Indexed OCR Text
Pages 1081-1100
كتاب الصيام ... ٨٢ ٠٠ ..... شرطها النية، فإذا أخرها حتى يدخل وقت التى تليها كان مفرطًا عاصيًا كالصلاة. ودليلنا على وجوب الكفارة بتأخير القضاء عن وقته أن هذه عبادة يدخل فى جيرانها المال، فإذا أخرها بتفريط حتى عاد وقتها لزمه كفارة كالحج، ومعنى ذلك أن يحرم بالحج ثم يؤخر الحج إلى عام ثان، وبذلك يكون مفرطًا. فصل: وقوله: ((فإنه يطعم كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة))، يريد أنه يلزمه عن كل يوم فرط فيه إطعام مسكين مدًا، وهو الذى عليه جمهور أصحابنا. وقال أشهب: يطعم فى غير المدينة مدًا ونصفًا، وهو قدر شبع أهل مصر، وإنما ذلك منه على وجه الاستحباب على ما ذكره فى إطعام كفارة اليمين. ومعنى المسألة أن يطعم مدًا كاملاً لمسكين واحد لا يفرقه على مسكينين، وأكثر، فإن فعل، لم يجزه حتى يتم مدًا كاملاً المسكين واحد، وهكذا الكفارات يعتبر فيها قدر الطعام وعدد المساكين، والله أعلم وأحكم. جامع قضاء الصيام ٦٢٤ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ()، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ا تَقُولُ: إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَىَّ الصِّيَامُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَصُومُهُ حَتَّى يَأْتِىَ شَعْبَارُ(١) . الشرح: قولها: ((إن كان ليكون علىَّ الصيام من رمضان))، تريد أياما من رمضان لم يمكنها صومها فيه بحيض أو مرض أو غير ذلك، فيكون عليها قضاؤها، فما ٦٢٤ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨١٤. ومسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٩٣٣. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٧١٤. والنسائى فى كتاب الصيام حديث رقم ٢٢٧٨. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠٤٧. وابن ماجه حديث رقم ١٦٥٩. وأحمد فى المسند حدیث رقم ٢٣٧٨١، ٢٤٢٨٩. (*) قال الحافظ ابن حجر: هو الأنصارى. وقال: وذهل من قال أنه القطان لأنه لم يدرك أبا سلمة. (١) قال السيوطى: زاد البخارى قال يحهى: للشغل بالنبى ﴿ا، والترمذى وابن خزيمة من طريق عبد الله البهلى عن عائشة. قالت: ما قضيت شيئًا مما يكون على من رمضان إلا فى شعبان حتى قبض رسول الله 18. انظر: تنوير الحوالك ٢٢٥. كتاب الصيام ٠ ٨٣ .... تستطيع أن تصومها حتى يأتى شعبان، ومثل هذا إذا تكرر، فإنما يكون لمانع شغل لأنه يستحيل أن يتفق مرض فى كل عام يتصل إلى شعبان وينقطع فيه، وقد بين ذلك يحيى ابن أبى كثير أن عائشة قالت: كان يكون علىَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أُقضی إلا فى شعبان. قال يحيى: لشغل من النبى ﴾ أو بالنبى ﴿﴿، فإذا ثبت أن الزمن يصح فيه القضاء، ولكنها كانت تؤخر القضاء لشغلها بالنبى 18 إلى شعبان، والشغل الذى كان من جهة النبى ®، إما الاستمتاع بها وإما التصريف لها فى حوائجه وحاجته إلى ذلك فى شعبان كحاجته فى غيره، وذلك يقتضى جواز تأخير الصوم مع التمكن منه إلى أن يبقى من شعبان قدر ما عليها من أيام الصوم، ولما يكون المؤخر بذلك مفرطًا، ولو كان مفرطًا لما جاز له التأخير عن أول إمكان القضاء كما لا يجوز تأخير صوم رمضان عن زمن رمضان. فمن كان عليه قضاء أيام رمضان، فمضت عليه بعد الفطر عدتها من الأيام أمكنه فيها صيامها، فأخر ذلك ثم جاءه مانع منعه القضاء إلى رمضان آخر، فلا إطعام عليه لأنه ليس بمفرط حين فعل ما يجوز له من التأخير، هذا قول البغداديين من أصحابنا، ويرونه معنى قول ابن القاسم فى المدونة. وفى المدنية من رواية عيسى عن ابن القاسم: من كان صحيحًا، ففرط فى قضاء رمضان حتى مرض، فذلك الذى عليه الإطعام ويجب أن يوصى به، وأما من مرض فى رمضان فلم یزل مریضًا حتى مات، فإنه يستحب له أن يوصى به ولا يجب عليه ذلك. وروى ابن نافع عن مالك فى الذى يفرط حتى بمرض: أحب إليه أن يوصى بالإطعام، وهو نحو القول الأول. وقال الشيخ أبو القاسم: إن كان معذورًا فى بعض العام دون بعض، لزمه مع القضاء الإطعام بعدد الأيام التى زال فيها عذره دون غيرها. مسألة: الأعذار التى تسقط الإطعام: المرض والسفر المتصل، قاله الشيخ أبو القاسم. مسألة: وهل يكون للزوج جبر المرأة على تأخير القضاء إلى شعبان أولا؟. قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: الظاهر عندی أنه ليس له ذلك إلا باختيارها لأن لها حقًّا فى إبراء ذمتها من الفرض الذى لزمها، وأما التتفل، فإن له منعها لحاجته كتاب الصيام ٨٤ ........ إليها. وقد روى أبو هريرة قال: قال رسول الله 19: ((لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه)»(). فصل: قولها: ((حتى إلى شعبان))، يقتضى أن ذلك غاية الزمن الذى تقضى فيه رمضان، وهذا يقتضى مخالفته لما قبله من الأيام التى يصح فيها قضاء رمضان لامتناع النبى ﴿﴿ منها فى شعبان دون غيره مع تساوى الحاجة، وذلك لأن تأخير القضاء غير ممنوع قبل شعبان، وأنه ممنوع فى شعبان، فيقتضى ذلك أن يكون هذا آخر وقت القضاء لغير المفرط، وأن المؤخر يعد مفرطًا، وقد تقدم القول فى وجوب الكفارة فيه. * صيام اليوم الذى يشك فيه مَالِك أَنْهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ أَنْ يُصَامَ الْيَوْمُ الَّذِى يُشَكُّ فِيهِ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا نَوَى بِهِ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَيَرَوْنَ أَنَّ عَلَى مَنْ صَامَهُ عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ ثُمَّ حَاءَ الَبْتُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ، وَلا يَرَوْنَ بِصِيَامِهِ تَطَوُّعًا بَأْسًا. قَالَ مَالِك: وَهَذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا، وَالَّذِى أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا. الشرح: وهذا كما قال أن أهل العلم قد نهوه عن صيام اليوم الذى شك فيه أنه من شعبان أو رمضان على سبيل الاحتياط لرمضان، ويرون أن صيامه لا يجزئ من صامه إذا ثبت بعد ذلك أنه من رمضان، وعليه أن يقضيه، وقد تقدم قول ابن حنبل أنه يصام احتياطًا فى الغيم، والصواب قول الجمهور، والله أعلم وأحكم. مسألة: وأنه لا بأس بصيامه على وجه التطوع والنفل، وعلى ذلك أدرك مالك، رحمه الله، أهل العلم بالمدينة، وقد تقدم الكلام فى ذلك كله فى أول الكتاب ما يغنى عن إعادته. جامع الصيام ٦٢٥ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدٍ (*) أخرجه البخارى حديث رقم ٥١٩٥. مسلم حديث رقم ١٠٢٦. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٧٤٠٥. ٦٢٥ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨٣٣. ومسلم فى كتاب الصيام حديث- ٨٥ ... كتاب الصيام . الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النِّّ ﴿ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُغْطِرُ حَتّى نَقُولَ لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِى شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِى شَعْبَانٌ. الشرح: قولها: « کان رسول الله ﴿، يصوم حتى نقول: لا يفطر))، تريد أنه كان يصل الصوم، حتى يقول من علم ذلك من حاله أنه يتمادى على سرد الصيام، ولا يفطر وكذلك كان يفطر ويصل الفطر، حتى يقول من علم ذلك سيسرد الفطر ولا يصوم، وإنما كان ذلك والله أعلم؛ لأن هذا أفضل الصوم وأشده لمن استطاع عليه. فصل: وقولها: «وما رأيت رسول الله ﴿﴿4 استكمل صيام شهر قط، إلا رمضان»، وهذا نفى لأن تراه استكمل صيام شعبان. وقد روى عنها أنها قالت: كان يصوم شعبان كله، وهذا يحتمل أن يريد به معظمه وأكثره، فيكون موافقًا لحديث الموطأ. وقد روى ابن أبى لبيد عن أبى سلمة عن عائشة: لم أر رسول اللـه ـ صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً، وهذا يؤكد هذا التأويل، ويحتمل أن تريد بقولها: أنه ما استكمل صيام شهر قط غير رمضان، أنه استكمله على وجه التعيين والتخصيص له بذلك، وأن ما روى عنها أنه کان یصوم شعبان کله لم یکن علی وجه التعیین له. وقد روى عن عبدالله بن سفيان، قال: قلت لعائشة رضى الله عنها: هل كان رسول الله ﴿﴿ له صوم معلوم سوى رمضان؟ قالت: والله إن صام شهرًا معلومًا سوى رمضان حتی مضی لوجهه، ولا أفطر حتى يصوم منه. فقولها: شهرًا معلومًا سوى رمضان حتى مضى لوجهه، ولا أفطر حتى يصوم منه، فقولها: شهرًا معلومًا، يقتضى أن يكون معلومًا بصومه، وهذا لا يمنع أن يكون صامه علی غیر هذا الوجه. = رقم ١٩٥٦. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٦٩٩. والنسائى فى كتاب الصيام حديث رقم ٢١٤٧، ١٢٤٨، ٢١٤٩، ٢١٥٠، ٢١٥٢، ٢١٥٣، ٢١٥٤، ٢١٥٥، ٢٣٠٥، ٢٣٠٦، ٢٣٠٧، ٢٣٠٩. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢ - ٧٩. وابن ماجه حديث رقم ١٧٠٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٨٧، ٢٤١٥١، ٢٤٧٠٢، ٢٤٨٤٦، ٢٥١٠٣. والبيهقى فى السنن الكبرى ٢٩١/٤ عن ابن عباس. وابن أبى شيبة ١٠١/٣ عن ابن عباس. كتاب الصيام ٨٦ فصل: وقولها: ((وما رأيته فی شھر أکثر صيامًا منه فى شعبان))، تريد أن صيامه فى شعبان کان أکثر من صيامه فى سائر الشهور غير رمضان، ويحتمل أن یکون ذلك تخصیصًا له لكثرة الصوم منه، والله أعلم. ٦٢٦ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((الصِّيَّامُ جُنّةً(١)، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلا يَرْفُتْ(٢) وَلا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤْ فَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّى صَائِمٌ إِنِّى صَائِمٌ)). الشرح: قوله : ((الصيام جنة)) يريد أنه ستر ومانع من الآثام، والجنة ما يستر به ومن ذلك سمى المجن. وقوله: «فإن كان أحد کم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل)، يريد لا يأت بما يكسب الآثام، والرفث قبيح الكلام. قال الراجز: عن اللغا ورفث التكلم والجهل ضد العلم يتعدى بغير حرف جر والجهل ضد الحلم يتعدى بحرف الجر، تقول العرب: جهل على فلان بمعنى تعدى، فيعدونه بحرف الجر. قال الشاعر: فنجهل فوق جهل الجاهلينا ألا لا يجهلن أحد علينا ٦٢٦ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٧٦١. ومسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٩٤١. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٦٩٥. والنسائى فى كتاب الصيام حديث رقم ٢١٨٤، ٢١٨٥، ٢١٨٦، ٢١٨٧، ٢١٨٨. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠١٦. وابن ماجه حديث رقم ١٦٨١. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٧٩، ٧٣٦٨، ٧٥٠٤، ٧٧١٢، ٧٧٨٠، ٨٨٢٤، ٨٨٥٧، ٩٥٦٤، ٩٦١٧، ٩٧٤٨، ٩٧٨٧، ١٠٠٢٤، ١٠١٤٨، ٠١٠٢٧٣ والدارمى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٧٠٦. والبيهقى فى الكبرى ٢٦٩/٤ عن أبى هريرة. (١) ((الصيام جنة)) قال السيوطى زاد سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبى الزناد من النار، ولأحمد من طريق أبى يونس عن أبى هريرة ((جنة وحصن حصين من النار))، وللنسائى من حديث عثمان بن أبى العاص ((جنة كجنة أحدكم من القتال))، ولأحمد من حديث أبى عبيدة ابن الجراح (جنة مالم يخرقها)). زاد الدارمى ((بالغيبة)). والجنة بضم الجيم الوقاية والستر. قال ابن العرابى: إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات. انظر: تنوير الحوالك ٢٢٦. (٢) الرفث: الكلام الفاحش، ويطلق على الجماع ومقدماته. ٨٧ ......... كتاب الصيام .. فصل: قوله: ((فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إنى صائم))(٣) معناه فلا يقاتله ولا يشاتمه، وليذكر نفسه صيامه ليرتدع بذلك عن معاوضة الشاتم فى المقاتل، ووصفه هنا بأنه مشاتم ومقاتل، وإن كان هذا لا يستعمل إلا من فعل اثنين، يحتمل ثلاثة أوجه، يحتمل أن يريد فإن امرؤ أراد أن يشاتمه أو يقاتله، فليمتنع من ذلك وليقل إنى صائم. والثانى: أن لفظ المفاعلة، وإن كانت أظهر فى فعل الاثنين إلا أنها قد تستعمل فى فعل الواحد، فيقال: سافر الرجل، وعالج الطبيب المريض، والثالث أن يريد أنه إن وجدت المشائمة، والمقاتلة منهما جميعًا، فليذكر نفسه الصائم بصومه، ولا يستديم المشائمة والمقاتلة. ٦٢٦ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ الزُّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((وَالَّذِى نَفْسِى بِيِّدِهِ، لَخْلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، إِنّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِى، فَالصِّيَامُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرٍ (٣) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٠٩/٥: فيه قولان: أحدهما أنه يقول للذى يريد مشاتمته ومقاتلته: إنى صائم، وصومى يمنعنى من مجاوبتك، لأنى أصون صومى من الخنا والزور من القول، بهذا أمرت؛ ولولا ذلك، لانتصرت لنفسى بمثل ما قلت لى سواء، ونحو ذلك. والمعنى حينئذٍ على هذا التأويل فى الحديث، أن الصائم نهى عن مقاتلته بلسانه، ومشائمته وصوته صومه عن ذلك، وبهذا ورد الحديث: حدثنا عبدالله بن محمد، قال: حدثنا محمد بن بکر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا ابن أبى ذئب، عن المقبرى، عن أبيه، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله 18: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه)). وقال أحمد بن يونس: فهمت الإسناد من ابن أبى ذئب، وأفهمنى الحديث رجل إلى جنبه، أراه ابن أخيه؛ ورواه ابن المبارك عن ابن أبى ذئب بإسناده مثله. والقول الثانى: أن الصائم يقول فى نفسه لنفسه: إنى صائم يا نفسى، فلا سبيل إلى شفاء غيظك بالمشائمة. ولا يظهر قوله: إنى صائم، لما فيه من الرياء وإطلاع الناس على عمله، لأن الصوم من العمل الذى لا یظهر، ولذلك يجزی الله الصائم أحره بغير حساب. .. ٦٢٧ - أخرجه البخارى ٥٨/٣ كتاب الصوم، باب فضل الصوم عن أبى هريرة. مسلم ٨٠٧/٢ كتاب الصيام، باب ٣٠ رقم ١٦٣ عن أبى هريرة. النسائى ١٥٩/٤ كتاب فى فضل الصيام عن على بن أبى طالب. أحمد ٤٦٥/٢ عن أبى هريرة. البيهقى فى الكبرى ٣٠٤/٤ عن أبى هريرة. ذكره الهيثمى بالمجمع ١٩٧/١ وعزاه للطبرانى فى الأوسط عن أبى ذر. قال ابن عبد البر فى التمهيد (٢٠٨/٥): هذا الحديث رواه عن أبى هريرة جماعة من أصحابه، منهم: سعيد بن المسيب، والأعرج، وأبو صالح، ومحمد بن سيرين، وغيرهم. ورواه أبو سعيد وغيره عن النبى ، كما رواه أبو هريرة. كتاب الصيام .... ..... ٨٨ ٠٠ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعٍ مِائَةٍ ضِعْفٍ، إِلَا الصِّيَامَ فَهُوَ لِى وَأَنَّا أَحْرِى بِ)). الشرح: قوله: ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))، الخلوف تغير رائحة فم الصائم، وإنما يحدث من خلو المعدة بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفس الخارج من المعدة، وإنما يذهب بالسواك ما كان فى الأسنان من التغير. وقال البرنى: خلوف فم الصائم، تغير طعم فمه وريحه؛ لتأخر الطعام. وهذا ليس على أصل مالك رحمه الله، وإنما هو جار على مذهب الشافعى، ولذلك منع الصائم السواك بعد نصف النهار؛ لأنه وقت وجود الخلوف فيه عنده، وأباحه مالك، رحمه الله؛ لأن الخلوف عنده لا يزول بالسواك؛ لأن أصله من المعدة، ولو زال بالسواك لوجب أن يمنع منه قبل الزوال؛ لأن تعاهده بالسواك قبل الزوال يمنع وجوده منه بعد الزوال إن كان مجتمعًا بالفم. وسمعت جماعة من خطباء بلدنا يدخلون قول الشافعى فى خطبهم لقلة معرفتهم لما وجدوا ذلك بائنًا فى خطب ابن نباتة الواردة من المشرق، وخطبهم مبنية على مذهب الشافعى، وهذه المسألة قوية لمالك، رحمه الله، يلزم التنبيه عليها لئلا يترك الأخذ بها من لا یعرف وجهها، والله أعلم. فصل: قوله: ((أن الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك))، ليس فيه أمر بالاستكثار منه، وإنما هو ترغيب فى الاستكثار من الصوم الذى يحدث به، ولذلك خص بخلوف فم الصائم دون خلوف فم غيره. وقوله: «إنه أطيب عند الله من ريح المسك))، المسك يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها: أن صاحبه يجدها عند الله أطيب من ريح المسك؛ لأنه ينال من الثواب عليها أكثر مما ينال المتطيب بالمسك من طيب مسكه، ويحتمل أن يريد أنها تعبق فى موضع يوصف بأنه عند الله أطيب من عبق طيب المسك، وقد روى. والثالث: أن البرئ تعالى يفيد بها للصائم أکثر مما یفیده ريح المسك لصاحبه. فصل: وقوله: ((إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلى)، يحتمل أن يكون تعليله لتفضيله ريح الخلوف على ريح المسك، ويحتمل أن يكون ابتداء ثناء على الصائم. وقوله: ((فالصيام لى، وأنا أجزى به))، يحتمل أن يريد به أن الصيام خالص لله؛ لأن سائر الأعمال تظهر على صاحبها، وربما يدخلها شىء من حب السمعة، والصيام لا ........... ٨٩ کتاب الصيام يظهر على الصائم، فهو خالص لله تعالى، وإضافة الجزاء عليه إلى الله، دليل على فضيلته وعظم جزائه، وقد بين ذلك بقوله: ((الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)، وذلك أعظم التضعيف. وقد قال الله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة﴾ [البقرة: ٢٦١]، فأخبر تعالى أن التضعيف فى النفقة فى سبيل الله إلى سبعمائة ضعف، وفضل تضعيف الصيام بأن أضاف الجزاء عليه إلى نفسه تعالى، وذلك أنه يقتضى أنه يزيد على السبعمائة ضعف. ٦٢٨ - مَالِك، عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنْهُ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فَتْحَتْ أَبْوَابُ الْجَنّةِ وَغُلْقَتْ أَبْوَّابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)). الشرح: قوله: ((إذا دخل رمضان))، قال الفراء: جمع رمضان، رماضين. وقال: أكره جمعه لما فيه من الأثر: ((لا تقولوا: رمضان، وقولوا: شهر رمضان)). وقال المطرزى: يقال: شهر رمضان، ورمضان بلا شهر، والأثر الذى تعلق به الفراء لا أصل له، فلا معنى للتعلق به، وحديث النبى ﴿: ((إذا دخل رمضان))، دون ذكر الشهر، صحيح ثابت، فعليه يجب أن يعتمد، والله أعلم. فصل: وقوله: ((فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النيران))، يحتمل أن يكون هذا اللفظ على ظاهره، فيكون ذلك علامة على بركة الشهر، وما يرجى للعامل فيه من الخير، ويحتمل أن يريد بفتح أبواب الجنة كثرة الثواب على صيام الشهر وقيامه، وأن العمل فيه يؤدّى إلى الجنة، كما يقال عند ملاقاة العدو قد فتحت لكم أبواب الجنة، بمعنى أنه قد أمكنكم فعل تدخلونها به، وغلقت أبواب النار بمعنى كثرة الغفران والتجاوز عن الذنوب. ٦٢٨ - أخرجه البخارى موصولاً ٦٠/٣ كتاب الصوم، باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان عن أبى هريرة. مسلم ٧٥٨/٢ كتاب الصيام، باب ١ رقم ١ عن أبى هريرة. النسائى ١٢٩/٤ حدیث رقم ١٢٦ کتاب الصيام فى فضل شهر رمضان عن أبى هريرة. قال ابن عبد البر فى التمهيد (٢١٤/٥): هذا الحديث مثله لا يكون رأيًا، ولا يدرك مثله إلا توقيفًا، وقد روى مرفوعًا عن النبى 18 من حديث أبى سهيل هذا وغيره من رواية مالك وغيره، ولا أعلم أحدا رفعه عن مالك إلا معن بن عیسی، إن صح عنه. كتاب الصيام ١٠ فصل: وقوله: ((وصفدت الشياطين)، يحتمل أن يريد به على الوجه الأول أنها تصفد حقيقة، فتمتنع من بعض الأفعال التى لا تطيقها إلا مع الانطلاق، وليس فى ذلك دليل على امتناع تصرفها جملة لأن المصفد هو المغلول اليد إلى العنق، يتصرف بالكلام والرأى وكثير من السعى، ويحتمل على الوجه الثانى أن هذا الشهر لبركته وثواب الأعمال فيه، وغفران الذنوب تكون الشياطين فيه كالمصفدة؛ لأن سعيها لا يؤثر وإغواءها لا يضر، والحمد لله الذى تفضل على عباده، ويحتمل أن يريد صنفًا من الشیاطین يمنعون التصرف جملة، والله أعلم وأحكم. مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ لا يَكْرَهُونَ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ فِى رَمَضَانَ فِى سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النّهَارِ لا فِى أَوَّلِهِ وَلا فِى آخِرِهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَمْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ(١). الشرح: وهذا كما قال أن السواك لا يكره للصائم لا فى أول نهاره ولا فى آخره. واتفق الناس على أنه مباح فى أوله، واختلفوا فى كراهيته فى آخره، فذهب مالك أن أول النهار وآخره سواء، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: يكره السواك فى آخر النهار. والدليل على ما نقوله قوله 18: ((لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»(٢) ولم يخص صائما من غيره. ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى لا يكره أول النهار، فلم يكره آخره کالمضمضة. مسألة: وهذا إذا كان السواك يابسًا فإن كان رطبًا، له طعم فإنه يكره السواك به فى جميع النهار لموضع التغرير بالصوم، لأنه يخاف أن يسبق شىء من طعمه إلى حلق الصائم، فيفسد صومه، فلا يجوز أن يغرر بالفرض لموضع الفضيلة، وهى السواك. ومعنى ذلك أن ما يجعله الصائم باختياره فى فمه، ويصل باختياره إلى موضع فطره على ضربين، مكروه ومباح؛ فأما المكروه، فمثل الطعام بمضغه للصبى ولحسه المداد (١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٥٢. (٢) أخرجه البخارى حديث رقم ٨٨٧. مسلم حديث رقم ٢٥٢. الترمذى حديث رقم ٢٢. النسائى فى الصغرى حديث رقم ٧. ابن ماجه حديث رقم ٢٨٧. أحمد فى المسند حديث رقم ٧٢٩٤. الدارمى حديث رقم ٦٨٣. .............. ٩١ كتاب الصيام .. وذوق القدر، فإن ابن نافع روى عن مالك فى المجموعة: يكره ذلك للصائم. قال أشهب: فى الفرض والنفل. ووجه ذلك أنه أمر يمكن الامتناع منه دون ضرر ولا عون فيه على الصوم بل فيه تغرير بالصوم. فرع: فمن فعل شيئا من ذلك فمجه، فقد سلم. قال ابن حبيب: ولا شىء عليه، فإن دخل جوفه شىء منه، فقد روى ابن نافع عن مالك فى المجموعة: عليه القضاء. قال ابن الماجشون: إن تعمد عليه الكفارة، وإن لم يتعمد، فلا كفارة عليه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى حكم السواك الرطب وما له طعم مما يتعمد الإنسان وضعه فى فيه مما يمنع منه لما ذكرناه. فصل: وأما ما له رطوبة عند وضعه فى فيه كالماء يتمضمض به الصائم لشدة العطش، ففى المجموعة عن مالك: لا بأس به ويبتلع ريقه. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ومعنى ذلك عندى بعد أن يزول عنه طعم الماء، ويخلص طعم ريقه كالمغتسل والمتوضئ يتمضمض أو الدواء يضطر الصائم إلى مداواة الحفر به فى النهار. وقد قال أشهب: إن خاف الضرر بتأخير التداوى به إلى الليل، فلا بأس به، وهذا أيضًا لا شىء عليه إلا أن يفطر، فإن أفطر مغلوبًا، بأن يصل الماء بغير اختياره، فعليه القضاء، وإن تعمد ذلك فعليه مع القضاء الكفارة، وإن سلم فلا شىء عليه إلا ما قاله ابن حبيب فى مداواة الحفر: يقضى لأن الدواء يصل إلى حلقه. قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: والذی عندی أنه إن سلم، فلا شىء علیه، والله أعلم وأحكم. قال ابن حبيب: ومن جهل أن يمج ما تجمع فى فيه من السواك الرطب، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه، وفى هذا نظر لأنه قد يغير الريق، وما كان بهذه الصفة ففى عمده الكفارة، وفى التأويل والنسيان القضاء فقط، ولو لم يغير طعمه الريق لما منع منه كما لم يمنع من اليابس. قال ابن القاسم: يستاكِ ياليابس، وإن بل. قال ابن حبيب: يكره الرطب للجاهل الذى لا يحس إن لم يمج ما تجمع منه والذى يقتضيه مذهب مالك وأصحابه به أنه يكره للجاهل والعالم لما فيه من التغرير، والله أعلم. قَالَ يَحْتَى: وسَمِعْت مالكًا يَقُولُ: فِى صِيَامٍ مِّةٍ أَامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ إِنّهُ کتاب الصيام ,٩٢ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِى ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ، وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْحَهَالَةِ وَالْحَفَّاءِ لَوْ رَأَوْا فِى ذَلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ. الشرح: وهذا كما قال أن صوم هذه الستة الأيام بعد الفطر، لم تكن من الأيام التى كان السلف يتعمدون صومها، وقد كره ذلك مالك وغيره من العلماء، وقد أباحه جماعة من الناس، ولم يروا به بأسًا وإنما كره ذلك مالك لما خاف من إلحاق عوام الناس ذلك برمضان، وأن لا يميزوا بينها وبينه حتى يعتقدوا جميع ذلك فرضًا. والأصل فى صيام هذه الأيام الستة ما رواه سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب الأنصارى أن رسول الله ﴿3﴾ قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوّال كان كصيام الدهر))(١) وسعد بن سعيد هذا ممن لا يحتمل الانفراد بمثل هذا، فلما ورد الحديث على مثل هذا، ووجد مالك علماء المدينة منكرين العمل بهذا احتاط بتركه لئلا يكون سببا لما قاله. قال مطرف: إنما كره مالك صيامها، لئلا يلحق أهل الجهل ذلك رمضان، وأما من رغب فى ذلك لما جاء فيه فلم ينهه، والله أعلم وأحكم. وقد قال الشيخ أبو إسحاق: أفضل صيام التطوع ثلاثة أيام من كل شهر وصيام ستة أيام متوالية بعد الفطر ذلك كصيام الدهر. وسَمِعْت مالكًا يَقُولُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَّنْهَى عَنْ صِيَامٍ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصِيَامُهُ حَسَنٌ، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمٍ يَصُومُهُ وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ. الشرح: هذا مذهب مالك، رحمه الله: أن صيام يوم الجمعة ليس بممنوع، وأنه يجوز صومه لمن أراد صيامه وكذلك سائر أيام الأسبوع، مفردًا ومتصلاً بغيره، إلا أنه یکره أن یتحری هذا وغيره بغیر صیام. والأصل فى ذلك ما روى عن علقمة، قال: قلت لعائشة: هل كان رسول الله يختص من الأيام شيئا؟ قالت: لا کان عمله ديمة. (١) أخرجه مسلم حديث رقم ١١٦٤. الترمذى حديث رقم ٧٥٩. أبو داود حديث رقم ٢٤٣٣. ابن ماجه حديث رقم ١٧١٦. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٠٢٢، ٢٣٠٤٤. الدارمی حدیث رقم ١٧٥٤. ٩٣ كتاب الصيام . وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه كره للرجل أن يجعل على نفسه صيام يوم يؤقته أو شهر، ويحتمل أن يكون هذا رواية عن مالك فى المنع من قصد يوم الجمعة بالصوم، ومنع الشافعى صيام يوم الجمعة لمن لم يصله بصيام قبله ولا بعده. وجه ما قاله مالك أن هذا يوم من الأسبوع، فجاز إفراده بالصوم كغيره من الأيام. وأما الشافعى، فتعلق فى ذلك بما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﴿4: ((لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده بيوم(٢)) والحديث صحيح والتعلق واجب ولعله معنى رواية ابن القاسم عن مالك. فصل: وقوله: ((وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه))، وأراه كان يتحراه على وجه الإخبار عن ظنه بالرجل، لا على معنى الاختيار لفعله وتحريه لأن ابن القاسم قد روى عنه ما قدّمناه من المنع لقصد شىء من الأيام بصوم أو غيره من أعمال البر، ولذلك كره صیام الاثنین والخمیس لمن يتحرى ذلك. وقد روى فى صيامهما أحاديث لم أر منها شيئًا ثابتًا وورد أيضًا فى صيام يوم السبت ويوم الأحد حديث وورد فى صيام يوم الأربعاء حديث، ولم أر فى شىء من ذلك ما يحتج به. مسألة: وأما صيام ثلاثة أيام، من كل شهر فحسن، ما لم يعين أيامًا بعينها. والأصل فى ذلك ما رواه أبو هريرة قال: أوصانى خليلى بثلاث، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتى الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، ولأن صيامها مع أن كل حسنة بعشر أمثالها كصيام الدهر، وليس فيها تشبيه بالفرض ما لم يعين أياما من الشهر مثل أن يقصد بذلك أيام البيض، فقد كرهه مالك، وقال: ما هذا ببلدنا وكره تعمد صومها. وقال: الأيام كلها لله. والدليل على ذلك ما روى عن معاذة، قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. قلت: من أى الشهر كان يصوم؟ قالت: ما کان ییالی من أی أيام الشهر كان يصوم(٣) . (٢) أخرجه مسلم حديث رقم ١١٤٤. البخارى حديث رقم ١٩٨٥. الترمذى حديث رقم ٧٤٣. أبو داود حديث رقم ٢٤٢٠. ابن ماجه حديث رقم ١٧٢٣. أحمد فى المسند حديث رقم ٧٣٤١، ٧٩٦٥، ٠١٠٥٩٠ (٣) أخرجه مسلم حديث رقم ١١٦٠. الترمذى حديث رقم ٧٦٣. أبو داود حديث رقم ٢٤٥٣. ابن ماجه حديث رقم ١٧٠٩. كتاب الصيام ٩٤ وقد روى فى إباحة تعمدها بالصوم أحاديث لا تثبت، والله أعلم. قال ابن حبيب: إن أبا الدرداء كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، أول يوم، واليوم العاشر، ويوم عشرين، ويقول: هو صيام الدهر، كل حسنة بعشر أمثالها. قال: وأخبر ابن حبيب أن هذا كان صيام مالك. قال القاضى أبو الوليد: إن هذا كان مقدار صيام مالك، فأما أن يتحرى صيام هذه الأيام، فإن المشهور عن مالك منع ذلك، والله أعلم وأحكم. وقال الشيخ أبو إسحاق: أفضل صيام التطوع أول يوم من الشهر فى العشر الأول، ويوم أحد عشر الثانى، ويوم واحد وعشرين الثالث، وما تقدم من قول مالك عليه المعتمد، والله أعلم. * * ذكر الاعتكاف ٦٢٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرَةً بِنْتِ عَبْدٍ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ :﴿ أَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِى إِلَىَّ رَأْسَهُ، فَأَرَجُلُهُ، وَكَّانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. الشرح: قولها: ((كان رسول الله ﴿ إذا اعتكف بدنى إلىّ رأسه))، الاعتكاف اللزوم، يقال: فلان عاكف على أمر كذا، إذا لازمه. قال الله تعالى: ﴿فتظل لها عاكفين﴾ [الشعراء: ٧١] قال: معناه ملازمين بالعبادة. ٦٢٩ - أخرجه البخارى فى كتاب الغسل حديث رقم ٢٤٠، وكتاب الاعتكاف حديث رقم ١٨٨٩. ومسلم فى كتاب الحيض حديث رقم ٤٤٧. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٧٣٣. والنسائى فى كتاب الطهارة حديث رقم ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٦، وكتاب الحيض والاستحاضة حديث رقم ٣٨٣، ٣٨٤، ٣٨٥، ٣٨٦. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢١١١، ٢١١٢. وابن ماجه فى كتاب الطهارة وسننها حديث رقم ٦٢٥، وكتاب الصيام حديث رقم ١٧٦٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣١٠٥، ٢٣١٤٥، ٢٣٣٨٠، ٢٤٣٨٧، ٢٤٥٠١، ٢٤٥٥٣، ٢٤٧٣٦، ٢٤٧٥١، ٢٤٧٨٢، ٢٤٩٠٧، ٢٥٠٤٧، ٢٥٢٠١. والدارمى فى كتاب الطهارة حديث رقم ١٠٤٠. والبيهقى فى الكبرى ٣١٥/٤ عن عائشة. قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢١٩/٥: هكذا قال مالك فى الحديث عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، كذلك رواه عنه جمهور رواة الموطأ، وممن رواه كذلك فيما ذكر الدارقطنى: معن بن عيسى، والقعنبى، وابن القاسم، وأبو المصعب، وابن کثیر، ویحیی بن يحيى، يعنى النيسابورى، وإسحاق بن الطباع، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعى، وروح بن عبادة، وأحمد بن إسماعيل، وخالد بن مخلد، وبشر بن عمر الزهرانى. ٩٥٠٠ ..... کتاب الصيام .. والاعتكاف فى الشرع ملازمة المسجد للعبادة. وقولها: ((يدنى إلى رأسه فأرجله))، وظاهر هذا امتناعه من دخول البيت، ولو لم يمنع من ذلك لدخل بیته ولم يحتج إلی أن یدنی إليها رأسه كما كان يفعل إذا لم يعتكف وفى هذا إباحة تناول المرأة من زوجها، من فلى رأسه وترجيله ومناولته ولمس جسده لغير لذة وإنما يمتنع من مباشرتها للذة على وجه الاستمتاع بها على ما يأتى بعد هذا. فصل: وقولها: ((وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان))، تريد أنه كان يلزم ا على موضع معتكفه، ولا يدخل بيته إلا لضرورة قضاء الحاجة، وأفعال النبى الوجوب، وهذا يقتضى أن المعتكف لا يدخل بيته إلا لضرورة حاجة الإنسان، وما يجرى مجرى ذلك من طهارة الحدث وغسل الجنابة والجمعة مما تدعو الضرورة إليه، ولا يفعل فى المسجد، ولا يدخله لأكل ولا نوم ولا غيره من الأفعال التى يجوز فعلها فى المسجد، فأما الأكل، فإنه يباح له أن يأكل فى المسجد، ولا يخرج ليأكل خارج المسجد، فإن فعل بعد اعتكافه، خلافًا لبعض الشافعية لأنه خرج لفعل يجوز الإتيان به فى المسجد، بطل اعتكافه كما لو خرج للصلاة، وللجلوس خارج المسجد. ٦٣٠ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةً كَانَتْ إِذَا اعْتَكَفَتْ لا تَسْأَلُ عَنِ الْمَرِيضِ إِلا وَهِىَ تَمْشِى لا تَقِفُ. الشرح: قوله: ((كانت إذا اعتكفت لا تسأل المريض إلا وهى تمشى))، تريد أنها كانت تخرج لحاجتها، فتمر بأهل المريض أو بموضعه، فلا تقف للسؤال، ولكنها كانت تسأل عنه ماشية لأن الوقوف عليه من معنى العيادة له، ولا يجوز للمعتكف عيادة مريض، ولا حضور جنازة، ولا طلب دين له، ولا استيفاء حد وجب له، فإن خرج لشىء من ذلك بطل اعتكافه؛ لأن ذلك قطع لما يقتضيه الاعتكاف من الملازمة والمواصلة. مسألة: فإن خرج لاقتضاء دين منه أو استيفاء حد عليه مكرهًا، فقد اختلف أصحابنا فى ذلك، فقال ابن القاسم: يبطل اعتكافه. وروى ابن نافع عن مالك: لا يبطل اعتكافه. وجه قول ابن القاسم أن سبب خروجه من جهته، فکان ذلك بمنزلة خروجه ٦٣٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٥٥. أخرج نحوه البيهقى فى الكبرى ٣٢٠/٤ عن عائشة. كتاب الصيام .... ٩٦ باختياره. ووجه رواية ابن نافع أن هذا مكره على الخروج، فلا يفسد اعتكافه كما لا يفسده خروجه حاجة الإنسان. قَالَ مَالِك: وَلا يَأْتِى الْمُعْتَكِفُ حَاجَتَهُ، وَلا يَخْرُجُ لَهَا، وَلا يُعِينُ أَحَدًا إِلا أَنْ يَخْرُجُ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ، وَلَوْ كَانَ خَارِجًا لِحَاجَةٍ أَحَدٍ لَكَانَ أَحَقَّ مَا يُخْرَجُ إِلَيْهِ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَالصَّلاَةُ عَلَى الْجَنَائِرِ وَأَتْبَاعُهَا. وهذا كما قال أنه لا يأتى المعتكف حاجة، ولا يخرج لها، وأراد بذلك الحوائج التى تندر، ويمكن الترك لها كالخروج لشراء ثوب أو نحوه أو تجارة أو عيادة مريض أو لطلب أمر، فأما الحوائج المعتادة التى لا يستبد منها، فمنها ما لا يدخله النيابة كالطهارة وغيرها، فلابد للمعتكف منها، ومنها ما تدخله النيابة كشراء طعام لغذائه، وما لا بد له منه، فهذا يستحب له أن يستنيب فيه إن أمكنه، فإن تعذر ذلك جاز له الخروج إليه لأنه من الأمور المعتادة التى تدعو الحاجة إليها كقضاء الحاجة. وقوله: ((ولا يعين أحدًا))، أى لا يعينه فى شىء من أموره المعتادة وغيرها، لأن المعتكف مستغن عنها، قال: ولو كان خارجًا لمعونة أحد أو شىء من الأمور المعتد بها، لكان أحق ما يخرج إليه عيادة المريض وشهود الجنازة لأنها عبادات مأمور بها مع ما شرع من التشارك فيها، والاحتفال بها، فإذا كان المعتكف ممنوعًا، فأن يمنع من غيرها أولى وأحرى. قَالَ مَالِك: وَلا يَكُونُ الْمُعْتَكِفُ مُعْتَكِفًا حَتَّى يَحْتَنِبَ مَا يَحْتَنِبُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ عِيَّادَةِ الْمَرِيضِ وَالصَّلاةِ عَلَى الْجَنَائِ، وَدُخُولِ الْبَيْتِ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. الشرح: وهذا كما قال أنه لا يكون معتكفًا إلا من التزم شرط الاعتكاف، وترك الخروج لشىء من الأمور المذكورة، وهذا يقتضى أنه إن فعل شيئًا من ذلك المعتكف، بطل اعتكافه، وخرج عن أن یکون معتكفًا. ٦٣١ - مَالِك أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لا بَأْسَ بِذَلِكَ. الشرح: قوله: ((هل يدخل لحاجته تحت سقف))، يريد بذلك قضاء حاجة الإنسان، ٦٣١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٥٤. ٩٧٠٠ كتاب الصيام .. فلا بأس أن يدخل تحت سقف، وقد كان النبى ﴿3﴾ يدخل بيته تحت سقف لقضاء حاجة الإنسان، وكذلك الطهارة، وكل ما يجوز له الخروج إليه لا يؤثر فى اعتكافه أن يدخل له تحت سقف لأنه لا ينافى فى اعتكافه إلا الخروج لغير ضرورة. وأما الكون تحت سقف، فلا ينافيه. قَالَ مَالِك: الأُمْرُ عِنْدَنَا الَّذِى لا اخْتِلافَ فِيهِ أَنَّهُ لا يُكْرَهُ الاعْتِكَافُ فِى كُلِّ مَسْجِدٍ يُحَمَّعُ فِيهِ، وَلا أُرَاهُ كُرِهَ الاعْتِكَافُ فِى الْمَسَاجِدِ الْتِى لا يُحَمَّعُ فِيهَا إِلا كَرَاهِيَةً أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدِهِ الّذِىِ اعْتَكَفَ فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ أَوْ يَدَعَهَا، فَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا لا يُحَمَّعُ فِيهِ الْحُمُعَةُ، وَلا يَحِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إِثْبَانُ الْحُمُعَةِ فِى مَسْجِدٍ سِوَاهُ، فَإِنِّى لا أَرَى بَأْسًا بِالاعْتِكَافِ فِيهِ لأنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدٍ﴾ [البقرة ١٨٧] فَعَمَّاللَّهُ الْمَسَاجِدَ كُلَهَا وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْهَا(١). قَالَ مَالِك: فَمِنْ هُنَاكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِى الْمَسَاحِدِ الْتِى لا يُحَمَّعُ فِيهَا الْحُمُعَةُ إِذَا كَانَ لا يَحِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِىِ تُجَمَّعُ فِيهِ الْحُمُعَةُ. الشرح: وهذا كما قال أنه لا اختلاف عند أهل المدينة فى صحة الاعتكاف فى كل مسجد يجمع فيه، يريد يصلى فيه الجمعة، وأما المساجد التى لا يصلى فيها الجمعة، فإنما يكره الاعتكاف فيها، إذا كان الاعتكاف يتصل إلى وقت صلاة الجمعة، لأنه يقتضى أحد أمرين ممنوعين، أحدهما: التخلف عن الجمعة، والثانى، الخروج عن الاعتكاف إلى الجمعة، وذلك ببطل اعتكافه فى المشهور من مذهب مالك. وقد روى ابن الجهم عن مالك الخروج إلى الجمعة ولا ينتقض اعتكافه، وبه قال أبو حنيفة. فعلی هذا يكون اعتكافه فى المساجد التی لا يجمع فيها مكروها، غير محرم؛ لأن (١) قال فى الاستذكار: وقال الشافعى: لا يعتكف فى غير المسجد الجامع إلا من الجمعة إلى المسجد. قال: والاعتكاف فى المسجد الجامع أحب إلى. قال: ويعتكف المسافر والعبد والمرأة حيث شاءوا ولا اعتكاف إلا فى مسجد. وذكر عبد الحكم، عن مالك، قال: لا يعتكف أحد إلا فى رحاب المسجد التى يجوز فيها الصلاة. واختلفوا فى مكان اعتكاف النساء. فقال الشافعى ما قدمنا عنه. وقال مالك: تعتكف المرأة فى مسجد الجماعة، ولا يعجبه اعتكافها فى مسجد بيتها. وقال الكوفيون: لا تعتكف المرأة إلا فى مسجد بيتها ولا تعتكف فى مسجد الجماعة. كتاب الصيام ٩٨ الاعتكاف فى مسجد يجمع فيه أولى من اعتكافه فى مسجد لا يجمع فيه، فيحتاج أن يخرج منه إلى الجمعه، فيدخل فى اعتكافه نقصًا واختلافًا فى جوازه وأن يدخل فيه إبطالا. مسألة: فإن کان الاعتكاف لا يصل إلى وقت الجمعة، فلا بأس به فى سائر المساجد. وقد استدل مالك على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون فى المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] قال: فعم المساجد كلها، وهذا تصريح منه بقوله بالعموم وتعلق به. فرع: فإن نوى اعتكاف أيام لا تدركه فيها الجمعة والتزم الاعتكاف فى مسجد لا يجمع فيه، فمرض ثم رجع إلى إكمال اعتكافه، فأدركته الجمعة، فمذهب مالك أن يخرج إلى الجمعة، ويبطل اعتكافه. وقال ابن الماجشون: لا يبطل اعتكافه. وجه قول مالك أنه خروج من اعتكافه إلى الجمعة، فوجب أن يبطل اعتكافه كما لو شرع فى اعتكاف يأتى على وقت الجمعة. ووجه قول ابن الماجشون أنه أمر طرأ عليه خروج لعبادة يلزم الخروج إليها، فلم يبطل بذلك اعتكافه كما لو خرج إلى صلاة العید. قَالَ يَحْتَى: قَالَ مَالِك: وَلا يَبِتُ الْمُعْتَكِفُ إِلَا فِى الْمَسْجِدِ الْذِى اعْتَكَفَ فِيهِ إِلا أَنْ يَكُونَ خِّبَاؤُهُ فِى رَحْبَةٍ(١) مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَضْرِبُ بِنَاءٌ يَبِيتُ فِيهِ إِلا فِى الْمَسْجِدٍ أَوْ فِى رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَبِيتُ إِلا فِى الْمَسْجِدٍ، قَوْلُ عَائِشَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا اعْتَكَفَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. الشرح: وهذا کما قال لا یبیت المعتكف إلا فى الموضع الذی یعتکف فیه أو بحیث يجوز له الاعتكاف، فإن أراد أن يضرب خباء فى رحبة من رحاب المسجد يبيت فيه، فلا بأس بذلك؛ لأنه لو اعتكف فى ذلك الموضع لصح اعتكافه. وأما أن يتخذ مبينًا بحيث لا يجوز له الاعتكاف فيه، فلا يجوز له ذلك لأنه خروج من المعتكف. وقد ذكرنا أن من شرطه اللزوم والتتابع. والدليل على ذلك ما استدل به مالك من أن النبى 48 كان إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، من وجهين، أحدهما: ما قدمناه من أن من شرطه اللزوم (١) الخباء: الخيمة. والرحبة: الساحة. ٩٩٠٠٠ كتاب الصيام .. والمواصلة بالليل والنهار، والثانى: أنه إذا لم يدخل بيته للنوم لم يدخل غيره، فيستدل بهذا على أنه لا يجوز له أن يخرج من مسجده، وما هو فى معناه، ولا يستدل به على أنه لا يجوز له أن يخرج من مكان معتكفه إلى ما يقرب منه وإلى ما يكون داخل المسجد من بيته أو غيره. فصل: وقوله: ((إلا أن يكون خباؤه فى رحبة المسجد))، يريد صحن المسجد داخله، وأما خارج المسجد، فلا يجوز الاعتكاف فيه. قال يحيى: قال مالك: وَلا يَعْتَكِفُ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَلا فِى الْمَنَّارِ، يَعْنِى الصَّوْمَعَةَ. الشرح: وهذا كما قال أنه لا يعتكف المعتكف فوق ظهر المسجد؛ لأن ظهر المسجد ليس من المسجد، ولذلك لا تؤدى فيه الجمعة، وإن كانت تؤدى خارج المسجد بحيث لا يجوز الاعتكاف فيه، فإذا لم يجز أداء الجمعة فوق ظهر المسجد لبعده عن حكم المسجد، فبأن لا يجوز الاعتكاف فيه أولی واحری. فصل: وقوله: ((ولا فى المنار، يعنى الصومعة))، يريد أنه لا يجوز الاعتكاف فى المنار. ووجه ذلك أن له اسما يختص به عن المسجد، ولأنه موضع متخذ لغير الصلاة، وإنما اتخذ للإعلام بالصلاة، فلم يجز الاعتكاف فيه كالبيت المتخذ فيه لاختزان حصر المسجد وسرجه وغير ذلك من الآلة. فرع: وهل يؤذن المعتكف فى المنار أم لا؟ اختلف فى ذلك قول مالك، رحمه الله، فمنع منه مرة وأباحه أخرى. وجه منعه أنه من غير المسجد، فلم يمكن الخروج إليه لحاجة يمكن الإتيان بها فى المسجد كما لو خرج للأكل. ووجه الرواية الثانية أن هذا معنى يراد للصلاة، فلم ببطل الاعتكاف بالخروج إليه كالطهارة. وَقَالَ مَالِك: يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْمَكَانَ الَّذِى يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبٍ الشَّمْسِ مِنَ الَّيْلَةِ الّتِى يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا حَتَّى يَسْتَقْبِلَ بِاعْتِكَافِهِ أَوَّلَ اللَّيْلَةِ الَّتِى يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا. الشرح: هذا كما قال أنه يؤمر المعتكف بأن يدخل معتكفه قبل غروب الشمس من کتاب الصيام ١٠٠ الليلة التى يريد أن يعتكف فيها؛ لأن تلك الليلة التى قد عزم على الاعتكاف فيها ينبغى أن يبتدئ بالاعتكاف من أولها، ولا يكون ذلك إلا بأن يدخل معتكفه، وقد بقلى من اليوم الذى قبلها بقية ليستوعب جميع الليلة فى معتكفه؛ لأن الليلة لا تتبعض، فإن دخل بعد غروب الشمس، وقبل طلوع الفجر فى وقت يجوز له فيه أن ينوى الصوم أجزأه، كما حكى ذلك القاضى أبو محمد. وفى كتاب ابن سحنون عن أبيه: لا يجزئه، وبه قال ابن الماجشون، إلا أن يدخل قبل غروب الشمس من اليوم الذى قبل ليلة الاعتكاف، وبه قال أبو حنيفة وابن الماجشون. وجه ما قاله القاضى أبو محمد أن الليلة إنما تدخل فى الاعتكاف على وجه التبع بدليل أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، وليس الليل بزمن للصوم، فثبت أن المقصود بالاعتكاف هو النهار دون الليلة، وإذا أتى بالمقصود من العبادة لم يبطلها الإخلال ببعض ثوابها. ووجه ما قاله سحنون أنه زمن للاعتكاف، فلم يتبعض كالصوم. فرع: فمن دخل معتكفه قبل غروب الشمس، فقد قال ابن الماجشون فيمن دخل . معتكفه قبل الفجر، فلا يحتسب بذلك اليوم فيما لزم نفسه من الاعتكاف، فإن كان عشرة أيام استأنف بعده عشرة أيام بكمال لياليها إلا أنه فى هذا اليوم الذى ترك بعض. ليلته معتكف، فإن فعل ما يقطع الاعتكاف، لزمه ما يلزم المعتكف. وعلى مذهب القاضى أبى محمد يحتسب به فى العشرة الأيام، وبالله التوفيق. قال مالك: وَالْمُعْنَكِفُ مُشْتَغِلٌ بِاعْتِكَافِهٍ، لا يَعْرِضُ لِغَيْرِهِ مِمَّا يَشْتَغِلُ بِهِ مِنَ التِّجَارَاتِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلا بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُعْتَكِفُ بِضَيْعَتِهِ وَمَصْلَحَةٍ أَهْلِهِ، وَأَنْ يَأْمُرَ يَبْعِ مَالِهِ أَوْ بِشَىْءٍ لا يَشْغَلُهُ فِى نَفْسِهِ، فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ خَفِيفًا أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ مَنْ يَكْفِيهِ إِيَّهُ. الشرح: وهذا كما قال أن المعتكف لا يشتغل عن اعتكافه بشىء من التجارة وغيرها؛ لأنه دخل فيه على معنى التزام نوع من العبادات ومواظبتها، فليس له قطعها بالاشتغال عنها بأمر دنيا ولا بغيرها من العبادات لأن فى ذلك قطعًا لما يلزمه تمامه، ولأننا قد ذكرنا أنه ليس له أن يقطع ذلك بشىء من العبادات غير ما عكف عليه، فبأن لا يجوز قطعه بغير العبادات أولى وأخرى. فصل: وقوله: ((لا بأس أن يأمر المعتكف بضيعته ومصلحة أهله وبيع ماله أو بشىء ......... ١٠١ كتاب الصيام .. لا يشغله فى نفسه))، يريد أن اليسير من الأمر الذى ليس بقطع لاعتكافه لا بأس به، لأنه ليس من شرط اعتكافه الصمت، وإنما من شرطه اتصال أمره ببيع ماله كما لا يقطعه أمره بمناولته الطعام والماء والوضوء، وكذلك أداء الشهادة عند الحاكم الذى يجلس إلى جانبه، وسؤاله عن المريض من جلس إليه وتعزيته بالميت من جلس إليه من أوليائه، ومحادثته صديقه، وأهله بما خف لأن ذلك كله ينقضى بيسير الكلام، فلا يقطع اعتكافه، وإنما يقطعه ما كثر من الكلام واتصل. قَالَ مَالِك: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَعْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِى الاعْتِكَافِ شَرْطًا، وَإِنْمَا الاعْتِكَافُ عَمَلٌ مِنَ الأَعْمَالِ مِثْلُ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأعْمَالِ، مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةٌ، فَمَنْ دَخَلَ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْمَا يَعْمَلُ بِمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِى ذَلِكَ غَيْرَ مَا مَضَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ لا مِنْ شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ، وَلا يَبْتَدِعُهُ وَقَدِ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ سُنّةَ الاعْتِكَافِ. الشرح: وهذا كما قال أن الاعتكاف عمل متصل كالصلاة والصوم والحج، مقتضاه الاتصال على ما دللنا عليه فلا يجوز أن يشترط عليه خلاف مقتضاه، وذلك أن يشترط الدخول فيه على أنه متى أراد الخروج منه كان له ذلك، فمن نذر اعتكافًا يشترط الخروج منه متى أراد لم يلزمه لأنه نذر اعتكافًا غير شرعى، وإنما يلزم من نذر الاعتكاف الشرعى كما لو نذر صومًا يفطر فيه نهارًا متى شاء، أو نذر صلاة يتكلم فيها متى شاء، ولا يبطلها عليه الحدث لم يلزمه شىء من ذلك، فإن نذر هذا ثم دخل فيه لزمه الاعتكاف بالدخول فيه، وبطل الشرط الذى شرطه. وقال الشافعى: يصح اشتراط الخروج من معتكفه لعيادة مريض وشهود جنازة وغير ذلك من حوائجه، وهذا مبنى عنده على أصلين، أحدهما: أن أفعال القرب إذا دخل فيها لزمت بالدخول فيها. والدليل على ذلك أن هذه عبادة لو لم يشترط الخروج فى أثنائها لزمه إتمامها؛ فإذا شرط الخروج فى أثنائها لم يصح ذلك كالحج والصلاة. والأصل الثانى أنه لا يصح أن يكون الاعتكاف أقل من يوم. وقال بعض أصحاب أبى حنيفة: يصح اعتكاف ساعة. والدليل على ما نقوله أن