حج أو عمرة على عمرة، وهو على إحرامه الأول وإن أحرم بحجتين أو عمرتين كان
محرمًا بواحدة، ولا يلزمه فى شىء من ذلك قضاء ولا دم، قاله القاضى أبو الحسن،
وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة والثورى: تلزمان جميعًا فى ذلك كله، ويكون
محرمًا بهما حتى يتوجه فى السفر فترتفض إحداهما، وعليه قضاء، منا أردف من قابل
والدم.
ودليلنا أن هاتين عبادتان لا يصح المضى فيهما بوجه، فوجب أن لا يصح الدخول
فيهما، ولا إرداف إحداهما على الأخرى. أصله إذا نوى فى رمضان أن يصومه عنه
وعن نذره، والله أعلم.
القران فى الحج
٧٣٤ - مَالِك، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ دَخَلَ عَلَى
عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ بِالسُّقْيَا، وَهُوَ يَنْحَعُ بَكَرَاتٍ لَّهُ دَقِيقًا وَخَبَطًا، فَقَالَ: هَذَا عُثْمَانُ
ابْنُ عَفَانَ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُقْرَنَ(١) بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَخَرَجَ عَلِىُّ بْنُّ ◌َبِى طَالِبٍ وَعَلَى
يَدَيْهِ أَثَرُ الدَّقِيقِ وَالْخَبَطِ، فَمَا أَنْسَى أَثَرَ الدَّقِيقِ وَالْخَبَطِ عَلَى ذِرَاعَيْهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى
عُثْمَانَ بْنٍ عَفّانَ فَقَالَ: أَنْتَ تَنْهَى عَنْ أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ:
ذَلِكَ رَأْيِى، فَخَرَجَ عَلِىُّ، مُغْضَبًا، وَهُوَ يَقُولُ: لَبَيْكَ اللَّهُمَّ لَبِّكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا.
٧٣٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧١١.
وقال فى الاستذكار: هذا الحديث منقطع؛ لأن محمد بن على بن حسين أبا جعفر لم يدرك
المقداد ولا عليا. وقد روى من وجوه، منها: ما حدثنا عبد الله بن محمد بن أمية، قال: حدثنا
حمزة بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا أبو
عامر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت على ابن الحسين يحدث، عن مروان أن عثمان
نهى عن المتعة، وأن يجمع الرحل بين الحج والعمرة، فقال عمر: لبيك بحجة وعمر معا، فقال
عثمان: أتفعلهما وأنا أنهى عنهما؟ وقال على: لم أكن لأدع سنة رسول الله ﴿﴿﴿! لأحد من
الناس. وانظره فى: سنن البيهقى الكبرى ١٠٨/٥.
(١) القران: الإحرام بالحج والعمرة معًا فى أشهر الحج.

٣٥٩
کتاب الحج
الشرح: السقيا موضع.
وقوله: ((ينجع) وينجع، لغتان، معناه يلقم الخبط بكرات له، يعنى نوقًا فتية. فقال
المقداد: ((هذا عثمان بن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة))، إنكارا لنهى
عثمان عن القران، ولعل عثمان إنما نهى عنه على حسب ما نهى عمر بن الخطاب عن
المتعة، لا على وجه التحريم، ولكن على وجه الحض على الإفراد الذى هو أفضل،
فحمل ذلك المقداد على المنع التام أو خاف أن يحمل منه على المنع التام، فيترك الناس
العمل به جملة حتى يذهب حكمه، وينقطع عمله، فقال عثمان: ((ذلك رأیی))، يريد
تفضیل الإفراد علیه، ومعنى ذلك أنه رأی رآه لأنه ليس فيه نص عن النبى
فصل: وقوله: ((فخرج علىَّ، مغضبًا))، يريد كارهًا لقول عثمان وثهيه عن القران،
يقول: ((اللهم لبيك بعمرة وحجة معًا))، ففرق بين العمرة والحج ليحيى حكم هذه
السنة ويعلى بأمرها، وكل مجتهد مريد للخير رضى الله عنهم أجمعين، وإنما أعلن علىُّ
بذكر العمرة والحج لأنه قصد إظهار القران، ولو اجتزأ بمجرد النية فى نسكه قارنًا كان
أو مفردًا بحج أو عمرة لأجزاه.
وقد اختلف العلماء فى النطق بنفس النسك، فروى عن عبدالله بن عمر أنه كان
يرى ترك التسمية، وقال: أليس الله يعلم ما فى نفسك. وروى عن عائشة أنها كانت
تسمى. وروى عن عطاء أنه قال: لا تجزئه النية، وليس إسناده عنه هناك.
والدليل على إجزاء النية أن هذه عبادة، فوجب أن تلزم بالدخول فيها دون تسميته
لها كالصلاة والصوم وغيرهما من العبادات.
فصل: وقول على: ((لبيك بعمرة وحجة معًا))، قدم العمرة فى اللفظ والنية، وبه قال
مالك، واحتج ابن المواز فى ذلك بأن العمرة يردف عليها بالحج، ولا تردف هى على
الحج.
ووجه ذلك أن العمرة لما صح إرداف الحج عليها، ولم يصح إردافها على الحج،
واختير تقديمها فى النية لصحة ورود الحج على الإحرام بها.
وقد روى أبو عيسى هذا الحديث بلفظ تقديم الحج على العمرة. وقد قال ابن
حبيب: إن على بن أبى طالب كان مهلاً بعمرة، فلما سمع من عثمان ما سمع أردف
عليها حجة، وتقديم العمرة فى لفظ الحديث أصح من جهة الرواية.
٦

کتاب الحج
٣٦٠
ومن جهة المعنى، والله أعلم، ولو قدم الحج على العمرة فى اللفظ، فقد قال الشيخ
أبو بكر فى شرحه: يجزئه. ومعنى ذلك أنه نواهما جميعًا، والله أعلم.
قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ شَيْئًا، وَلَمْ
يَحْلِلْ مِنْ شَىْءٍ حَتّى يَنْخَرَ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَحِلَّ بِمِنِّى يَوْمَ النّحْرِ.
الشرح: وهذا كما قال أن من قرن بين الحج والعمرة، فإنه لا يصح أن يتحلل من
شىء من إحرامه حتى يحل من جميعه، وذلك لا يكون إلا بمنى يوم النحر، وهذا معنى
قرانه أن يفرق بين النسكين ويكون إحرامه وفعله لهما لا ينفضل بشىء من ذلك، ولا
يتحيز لأحد نسكه، ولو انفصل أحدهما من الآخر لما كان قرانًا وإنما ذلك مثل الطهارة
الصغرى والكبرى لا يصح إذا نواهما أن يتم إحداهما دون الأخرى على الظاهر من
المذهب، وإن كانت إحداهما أوعب من الأخرى. ووجه ثان أن التحلل ينافى الإحرام،
فلا يصح أن يحل من عمرته وهو باق على إحرام حجه.
فصل: وقوله: ((حتى ينحر هديًا إن كان معه ويحل بمنى يوم النحر))، يريد أن التحلل
من الحج لا يكون إلا بمنى النحر، وإذا لم يصح أن يتحلل من عمرته حتى يحل منها
وتحلله بالحلاق بمنى، إنما يكون بعد نحر هديه، فإن تحلله من العمرة لا يكون إلا فى
ذلك المقام، وفائدة هذه المسألة إن أفسد نسكه بجماع بعد طوافه وسعيه لعمرته
وحجته، قبل أن يتحلل يرمى الجمرة أو فاته الحج على ذلك، فإن عليه قضاء عمرة أو
حجة مفترقتين، ولا تسقط عنه العمرة لتمام طوافه وسعيه لها لأن جميع العمل يحصل
النسکین ولا یصح أن يحل من إحداهما حتى يحل من الأخرى.
٧٣٥ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ
اللّهِ ﴿ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَّاعِ خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَمَلَّ بِحَجٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ
جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَقَطْ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ أَوْ حَمَعَ الْحَجّ
وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحْلِلْ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ.
الشرح: قوله: ((أن رسول الله 18 عام حجة الوداع خرج إلى الحج))، ظاهره أن
مقصوده الحج خاصة لأنه إنما قصد إلى الإخبار على معنى سفره، فلو كان محرمًا بعمرة
٧٣٥ - انفرد به مالك. أرسله سليمان. وقد مر فى الحديث رقم (٦٥١) أن أبا الأسود وصله عن
عروة عن عائشة. وذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧١٢.

٣٦١
كتاب الحج
مع الحج لذكر ذلك فى مقصود سفره كما ذكر الحج، وقد تقدم تفسير باقى الحديث
قبل هذا.
مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ بَدَّا لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِحَجِّ
مَعَهَا، فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ صَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ
حِينَ قَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَّعْتُ كَمَا صَنَّغْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ ثُمَّ الْنَفْتَ
إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِى أَوْ حَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ.
قَالَ مَالِك: وَقَدْ أَهَلَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ ﴿هَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ
لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ وَّ: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْى(١) فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لا يَحِلُّ
حَتّى يَحِلَّ مِنْهُمَا حَمِيعًا)(٢).
الشرح: قوله: ((من أهل بعمرة ثم بدا له أن يهل بحجة معها فذلك، ما لم يطف
بالبيت وبين الصفا والمروة))، يريد أن من أهل بالعمرة ثم أراد أن يردف الحج على
العمرة، فیکون قارنًا لهما، فذلك له.
ووجه ذلك أن لإردافه الحج على العمرة وإدخاله له عليها فائدة عمل لا يكون فى
العمرة المفردة من الوقوف بعرفة وغير ذلك من الأحكام التى ينفرد بها الحج.
(١) الهدى: ما يذبحه الحاج فى حجه نسكًا.
(٢) قال فى الاستذكار ١٥٣/١١: قد احتج مالك لإدخال الحج على العمرة لقول النبى ﴿4 ثم
بفعل ابن عمر، وعليه جمهور العلماء، وقد ذكرنا فى الباب من شاهد مخالف فى ذلك، فقال: لا
يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة. وهذا قياس فى غير موضعه؛ لأنه لا
مدخل للنظر مع صحيح الأثر، وحمله قول مالك أن الحج يضاف إلى العمرة ولا تضاف العمرة
إلى الحج، ومن أضاف الحج إلى العمرة فإنما له ذلك مالم يطف بالبيت على ما قاله مالك، فإن
طاف فلا يفعل حتى يحل من عمرته، فإن فعل بفعله باطل، ولا شىء عليه. ومن أضاف الحج إلى
العمرة وقد ساق هديًا لعمرته فيستحب له مالك أن يهدى معه هديًا آخر. قال: فإن لم يفعل
جزى ذلك عنه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز إدخال العمرة على الحج، ومن أدخل الحج
على العمرة قبل الطواف لها كان قارنا، ومن أدخلها عليها بعد الطواف لها أمر أن يرفض
عمرته، وعليه دمّ لرفضها عمرة مكانها. وقال الشافعى: إذا أخذ المعتمر فى الطواف، فطاف لها
شوطًا أو شوطين لم يكن له إدخال الحج عليها، فإن أحرم بالحج فى ذلك الوقت لم يكن له
إحرامًا حتى يفرغ من عمل العمرة.