Indexed OCR Text
Pages 1161-1180
.. كتاب الزكاة ١٦٢ أدائها، فهذا إذا أوصى بها أو أمر بإخراجها فى مرضه من رأس ماله، فإن لم يوص بها ٠ ولم يأمر بإخراجها فلابن القاسم عن مالك: يأمر ورثته بذلك ولا يجبرون، وهذا حكم زكاة الفطر عنده. وأشهب يقول: هى من رأس ماله ويجبر ورثته على ذلك. وجه رواية ابن القاسم أنه إذا لم يأمر بها لعله قد أخرجها، فلا يجب عليهم إخراج زكاة لا يتيقن بقاءها على غيرهم مع أن الظاهر إذا أمسك عنها ولم يأمر بها أنه قد أداها. ووجه قول أشهب أن هذه زكاة لم يفرط فيها، فكانت واجبة من رأس المال وإن لم يأمر بها كزكاة الحبوب والثمار. قال ابن المواز: قاله مالك فى الزرع والثمرة. مسألة: وأما إن كانت زكاة فرط فيها، فإنه إن أوصى بها أخرجت من الثلث. وقال الشافعى: هى من رأس المال. والدليل على صحة ما نقوله أنه لو كان ما قالوه لأوشك أن يفرط فى زكاة ماله فى کل عام ولا يخرجها، ويحصى ذلك كله ويوصى به عند موته فربما استغرق ذلك جميع ماله، وربما لم يف به ماله فيؤدى هذا إلى إبطال الزكاة والميراث. مسألة: فوجه التفريط فى العين أن يمكن من أدائه، فلا يؤديه، وفى الحب والثمر أن يؤويه إلى بيته، قاله أشهب فى المجموعة. ووجه ذلك أنه إذا آواه إلى بيته، فقد تعدى عليه بذلك لأنه كان يجب أن يدفعه إلى مستحقه قبل نقله إلى بيته، وبالله التوفيق. ١ فرع: فإذا أخرج الزكاة بما حكمه حكم الحول فى الإجزاء وقبل استيفاء الحول على الحقيقة، فتلفت قبل دفعها إلى أهلها. قَالَ مالك: وَالسُنّهُ عِنْدَنَا الَّتِى لَا اخْتِلافَ فِيهَا أَنْهُ لا يَحِبُ عَلَى وَارِثٍ زَكَةٌ فِى مَالٍ وَرِتَّهُ فِى دَيْنٍ وَلا عَرْضٍ وَلا دَارٍ وَلا عَبْدٍ وَلا وَلِيدَةٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَّى ثَمَنٍ مَا بَاعَ مِنْ ذَلِكَ أَوِ اقْتَضَى الْحَوْلُ مِنْ يَوْمَ بَاعَهُ وَقَبَضَهُ. الشرح: قوله: ((أنه لا يجب فى مال ورثه زكاة حتى يحول عليه الحول))، قول صحيح لأن الموروث من المال فائدة، والفائدة يستقبل بها الحول من يوم يقبضها مستفیدها. ١٦٣ كتاب الزكاة . والأمول الموروثة على ضربين، ضرب تجب الزكاة فى عينه، وضرب تجب الزكاة فى قيمته، فأما ما تجب الزكاة فى عينه، فإنه على قسمين، قسم ليس فيه عمل قنية، وقسم فيه عمل قنية، فأما ما ليس فيه عمل، فسواء نوی به تجارة أو غيرها، فإن زكاته تؤدى إذا حال عليه الحول، من يوم قبضه الوارث، وما كان فيه عمل قنية، وهى الصياغة، فإن نوی به التجارة ز کاه حول من یوم یرثه، وإن نوی به القنية، فلا ز کاة علیه فیه، وإن لم ينو شيئًا فهو على أصله فى حكم الزكاة وتعلقها به، وما كانت الزكاة فى قيمته، فسواء نوى به التجارة أولم يتنوها، تؤدى زكاته بعد أن يحول الحول على ثمن ما بيع منه من يوم قبضه الوارث، وإن باعه بعرض ونوى به التجارة فحين يحول الحول على العرض الذى قبضه على نية التجارة والإدارة. مسألة: ويعتبر الحول على حسب ما يمكن من تنمية المال، فإن كان من الأموال التى لا تنمو إلا بالعمل كالدنانير والدراهم، فلا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول من يوم يقبضها هو أو من يقوم مقامه من وكيل أو وصى، ولو أقامت قبل ذلك أعوامًا، فإن كانت من الأموال التى تنمو بأنفسها كالماشية، فقد قال ابن القاسم: الزكاة عليه فيها إذا حال عليه الحول فيها من يوم ورثها، وإن لم يقبضها. وقال المغيرة: حكمها حكم الدنانير والدراهم لا زكاة فيها حتى يقبضها. وجه قول ابن القاسم أن الماشية تنمو بأنفسها، فلما لم تتعذر عليه تنميتها وجبت عليه فيها الزكاة، ولم يؤثر فى إسقاط عدم قبضها لما يؤثر فى تنميتها، وأما الدنانير والدراهم، فإنها لا تنمو إلا بيده وتصريفه، فإذا تعذر قبضه لها تعذر وجه تنميتها، فلم يجب عليه فيها ز کاة. ووجه قول المغيرة أن هذا ورث مالا تجب عليه فى عينه الزكاة، فلا زكاة علیه حتى يحول عليه الحول من يوم قبضه كالذهب والفضة. قَالَ مَالِك: السُّنَّهُ عِنْدَنَا أَنْهُ لا تَجِبُ عَلَى وَارِثٍ فِى مَالٍ وَرِثَهُ الزَّكَاةُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. الشرح: وهذا كما قال ما ذكرناه من أنه فى يد غيره، وهو قادر على تنميته. وقوله: ((حتی یحول عليه الحول)»، یرید من يوم قبضه أو قبضه من يجوز له قبضه، فيقيم بيده مدة التنمية، وهى الحول فحينئذ يجب عليه زكاته، فأما إذا تعذرت عليه . كتاب الزكاة ..... ١٦٤ تنميته، فلا زكاة عليه فيه، وكذلك لا زكاة عليه بعد قبضه حتى تمضى له المدة المضروبة للتنمية، والله أعلم وأحكم. الزكاة فى الدين ٦٥٩ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ حَتّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُوَدُّونَ مِنْهُ الرَّكَاةَ. الشرح: قوله: ((هذا شهر زكاتكم))، يحتمل أن يقول هذا لمن عرف حاله فى الحول، ويحتمل أن یرید انه الشهر الذی جرت عادة أکثرهم بإخراج الز کاة فیه، إن کان یرید العين، وإن كان يريد الماشية والذى يجب إخراج الزكاة فيه ليتمكن من بعث السعاة ذلك الوقت، فيؤخذ الزكاة منها ولا يحتسب لهم فى شىء من ذلك بما عليهم من الدین. فصل: وقوله: ((فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم))، يريد أو العين، وإن كان الدين لا تؤخذ زكاته إلا أنه قد يجب إخراج الزكاة منه، إذا كان عنده عرض يفى بدينه، فيكون حينئذ الذى يجب عليه الدين يؤدى مالاً لولا بقاء الدين عليه لم يتركه، فكان يأمرهم بذلك رفقا بهم وإشفاقًا عليهم، وإن كانت من الأموال الظاهرة، وهى الماشية، فكان يأمرهم أن يؤدوا منها ما عليهم من الدين من جنسها أو من غير جنسها ببيعها وأداء دينهم لئلا تؤخذ منهم صدقاتها، وهى ما يباع بعد الصدقة لأداء الدين، والله أعلم وأحكم. ٦٦٠ - مَالِك، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِى تَمِيعَةَ السَّخْتِيَانِىِّ أَنَّ عُمَزَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِى مَالِ قَبَضَّهُ بَعْضُ الْوُلاةِ ظُلْمًا: يَأْمُرُ بِرَدِّهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَيُؤْخَذُ زَكَانُهُ لِمَا مَضَى مِنَ السِِّينَ ثُمَّ عَقْبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ: أَنْ لا يُؤْخَذَ مِنْهُ إِلا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ كَانَ ضِمَارًا(١). ٦٥٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٥١. الشافعى فى الأم ٥٠/٢. البيهقى فى السنن الكبرى ١٤٨/٤. ومعرفة السنن والآثار ٨٣٢٣/٦. ٦٦٠ - ذكره ابن عبد البرفى الاستذكار برقم ٥٥٣. (١) قال فى الاستذكار ٩٥/٩: الضمار: الغائب عن صاحبه الذى لا يقدر على أخذه أو لا- .١٦٥٠ كتاب الزكاة . الشرح: قوله: أولا: ((أن يؤخذ منه الزكاة لما مضى من السنين))، لما كان فى ملكه ولم يزل عنه كان ذلك شبهة عنده فى أخذ الزكاة منه لسائر الأعوام، ثم نظر بعد ذلك فرأى أن الزكاة تجب فى العين بأن يتمكن من تنميته، ولا تكون فى يد غيره، وهذا مال قد زال عن يده إلى يد غيره ومنع هذا عن تنميته، فلم تجب عليه غير زكاة واحدة، وهذا حكم المال المغضوب الذى كان مما يرجو رده إليه تطوعًا أو بحكم، فإنه لا يزكيه إلا لعام واحد. ووجه ذلك أن المال قد نض فى يده فى طرفى الحول، ولو كانت أحوالاً، فإنه حصل منها حول واحد نض فى طرفيه المال فى يد صاحبه، ولا اعتبار بما بين ذلك لأن الغاصب لو غصبه منه يومًا ثم رده إليه لم يعتبر ذلك فى إسقاط الزكاة عنه فى ذلك الحول، لو غصبه منه ثم حال الحول، لم تجب عليه فيه زكاة حتى يرده إليه، فتجب عليه فيه زكاة، فثبت أن الاعتبار بحصول المال فى يد صاحبه طرفى الحول، والله أعلم. مسألة: وأما اللقطة، فروى ابن القاسم وابن وهب وعلى بن زياد وابن نافع عن مالك: أن صاحبها لا يزكيها إذا رجعت إليه إلا لعام واحد. وقال المغيرة: يزكيها لكل عام. وجه قول مالك أن المال فى يد غير مالكه ولا يقدر على تنمية المال المغصوب. وو جه قول المغيرة أن ضمانه منه فکان منزلة المال الذی بید و کیله. مسألة: وأما من دفن مالا، فنسى، موضعه فوجده بعد أعوام، فقد قال مالك: يزكيه لكل سنة، والفرق بينه وبين اللقطة، أن اللقطة بيد غيره، والمال المدفون ليس بيد غيره. وقال ابن المواز: إن دفنه فى صحراء ثم نسیه فلا ز کاة علیه فیه، وإن دفنه فى بيته أو فی موضع یحاط به فعليه فيه الزكاة لكل عام. ووجه ذلك أنه قادر على الوصول إليه بحفر جميع الموضع، وهذا لما يتهيأ فى الصحراء. وقد قال القاضى أبو الحسن بن القصار: إن من كان ممنوعًا من التصرف فى = يعرف موضعه ولا يرجوه. وقد روى سفيان بن عيينة هذا الخبر وفسر فيه الضمار. وذكره ابن أبى عمر وغيره عن ابن عيينة، عن عمرو بن ميمون، قال: کتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون ابن مهران أن انظر أموال بنى عائشة التى كان أخذها الوليد بن عبد الملك فردها عليهم وخذ زكاتها لما مضى من السنين. قال: ثم أردفه بكتاب آخر: لا تأخذ منها إلا زكاة واحدة فإنه كان مالاص ضمارًا. والضمار الذى لا يدرى صاحبه أيخرج أم لا. قال أبو عمر: هذا التفسير جاء فى الحدیث وهو عندهم أصح رأولى. كتاب الزكاة ١٦٦ ماله بكل حال فلا زكاة عليه فيه إلا لحول واحد، وإن أقام أحوالاً كثيرة، كالمغصوب والملتقط والدين والقرض والمال الذى جحده المودع خلافًا لأبى حنيفة والشافعى. والدليل على ذلك أن هذا مال منع من تنميته فلم تجب فيه زكاة، كالذى خرج عن ملكه، قال: ولا يلزم على هذا مال المحبوس لأنه قادر على تنميته بالوكالة، والله أعلم. ٦٦١ - مَالِك، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ رَحُلٍ لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ أَعَلَيْهِ زَكَاةً؟ فَقَالَ: لا. الشرح: أنه لا زكاة على من عليه دين إذا كان له مال بمقدار الدين، يريد أنه لا مال له غيره من عرض ولا غيره وللشافعى قولان، أحدهما: مثل هذا، والثانى أنه لا يمنع الزكاة. والدليل على ما نقوله أن الزكاة مال ينتقل إلى ملك من غير عوض، فإن كان على المالك دين كان الدين أحق بالمال كالميراث والهبة والصدقة، هذا الذى قاله القاضى أبو محمد، ويلزم على هذا زكاة العين والحرث. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر فى ذلك عندى أن يقال إن الدين متعلق بالذمة والدنانير والدراهم، وهما معنى الذهب والورق، ومعظم مقصودهما لا يتعين وإنما يؤثر فى قوة الذمة وضعفها، فلذلك اختص الدين بهذا النوع من المال وأسقط حكم الزكاة فيه لأنه لما يعلق به حكم الزكاة، وحكم الدين كان الدين مقدمًا وذلك بخلاف زكاة الحرث والماشية، فإن الماشية والثمار والحبوب التى تتعلق بها الزكاة متعينة، فتتعلق الزكاة بها ولا يتعلق الدين بها، فقدمت الزكاة فيها على الدين. قَالَ مَالِك: الأَمْرُ الَّذِى لا اخْتِلافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِى الدَّيْنِ أَنَّ صَاحِبَهُ لا يُزَكِّهِ حَتّى يَقْبِضَهُ، وَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ الْذِى هُوَ عَلَيْهِ سِنِينَ ذَوَاتِ عَدَدٍ ثُمَّ قَبَضَهُ صَاحِبُهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إِلا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا لا تَحِبُ فِيهِ الرَّكَاةُ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ سِوَى الَّذِى قُبِضَ تَجِبُ فِيهِ الرَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يُزَكَّى مَعَ مَا قَبَضَ مِنْ دَيْنِهِ ذَلِكَ. ٦٦١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٥٢. الشافعى فى الآم ٥٠٠/٢. البيهقى فى معرفة السنن والآثار ٠٨٣٢٨/٦ ١٦٧ كتاب الزكاة قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَاضِّ(١) غَيْرُ الْذِىِ اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ، وَكَانَ الَّذِىِ اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ لا تَحِبُ فِيهِ، الزَّكَاةُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَكِنْ لِيَحْفَظْ عَدَدَ مَا اقْتَضَى، فَإِنِ اقْتَضَى بَعْدَ ذَلِكَ عَدَدَ مَا تَتُِّّ بِهِ الرَّكَاةُ مَعَ مَا قَبَضَ قَبْلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ. الشرح: وهذا كما قال، أن من كان له دين من مال لا يره، فإنه لا يزكيه. وجه ذلك ما قاله مالك، رحمه الله، أن الدين ربما توى ولا يدرى صاحبه هل يقتضيه أم لا؟ فلا يكلف أداء الزكاة عنه من ماله، فربما قبل أن يقبضه، فيؤدى الزكاة عما لم يصر إليه، قال أصبغ: ولأنه يملك إسقاط الزكاة فيه بأن يأخذ به عرضًا أو يهبه لمن هو عنده. ومما یبین ما قاله مالك، رحمه الله، أنه لو كان له مال غائب عنه فى بلد نازح وحال عليه الحول، فإنه لا يكلف أداء الزكاة عنه مما بيده لأنه لا يدرى هل يصل إليه أم لا، وإن كان فى يد وكيل أو مبضع معه ويده كيده لكان من ضمانه، فبأن لا یکلف أن يخرج ما بیده من ماله عن ماله هو بيد غيره أو فى ضمانه أولى وأحری. فصل: وقوله: ((لا يزكيه، وإن أقام عند الذى هو عليه سنين ذوات عدد، ثم قبضه صاحبه لم تجب عليه إلا زكاة واحدة))، وهذا كما قال لما ذكرناه، والاعتبار أن ينض بيده فى طرفى الحول وهذه المدة، وإن كانت عشرة أعوام، إذا لم ينض المال فى يده إلا فى أولها وآخرها بمنزلة حول واحد، وإلا فلو أوجبنا عليه فيه الزكاة فى كل عام، وهو بيد غيره نماؤه له لأدى ذلك إلى أن تستهلكه الزكاة، ولهذا الوجه أبطلنا الزكاة فى أموال القنية؛ لأنا لو أوجبنا فيها الزكاة لاستهلكتها، والزكاة إنما هى على سبيل المواساة فى الأموال التى تمكن من تنميتها، فلا تفيتها الزكاة فى الأغلب. فرع: وإن كان دينه دنانير، فإنما يزكى ما قبض، رواه ابن سحنون عن ابن نافع عن مالك. ووجه ذلك أن الزكاة المتعلقة بالعين إنما تجرى فى المال على ما هو عليه يوم وجوب الزكاة، وإنما تجب الزكاة فی الدین یوم قبضه، فإذا كان ذهبًا، فحكمه حكم الذهب، وإن كان ورقًا، فحكمه حكم الورق، ولو أخذ به عوضًا لم يزكه إلا على حکم العوض، والله أعلم وأحكم. فصل: وقوله: ((فإن قبض منه شيئًا لا تجب فيه الزكاة، فإنه إن كان له مال سوى الذى قبض تجب فيه الزكاة، فإنه يزكى ما قبض من دينه ذلك))، يريد أنه إن قبض أقل من النصاب ولم یکن له مال غيره، فإنه لا يز کیه لجواز أن لا يقبض من دينه غيره، (١) الناض: الذهب والفضة. کتاب الزكاة ١٦٨ فنكون قد أوجبنا عليه الزكاة فى أقل من النصاب، فإن كان عنده مال غيره قد حال عليه الحول، فزكاه أو لم يزكه بأن قد بلغ النصاب أو كان أقل من النصاب، وإذا أضيف إلى ما قبض من دينه، فبلغا النصاب زكى ما قبض من دينه لأنه قد وجد فيه سبب الحول، وهو مستند إلى مال قد حال عليه الحول، وبلغ النصاب أو بلغ ما قبض من الدين النصاب، فيكون ما قبض من دينه بمنزلة فائدة حال عليها الحول ثم قبض الدین، والله أعلم. فصل: ولو كان ما بيده من المال لا يبلغ ما قبض من دينه النصاب لم يزك شيئًا منهما حتى قبض من دينه ما إذا أضافه إلى ما تقدم قبضه له، وإلى ما يكون بيده مما حال عليه الحول بلغ النصاب، فإنه يزكى جميع ذلك يوم قبض ذلك الذى بلغ النصاب، ثم يزكى بعد ذلك قليل ما يقبضه من دينه وكثيره لأنه مستند إلى ما قد زكى، والله أعلم. مسألة: وإن كان ما بيده من المال لم يحل عليه الحول، فإنه لا يزكى ما قبضه من دينه مما هو أقل من النصاب، لأن ما قبض من دينه لو كان فائدة لم يزكه عند حلوله إذا لم يبلغ النصاب ولم يكن عنده مال عليه الحول يبلغ النصاب. فرع: فإن أنفق ما قبضه من الدين وهو عشرة دنانير قبل أن يحول الحول على الفائدة التى هى عشرة دنانير، فقد حكى ابن المواز أن ابن القاسم وأشهب اختلفا فيمن أفاد عشرة بعد عشرة بستة أشهر، فأنفق العشرة الأولى بعد حولها حال حول الثانية، فقال أشهب: يزكى عن المالين لأننا إنما أخرنا زكاة المال الأول لأننا لم نعلم أن المال الثانى يحول عليه الحول، فلما تيقنا ذلك الآن علمنا وجوب الزكاة عليه فيه. وقال ابن القاسم: لا زكاة عليه فى الثانية زكى الأولى أو لم يزكها لأنه لم يحل حول الثانية وعنده من المال الأول ما یتم به النصاب. فرع: ومن زکی دينه قبل قبضه فهل يجزته أم لا؟ قال ابن القاسم: لا يجزئه. وقال أشهب: يجزئه. وجه قول ابن القاسم أن الزكاة لا تجب فيه إلا بقبضه، فإذا أخرج زكاته قبل وجوبها لم يجزه كما لو أخرجها قبل الحول. ووجه قول أشهب أن الزكاة تجب فى الدين بالحول لأنه عين وإنما يتأخر أداؤها لأننا لا نعلم وجوب الأداء لأن ذلك إنما يعلم بالقبض، فهذا إذا أخرج زكاته قبل قبضه، فلم يخرجها قبل وجوبها، وإنما ذلك بمنزلة ............ ١٦٩ كتاب الزكاة . ما نقول إن الزكاة تجب فى الثمرة يبدو والصلاح ثم لا يلزمه الإخراج إلا بعد الجداد، ولو أخرج الزكاة قبل الجداد وبعد بدو الصلاح لأجزأه ذلك. قَالَ مَالِك: فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَهْلَكَ مَا اقْتَضَى أَوَّلَا أَوْ لَمْ يَسْتَهْلِكْهُ، فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ مَعَ مَا اقْتَضَى مِنْ دَيْئِهِ، فَإِذَا بَلَغَ مَا اقْتَضَى عِشْرِينَ دِينَارًا عَلْنَا أَوْ مِائَتَىْ دِرْهُمٍ، فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ ثُمَّ مَا اقْتَضَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. الشرح: وهذا كما قال، أن استهلاكه لما كان قبضه من دينه إذا كان أقل من النصاب لا يسقط عنه الزكاة إذا قبض منه ما يتم به النصاب لأنه مال قد حال عليه الحول وإنما أجزت الزكاة فيما كان قبض إذا كان أقل من النصاب لأننا لا ندرى لعله لا يقبض سائره، فنوجب عليه الزكاة فى أقل من النصاب. فلما قبض سائره علمنا وجوبها فيما قبضه أولا وآخرًا ثم إذا قبض بعد ذلك قليلاً أو كثيرًا وجبت فيه الزكاة لأنه زيادة على النصاب، فوجبت الزكاة فى قليله وكثيره. فرع: ولو اقتضى عشرة من دينه، فتلفت بأمر من السماء ثم قبض أخرى، فقد قال محمد بن المواز: ليس عليه زكاة ما تلف من ذلك من الدين وثمن العرض. وقال سحنون فى المجموعة: سواء تلفت بسببه أو بتغير سببه يزكيها، وهو قول ابن القاسم وأشهب. وجه قول ابن المواز أنها تلفت بغير سببه قبل وجوب إخراج زكاته، فلم يجب عليه أن يزكيها. أصل ذلك إذا تلف المال قبل الحول أو بعد الحول من غير تفريط. ووجه قول سحنون أنه إذا اقتضى العشرة، فحكمها مراعاتها، فإن قبض كمال النصاب تبين أنه قد كان وجب عليه فيها الزكاة، وإن لم يقبض غيرها تبين أن له حكم الانفراد ويكون حول ما يقبضه من دينه حين يتم النصاب يوم يتم قبضه النصاب ثم ما قبض بعد ذلك فحوله يوم قبضه لأن يوم قبض ما يتم فيه النصاب هو اليوم الذى وجب فيه إخراج الزكاة، وأول حول المال الذى جرت فيه الزكاة يوم يجب إخراج الزكاة منه، فإن كثرت أحوال ما قبض منه بعد النصاب واختلطت فإنه يضيف الأخرى إلى الأولى فى الدين، وفيما بيع من العروض واختلطت أحواله، رواه ابن نافع وعلى بن زياد عن مالك وقاله ابن القاسم. کتاب الزكاة ١٧٠ وما كثر من الفوائد، فالتبست عليه أحوالها، فعند مالك وسحنون: يضيف الأولى الثانية. وقال ابن حبيب: يضيف الأخرى إلى الأولى. وجه قول مالك أن هذا ما لم يحل فيه الحول، فإذا أضفت الأخرى إلى الأولى كنت مزكيًا قبل الحول، وإذا أضفت الأولى إلى الأخرى كنت مزكيًا بعد الحق، ولهذا فارق الديون والأموال التى تقدمت فيها الأحوال لأن حكم الحول قد جرى فى جميعها. ووجه قول ابن حبيب أن هذه أحوال التبست فكان حكمها أن يضم الأخرى إلى الأولی کأحوال الديون. فرع: ومن اقتضى دينارًا عن دين له أحوال، فتجر فيه فصار عشرين دينارًا ثم اقتضى دينارًا آخر، فتجر فيه فصار عشرين دينارًا، ففى كتاب ابن المواز عن ابن القاسم: يزكى أحدًا وعشرين دينارًا فقط لأن الزكاة فى الدينار. والثانى يوم قبضه، وما ذكر عن مالك أنه يزكى الحول من يوم يريحه ليس بقوله وقول أصحابه، وهى رواية ابن عبدالحکم و أشهب عنه. قال الشيخ أبو محمد: وقد ذكرها سحنون فأنكر منها ما أنكر ابن المواز، ومعنى ذلك أنه لما قبض الدينار الثانى، وقد زكى الدينار الأول وربحه كان الدينار الثانى مضافًا إليه تجب فيه الزكاة بقبضه وذلك حوله، فإذا تجر فيه بعد ذلك وربح فإنما حول الربح منه حول الدینار یوم قبضه، والله أعلم. قَالَ مَالِك: وَالدَِّيلُ عَلَى أَنَّ الدَّيْنِ يَغِيبُ أَعْوَامًا ثُمَّ يُقْضِى فَلا يَكُونُ فِيهِ إِلا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، أَنَّ الْعُرُوضَ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لِلْتِجَارَةِ أَعْوَامًا ثُمَّ يَبِيعُهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِى أَثْمَانِهَا إِلَ زَكَةٌ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ أَنْهُ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ أَوِ الْعُرُوضِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةً ذَلِكَ الدَّيْنِ أَوِ الْعُرُوضِ مِنْ مَالٍ سِوَاهُ، وَإِنَّمَا يُخْرِجُ زَكَاةً كُلِّ شَىْءٍ مِنْهُ وَلَا يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ شَىْءٍ عَنْ شَىْءٍ غَيْرِهِ. الشرح: وهذا على نحو ما استدل به مالك، رحمه الله، وهو دليل صحيح على من خالفه فى هذه المسألة ووافقه على أن العروض لا تؤدى زكاتها إلا بعد بيعها، فإنه يجب عليه مثل ذلك فى الدين أن لا يزكى حتى يقبض، وذلك أن الزكاة إنما تتعلق بعين المال لا بالذمة، بدليل أنه لو تلف قبل الحول أو أتلفه باختياره لم تجب عليه الزكاة ولو حال فتلف قبل أن یتمکن من أدائه لم يلزمه شىء. ........... ١٧١ کتاب الزكاة . ووافقنا فى ذلك كله أبو حنيفة إلا أنه قال: إن أتلف هو المال بعد الحول قبل میء الساعى ضمن. واختلف قول الشافعى فى ذلك فمرة قال: تتعلق الزكاة بالذمة، ومرة قال: تتعلق بالعين. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وفى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ [الذاريات: ١٩]. ودليلنا من جهة السنة قول النبى 18: ((وأعلمهم أن الله قد فرض عليهم زكاة فى أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)). ودليلنا من جهة القياس أن هذا حق طرأ على المال فلم ينقل إلى الذمة ابتداء كجناية العبد المتعلقة برقبته، فإذا ثبت أن الزكاة متعلقة بعين لم يجب على رب المال أن يخرج زكاته من غيره كما لا يجب على صاحب العرض أن يخرج زكاته من غيره ولا يجب على رب الدين أن يقطع للمساكين بجزء من الدين لأنه لا خلاف أنه لا يجزىء أن يخرج الزكاة فى ذمم الرجال وإنما تخرج عينًا من جنس العين أو الحرث أو الماشية وكذلك لا يجزى أن يخرج صاحب العرض عن زكاة عرضه عرضًا فكما لصاحب العرض أن يؤخر الزكاة حتى يبيع عرضه، فيزكى ذلك المال لعام واحد، كذلك صاحب الدين له أن يؤخر الزكاة حتى يقبض دينه، فيزكيه لعام واحد، والدین فی ذلك أیین لأن العرض فی ید مالکه ونماؤه ،له وضمانه منه، والدين ليس بيد مالكه ولا نماؤه له ولا ضمانه عليه، فإذا لم يلزمه إخراج الزكاة عن عرضه مع ما ذکرنا، فبأن لا يلزمه إخراج الزكاة عن دينه أولى وأحری. قَالَ مَالِك: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِى الرَّحُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَعِنْدَهُ مِنَ الْعُرُوضِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ النّاضِّ سِوَى ذَلِكَ مَا تَحِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يُزَكِّى مَا بِيَدِهِ مِنْ نَاضٌ تَحِبُ فِيهِ الرَّكَاةُ. الشرح: وهذا كما قال لأن الدين يسقط الزكاة من العين عن مقداره، إلا أن يكون لربه من العرض ما يفى بالدين، فإنه يحتسب بالدين فى ذلك العرض ويزكى جميع العين. وقال أبو حنيفة: يجعل الدين فى العين ويسقط الزكاة. والدليل على ما نقوله أن هذا حر مسلم مالك لنصاب لا يبخس حق الغير أخذ الزكاة منه، فوجبت عليه الزكاة كما لو كان له من العين ما يؤدى منه دينه ويبقى له نصاب. وفى هذا أربعة أبواب، الباب الأول: فى صفة المال الذى تسقط زكاته بالدين، والباب الثانى: فى معنى الدين الذى يسقط الزكاة، والباب الثالث: فى معنى العرض کتاب الزكاة ١٧٢ الذى يحتسب به فى الدين، والباب الرابع: فى معنى الدين الذى يحتسب فيه بالعرض. الباب الأول فى صفة المال الذى تسقط زكاته بالدين فأما صفة المال الذى تسقط زكاته بالدين، فهو عرض التجارة وأنواع الذهب والفضة مما يعتبر زكاته بالحول دون ما يخرج من المعدن، فإنه لا يعتبر فيه بالحول ولا تسقط ز کاته بالدين، قاله مالك، و کذلك الر كاز. ووجه ذلك أنه نماء مستفاد من الأرض، فإذا تعلقت به الزكاة لم تسقط بالدين كالزرع والثمرة. مسألة: ومن عنده عبد وعليه عبد مثله، ففى الموازية، قال ابن القاسم: لا نوجب عليه فيه زكاة فطر، وأشهب يوجبها. وجه قول ابن القاسم أن عنده زكاة مصروفة إلى أمانته كزكاة العين. ووجه قول أشهب أنها زكاة تجب بسبب حيوان فلم تسقط بالدين كزكاة الماشية. قال أشهب: ولم يأت أن الأئمة قالت ذلك عند أخذهم زكاة الفطر، وقالوا فى العين وكان عثمان یتأدی به عند الحول فیمن علیه دین. الباب الثانى فى معنى الدين الذى يسقط الزكاة وأما الباب الثانى، فى معنى الدين الذى يسقط الزكاة، فقد قال مالك وأصحابه: من له مائة دينار حال عليها الحول وعليه مائة مثلها لا زكاة عليه فيها. قال مالك فى الموازية: سواء كان الدين عرضًا أو طعامًا أو ماشية أو غيره. ووجه ذلك أن ما بيده من المال يستحق بالدين، وإن كان من غير جنسه كما يستحق إذا کان من جنسه. مسألة: وهذا حكم الدين الذى تعلق بذمته قبل الحول ووجوب الزكاة عليه، فإن أدانه بعد الحول ووجوب إخراج الزكاة لم يسقط ما قد وجب عليه منها، وإنما يؤثر الدين فى منع وجوب الزكاة لا فى إسقاطها بعد وجوبها. مسألة: فإن كان الدين من مهر امرأة، فقد قال ابن القاسم فى المدونة: تسقط ١٧٣ کتاب الزكاة الزكاة بمهر الزوجة، وقاله مالك، وقال ابن حبيب: تسقط الزكاة بكل دين إلا مهور النساء؛ إذ ليس شأنهن القيام به إلا فى موت أو فراق، وإذا تزوج عليها، فلم يكن فى القوة كغيره، قال: وقاله القاسم بن محمد. قال القاضى أبو محمد فى نوادره: وما قاله ابن حبيب خلاف ما روى عن مالك. ووجه قول مالك أنه دين يقضى به عليه ويحاص به الغرماء كسائر الحقوق. مسألة: وأما نفقة الزوجة، فقد قال ابن المواز: اتفق ابن القاسم وأشهب على أن نفقة الزوجة إذا حلت تسقط الزكاة وإن لم يعرض ذلك لها. ووجه ذلك ما احتجابه من أن نفقته قد تقرر وجوبها على الزوج فى مقابلة الاستمتاع أو فى مقابلة استباحته، فلا يحتاج فى إثباتها عليه إلى حكم حاكم كسائر الديون الواجبة عليه. مسألة: وأما نفقة الأبوين، ففى الموازية عن ابن القاسم: لا تسقطها، وإن كانت بقضاء. وعن أشهب مثل رواية ابن المواز عنه. وجه الرواية الأولى أن حكم الحاكم بذلك يثبتها فى ذمة الابن فتسقط بها الزكاة. ووجه الرواية الثانية أنها نفقة أب فلم تؤثر فى إسقاط الزكاة كالتى لم يقبض بها، والفرق بينها وبين نفقة الزوجة أن نفقة الزوجة يسقط حكمها عند الإعسار لأنه يوجب لها الخيار ونفقة الأب وإن حكم بها حاكم فإن ذلك يبطل بالإعسار ولا يثبت للأب خیارًا ولا غيره. مسألة: وأما نفقة الإبن، ففى الموازية أن ابن القاسم جعلها كنفقة الأبوين لا تسقط الزكاة إلا أن يحكم بها حاكم، وهى رواية ابن حبيب عن مالك. وفى الموازية عن أشهب أنها كنفقة الزوجة لا تفتقر إلى حكم حاكم، وفرق أشهب فى المدونة بين الابن والأبوين بأن قال: إن الابن لم تزل نفقته ثابتة ونفقة الأب قد كانت ساقطة عن ابنه، فإنما تثبت عليه بقضاء. مسألة: ولو كان الدين من زكاة فرط فيها، ففى المدونة: من له عشرون دينارًا فرط فى زكاتها بعد الحول واتجر فيها فحال عليها حول آخر، وهى أربعون، فإنه يزكى العشرين للحول الأول نصف دينار ويزكى للحول الثانى تسعة وثلاثين ونصفا لأن زكاة العشرین علیه. ١٧٤ کتاب الزكاة مسألة: ومن كانت بيده مائة دينار وعليه دين مثلها، فلما حال عليه الحول وهب إياها الغريم، فقد روى ابن القاسم عن مالك: لا يزكيه حتى يحول عليه حول من يوم وهبه له، وقال أشهب: عليه فيه الزكاة حین وهبت له ولم یکن له مال غيرها. وجه القول الأول ما احتج به سحنون من أنها لو بقيت بيده لم توهب له، لم يجب عليه، فيها زكاة، لأنها ملك لغيره أو لمن يقدر على انتزاعها منه كمال العبد، فلما وهبت له صارت فائدة ملكها الساعة فيحب أن يستقبل بها حولاً كما لو كانت عنده و دیعة کمال العبد یتقرر ملکه علیه بالعتق. ووجه القول الثانى ما احتج به من أنه منزلة رجل كانت عنده خمسة دنانير، فلما حال عليها الحول اشترى بها سلعة فباعها بعشرين، فإنه يجب عليه فيها الزكاة، ومعنى ذلك أن الدين كان متعلقًا بذمته وبالمال الذى بيده، فلما وهبت له اقتضى الدين بذمته، فلزمته الزكاة فى المال لملكه له فى جميع الحول ولو أداها فى دينه لم يجب عليه فيها الزكاة لأن الدين لما أدى منها اختص بها وتعين بها، والله أعلم وأحكم. فرع: ولو وهبها لأجنبى، فقد قال أشهب: لا زكاة على الغريم ولا على الواهب. وقال محمد: أما الواهب فليزكها لأن يد القابض لها كيده. وقاله ابن القاسم. وجه قول أشهب أن الموهوب لم يقبضها للواهب وإنما قبضها لنفسه فلا زكاة على الواهب كما لو وهبها لمن هى عليه. الباب الثالث فى معنى العرض الذى يحتسب به فى الدين وأما العرض الذى يحتسب به فى الدين ليزكى العين، فأصله أن الدين يسقط زكاة العين فمن لم يكن له عرض يفى بدينه احتسب بدينه، ومن كان له عرض يفى بدينه فيه ووجبت الزكاة فيما بيده، فإن كان العرض يفى ببعض دينه احتسب فيما يقابله من الدين وباقى دينه يسقط الزكاة عن قدره من المال. مسألة: وهذا إذا كان العرض قد حالى عليه عنده حول، فإن أفاده قبل الحول، فقد قال ابن القاسم فى الموازية: لا يزكى حتى يكون العرض عنده من أول الحول. وروى عيسى عن ابن القاسم: لو أفاد مائة دينار عند الحول جعل دينه فيها وزكى ما بيده. قال ابن المواز: وقال أشهب: يزكى، سواء أفاد العرض عند الحول أو قبله بيسير، ١٧٥٠٠ کتاب الزكاة وإن أفاد بعد الحول ز کی حينئذ. قال محمد: وبه أقول وبه قال أصحاب ابن القاسم. وجه القول الأول أنه قال: تجب بملكه الزكاة، فاعتبر فيه الحول كمال الزكاة. ووجه القول الثانى أن ما كان بيده معرض للتنمية مدة الحول، فإذا وجد الحول عند ما یؤدی منه دينه لزمته الز کاة کما لو أفاد عينًا. وقد روى ابن المواز عن ابن القاسم فيمن عليه دين وعنده عرض لا یفی بدينه، ثم صار عند الحول يفى بالدين، فإنما ينض إلى قيمة العرض يوم الحول، قال محمد: وهذه من قول ابن القاسم يرد ما قال فيمن أفاد العرض عند الحول. مسألة: وما الذى تحتسب من عروضه؟ مقتضى قول مالك فى المدونة أن كل ما يباع علیه فی فلسه، فإنه يجعل فيه دينه، قال: وذلك سرجه وسلاحه وداره وخادمه، قال فى الموازية: ودابته، قال ابن القاسم فى الموازية والمدونة: وخاتمه، وقال أشهب: لا يُحتسب بخاتمه. ووجه ذلك أنه مما يستغنى عنه كثير من الناس مع ضيق الحال، وأما ثياب جسده وثوبا جمعته إن لم يكن لها تلك القيمة، فلا يحتسب بها فى دينه، وإن كان لها قيمة احتسب بها عند ابن القاسم. قال أشهب: إن لم يكن لبسها سرفًا لم يحتسب بها. مسألة: ومن كان عليه دين، وله دين، جعل مثله، جعل الدين الذى عليه فى دينه الذى له، وزكى ما بيده من الناض، قاله ابن القاسم وأشهب فى المجموعة، وذلك فى الدين الذى يرجى قضاؤه يحتسب بعدده. قال سحنون: بل بجعل قيمة دينه فى قدر الدین الذی علیه. وروی عیسی عن ابن القاسم: إن كان دينه علی غیر ملیء احتسب بقیمته. قال الشيخ أبو محمد: وهذا يدل على أنه إن كان ملىء احتسب بقدره، وهذا إن كان حالاً، فإن كان مؤجلاً، فينبغى أن يحتسب بقيمته؛ لأنه لو فلس لاتبع بقيمته. ووجه ذلك أن الدين الذى له على هذا يجرى لأنه إن كان على ملىء عدد، وإن كان على غير ملىء فإنما يحتسبها بما يتحصل منه، وهو قيمته، وكذلك الدين المؤجل لا يمكن اقتضاؤه الآن على عدده، وإنما يمكن أن يقتضى قيمته، وأما ما عليه من الدين فذمته مشغولة بعدده. مسألة: وأما مدبره، فروى ابن المواز: لم يختلف أصحاب مالك فى أنه يحتسب کتاب الزكاة ...... ١٧٦ بقيمته، وقال سحنون فى المجموعة: لا يحتسب بقيمته ولا يخدمته؛ إذ لا يباع، يريد فى حياة المدبر. قال الشيخ أبو القاسم: وقال غير ابن القاسم: يجعل دينه فى خدمة مدبره، وبه أقول. وجه القول الأول أنه مسترق خارج من الثلث بعد الموت، فأشبه الموصى بعتقه. ووجه القول الثانى أنه قد انعقد فيه عتق لازم يسقط جميعه بوجه، فلم يحتسب به فى الدين المسقط للزكاة كأم الولد. مسألة: وأما مكاتبه، ففى الموازية عن ابن القاسم: يحتسب بقيمة كتابته. وقال أشهب: بقيمته مكاتبًا بقدر ما عليه. وقال أصبغ: بل قيمته عبدًا. ورواه ابن حبيب عن أشهب وأصبغ. وجه القول الأول أنه إنما يملك السيد كتابته، فوجب أن يحتسب بقيمتها. ووجه القول الثانى أنه إنما يتعلق ملکه بقیمته، ولو جنى عليه لكانت له قيمته، فاحتسب بذلك فى الدين، وإنما يحتسب بقيمته مكاتبًا لأن الكتابة كالعيب فيه، فلا تحسب به سليمًا، وهو معيب. ووجه القول الثالث أنه لو جنى عليه للزمت قيمته عبدًا، فكذلك يحتسب به فی الدین. فأما المعتق إلى أجل فيحتسب بقيمة خدمته على غررها، وقاله أشهب فى المجموعة، ووجه أن عقد عتقه لازم فلا يحتسب برقبته، وإنما يملك خدمته إلى أجل، فبذلك احتسب عليه، وأما إن أخدم عبده سنين أو عمره، فإنه تقوم رقبته على أن يخدمه إلى تلك المدة، ولو أخدم هو عبدًا قومت عليه تلك الخدمة. مسألة: ولو كانت له ماشية يزكيها، ففى العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم: يجعل الماشية فی دینه، ویز کی عينه. ووجه ذلك أن الماشية يصح أداء دينه منها والزكاة المتعلقة بها لأ تمنعه من أن يحتسب بها فی دینه، وهی من غیر جنس زكاة العين. مسألة: ومن كانت له مائتا دينار حل حول أحدهما وعليه مائة دينار دينًا، ففى العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم: يزكيها ويحتسب بالمائة التى لم يحل حولها فى دينه ولا يزكى الثانية. قال الشيخ أبو محمد: يريد لا يزكى الثانية عند حولها لأن دينه فيها. وفى كتاب ابن حبيب: يزكى كل مائة لحولها، ويجعل دينه فى الأخرى. ....... ١٧٧ کتاب الزكاة وجه القول الأول أنه لو كان حولهما واحدًا لجعل دينه فى أحدهما وزكى الأخيرين، فكذلك إذا اختلف حولاهما. ووجه القول الثانى أن تعلق الزكاة بكل واحد منهما عند حولها لا يمنع الاحتساب بها فى الدين عند حول الأخرى لأن الدين يصح قبل تعيينه. الباب الرابع فى معنى الدين يحتسب فيه بعرض وأما الدين الذى يحتسب فيه بعرض فقد تقدم أن كل دين مما قدمناه يحتسب فيه بالعرض ويزكى ما حال عليه الحول من العين، ومن كان عليه عشرون دينارًا من زكاة فرط فيها، فقد قال ابن القاسم فى العتبية: إن كان عنده عرض قيمته عشرون دينارًا، فلا يحتسب به فى دينه بخلاف ديون الناس ولا يحتسب ما عليه من الزكاة إلا فيما بيده من المال، فإن بقى فى يده بعد ذلك نصاب زكاة، وإلا لم يزك. قال ابن المواز: إنما ذلك عند مالك وابن القاسم إذا لم يكن له عرض، ولو كان له عرض زكى الجميع، وهذا قول أشهب فى المدونة. وجه القول الأول أن دين الزكاة أضعف من غيره، ولذلك لا يخرج من رأس المال بعد الموت بخلاف ديون الناس، فذلك لم يؤثر العرض فى إسقاط حكمها. ووجه القول الآخر ما احتج به من أنه دين يسقط الزكاة، فاحتسب به فى العرض كديون الناس. * زكاة العروض ٦٦٢ - مَالِك، عَنْ يَخْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زُرَيْقِ بْنِ حَيَّانَ، وَكَانَ زُرَيْقٌ عَلَى حَوَازِ مِصْرَ فِى زَمَانِ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ وَعُمَرَ بْنٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدٍ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ انْظُرْ مَنْ مَرَّ بِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَخُذْ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِمَّا يُدِيُرُونَ مِنَ التّحَارَاتِ مِنْ كُلَّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا، فَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابٍ ذَلِكَ حَتّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَإِنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا، وَلا تَأْخُذْ مِنَّهَا شَيْئًا، وَمَنْ مَرَّبِكَ مِنْ أَهْلِ الذّمَّةِ فَخُذْ مِمَّا يُدِيِرُونَ مِنَ التِّجَارَاتِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِيْنَارًا، ٦٦٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٥٤. الشافعى فى الأم ٤٦/٢. كتاب الزكاة ١٧٨ فَمَا نَقَصَ فَبِحِسَابٍ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ عَشَرَةَ دَنَانِرَ، فَإِنْ نَقَصَتْ ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا، وَلا تَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا، وَاكْتُبْ لَهُمْ بِمَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ كِتَابًا إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْحَوْلِ(١). الشرح: هكذا وقع فى رواية يحيى عن زريق، بالزاى المعجمة قبل الراء، والصواب رزيق، بالراء غير المعجمة قبل الزاى المعجمة، وعليه جمهور الرواة، ورزيق لقب، واسمه سعید بن حیان الفزارى. قوله: ((فخذ مما ظهر من أموالهم)) تصريح منه أنهم مؤتمنون فيها، وأنهم لا يأخذون إلا بما ظهر وأموال التجارة من الأموال التى تخفى، فإنما يؤخذ ما ظهر منها ممن كان مؤتمنا فيها. وقوله: ((مما يديرون من التجارات)) يستغرق العروض وغيرها، وهو فى العرض أظهر لأن التجارة إنما تدار بها والربح والنماء إنما يقصد فيها، وبإدارتها بالبيع والشراء. ووجه آخر أن سائر الأموال لا يراعى فيها الإدارة من غيرها، ولابد من أخذ الزكاة من العين على كل حال. وأما العروض، فهى التى تفرق بين المقتنى منها، فلا تؤخذ منه الزكاة وبين ما يدار منها فى التجارة، فيؤخذ منه الزكاة، فكان الأظهر أنه أراد بذلك زكاة العروض. وهذا كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز بذلك إلى عماله وأصحاب جوائزه وأخذ زريق به الناس فى زمانه، وهذا مما يحدث به فى الأمصار، ولم ينكر ذلك عليه أحد ولا يعلم أحد تظلم منه بسببه، والناس متوافرون فى ذلك الزمان من بقايا (١) قال فى الاستذكار ١٠١/٩: معلوم عند جماعة العلماء أن عمر بن عبد العزيز كان لا ينفذ كتابًا، ولا يأمر بأمر ولا يقضى بقضية إلا عن رأى العلماء الجلة ومشاورتهم والصدر عما يجمعون عليه ويذهبون إليه، ويرونه من السنن المأثورة عن النبى ﴾، وعن أصحابه المهتدين بهديه المقتدين بسننه، وما كان ليحدث فى دين الله مالم يأذن له به مع دينه وفضله. وفى حديثه هذا الأخذ من التجارات فى العروض المدارات بأيدى الناس والتجار: الزكاة كل عام، ولم يعتبر من نض له شىء من العين فى حوله ممن لم ينض، ولو كان ذلك من شرط زكاة التجارات لكتب به وأوضحه ولم يهمله، ومعلوم أن الإدارة فى التجارة لا تكون إلا بوضع الدراهم والدنانير فى العروض وابتغاء الربح، وهذا من أبين شىء فى زكاة العروض، ولذك صدر به مالك هذا الباب. وقد روى عن عمر بن الخطاب ما يدل على أن عمر بن عبد العزيز سلك طريقه فى ذلك ومذهبه أمثل. .............. ١٧٩ کتاب الزكاة الصحابة، وجمهور التابعين ممن لا يحصى. كثرة، فثبت أنه إجماع، وخالف داود فى ذلك، فقال: لا زكاة فى العرض بوجه كان لتجارة أو غيرها. ودليلنا قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] وهذا عام، فيحمل على عمومه إلا ما خصه الدليل. ودليلنا من جهة السنة ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله : ((من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه، يعنى شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك()). ودليلنا من جهة القياس أن هذا مال مرصد للنماء والزيادة، فجاز أن تجب فيه الزكاة کالعین. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن الأموال على ضربين، مال أصله التجارة كالذهب والفضة، فهذا على حكم التجارة حتى ينتقل عنه، ومال أصله القنية كالعروض والثياب وسائر الحيوان والأطعمة، فهذا على حكم القنية حتى ينتقل عنه، فما كان أصله التجارة لم يتنقل إلى القنية إلا بالنية والعمل، والعمل المؤثر فى ذلك أن الصياغة وما كان أصله القنية لم ينتقل إلى التجارة إلا بالنية والعمل، والعمل المؤثر فى ذلك الابتياع، فمن اشترى عرضا ولم ينو به تجارة، فهو على القنية حتى يوجد منه نية التجارة. ومن ورث عرضًا ينوى به التجارة، فهو على القنية لأنه لم يوجد منه عمل ينقله إلى التجارة، فإذا ابتاعه للتجارة، فقد اجتمع فيه النية والعمل، فثبت له حكم التجارة لما قدمناه. وأما ما ابتاعه للغلة من الدور ثم باعه بعد حول، ففى الموازية من رواية ابن القاسم: عن مالك فى ذلك، روايتان، إحداهما: يزكى الثمن، وهو اختيار ابن نافع. والرواية الثانية: يستأنف به حولاً، وهو اختيار ابن القاسم. وجه الرواية الأولى أن الغلة نوع من النماء، فالإرصاد له يوجب الزكاة كربح التجارة. ووجه الرواية الثانية أنه مال لم يرصد للتجارة، فلم تجب فيه زكاة كما لو اشتراه للقنية. فرع: فأما إذا ابتاعه لأمرين، وجه من القنية، ووجه من التجارة كمن اشترى جارية لوطء أو خدمة، فإذا وجد بها ربحًا باعها، ففى الموازية: ثمنها فائدة. (*) تقدم تخريجه. ١٨٠ کتاب الزكاة وروى أشهب يزكى ثمنا، فعلى هذا لشراء السلعة أربعة أوجه، أحدها: يشتريها للتجارة المحضة، فهذا لا خلاف فى تعلق الزكاة بها. والثانى: أن يشتريها للقنية، فهذا لا خلاف فى انتفاء الزكاة عنها. والثالث: أن يشتريها للقنية والتجارة، فهذا اختلف فى وجوب الزكاة فيها، وكذلك الوجه الرابع إذا اشتراها للغلة. مسألة: ومن اشترى عرضًا للتجارة ثم صرفه إلى القنية ثم باعه، ففيه روايتان، روى ابن القاسم عن مالك حكمه القنية. وروى أشهب عن مالك حكمه التجارة. وجه رواية ابن القاسم أن أصله القنية فأثر فى رده إلى أصله مجرد دالنية كالذهب والفضة. ووجه رواية أشهب أن النية مؤثرة فى العروض كما لو اشتراها للتجارة، ثم نوى بها القنية، ولأنه لما اشتراها للتجارة وثبت لها هذا الحكم صار أصلاً لها فرجعت إليه لمجرد النية، والله أعلم وأحكم. فصل: وقوله: ((مما يديرون من التجارات من كل أربعين دينارًا دينارًا)) تصريح بأن - الزكاة تجب فى قيمتها دون عينها، ولو وجبت فى عين العرض لقال ربع قيمة المال، فلما رد ذلك إلى العين علم أن الزكاة إنما تجب فيه، وهو قيمة العرض والزكاة على ضربين: زكاة عين، وهى زكاة العين والحرق والماشية، وزكاة قيمة، وهى زكاة العروض المدارة فى التجارة. وقال أبو حنيفة: الزكاة تجب فى عين العرض، ولكن يخرج قيمة ذلك العرض. والدليل على ما نقوله أن كل مال اعتبر النصاب فيه، فإن الزكاة متعلقة به كالماشية. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن الأموال المدارة للتجارة على ضربين: ضرب لا تجب الزكاة فى عينه، وضرب: تتعلق الزكاة بعينه. فأما ما لا تجب الزكاة فى عينه، فهى العروض التى ذكرناها وتجب فيها بالتجارة بالنية والعمل، وذلك أن يشترى بنية التجارة، فأما ما ورث منها للتجارة أو اشتريت للقنية ونوى بها التجارة، فلا زكاة فيه خلافًا لأحمد وإسحاق، وقد تقدم الكلام فيها. مسألة: فأما إذا كانت مما تجب الزكاة فى عينه كالماشية، فإن زكاة العين أحق بها لأن الزكاتين إذا إجتمعتا كانتا أولاهما زكاة العين خلافًا لأبى حنيفة، وأحد قولى الشافعى. ٠ ١٨١ كتاب الزكاة . والدليل على ما نقوله أن زكاة العين متفق عليها وزكاة القنية مختلف فيها، فكانت زكاة العين أولى. فرع: وهذا إذا بلغت الماشية نصابًا، فإن لم تبلغ نصاب الماشية، وبلغت نصاب القنية ثبتت زكاة القنية لعدم زكاة العين، والله أعلم. فصل: وقوله: ((فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرين دينارًا)) موافق لما ذكرناه من أن ما زاد على عشرين دينارًا، يؤخذ منه بحساب ذلك، وبيان أن النصاب هو العشرون دینارًا. وقوله: ((فإن نقصت ثلث دينار فدعها)) تصريح بأن النقص عن النصاب يسقط الزكاة، وذكر الثلث الدينار، وليس فيه دليل على أنه إذا نقصت أقل من ثلث دينار تجب فيها الزكاة لأنه لم يتعرض لذلك، ولا ذكره وقد تعلق قوم بهذا، وقالوا: إن مذهب عمر بن عبدالعزيز أنها إذا نقصت أقل من ثلث دينار أن الزكاة فيها، وما قالوه غير صحيح، ولا يجب أن يظن هذا به، ولو أراد هذا لقال حتى تبلغ عشرين ديناراً غير ربع دينار أو غير أقل من ثلث دينار، فإن نقصت ثلث دينار فدعها، فقد روى ابن مزين عن عيسى عن ابن القاسم: لم يأخذ مالك بهذا. وقوله: ((لا زكاة فيها إذا نقصت يسيرًا أو كثيرًا لا مثل الحبة والحبتين)) ونحو ذلك فيه الزكاة وكذلك الدراهم، وقد تقدم تفسير مذهب مالك وأصحابه فى ذلك. ومعنى قوله: ((لم يأخذ مالك بهذا)) بريد والله أعلم، لم يأخذ يظاهر ما اعتقد فيه من ذكرنا قوله، والله أعلم. فصل: وقوله: ((ومن مر بك من أهل الذمة فخذ مما يديرون من التجارات من كل عشرين دينارًا دينارًا)) يحتمل أن يكون رأى ذلك اجتهادًا لكساد أسواق الجهة كما فعل عمر بن الخطاب فيما كانوا يحملون إلى المدينة من الطعام والزيت، كان يأخذ منه نصف العشر ليكثر بذلك طعامهم وزيتهم، ويحتمل أن يكون عمر بن عبدالعزيز قصد بذلك الطعام وحده اقتداء بعمر رضى الله عنهما. فصل: وقوله: ((حتى تبلغ عشرة دنانير فإن نقصت ثلث دينار فدعها)) يحتمل أن يكون هذا اجتهادًا منه وأنه رأى ما دون العشرة لا يؤخذ منه شىء مما يتحر به أهل الذمة، فإن ذلك من جملة اليسير الذى يجرى مجرى النفقة، ومما لابد منه للمسافر فى سفره.