Indexed OCR Text

Pages 1041-1060

كتاب الصيام
..
٤٢
لعلة تبيح الفطر مع العلم بأن ذلك اليوم من رمضان، فإنه يستديم الفطر بقية يومه، وإن
زالت العلة مثل الحائض تطهر، والمريض يطمئن، والمسافر يقدم، وبهذا قال الشافعى.
وقال أبو حنيفة: متى زالت علة الفطر، وجب الإمساك فى بقية ذلك اليوم.
والدليل على ما نقوله أن هذا الفطر لعلة سفر أباح له الفطر، فكانت له استدامة
الفطر كما لو استدام السفر.
مسألة: وهذا إذا كانت زوجته مسلمة، فإن كانت كتابية، فقد قال بعض أصحابنا:
ليس له وطؤها لأنها متعدية بتركها الإسلام والصوم. وهذا مبنى على أن الكفار
مخاطبون بشرائع الإسلام من الصوم والصلاة وغير ذلك من العبادات، وذكره عبدالحق
عن بعض شيوخه، وعن الشيخ أبى إسحاق.
وقد اختلف أصحابنا فى ذلك، فالذى عليه جمهور أصحابنا ما تقدم، وبه قال
الشافعى. وقال عبد الملك بن الماجشون فى النصرانى يسلم بعد الفجر: أنه يستجب له
أن يكف عما يفعله المفطر. وقال أشهب: له أن يفعل ما يفعله المفطر من الأكل
والجماع، وهذا كما قال محمد بن خويز منداد من أصحابنا، وهو مذهب أبى حنيفة،
والأول أظهر لقوله تعالى: ﴿ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك
نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر: ٤٥] وقد
بينت ذلك فى أصول الفقه بما يغنى الناظر عنه إن شاء الله تعالى.
مسألة: ومن أفطر لعطش، فقد روى ابن سحنون عن أبيه يتمادى على فطره فى
بقية يومه بالأكل والشرب والجماع. وقال ابن حبيب: لا يفطر بعد أن يزول عطشه
بالشرب.
وجه قول سحنون أن هذا جاز له الفطر مع العلم بأن اليوم من رمضان، فجاز أن
يستديم ذلك فى يومه كالمريض. ووجه قول ابن حبيب أنه إنما جاز له الفطر لضرورة
العطش، فإن زال العطش رجع إلى أصل التحريم على قوله فى المضطر إذا أكل الميتة.
*
*
كفارة من أفطر فى رمضان
٦٠٠ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِى
٦٠٠ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨٠٠. ومسلم فى كتاب الصيام حديث-

٤٣
......
.....
كتاب الصيام .
هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلاً) أَقْطَرَ فِى رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِثْقِ رَقْبَةٍ أَوْ
صِيَامٍ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامٍ سِتِينَ مِسْكِينًا، فَقَالَ: لا أَجِدُ فَأْتِىَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾
بِعَرَقِ(١) تَمْرٍ فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَخْوَجَ مِنِّى،
فَضَحِكَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: كُلُّهُ).
الشرح: اختلف الرواة لهذا الحديث فى لفظ، فقال أصحاب الموطأ وأكثر الرواة
عن مالك: ((أن رجلا أفطر فى رمضان))، وخالفهم جماعة من الرواة، فقالوا: ((إن رجلاً
أفطر بجماع))، واتفق الرواة عن مالك على التخيير بين العتق والصيام، والإطعام بلفظ.
ورواه يونس بن عقيل والأوزاعى على أن الكفارة بالعتق، فإن لم يجد فصيام، فإن لم
يستطع فإطعام.
فصل: قوله: ((أن رجلا أفطر فى رمضان)) الفطر يكون بأحد ثلاثة أشياء بداخل،
وهو الأكل والشرب أو إيلاج، وهو مغيب الحشفة فى الفرج، وهوائه أو بخارج، وهو
المنى والحيض، فهذه معان يقع بجميعها الفطر، وإفساد الصوم، فإذا وجد شىء من ذلك
فى يوم من رمضان فسد الصوم سواء كان بعذر أو بغير عذر، فأما المعذور، فسيأتى
بیانه إن شاء الله تعالى.
مسألة: وأما غير المعذور، فإن الكفارة تلزمه بذلك كله عند مالك على أى وجه
وقع فطره من العمد، والهتك لحرمة الصوم، وقال أبو حنيفة مثل قولنا فى ذلك كله إلا
بخروج المنى بغير إيلاج، فإنه لا كفارة عليه عنده. وقال الشافعى: لا كفارة على من
أفسد صومه بشىء من ذلك إلا بإيلاج.
= رقم ١٨٧٢. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٦٥٦. وأبو داود فى كتاب الصوم
حديث رقم ٢٠٤٢، ٢٠٤٣. وابن ماجه حديث رقم ١٦٦١. وأحمد فى المسند حديث رقم
٦٦٥٠، ٦٩٨٩، ٧٤٥٣، ٠١٠٢٦٩ والدارمى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٦٥٤. والبيهقى
فی الکبری ٢٢٥/٤ عن أبى هريرة.
(*) ((أن رجلا)): قال السيوطى جزم عبد الغنى وابن بشكوال فى المبهمات بأنه سلمان أو سلمة
ابن صخر البياضى، وروى ابن عبد البر من طريق: سعد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب
أن الرجل الذى وقع على امرأته فى رمضان فى عهد النبى ﴿ هو سلمان بن صخر، وقال: أظنه
وهمّا لأن المحفوظ أنه ظاهر، وقال ابن حجر: يحتمل وقوع الأمرين معًا. انظر: تنوير الحوالك
٢١٨.
(١) العَرق: وعاء يصنع من الخوص تكال به الأشياء.

كتاب الصيام
٤٤
والدليل على ما نقوله أن هذا قصد إلى الفطر وهتك حرمة الصوم بما يقع به الفطر،
فوجبت الكفارة کالجامع.
فصل: إذا ثبت ذلك، فالفطر بالداخل هو الواقع بالأكل والشرب، وما وصل إلى
الجوف من الفم على وجه الاختيار، والقصد إلى وضعه فى الفم وازدراده مما يقع به
الاغتذاء، فأما ما وصل من غير قصد، فإنه على ضربين، ضرب مقصوده الاغتذاء،
وضرب ليس مقصوده الاغتذاء، فأما ما مقصوده الاغتذاء، فكغبار المكيل يدخل حلق
من يكيله، فقد قال أشهب: عليه القضاء فى صوم رمضان، والواجب دون التطوع.
وقد قال عبدالملك وسحنون: الغبار أمر غالب، فلا يقع به الفطر.
وجه قول أشهب: أنه مطعوم فوقع به الفطر، وإن كان أمرًا غالبًا كالمنغمس فى
الماء يغلب حلقه من فمه أو أنفه زاد فى الواضحة: أو أذنه، فإنه يقضى فى الواجب
دون التطوع، قاله فى المجموعة عبدالملك وسحنون. ووجه قول عبدالملك ما احتج به
من أنه غبار غالب لا يمكن التحرز منه كغبار الطريق. قال عبدالملك: وما أعلم أحدًا
أو جب منه قضاء.
مسألة: فأما الذباب يدخل فى الحلق أو فلقة حبة كانت بين الأسنان، فقد روى ابن
القاسم عن مالك: لا قضاء عليه. وفى المجموعة قال عبدالملك: فى الذباب والحصاة
والعود، فهذا يقتضى وجه قول مالك أنه أمر غالب لا يمكن التحرز منه، فأشبه من
تمضمض بالماء فغلبه فإنه لا قضاء عليه.
ووجه قول عبدالملك أنه مطعوم وصل إلى موضع الفطر على الصفة التى يتناول
عليها كالمكره، وهذا يفارق عنده غبار الدقيق، فإنه يصل على الصفة التى يتناول
عليها، وإنما يصل على وجه الغبار، ومن ابتلع ما بين أسنانه من حبة العنبة أو فلقة حبة
ساهيًا أو جاهلاً، فلا شيء عليه. قال ابن حبيب: إن تعمد ذلك على علم به، فهو
سواء ما لم يأخذه من الأرض إلى فيه، فيلزمه الكفارة فى العمد، فجعل الكفارة
متعلقة بقصد نقله إلی فیه.
مسألة: ومن كانت فى فيه حصاة أو لؤلؤة ولوزة أو نواة أو جوزة، فقد روى ابن
حبيب عن ابن الماجشون: إِن سبق إلى حلقه، ففيه القضاء، وإن تعمد ذلك، ففيه
الكفارة. وقال سحنون فى كتاب ابنه: ولم يذكر النواة، قال: وإلى هذا رجع فيما لا
غذاء له، وقد كان يقول: لا يكفر، ويقضى، وقاله مالك فى المختصر.

٤٥
....
كتاب الصيام
وروى معن عن مالك: الحصاة خفيفة. قال سحنون: معناه حصاة تكون بين
الأسنان، كقوله فى فلقة الحبة: للضرورة، وأما لو ابتدأ أخذها من الأرض، فابتلعها
عامدًا لزمه القضاء والكفارة. وروى ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: ما كان له
غذاء مثل النواة، ففى عمده الكفارة وفى سهوه وغلبته القضاء، وما لا غذاء له
کالحصاة واللوزة ففی عمده الكفارة، ولا شىء فی سهوه.
مسألة: وأما البلغم يخرج من الصدر أو الرأس فيصير إلى طرف لسانه ويمكنه طرحه
فيبتلعه، فقال ابن سحنون عن أبيه: عليه فى سهوه القضاء، وشك فى الكفارة للعامد
ولم يشك فى القضاء، وقال: أرأيت لو أخذ شيئًا من الأرض متعمدًا ليس عليه الكفارة.
وقال ابن حبيب: من تنخم ثم ابتلع تخامته بعد وصولها إلى طرف لسانه، وإمكان
طرحها، فلا شىء عليه، وقد أساء، ولو كان قلسًا لقضى وكفر فى العمد، والجهل
بخلاف النخامة لأن هذا طعام. وفى المجموعة من رواية بن نافع عن مالك فى الذى
يبتلع القلس ناسيًا: لا قضاء عليه. وقال ابن القاسم: وهذا يقتضى أن لا كفارة عليه.
وجه القول الأول فى النخامة ما احتج به سحنون. ووجه قول ابن حبيب أنه لم
يتعمد أخذه من الأرض، وإنما هو مجتمع فى فيه معتاد كالريق، إلا أنه لكما كان الريق
دائمًا لا ينفك عنه لم یکره ابتلاعه، و کره هذا لما أمكن الانفكاك منه. وجه قول ابن
حبيب فى القلس ما احتج به من أنه طعام بخلاف النخامة التى ليست بطعام. ووجه
قول مالك فيه أنه خارج يصير إلى الفم، فأشبه النخامة.
مسألة: فأما الجماع، فإن الكفارة تجب منه بالتقاء الختانين إذا كان ذلك باختيار
المجامع، فإن كان مكرهًا، فلا خلاف فى وجوب القضاء، وهل تجب عليه الكفارة أم
لا؟ ذهب أكثر أصحابنا إلى أنه لا كفارة عليه. وقال ابن الماجشون: عليه الكفارة.
وجه القول الأول أنه مكره على الفطر، فلم تجب عليه الكفارة .كما لو أكره على
الأكل. ووجه قول ابن الماجشون أنه ملتذ بالجماع، فوجب عليه الكفارة كالمختار،
وهذا غير صحيح لأن الالتذاذ لا يوجب كونه عاصيًا لأن الطائع يترك ما يشتهيه ويلتذ
به، فإذا أكره عليه لم يقدر على أن لا يلتذ به؛ لأن الالتذاذ ليس من فعله، ولا موقوفا
على اختياره، فهو يأتى ما لولا الإكراه لم يأته.
مسألة: وأما المرأة، فإن كانت طاوعته، فعليها الكفارة، على حسب ما يجب على
الرجل لأنه قد وجد منها ما وجدت منه من موجب الكفارة، فلزمها ما لزمه كالحد

كتاب الصيام
٤٦ ٠٠
وإن كان أكرهها، فالذى قاله جمهور أصحاب مالك: إن عليه الكفارة عنها، وقد قال
ابن سحنون: لا كفارة عليها، ولا عليه عنها، ورواه ابن نافع عن مالك فى المدنیة.
وجه القول الأول أنه أكرهها على ما يوجب الكفارة، فلزمه أن يخرجها عنها كما
لو أكرهها على ذلك فى الحج. ووجه قول سحنون ما احتج به من أن الكفارة لم تجب
عليها، فلم تجب عليه من أجلها.
فرع: فإذا قلنا إنه يكفر عنها، فقد قال المغيرة: يكفر عنها بعتق أو إطعام والولاء لها.
فصل: وقوله: ((فأمره رسول الله (8) أن يكفر))، يقتضى وجوب ذلك عليه لأن
الأمر يقتضى الوجوب.
وقوله: ((بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا))، يقتضى التخيير لأن
((أو)) فى مثل هذا إنما هى للمساواة بين الأشياء فيما تناولته من حظر أو إباحة أو جزاء
أو غير ذلك من الأحكام، ولا يجوز أن تكون للشك هاهنا لأنه لا خلاف أنه لم يأمر
بواحد من ذلك، فيشك فيه الراوى، بل الإجماع منعقد على أنه قد أمر بجميعها.
وإنما اختلف الفقهاء فى صفة أمره بها، فقال مالك: هى على التخيير، وبه قال أبو
حنيفة والشافعي. قال ابن حبيب: وأنا أقول بالحديث الذى لم يأت فيه تخيير، ولكن
بالترتيب کالظهار.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك الحديث، ولفظه التخيير كقوله تعالى:
﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦] وأجمعنا على أن ذلك على
التخيير، فكذلك فى مسألتنا مثله. ودليلنا من جهة القياس أن هذه فدية يدخلها الإطعام
وتختص بإدخال نقص فى العبادة، فكانت على التخيير كفدية الأذى أو جزاء الصيد.
فرع: إذا قلنا إن الكفارة على التخيير، فقد روى ابن الماجشون عن مالك أنه قال:
الإطعام أفضل، وجرى عليه العراقيون. ووجه ذلك أن الإطعام أعم نفعًا لأنه يحيا به
جماعة لاسيما فى أوقات الشدائد والمجاعات، وأما العتق فإن فيه إسقاط نفقة،
وتكليف المعتق نفقته ومؤنته، والمتأخرون من أصحابنا يراعون فى ذلك الأوقات
والبلاد، فإن كانت أوقات شدة ومجاعة، فالإطعام عندهم أفضل، وإن كان وقت
خصب ورخاء، فالعتق أفضل.
والذى احتج به ابن الماجشون فى تفضيل الإطعام أنه الأمر المعمول به فى الحديث،

٤٧
كتاب الصيام .
وقد أفتى الفقيه أبو إبراهيم من استفتاه فى ذلك من أهل الغنى الواسع بالصيام لما علم
من حاله أنه أشق عليه من العتق، والإطعام، وأنه أردع له عن انتهاك حرمة الصوم،
والله أعلم وأحكم.
فرع: إذا ثبت ذلك، فالذى يجب من العتق رقبة مؤمنة، وسيأتى وصفها مستوعبًا
بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما الصيام فصيام شهرين متتابعين، وعلى هذا جمهور
الفقهاء، وقال ابن أبی لیلی: ليس التتابع بلازم فى ذلك.
والدليل على ما نقوله الخبر المتقدم، وفيه: ((أو صوم شهرين متتابعين)). ومن جهة
القياس أن هذا صوم شهرين متتابعين ترتب بالشرع كفارة، فكان من شرطه التتابع.
أصل ذلك كفارة الظهارة والقتل.
فرع: وأما الإطعام، فإنه يجزئ منه إطعام ستين مسكينًا، كل مسكين مد بمد النبى
◌َ﴾. وقال أشهب: مد لكل مسكين أو غداء وعشاء، والإطعام أحب إلينا من الغداء
والعشاء. وقال أبو حنيفة: الإطعام لكل مسكين صاع بر أو صاع من تمر.
ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه أن هذه كفارة شرعت من غير عودة ولا غماطة
أذى، فكان الإطعام فيها مدا واحدا ككفارة اليمين.
فصل: وقول الرجل: ((لا أجد))، يقتضى شدة فقره وضيق يده عن العشق والإطعام،
وضعفه عن الصيام، وهذا يمنع وجوب تعجيل الكفارة عليه، وإن تعلقت بذمته حتى
يجد أو یقوى.
فصل: وقوله: ((فأتى رسول الله (48 بعرق من تمر، فقال: خذ هذا فتصدق به)).
العرق بفتح العين هو الزنبيل المضفور، ويقال عرقة أيضًا، قاله الأصمعى. وقال بعض
رواه الموطأ: العرق، وهو عندى وهم على اللغة المشهورة، وإنما العرق بإسكان الراء،
العظم الذى عليه لحم، فأعطاه النبى ﴿﴿ التمر الذى جاءه ليكفر به الكفارة التى وجبت
عليه على وجه التعجيل لإبراء ذمته، والرفق به لأن الرجل كان يجب ذلك عليه.
فصل: وقوله: ((يا رسول الله ما أجد أحوج منا))، أعلمه أن ما به من الحاجة إلى
القوت له ولعياله أشد من حاجته إلى تعجيل الكفارة لأن الكفارة، إن قدر عليها بعد
وقته أجزأته، وإن مات قبل ذلك لم يعاقب مع التوبة من فعله، والاستغفار منه،
والقوت لا يمكنه تأخيره، فإن أخره مع القدرة عليه حتى يموت كان مسئولا عن نفسه،
وأخبر أنه مع ذلك أحوج من الذين تصرف إليهم الكفارة من أهل المدينة.

كتاب الصيام
٤٨
فصل: وقوله: ((فضحك رسول الله (18 حتى بدت أنيابه))، لعله ضحك منه إذ
وجبت عليه كفارة يخرجها، فأخذها صدقة، فحملها وهو مع ذلك غير آثم، وهذا من
فضل ربنا وسعة رفقه بنا وإحسانه إلينا، وهل يكون أكله للتمر يجزئ عن كفارته أم
لا؟ لا الظاهر أنها لا تجزئه لأن النبي ﴿﴿ قال له: كله. وروى أنه قال له: اطعمه
لعيالك، فأما قوله: فإن الظاهر منه أن لا يجزئه، وإنما تصدق به عليه؛ ليتبلغ به وتبقى
الكفارة فى ذمته.
وأما قوله: ((أطعمه لعيالك))، فإنه أقرب إلى الاحتمال، لأنه لا يجوز أن يطعمه من
أهله من لا تلزمه نفقته، ولعله لو كان لأجزا عنه. وقد روى عن الزهرى أن هذا خاص
بذلك الرجل، يريد أن يأكله ويجزئه، وهذا الذى قاله الزهرى يحتمل أن يكون إنما أخذه
من أنه لم يرد عن النبى ﴿﴿ أنه أخبره يبقاء الكفارة فى ذمته ولا يحتاج إلى هذا لأنه
أخبره قبل هذا بوجوبها عليه وأمره بها، والأول أظهر عندى، والله أعلم. وقد رأيت
نحوه للداودی.
٦٠١ - مَالِكِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِىِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ:
((جَاءَ أَعْرَابِى إِلَى رَسُولِ اللّهِ ﴿ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ() وَيَقُولُ: هَلَّكَ
الأَبْعَدُ، فَقَالَ لَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِى، وَأَنَا صَائِمٌ فِى
رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ ﴿﴾: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةُ؟ فَقَالَ: لا، فَقَالَ: هَلْ
تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِىَ بَدَنَةٌ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَاجْلِسْ فَأْتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿هَا بِعَرَقِ تَمْرٍ،
فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّى، فَقَالَ: كُلْهُ، وَصُمْ يَوْمًا
مَكَانَ مَا أَصَبْتَ(١).
٦٠١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٢١٠. أخرجه البيهقى فى الكبرى ٢٢٦/٤ عن أبى
هريرة.
(*) زاد الدار قطنى: ويحتى على رأسه التراب.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٨٢/٥: هكذا هذا الحديث فى الموطأ عند جماعة الرواة
مرسلاً، وقد روى معناه متصلاً، من وجوه صحاح. إلا أن قوله فى هذا الحديث: ((هل تستطيع
أن تهدى بدنة) غير محفوظ فى الأحاديث المسندة الصحاح؛ ولا مدخل للبدن أيضًا فى كفارة
الواطئ فى رمضان عند جمهور العلماء، وذكر البدنة هو الذى أنكر على عطاء فى هذا الحديث.
وأما ذكر الرقبة وذكر الصدقة بالعرق وسائر ما ذكرنا فى هذا الحديث، فمحفوظ من حديث-

٤٩٠٠
....
كتاب الصيام
قَالَ مَالِك: قَالَ عَطَاءٌ: فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَمْ فِى ذَلِكَ الْعَرَقِ مِنَ الْتّمْرِ؟
فَقَالَ: مَا بَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا(١) إِلَى عِشْرِينَ.
يضرب نحره وينتف شعره))، يريد
الشرح: قوله: ((جاء أعرابى إلى رسول الله
أنه كان يفعل ندمًا على خطيئته وإشفاقًا مما أتى منها، وحزنًا على عظيم جرمه منها.
وقوله: ((هلك الأبعد))، يريد أنه هلك بمواقعته الخطيئة، وكنى المحدّث عنه بلفظ
الأبعد على عادة العرب، إذا حكت عمن أخبر عن نفسه بما لا يجمل أو خاطبت به
غيره، فلما قال النبى ﴿4﴾: ((وما ذاك)) قال: ((أصبت أهلى وأنا صائم فى رمضان»،
يريد الجماع، وهذا اللفظ يكنى به عن الجماع، ويفهم ذلك منه بعرف الاستعمال إذا
قرن بمحل الجماع.
فصل: وقوله : ((هل تستطيع أن تعتق رقبة)) قد تقدم تأويل الفقهاء واختلافهم
فى ترتيب ذلك أو حمله على التخيير.
-أبى هريرة، وحديث عائشة من رواية الثقات الأثبات، والحمدلله. وقد روى القاسم بن عاصم
البصرى، ويقال فيه التميمى، ويقال: الكلبى، وليس بشىء؛ ويمكن أن يكون كليبا، فكليب فى
تميم، وكلب فى قضاعة، وأين قضاعة من تميم؟ فروى القاسم بن عاصم هذا عن سعيد بن
المسيب أنه كذب عطاء الخراسانى فى حديثه هذا، وعطاء الخراسانى - عندى - فوق القاسم بن
عاصم فى الشهرة، يحمل العلم والفضل، وليس مثله عند أهل الفهم والنظر ممن يجرح به عطاء
ويدفع ما رواه. وقد اختلف على القاسم فى حكايته تلك: فروى سعيد بن منصور، عن
إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء، عن القاسم بن عاصم، قال: قلت لسعيد بن المسيب ما
حديث حدثناه عنك عطاء الخراسانى؟ قال: ما هو؟ قلت: فى الذى وقع على امرأته فى رمضان،
فذكر الحديث هكذا، قال فيه حدثنا عنك عطاء الخراسانى. وروى أبو صالح، عن الليث بن
سعد، عن عمرو بن الحارث، عن أيوب السختيانى، عن القاسم، أنه قال لسعيد بن المسيب: إن
عطاء بن أبى رباح حدثنى، أن عطاء الخراسانى حدث عنك فى الرجل الذى أتى رسول الله e
وقد أفطر فى رمضان، أنه أمره بعتق رقبة، فقال: لا أجدها؛ فقال: فاهد جزورا، قال: لا أحدها؛
قال: فتصدق بعشرین صاعًا من تمر، قال: سعید: كذب الخراسانى، إنما قلت تصدق، تصدق.
ففى هذه الرواية أن القاسم هذا قال لسعيد: إن عطاء بن أبى رباح حدثنى أن عطاء الخراسانى
حدثه عنك، وفى الرواية الأولى أن القاسم هذا قال لسعيد: ما حديث حدثناه عنك عطاء
الخراسانى؟ وهذا اضطراب وباطل.
(١) الصاع: مكيال، والمراد مكيال أهل المدينة.

٥٠
کتاب الصيام
وقوله: ((هل تستطيع أن تهدى بدنة))(٢) انفرد عطاء بهذه اللفظة عن سعيد، وقد
أنكره سعيد بن المسيب، وقال: كذب الخراسانى، وقال: أما قلت له، فقال: تصدق.
فصل: وقوله (﴿13: ((اجلس)) يحتمل أنه كان ينتظر شيئًا يأتيه قد عرف به، ويحتمل
أن یکون أمر به، ويحتمل أن یکون رجاله فضل الله.
وقوله فى آخر الحديث: ((كله وصم يومًا مكان ما أصبت)) على حسب ما تقدم من
التفسير، وأمره له بقضاء صوم ذلك اليوم لا خلاف فيه بين الفقهاء، إلا ما يحكى عن
الأوزاعى وما رواه الإسفراينى عن الشافعى فى أحد قوليه، فإنه قال: عليه الكفارة دون
القضاء.
والدليل على صحة ما ذهب إليه ما روى عن النبى ﴾ أنه قال لهذا السائل: ((كله
أنت وأهل بيتك وصم يومًا واستغفر الله)). ومن جهة القياس أن هذا أفسد صومه فى
رمضان، فوجب عليه القضاء كالمريض والمسافر.
فصل: وأما قول سعيد فى العرق من التمر: ما بين خمسة عشر صاعًا إلى عشرين
صاعًا، فقد روى أبو سلمة عن أبى هريرة أنه قدره بخمسة عشر صاعًا. وروى عن
عائشة أنها قالت فى هذه القضية: فأتى بعرق فيه عشرون صاعًا، وهذا والله أعلم، إنما
هو بمعنى الحرز والتقدير واختلافه، فيجب أن يحمل على الخمسة عشر صاعًا لأنه قد
نص على أن المساكين ستون مسكينًا، والكفارة مبنية على مدّ لكل مسكين أو مدّين،
وليس فيها مدّ وثلث، فكان حمله على صحة المد اعتبارًا لسائر الكفارات أولى، ويحتمل
أن يكون ذلك قدر العرق إلا أنه الذى كان فيه من التمر خمسة عشر. وقد روى ابن
حبيب قال: قال مالك: المكتل يسع ما بين خمسة عشر صاعا إلى العشرين.
قَالَ مَالِك: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمٍ يَقُولُونَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا فِى قَضَاءِ
رَمَضَانَ بِإِصَابَةٍ أَهْلِهِ نَهَارًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ الْتِى تُذْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ ﴿ فِيمَنْ
أَصَابَ أَهْلَهُ نَهَارًا فِى رَمَضَانَ، وَإِنّمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَالَ مَالِك: وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ فِيهِ إِلَىَّ.
(٢) قال ابن عبد البر: غير محفوظ فى الأحاديث المسندة الصحاح؛ ولا مدخل للبدن أيضًا فى
كفارة الواطئ فى رمضان عند جمهور العلماء، وذكر البدنة هو الذى أنكر على عطاء فى هذا
الحدیث.

......... ٥١
كتاب الصيام
الشرح: وهذا كما قال: لا كفارة على من تعمد الفطر، فى قضاء رمضان، ولا فى
غيره من الصيام، حاشا رمضان بجماع أو غيره، ولا خلاف فى ذلك إلا ما يروى عن
قتادة أنه أوجب الكفارة على من تعمد الفطر فى قضاء رمضان.
والدليل على ما يقوله الجمهور أن هذا زمن ليست له حرمة، فلم يجب بالفطر فيه
كفارة كما لو صامه نذرا أو كفارة.
ما جاء فى حجامة الصائم
٦٠٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْهُ كَانَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ صَائِمٌ
قَالَ: ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ، فَكَانَ إِذَا صَامَ لَمْ يَخْتَجِمْ حَتَّى يُفْطِرَ.
الشرح: قوله: (أنه كان يحتجم وهو صائم))، ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعى
وجمهور الفقهاء إلى جواز ذلك، وأنه لا يفسد الصوم. وقال أحمد بن حنبل: من احتجم
وهو صائم، بطل صومه وعليه القضاء دون الكفارة. وحكى عن عطاء: عليه
الكفارة.
الدليل على ما نقوله حديث ابن عباس أن النبى 48 احتجم وهو صائم، وهذا نص.
ودليلنا من جهة القياس أن هذه جراحة، فلم يجب بها الفطر للصائم كالفصاد. وقال
الداودى: إن ترك الحجامة للصائم أحوط لما رأى فى المنع من ذلك من أدلة المخالف،
وهذا میل منه إلی قول أحمد، والصحيح ما عليه الجمهور.
فصل: وقوله: ((ثم ترك ذلك بعد، فكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر))، يريد أنه لما
كبر وضعف كان يخاف على نفسه أن يفطر بالضعف من الحجامة إلى الفطر، ولهذا
يكره من خاف الضعف على نفسه أن يحتجم حتى يفطر لأن الحجامة ربما أدته إلى
إفساد صومه(١).
٦٠٣ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقْاصٍ (١)، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ
٦٠٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٢٢.
(١) قال فى الاستذكار: إنما ترك الحجامة صائمًا لما بلغه فيها، والله أعلم، ومن الورع بالموضع
المعلوم.
٦٠٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٢٣.
(١) قال فى الاستذكار: حديث سعد فى الموطأ منقطع، ورواه عفان عن عبد الواحد بن زياد،
عن عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد، قال: كان أبى يحتجم وهو صائم. قال أبو عمر: هذا=

كتاب الصيام
٠٥٢
عُمَرَ كَانَا يَحْتَجِمَانِ، وَهُمَا صَائِمَانِ.
الشرح: قوله: ((إنهما كانا يحتجمان وهما صائمان))، على ما تقدم من فعل عبدالله
ابن عمر، قيل هذا إذا كانا يحسان من أنفسهما وقوتهما أن الحجامة مع الصوم لا
تضعفهما ويعلمان أنه لا يدخل نقصًا فى صومهما.
٦٠٤ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ لا
يُفْطِرُ، قَالَ: وَمَا رَأَيْتُهُ احْتَجَمَ قَطُّ إِلا وَهُوَ صَائِمٌ.
الشرح: قوله: ((أنه كان يحتجم وهو صائم ثم لا يفطر))، بين أن اتقاء الحجامة
للصائم لما يخاف عليه من الفطر للضعف الذى يحدث من فعل ذلك فى حال صومه،
وأن عروة كان لا يحتاج إلى ذلك، فكان يحتجم فى حال صيامه.
فصل: وقوله: ((وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم))، ويحتمل ثلاثة أوجه، أحدها:
أنه كان يسرد صومه، فلذلك لم يتفق له حجامة إلا وهو صائم(١)، والثانى: أن يكون
كان لا يسرد الصوم، ولكنه قصد ذلك ليبين جوازه ولمنفعة كان يرجو فى ذلك،
والوجه الثالث: أن يريد بقوله: إلا وهو صائم، غير الصوم الشرعى، وإنما أراد بذلك أنه
كان يقصد أن يحتجم قبل أن يأكل لقوته على هذا المعنى أو لمنفعة كان يرجو بها من
الحجامة على الصوم لأن ذلك يتضمن قوته على هذا المعنى.
قَالَ مَالِك: لا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ إِلا خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَضْعُفَ وَلَوْلا
ذَلِكَ لَمْ تُكْرَهْ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا احْتَجَمَ فِى رَمَضَانَ ثُمَّ سَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ
شًَّ، وَلَمْ آمُرْهُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِى اخْتَجَمَ فِيهِ؛ لأنَّ الْحِجَامَةَ إِنَّمَا تُكْرَهُ
لِلصَّائِمِ لِمَوْضِعِ التّغْرِيرِ بِالصِّيَامِ، فَمَنِ اخْتَجَمَ وَسَلِمَ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ خَتَّى يُمْسِىّ، فَلا
أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
=الخبر عن سعد يضعف حديث سعد المرفوع إلى النبى 19 أنه قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)).
وقد أنكروه على من رواه عن سعد لما جاء عنه من طريق ابن شهاب وغيره أنه كان يحتجم وهو
صائم. وحديثه فى ((أفطر الحاجم والمحجوم)) انفرد به داود بن الزبرقان، وهو متروك الحديث،
5 أنه
عن محمد بن جحادة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، عن النبى .. وقد روى عن النبى
قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) من طرق يصحح بعضها أهل العلم بالحديث.
٦٠٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٢٤.
(١) قال فى الاستذكار: عروة بن الزبير كان يواصل الصوم، ومن هنا قال ابنه: ما احتجم إلا
وهو صائم.

٠٠٠ ٥٣
........
كتاب الصيام
الشرح: وهذا كما قال أن الحجامة إنما تكره للتغرير بالصيام فمن أحس من نفسه
بضعف أو لم يعرف حاله، كرهت له الحجامة فى حال صيامه لأنه تغرير بصيامه ولا
يدرى هل يسلم أم لا؟ ولا يجوز التغرير بالعبادات التى حرم الخروج منها إلا بعد كما
لها، فإن احتجم أحد هذين، فاحتاج إلى الفطر فقد واقع المحظور، ويكون عليه القضاء
ولا تكون عليه الكفارة، لأنه لم يفطر متعمدًا، وإنما فعل متعمدًا ما جرّ إلى الفطر
ضرورة، فإن سلم من الفطر، فلا شىء عليه لأنه غرر بأمر وخاطر فيه فسلم منه، وأما
من عرف من نفسه القوة على ذلك وأن الحجامة مع الصوم لا تضعفه ولا تخرجه إلى
الفطر، فإن الحجامة مباحة له، ولذلك كان سعد بن أبى وقاص وعروة يحتجمان،
وكان عبدالله يحتجم فى أول عمره وقوّته وشبابه، فلما كبر وضعف ترك ذلك لئلا
يغرر بصومه، هذا المشهور من المذهب. وفى المدنية من رواية ابن نافع عن مالك: لا
يحتجم قوى ولا ضعيف فى صومه حتى يفطر، فربما ضعف بعد القوة، وروى عيسى
عن ابن القاسم مثله.
صيام يوم عاشوراء
٦٠٥ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْرَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴿ أَنْهَا
قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ(١) يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِى الْحَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾
٦٠٥ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨٦٣. ومسلم فى كتاب الصيام حديث
رقم ١٨٩٨. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٦٨٤. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث
رقم ٢٠٨٦. وابن ماجه حديث رقم ١٧٢٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٨٨٤،
٢٣٠٩٧، ٢٤١٣١، ٢٤٩١٢. والدارمى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٦٩٥، ١٦٩٨.
والبيهقى فى الكبرى ٢٩٠/٤ عن عائشة. والطحاوى بشرح المعانى ٧٤/٢ عن عائشة.
(١) ((يوم عاشوراء)) قال السيوطى: هو بالمد على المشهور وحكى فيه بالقصر، وزعم ابن دريد
أنه اسم إسلامى لا يعرف فى الجاهلية ورد على ابن دحية، واختلف أهل الشرع فى تعيينه فقال
الأكثر هو اليوم العاشر من المحرم. قال ابن المنير: وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقال
القرطبى: عاشوراء مصدر معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم وهو فى الأصل صفة لليلة
العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذى هو اسم العقد واليوم مضاف إليها فإذا قيل يوم عاشوراء
فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة إلا إنهما لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الأسمية فاستغنوا عن
الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علما على اليوم العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقى أنه
لم يسمع فاعولاء إلا هذا وضاروراء وساروراء، ودالولاء من الضار والسار والدال، وزاد ابن=

کتاب الصيام
٥٤
يَصُومُهُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا
فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمِنْ شَاءَ
تَرَكَهُ.
الشرح: اختلفت الأحادیث فی صوم النبى ®14 يوم عاشوراء فى سبب ذلك، فروى
4 كان يصومه
یحیی عن مالك أن قريشًا كانت تصومه فى الجاهلية، وأن رسول الله
فى الجاهلية. وروى عن عبدالله بن عباس، قال: قدم النبى :﴿119 المدينة، فرأى اليهود
يصومون يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح، هذا يوم نجى الله فيه بنى
إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى عليه السلام، فقال: أنا أحق بموسى منكم، فصامه
وأمر بصيامه، ويحتمل أن تكون قريش تصومه فى الجاهلية. وكان النبى ﴿3﴾ يصومه قبل
أن يبعث، فلما بعث ترك ذلك، فلما هاجر وعلم أنه كان من شريعة موسى عليه
السلام صامه، وأمر بصيامه فلما فرض رمضان نسخ وجوبه.
فصل: وقوله: ((فلما قدم رسول الله (48 المدينة صامه وأمر بصيامه))، يقتضى
الوجوب من وجهين، من جهة فعله له، ومن جهة أمره به.
وقوله: ((فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء)»، يريد أن رمضان لما
فرض ورد الشرع بنسخ وجوب يوم عاشوراء، وليس فى الأمر بصوم رمضان ما يدل
على منع وجوب يوم عاشوراء، إلا أنه قرن به ما يدل على أنه جميع الفرض من الصوم،
وقد بين ذلك 4 فى قوله للذى سأله عن فريضة الصوم، فقال له: شهر رمضان،
فقال: هل على غيره؟ فقال: لا، إلا أن تطوع.
فصل: وقوله: ((فمن شاء صامه ومن شاء تركه))، يريد أنه لاحق بسائر الأيام التى
لم يمنع صومها ولا وجب، ولكنه مستحب بدليل ما جاء فى حديث معاوية: وأنا
صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر. قال أشهب: صيام يوم عاشوراء يستحب
لما رجی من ثواب ذلك، ولیس بواجب.
٦٠٦ - مَالِكِ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنْهُ سَمِعَ
= دحية عن ابن الأعرابى خابوراء، وقيل هو اليوم التاسع. قال ابن المنير: فعلى الأول اليوم
مضاف لليلة الماضة وعلى الثانى هو مضاف لليلة الآتية. انظر تنوير الحوالك ٢١٩.
٦٠٦ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨٦٤. ومسلم فى كتاب الصيام حديث
رقم ١٩٠٩. والترمذى فى كتاب الزهد ٢٢٩٣. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٦٢٦٤،=

٥٥
كتاب الصيام
مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبُرِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ
أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: ((لِهَذَا الْيَوْمِ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ
يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ)).
الشرح: قوله: ((يا أهل المدينة أين علماؤكم))، يحتمل أن يريد بذلك استدعاءهم
ليسمعوا هذا الحديث منه، ويبلغوه عنه، ويكون عندهم منه علم، فيوافقوه ويبلغوه إلى
الناس معه.
وقوله: «سمعت رسول الله ﴿ يقول لهذا اليوم: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب
الله عليكم صيامه)) يحتمل أن يريد لم يفرضه الله عليهم حينئذ، ولا أوجبه لأن وجوبه
قد كان نسخ برمضان، ويحتمل على قول من قال: إن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا
أن يريد أن الله لم يكتبه عليكم، وإنما أمرتكم أنا بصيامه رجاء الفضل فيه لصيام موسى
له.
فصل: وقوله: ((وأنا صائم))، يحتمل أن يكون تنبيهًا على فضيلة اليوم أو على جواز
صومه، ثم قال: ((فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر))، تصريح بالتخيير فى ذلك لئلا
يعتقد فيه عند نسخ صومه المنع منه جملة.
٦٠٧ - مَالِك أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرْسَلَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ
غَدًّا يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَصُمْ، وَأُمُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَصُومُوا.
الشرح: قول عمر: ((إن غدًا عاشوراء)»، هو اسم اليوم العاشر من شهر المحرم عند
مالك، وقال الشافعى: إنه اليوم التاسع.
والدليل على صحة ما نقوله أن هذا الاسم مأخوذ من العشر، فكان أظهر فى اليوم
العاشر بل يلزمه، ويختص به، وأما اليوم التاسع فإنما سمى التاسوعاء، وهذا يقتضى أن
إرسال عمر بذلك إنما كان فى اليوم التاسع ليتمكن الحارث بن هشام ومن عنده من
تبييت صيامه ليلة عاشوراء. وقال ابن حبيب: خص بأن لم يبيت صومه حتى أصبح أن
= ١٦٢٨٦. وعبدالرزاق فى المصنف برقم ٧٨٣٤ عن معاوية بن أبى سفيان، ٢٨٦/٤.
والطبرانى فى الكبير ٣٢٧/١٩ عن معاوية بن أبى سفيان. والبغوى بشرح السنة ٣٣٧/٦ عن
معاوية بن أبى سفيان.
٦٠٧ - انفرد به مالك. وذكره ابن عبد البر فى التمهيد ١٨٥/٥.

كتاب الصيام
٠٠
٥٦
يصومه أو باقيه إن أكل والذى عليه مالك وأصحابه أنه لا يجوز أن يصام إلا بنية قبل
الفجر كسائر الأيام وأما حديث سلمة بن الأكوع عن النبى ﴿1﴾ ((أمر رسول الله رجلاً
من أسلم أن أذن فى الناس: أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل
فليصم، فإن هذا يوم عاشوراء)(*)، فإنه يحتمل أنه أمر به لما علم من صوم موسى له،
فإنه طرأ علم الوجوب فى بعض اليوم، فكان عليهم الإمساك، ولذلك أمر من أكل
بالصيام وهذا بمنزلة من يطرأ عليه العلم بأن اليوم الذى هو فيه من رمضان بعد مضى
صدر منه، فإن عليه أن يمسك أكل أو لم يأكل، ولا يدل تركه الأمر على الإجزاء، لأن
القضاء إنما يجب بأمر ثان، وأيضًا فإن عدم أمره بالقضاء لا يدل أنه لم يأمر به.
صيام يوم الفطر والأضحى والدهر
٦٠٨ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْبَى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ نَهَى عَنْ صِيَامٍ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأضْحَى، يريد يوم النحر.
الشرح: وقد فسر ذلك عمر بن الخطاب، فقال: إن رسول الله 18 نهى عن صيام
يومين، أما يوم الأضحى فتأكلون من نسككم، وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم.
وهذا الأصل فى ذلك، والذى يختص به يوم الفطر أنه فصل للصوم المفترض من غيره
من التطوع، فلو جاز صومه لاتصل التطوع بالفرض ولأشكل، والفرق بينه وبين آخر
شعبان أنه يجوز أن يصام تطوعًا شهرة رمضان واستقبال الناس له يمنع من اتصاله
بشعبان، وليس كذلك ما بعد رمضان، فإن استقباله بالصوم لا يسمع ولا يشيع، فلو لم
يفصل بينهما بفطر لأشكل.
مسألة: وأما أيام التشريق، وهى الأيام الثلاثة التى تلى يوم النحر، فروى عن عائشة
وعروة أنهما كانا يصومانها ولعلهما إنما كانا يصومانها أو يأمران بصيامها عند عدم
الهدى، فإن عروة يروى عن عائشة: لا يصومها إلا المتمتع لا يجد هدیًا.
(٢) أخرجه الإمام أحمد فى المسند حديث رقم ١٥٥٣٢.
٦٠٨ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨٥٦. ومسلم فى كتاب الصيام حديث
رقم ١٩٢١. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٠٢١٤، ١٠٤٢٦. وابن ماجه برقم ١٧٢١،
٥٤٩/١ كتاب الصيام، باب ٣٦ عن أبى سعيد الخدرى. والترمذى برقم ٧٧٢، ١٣٣/٣ كتاب
الصوم، باب ٥٨ عن أبى سعيد الخدرى. وابن أبى شيبة ١٠٤/٣ عن أبى سعيد الخدرى.
والبيهقى فى الكبرى ٢٩٧/٤ عن أبى هريرة.

................ ٥٧
كتاب الصيام .
وقد حكى القاضى أبو محمد أنه لا يجوز ذلك بإجماع، وبهذا قال مالك وفقهاء
الأمصار. وقال القاضى أبو الفرج فى حاويه: من نذر أن يعتكف أيام التشريق اعتكفها
فصامها.
والدليل على المنع من صيامها ابتداء ما روى عن عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص
فى أيام التشريق أن تصمن إلا لمن يجد الهدى. ومن جهة المعنى أنها أيام عيد، فأشبهت
الفطر والأضحى. وروى ابن نافع عن مالك: أحب إلىّ لا يصومها فى الفدية.
مسألة: وهل يجزئه أن يصومها عن ظهار؟ قال فى المختصر عن مالك: فى مبتدأ
صوم الظهار، زاد فى المدنية: أو قتل نفس من ذى القعدة، نسى أو غفل، فأفطر يوم
النحر وصام أيام منى، ووصل قضاء يوم النحر بصيامه، رجوت أن يجزئه ويبتدئ أحب
إلىّ. وقال فى المدنية، من رواية داود بن سعيد وابن نافع عن مالك: أرى أن يفطر يوم
النحر ويصوم أيام التشريق.
قال ابن القاسم: کلمت مالگا فیه، فضعفه، وقال: وقال اری أن یبتدئ. قال ابن
القاسم: هذا رأيى ولا عذر لأحد فى خطأ خالف ما افترض الله عز وجل عليه. وقال
أشهب: من شرع فى صيام شىء من أيام منى عن تطوع أو واجب، فليفطر متى ذكر،
فإن أتمه لم يجزه عن واجب.
وجه القول الأول أن هذا يوم يصح صومه عن الهدى، فصح صومه عن غيره
كسائر الأيام. ووجه القول الثانى أن هذا يوم عيد، فلم يصح صومه عن واجب ولا
تطوع، وإنما صح صومه بدلا عن الهدى لاختصاصه بالحج.
مسألة: وأما آخر أيام التشريق، فإنه يصومه من نذره مفردًا، ولا خلاف نعلمه فى
ذلك، وأما نذر صوم ذى الحجة، فقال ابن القاسم: يصومه. وقال ابن الماجشون:
أحب إلىّ أن يفطره ويقضيه ولا أوجبه. وأما من نذر صوم عام معين، ففى المختصر عن
مالك: لا يصوم اليوم الرابع. وفى المدوّنة ما يدل على أنه لا يصومه.
مسألة: ويصومه من شرع فى صوم متتابع ولا يصوم اليومين قبله ..
ووجه ذلك أن اليومين قبله مختصان بالأحكام من النحر والتكبير بأثر الصلوات
ولزوم الرمى فيهما للمتعجل وكانت فيهما أحكام العيد أكد وهذا لمن شرع فى صيام
شهرى التتابع من أول شوّال، فمرض أو منعه أمر غالب حتى وافاه الأضحية وأما من
ابتدأ صيام شهرى التتابع فى ذى القعدة، فلا يخلو أن يعلم أن صومه سينقطع، أولا

كتاب الصيام
.....
٥٨ ٠٠
يعلم ذلك فإن علمه، فإنه لا يجزئه، قاله ابن القاسم وأشهب وترجح فيه قول مالك.
وقال ابن حبيب: يجزئه. وجه القول الأول أنه شرع فى صومه، وقد علم أنه لا يتتابع،
فوجب أن لا يجزئه كما لو نوى تفريقه فى شوال وذى القعدة. ووجه القول الثانى أنه
نوی التتابع فی صوم ما يصح صومه من مدة صومه، فوجب أن يجزئه ولا يفسد تتابعه
الفطر فى مدة لا يصح صومها كالفطر فى الليل وفطر المرأة فى أيام حيضها.
مَالِك أَنْهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ إِذَا أَقْطَرَ الأَيَّمَ الَّتِى نَهَى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنْ صِيَامِهَا، وَهِىَ أَيَّامُ مِنِّى، وَيَوْمُ الأَضْحَى، وَيَوْمُ الْفِطْرِ فِيمَا بَلَغْنَا،
قَالَ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ فِى ذَلِكَ.
الشرح: وهذا كما قال أن جماعة من أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام الدهر لمن
قوى عليه، ولم يرده ذلك إلى الضعف وأفطر الأيام التى نهى رسول الله ﴿ عن
صومها، وقال هذا جمهور الفقهاء. وقال أهل الظاهر: لا يجوز ذلك ومن فعله أثم.
والدليل على ذلك قوله : ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزى
به)) ولم يخص صومًا من صوم. ومن جهة القياس أن هذا عمل يتقرب به، فجاز أن
يستدام فى كل وقت يصح فعله فيه كالصلاة والحج.
النهى عن الوصال فى الصيام
٦٠٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ نَهَى عَنِ
الْوِصَّالِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: (إِنّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِى أُطْعَمُ
أَسْقَى)).
٦١٠ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
٦٠٩ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٧٨٨. ومسلم فى كتاب الصيام حديث
رقم ١٨٤٥. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠١٣، وأحمد فى المسند حديث رقم
٤٤٩١، ٤٥٢٢، ٥٥٣٣، ٥٦٤٧، ٥٨٥١، ٦٠١٧، ٠٦١٢٥ والبيهقى فى الكبرى ٢٨٢/٤
عن أبى هريرة. والدارمى ٨/٢ عن أبى هريرة. وابن أبى شيبة ٨٣/٣ عن أبى هريرة.
٦١٠ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨٢٩. ومسلم فى كتاب الصيام حديث
رقم ١٨٤٦. وأحمد فى المسند حديث رقم ٦٨٦٥، ٦٩٣١، ٧٠٢٨، ٧١٢٨، ٧١٨٢،=

٥٩
کتاب الصيام
قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، إِيََّكُمْ وَالْوِصَالَ(٩)، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
إِنّى لَسْتُ كَهَيْتِكُمْ إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِيْنِ)).
الشرح: قوله: (أنه ێ نهى عن الوصال))(١)، يريد وصال صوم يوم بصوم يوم
آخر، وظاهر النهى يقتضى المنع والتحريم إلا أن الصحابة تلقوه منه على وجه التخفيف
عنهم، ولذلك واصلوا بعد نهيه لهم، يدل على ذلك ما رواه أبو هريرة، قال: نهى
رسول الله ﴿﴿ عن الوصال فى الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا
رسول الله، قال: وأيكم مثلى إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقين، فلما أبوا أن ينتهوا عن
الوصال وصل بهم يومًا ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين
أبوا أن ينتهوا، ففى هذا دليلان، أحدهما: أنه لو كان على التحريم والمنع لم يخالفوه
بالمواصلة كما لم يخالفوه بصوم يوم الفطر والأضحى لما كان ذلك على التحريم،
والثانى أنه واصل بهم، وهذا يدل على جوازه ولولا ذلك لما واصل بهم.
فصل: وقوله: ((إنك تواصل))، استعلامًا منهم، إن كان ذلك حكم يختص به دون
أمته أو لمعنى ما يخافه عليهم من الضعف، ويريده بهم من الرفق، فقال ﴿49: «لست
كهيتتكم إنى أطعم وأسقى))، يريد 18 أن حاله من هذا غير حالهم من طريق قوته على
الصوم بما يطعمه الله ويسقيه ولم يقل إن الزمان مختص بصومه دون صومهم، وإنما علل
ذلك بقوته ﴿﴿ بما يطعمه ربه ويسقيه، ولذلك قال فى حديث همام عن أبى هريرة.
((أبيت يطعمنى ربى ويسقين، فاكفوا من العمل ما تطيقون)) فبين أن المحظور عليهم من
ذلك ما لا يطيقونه، ويحتمل أن يريد بقوله: يطعم ويسقى» الكناية عما يخلق الله له من
القوة على الصيام التى تقوم مقام الطعام والشراب، فلا يتأذى بالوصال والله أعلم
وأحكم، ولو كان طعامه وشرابه من الطعام والشراب المعتادين لما كان مواصلاً ولكان
مفطرًا.
=٧٢٣٣، ٧٤٥٤، ٧٨٣٤، ٨١٩٠، ٨٥٤٨، ٩٠٤٨، ١٠٠٢٩، ١٠٢٧٦. والدارمى فى
کتاب الصوم حديث رقم ١٦٤٤.
(*) عند أبى شيبة من رواية أبى زرعة عن أبى هريرة (إياكم والوصال))، ثلاث مرات.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٩٥/٥: أجمع العلماء على أن رسول الله (19 نهى عن
الوصال، وروی ذلك عنه ڑ من وجوه، منها: حديث أنس، وحديث ابن عمر، وحديث أبی
هريرة، وحديث أبى سعيد الخدرى، وحديث عائشة. واختلفوا فى تأويله، فقال منهم قائلون:
إنما نهى رسول الله ﴿ عن الوصال رفقًا منه بأمته، ورحمة بهم؛ فمن قدر على الوصال فلا
حرج، لأنه لله عز وجل يدع طعامه وشرابه.

كتاب الصيام
٦٠
٠٠
فصل: وقوله فى حديث أبى هريرة: ((إياكم والوصال)) تأكيد فى المنع لهم منه،
ولعله لما كان يخافه من الضعف عليهم بالوصال عما كان أنفع منه بالجهاد والقوة على
العدو مع حاجتهم فى ذلك الوقت إليه فلما سألوه عن وصاله أعلمهم أن حالته فى
ذلك غير حالتهم؛ لأنه يُطعم ويُسقى.
مسألة: إذا ثبت أنه يجوز الوصال ويصح، فإنه إنما يصام زمن الليل على سبيل التبع
للنهار، فأما أن يفرد بالصوم، فلا يجوز.
صيام الذى يقتل خطأ أو يتظاهر
سَمِعْت مالكًا يَقُولُ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
فِى قَتْلِ خَطَأٍ أَوْ تَظَاهٍُ، فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ يَغْلِيُّهُ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ صِيَامَهُ، أَنَّهُ إِنْ صَحَّ مِنْ
مَرَضِهِ وَقَوِىَ عَلَّى الصِّيَامِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخْرَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَبْنِى عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ
صِيَامِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرَأَةُ الَّتِى يَحِبُ عَلَيْهَا الصِّيَامُ فِى قَّئْلِ النّفْسِ حَطَأَ إِذَا حَاضَتْ
بَيْنَ ظَهْرَىْ صِيَامِهَا، أَنَّهَا إِذَا طَهُرَتْ لا تُؤَخْرُ الصِّيَامَ، وَهِىَ تَبْنِى عَلَى مَا قَدْ
صَامَتْ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِى كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُفْطِرَ إِلا
مِنْ عِلَةٍ مَرْضٍ أَوْ خَيْضَةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَيَفْطِرَ(١).
قَالَ مَالِك: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ(٤) فِى ذَلِكَ.
الشرح: وهذا كما قال من وجب عليه صيام لقتل من تلزمه الكفارة بقتله، أو
لتظاهر مع عدم الرقبة، فإن الذى يلزمه من الصيام شهران متتابعان، قال الله تعالى، فى
كفارة القتل: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا﴾ [البقرة:
١٩٦ ].
فصل: فمن شرع فى صيام شهرى التتابع، فعرض له مرض أو حيض، أمسك عن
(١) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٣٢.
(*) قال فى الاستذكار: قوله: ((أحسن ما سمعت)) يدل على علمه بالخلاف فى هذه المسألة،
والذى أراد، والله أعلم، الرجل مرض بين ظهرى شهرى التتابع فى الظهار أو القتل أو الكفارة
من رمضان.

.......... ٦١
كتاب الصيام
الصوم حتى يمكنه فيصوم، ولا يؤخره عن ذلك، لأنه إنما أخره للضرورة، فمتى أخر
بعد الإمكان بطل التتابع الذى هو شرط فى صحة صومه، ووجب عليه استئناف
صومه من أوله.
مسألة: وإنما أبيح له الفطر ولا يقطع التتابع العذر الذى لا يمكن معه الصوم
كالحيض والمرض، ويجرى النسيان مجرى ذلك لأنه لا يمكن الاحتراز منه، فإن نسى أن
يصل أيام القضاء والحيض بصيامه أو غلط فى العدد، فقد قال عبدالملك: يستأنف صيام
الشهرين، وقاله المغيرة فى خطأ العدد، إن كان هذا عامدًا، بخلاف المفطر ناسيًا.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى أن لا يكون عليه استئناف
صومه، ويجزئه أن يصلى؛ لأن هذا مما يمكنه الاحتراز منه، وأما ما يلحق به المشقة،
ويمكن معه الصوم كالسفر، فإنه لا يبيح الفطر وإن أفطر استأنف الصوم، والله أعلم.
ما يفعل المريض فى صيامه
سَمِعْت مالكًا يَقُولُ: الأمْرُ الَّذِى سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَصَابَهُ
الْمَرَضُ الَّذِى يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ وَيْعِبُهُ وَيَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ،
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِىِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِى الصَّلاةِ وَيَغَ مِنْهُ، وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِعُذْرٍ
ذَلِكَ مِنَ الْعَبْدِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لا تَبْلُغُ صِفَتُهُ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَلَّى، وَهُوَ حَالِسٌ،
وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ، وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِى الْفِطْرِ فِى السَّفَرِ، وَهُوَ أَقْوَى عَلَى
الصِّيَامِ مِنَ الْمَرِيضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى كِتَابِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤] فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِى الْفِطْرِ فِى السَّفَرِ،
وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنَ الْمَرِيضِ، فَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَىَّ، وَهُوَ الأَمْرُ.
الْمُخْتَمَعُ عَلَيْهِ(١).
الشرح: وهذا كما قال أن المريض إذا شق عليه الصيام وأتعبه أنه يجوز له الفطر،
والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو
على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥] تقديره والله أعلم، فأفطر فعدة من أيام
(١) انظر: الاستذكار رقم ٦٣٣.