Indexed OCR Text
Pages 1021-1040
کتاب الصيام ٢٢ وفى ذلك دليل للرجل من وجهين، أحدهما: أن النبى ﴿﴿ كان يفعله، وقد أمرنا باتباعه والاقتداء به، فقال تعالى: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: ١٥٨] والوجه الثانى: أن السائل سأله عن مسألة، فأجابه النبى ﴿ بمثل ذلك من حال نفسه، وهذا ـّ﴾ فى ذلك حكم السائل، ولو اختلف حكمهما فى هذه المسألة يدل على أن حكمه لما جاز أن يجيبه بمثل هذا أنه يفعله هو، ويجزئه. فصل: وقول الرجل: ((لست مثلنا قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر))، وإن كان على معنى شدة الإشفاق وكثرة الخوف والتوقى، إلا أن ظاهره يقتضى أن يعتقد فى النبى 18 ارتكاب ما شاء من المحظور المحرم علينا لأنه قد غفر الله له، ولعله أن يكون قد أراد الله تعالى أن يحل لرسوله ما شاء، فأتى بهذا اللفظ الذى ظاهره أشد من مراده. وقد روى: لسنا مثلك یحل الله لرسوله ما شاء. وهذا أيضًا يقتضى أن يرد عليه النبى ﴿﴿ قوله لأن قوله هذا يمنع الأمة أن تقتدى بالنبی ۵﴾ فى شىء من أفعاله. (*) يحتمل أن يكون لما ظهر من قوله ولما منع فصل: وقوله: (فغضب رسول الله ، من الاقتداء بالنبى ﴿ وقال: ((والله إلى لارجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقی» معنی ذلك والله أعلم، أن ما غفر من ذنبی لا یمنعنی أن أکون أخشا کم لله بل أنا أخشاكم ومن خشيتى له إنى أعلمكم بما أجتنب وأنتم لا تعلمون فلابد من الاقتداء. ٥٨٢ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ ٥٨٢ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٧٩١. ومسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٨٦٤. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٧١٠. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠٤٠. وابن ماجه حديث رقم ١٦٩٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٣٣، ٢٢٩٤٥، ٢٢٩٧٥، ٢٤٩٩٦، ٢٥٤٠٧. والدارمى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٦٦٢. والطبرانى فى الكبير ٢٩٣/١٨. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٣٢/٥: هكذا يروى مالك هذا الحديث عن عبد ربه بن سعيد، عن أبى بكر بن عبدالرحمن، عن عائشة وأم سلمة، وخالفه عمرو بن الحارث فرواه عن عبد ربه ابن سعيد، عن عبدالله بن كعب، عن أبى بكر بن عبدالرحمن: أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا أحمد بن شعيب، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم قاضى الثغر، قال: حدثنا حرملة، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنى عمرو، عن عبد ربه - وهو ابن سعيد- كتاب الصيام ٢٣ ........ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ زَوْحَى النِّىِّ ﴿ أَنْهُمَا قَالَتَا: كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ حِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ فِى رَمَضَانَ ثُمَّ يَصُومُ. الشرح: قولهما: ((كان رسول الله % يصبح جنبًا من جماع غير احتلام فى رمضان ثم يصوم))(١)، على معنى الإبلاغ فى البيان ورفع الإشكال لما كان وقع فى ذلك من الاختلاف على ما يأتى بعد ذلك، فاضطرتا إلى المبالغة فى البيان لزوال الشبهة. ووجوه الاحتمال وتخليص الحديث حجة فى موضع الاختلاف، وذلك أن الأحداث كلها لا تمنع صحة الصوم، سواء كانت عن عمد أو غير عمد، وكان أبو هريرة يقول: إن من أصبح جنبًا من جماع غير احتلام لم يصح صومه، فزال ذلك الخلاف بخبر عائشة وأم سلمة وهما أعلم بهذا لمكانهما من رسول ﴿﴿، واطلاعهما فى ذلك على حاله، ومعرفتهما بما يخفى على الناس من أمره. مسألة: وأما حدث الحيض، فقد قال مالك: إنه لا يمنع صحة الصوم، وعليه جمهور الفقهاء سواء أخرت الغسل عمدًا أو غير عمد. وقال محمد بن مسلمة: إنه يمنع صحة الصوم. ودليلنا على صحة قول الجمهور أم حدث هذا زال موجبه قبل الفجر، فلا يمنع بقاء حكمه صحة الصوم كحدث الجنابة. وفى المجموعة من رواية ابن القاسم وابن وهب عن مالك: إنما ذلك فى التى ترى الطهر قبل الفجر، فتأخذ فى الغسل دون توان، فلا يكمل غسلها حتى يطلع الفجر، فإنها كالحائض، قاله عبدالملك، فجعل من شرط جواز الصوم إمكان الغسل قبل الفجر. قال الشيخ أبو إسحاق: تصوم ويجزئها. وفيها قول آخر: أنها تفطر، وليست کالجنب. ٥٨٣ - مَالِكِ، عَنْ سُمَى مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ =- عن عبدالله بن كعب الحميرى، أن أبا بكر حدثه أن مروان أرسله إلى أم سلمة يسألها عن الرجل يصبح جنبًا يصوم، فقالت: ((كان رسول الله 98! يصبح جنبًا من جماع لا حلم، ثم لا يفطر ولا يقضى)). (١) قول: ((من جماع غير احتلام)) قال السيوطى: قصدت بذلك المبالغة فى الرد والنفى على إطلاقه لا مفهوم له لأنه 18 كان لا يحتلم إذا الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه. انظر: تنوير الحوالك ٢١٤. ٥٨٣ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٧٩١، ١٧٩٥، ١٧٩٦. ومسلم فى= کتاب الصيام ٢٤ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِى عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَقْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَتَذْهَبَنَّ إِلَى أُمَّىٍ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، فَلْتَسْأَلَنْهُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَذَهَبْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةً فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، ثُمَّقَالَ: يَا أُمَّالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا كُنًا عِنْدَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنٍ، أَتَرْغَبُ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لا وَاللَّهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنْهُ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ حِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامٍ ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَّمَةَ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ. قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا قَالَتَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَتَرْكَبَنَّ دَأَئِى، فَإِنّهَا بِالْبَابِ، فَلْتَذْهَبَنَّ إِلَى أَبِى هُرَيْرَةَ، فَإِنّهُ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ، فَلْتُخْبِرَّنَّهُ ذَلِكَ، فَرَكِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَرَكِبْتُ مَعَهُ، حَتّى أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةً، فَتَحَدَّثَ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَاعَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا عِلْمَ لِى بِذَاكَ إِنَّمَا أَخْهُرَنِبِهِ مُخْبِرٌ. = كتاب الصيام حديث رقم ١٨٦٤، ١٨٦٥، ١٨٦٦، ١٨٦٧، ١٨٦٨، ٠١٨٦٩ والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٧١٠، وكتاب الحج حديث رقم ٧٧٩. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠٤٠، وكتاب الجهاد حديث رقم ٢٣٨٨، ٢٣٨٩. وابن ماجه فى كتاب الصيام حديث رقم ١٦٩٢، ١٦٩٣، ١٦٩٤، ١٧٠٣، ٠١٧٠٤ وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٣٣، ٢٢٩٤٥، ٢٢٩٧٥، ٢٣٢٤٩، ٢٣٢٩٢، ٢٣٥٤٠، ٢٣٥٦٤، ٢٣٦٦٢، ٢٤٠٦٩، ٢٤١٩٩، ٢٤٣١٩، ٢٤٣٣٤، ٢٤٣٩٣، ٢٤٤٩٣، ٢٤٦٢٧، ٢٤٦٦٩، ٢٤٧٣٣، ٢٤٨٨٨، ٢٤٩٥٧، ٢٤٩٩٦، ٢٥٠٩٥، ٢٥١٦٨، ٢٥٢٧٦، ٢٥٤٠٧، ٢٥٤٣٠، ٢٥٤٤١. والدارمى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٦٦٢، وكتاب المناسك حديث رقم ١٧٢٥. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٣٣/٥: هذا الإسناد أثبت أسانيد هذا الحديث، وهو حديث جاء من وجوه كثيرة متواترة صحاح. ٢٥٠٠ ....... کتاب الصيام . ٥٨٤ - مَالِكِ، عَنْ سُمَى مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ زَوْحَى الَِّّ ﴿ أَنْهُمَا قَالَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَيُّصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلامِ ثُمَّ يَصُومُ. الشرح: قوله: «كنا عند مروان، فذكر له أن أبا هريرة يقول: إن من أصبح جبًا أفطر ذلك اليوم))، دليل على تذاكرهم بالعلم فى مجالس علمائهم وأمرائهم، وتحفظهم لأقوال الناس فيه. وقوله لعبدالرحمن بن الحارث: ((أقسمت عليك لتذهبن إلى أمى المؤمنين، فلتسألنهما))، حرص على معرفة السنة، وموجب الشريعة، سؤال من يظن أنه أعلم بحكم الحادثة المختلف فيها، ولذلك خص عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما بالسؤال. فصل: وقول عائشة، وقد ذكر لها قول أبى هريرة: ((ليس كما قال أبو هريرة))، هو الواجب من الرد ليس فيه أذى لأبى هريرة، ولا تقصير عن إنكار الباطل، لاسيما فيما عندها فيه النص الذى لا تحل مخالفته، ثم قالت له على سبيل التشديد عليه وإنكار التعلق بما أورد عليها من قول أبى هريرة: ((أترغب عما كان رسول الله ﴾﴾ يصنع))، وهذا لما استقر عندهم وأجمعوا عليه من أن الاقتداء بالنبى 198 واجب لازم لا يسوغ غيره، ثم ذكرت ما عندها من علم ذلك، وقالت: ((أشهد على رسول الله (49 أنه كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم))، وإنما بينت ذلك لأنه مختلف فيه، وأما الاحتلام فلا يمنع صحة الصوم هو ولا حدثه. فصل: وقوله عن أم سلمة: ((فقالت مثل ما قالت عائشة رضى الله عنها))، يريد أنها وافقتها فى الحكم ولعلها لم تأت بمثل تلك الألفاظ. وقول مروان: ((أقسمت عليك لتخبرن أبا هريرة بذلك))، على وجه الاستقصاء لهذه القضية ليعلم ما عند أبى هريرة فى ذلك، وربما كان عنده فى ذلك نص يحتمل أن يكون ناسخًا ومنسوخًا أو يوجب تخصيصًا أو تأويلاً. فصل: تحدث عبدالرحمن مع أبى هريرة قبل أن يذكر له ذلك من حسن الأدب ٥٨٤ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٧٩١. ومسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٨٦٤. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٧١٠. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠٤٠. وابن ماجه حديث رقم ١٦٩٣، ١٦٩٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٣٣، ٢٢٩٤٥، ٢٢٩٧٥، ٢٤٩٩٦، ٢٥٤٠٧. والدارمى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٦٦٢. كتاب الصيام ٠٠٢٦ وتقديم التأنيس، وقول أبى هريرة: ((لا علم لى بذلك))، منه للحكم، وانقياد للحق إذ جاءه من النص عن النبى ® ما لا يمكن رفعه من عند من لا يشك فى ثقته ولا حفظه وعلمه، ولاسيما فى مثل هذا الحكم. وقول أبى هريرة: إنما أخبرنيه مخبرًا أبعد الأصل قوله، والمخبر الذى أخبره هو الفضل ابن العباس. وقد روی عن أبى هريرة رجوعه عن ذلك. قال سعيد بن المسيب: إن أبا هريرة ترك فتياه بعد ذلك، ويؤكد حديث عائشة وأم سلمة قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهنّ وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٧] فأباح الوطء إلى تبيين الفجر، ومن فعل هذا لم يكن اغتساله إلا بعد الفجر. * * ما جاء فى الرخصة فى القبلة للصائم ٥٨٥ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَحُلا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ فِى رَمَضَانَ، فَوَحَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النِّىِّ ﴿ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا، فَأَخْبُرَّتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يُقَبِّلُ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بِذَلِكَ، فَرَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا، وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ اللَّهُ، يُحِلُّ ◌ِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ مَا شَاءَ ثُمَّ رَجَعَتِ امْرَأْتُهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَوَحَدَتْ عِنْدَهَا رَسُولَ اللّهِ فَ﴾، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((مَا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((أَلا أَخْبَرْتِيهَا أَنّى أَفْعَلُ ذَلِكَ) فَقَالَتْ: قَدْ أَخْبَرْتُهَا فَذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَأَخْبُرَتْهُ فَرَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا، وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ ﴿ مَا شَاءَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَقَالَ: ((وَاللَّهِ إِنِّى لِأَنْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ». ٥٨٥ - أخرج نحوه مسلم ٧٧٩/٢ كتاب الصيام، باب ١٢ عن عمرو بن أبى سلمة. والبيهقى فى الكبرى ٢٣٥/٤ عن عمرو بن أبى سلمة. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٣٨/٥: هذا الحديث مرسل عند جميع رواة الموطأ، عن مالك، وهذا المعنى أن رسول الله (8 كان يقبل وهو صائم، صحيح من حديث عائشة، وحديث أم سلمة، وحديث حفصة؛ يروى عنهن كلهن وعن غيرهن، عن النبى (83 من وجوه ثابتة. ٢٧٠٠ ...... ... كتاب الصيام . الشرح: قوله: ((فوجد من ذلك وجدًا شديدًا))، يريد حزن وأشفق أن يكون ذلك محظورًا، ولعله وقت أن قبل غفل عن النظر فى ذلك، ثم تذکر فأشفق من فعله له، وظن أنه ممنوع، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فسألت أم سلمة، فأخبرتها بفعل النبى إذ هو القدوة والأسوة، وإذا لا يفعل المحظور ولا يأتيه. فصل: وقوله: ((فزاده ذلك شرًا))، يقتضى أنه استدام الأسف والحزن، فكان ذلك زيادة على حزنه المتقدم قبل السؤال إذ لم يأته بما يقنعه، ويؤمن من خوفه مما كان يعتقد أنه أثم به، فيكون معنى: زاده هنا أدام الأسف والحزن، ولم يزله ما سمع فى ذلك من قول النبى ﴿)، ويحتمل أن یکون معنی زاده ذلك حزنًا، اشتد حزنه لما يقوى عنده من سند الحظر حين لم يكن عند أم سلمة من الإباحة غير ما أخبرته، ولم يكن ذلك عنده يقتضى الإباحة له. فصل: وقوله: ((فرجعت امرأته لتسأل له))، هل هذا الحكم مما يقتدى فيه بالنبى أم لا؟ وقول النبى ﴿﴿ لأم سلمة: ((قد علمت فعل النبى (19 فى مثل هذا)، فكان يجب عليها أن تخبرها بذلك، وفيه المقنع، ولعله و ظن أن أم سلمة لم تخبرها بذلك فأنكر عليها ذلك ونبهها على الإخبار بأفعاله؛ إذ هى السنن، وإنما يؤخذ أكثر هذه المعانى عن أزواج النبى ﴾، ويجب عليهن أن يخبرن بذلك ليقتدى الناس برسول الله ﴾ فى ذلك، قال الله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفًا خبيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤] فلما علم أن أم سلمة قد أعلمتها بفعله ﴿، وأنه قد اعتقد أن حكمه فى ذلك غير حكم النبى ﴿ غضب ﴿﴿ إنكارًا لقوله، ولترك التأسى به، وقال: «إنی والله لأتقاکم لله وأعلمكم بحدوده)). ٥٨٦ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِى اللَّهُ عَنْهَا أَنْهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لَيَقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضَحِگتْ. ٥٨٦ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٧٩٢، ١٧٩٣. ومسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٨٥٤. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٦٥٩، ٦٦١. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠٣٤، ٢٠٣٥، ٢٠٣٦. وابن ماجه حديث رقم ١٦٧٣، ١٦٧٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٩٨١، ٢٣٠٠٠، ٢٣٥٢٥، ٢٣٧٦٩، ٢٣٨٠٢، ٢٣٨٤٠، ٢٤٠٧١، ٢٤٤١٢، ٢٤٤٢٢، ٢٤٤٧٣، ٢٤٦١٧، ٢٤٦٦٣، ٢٤٧٦٣، ٢٤٧٧٥، ٢٤٨٥٢، ٢٤٩٩٤، ٢٥٠١٩، ٢٥٠٦٨، ٠٢٥٢٠٨ والدارمى فى كتاب المقدمة ٦٣٢، و كتاب الصوم ١٦٥٩. ٢٨ كتاب الصيام الشرح: قولها: ((يقبل بعض أزواجه، وهو صائم))، دليل على أن القبلة لا تمنع صحة الصوم، ولا خلاف فى ذلك إلا أنه يكره لمن لا يأمن نفسه، ولا يملكها لئلا تكون سببًا إلى ما يفسد الصوم، والمباشرة تجرى فى ذلك مجرى القبلة لأنهما مما يلتذ بهما من باب الاستمتاع، وربما سببا ما لا يملك من مذى أو منی. فصل: وقوله: «ثم ضحكت))(١)، يحتمل أن تكون عائشة تضحك عند ذلك لما كانت تخبر عن مثل هذا، ولعلها هى المخبر عنها، والنساء لا يحدثن الرجال عن أنفسهن مثل هذا، فكانت تتبسم من إخبارها لحاجة الناس إلى معرفة هذا الحكم، ويحتمل أن تشير بضحكها إلى أنها هى المخبر عنها لتحقق معرفتها بما أخبرت به عنه وقال الداودى: يحتمل أن تضحك تعجبًا ممن يخالفها فى ذلك ويحتمل أن تستذكر حب النبى ! إياها، فتضحك سرورًا بذلك وما قدمناه أولى وأظهر، والله أعلم وأحكم. ٥٨٧ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَاتِكَةَ ابْنَةَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ امْرَأَةً عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَتْ تُقَبِّلُ رَأْسَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ صَائِمٌ فَلا يَنْهَاهَا. الشرح: قولها: ((إنها كانت تقبل رأس عمر بن الخطاب، وهو صائم))، يحتمل أن تفعل ذلك على وجه الالتذاذ، ويحتمل أن تفعله على وجه الإكرام والبر. وقوله: ((وهو صائم))، لا يدل على أنها هى صائمة لجواز أن تكون حائضًا فى وقت صومه فى رمضان أو يكون صومه فى غير رمضان، ولكنه يستدل على أن المباشرة لا تفسد الصوم بأن عمر لم يمنعها من ذلك خوفًا على صومه للالتذاذ بمباشرتها لشىء من جسده، ولكنه لما عرف من نفسه ملكها فى مثل هذا لم يمنعها من ذلك ولم ينهها، ولعله قد التذ بفعلها. ٥٨٨ - مَالِك، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةً (١) قال السيوطى: زاد ابن أبى شيبة من طريق شريك عن هشام فى هذا الحديث فظننا أنها هى وبذلك عرفنا حكمة ضحكها إشارة إلى أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ فى الثقة بها. انظر: تنوير الحوالك ٢١٥. ٥٨٧ - انفرد به مالك. ٥٨٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٠٨. ٢٩٠ ....... کتاب الصيام أَخْبُرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ زَوْجِ النِّّ ﴿ فَدَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا هُنَّالِكَ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا يَعْنَعُكَ أَنْ تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِكَ فَتُقَبَّلَهَا وَتُّلَاعِبَهَا، فَقَالَ: أُقَبْلُهَا وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. الشرح: قولها: ((ما يمنعك أن تدنو من أهلك، فتقبلها وتلاعبها))، قصدًا لتعليمه مثل هذا الحكم، وإعلامه بجوازه، وأن الصوم لا يفسد بذلك، ولم تقصد بذلك أمره لأن أحدًا لا يؤمر بمثل هذا، وإنما هو موقوف على اختيار فاعله، وليس فى ذلك إباحة لتقبيله إياها بحضرة عائشة وغيرها لأن هذا مما يجب أن يستتر به ولا يفعل بحضرة أحد، وإنما سألته عن المانع من ذلك إن كان الصوم أو غيره، ولعله قد بلغها ذلك عنه، فأرادت أن تعلمه بأنه غير مانع. فصل: وقوله: ((أقبلها وأنا صائم؟))، إظهار للأمر الذى كان يعتقد أنه مانعه مما أباحته له، فقالت له: ((نعم))، ولم تعد عليه الحض على الملاعبة والتقبيل بعد أن كملت تعليمه الحكم، فثبت أنها إنما قصدت التعليم دون الحض على الملاعبة. ولعل عائشة قد علمت من عبدالله هذا ملكه لنفسه عند مثل هذا بخبر زوجه أو غيرها، فلذلك أباحته له. وروى ابن وهب فى موطئه عن مالك: أما القبلة في التطوع، فأنا أرجو أن يكون ذلك واسعًا، وأما فى الفريضة، فإن ترك ذلك أحب إلى، وليس فى حديث عائشة من هذا الوجه ما يدل على نفل ولا فرض(١). (١) قال فى الاستذكار: قد أجمع العلماء على أن من كره القبلة لم يكرهها لنفسها، وإنما كرها خشية ما تحمل إليه من الإنزال، وأقل ذلك المذى. ولم يختلفوا فى أن من قبل وسلم من قليل ذلك وكثيره فلا شىء عليه. وممن قال بإباحة القبلة للصائم: عمر بن الخطاب، وسعد بن أبى وقاص، وأبو هريرة، واب عباس، وعائشة. وبه قال عطاء، والشعبى والحسن، وهو قول أحمد وإسحاق، وداود. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بالقبلة للصائم إذا كان يأمن على نفسه. قالوا: وإن قبل وأمنى فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول الثورى، والحسن بن حى، والشافعى، وكلهم يقول: من قبل فأمنى فليس عليه غير القضاء. وقال ابن علية: لا تفسد القبلة الصوم إلا أن ينزل الماء الدافق. قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا رخص فى القبلة للصائم إلا وهو يشترط السلامة مما يتولد منها، وأن من يعلم أنه يتولد عليه منها ما يفسد صومه وجب عليه اجتنابها، ولو قبل فأمذى لم يكن عليه شىء عند الشافعى، وأبى حنيفة، والثورى، والأوزاعى، وابن علية. وأما أحمد، والشافعى فلا= .... کتاب الصيام ٠٠٣٠ ٥٨٩ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً وَسَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ كَانًا يُرَحِّصَانِ فِى الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ. الشرح: قوله: ((كانا يرخصان))، دليل على أن الباب يتعلق به منع، ولولا ذلك لكان مطلقًا مباحًا، وإنما يكون رخصة ما يتعلق ببابه المنع وأرخض فى شىء منه لأمر ما. * * * ما جاء فى التشديد فى القبلة للصائم ٥٩٠ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ كَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿لَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ تَقُولُ: وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنْ رَسُولِ اللّهِ ﴿﴾. الشرح: قولها: ((إن رسول الله ® كان يقبل وهو صائم))، تقول: ((وأيكم أملك لنفسه من رسول الله ﴿﴿))، تنبيه على أن القبلة قد تؤول بصاحبها إلى إفساد الصوم،: وأن النبی ﴿﴿ إن كان يقبل، فإنه كان يملك نفسه ملكا لا يجوز معه إفساد صومه، فمن يملك نفسه هذا الملك حتى يقتدى به فى استنان القبل، ولا تبقى على نفسه عاقبته، وأما من قد وقع منه هذا الفعل فسلم فلا شىء عليه، ولا يفسد صومه لأن النبی ®ے کان يفعل ذلك ولا يفسد صومه. قَالَ يَحْنَى: قَالَ مَالِك: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ أَرَ الْقَبْلَةَ لِلصَّائِمِ تَدْعُو إِلَى خَيْرٍ. الشرح: قوله: ((لم أر القبلة تدعو إلى خير))، يريد أنها من دواعى الجماع والإنزال، =يريان الكفارة إلا على من جامع فأولج، أو أنزل ناسيًا عند أحمد، وعند الشافعى عامدًا. وقال مالك: لا أحب للصائم أن يقبل، فإن قبل فى رمضان، فأنزل، فعليه القضاء والكفارة، وإن قبل فأمذى فعليه القضاء ولا كفارة عليه. والمتأخرون من أصحاب مالك البغداديون يقولون: إن القضاء هاهنا استحباب. ٥٨٩ - انفرد به مالك. ٥٩٠ - أخرجه البخارى موصولاً ٦٩/٣ كتاب الصوم، باب المباشرة للصائم عن عائشة. ومسلم ٧٧٧/٢ كتاب الصيام، باب ١٢ عن عائشة. وأبو داود برقم ٢٣٨٢، ٣٢٢/٢ كتاب الصوم، باب القبلة للصائم عن عائشة. والترمذى برقم ٧٢٩، ٩٨/٣ كتاب الصوم باب ٣٢ عن عائشة. وابن ماجه برقم ١٦٨٤، ٥٣٨/١ كتاب الصيام، باب ١٩ عن عائشة. وعبدالرزاق فى المصنف برقم ٧٤٠٦، ١٨٢/٤ عن ابن المسيب. والبيهقى فى السنن الكبرى ٢٣٠/٤ عن عائشة. ٣١ كتاب الصيام وهذا مما يفسد الصوم، فليس فى قصدها والفعل بها لمن لا يملك نفسه، إلا التغريز بصومه، وأما من ملك نفسه وعرف منها الانقياد على كل حال، فلا حرج عليه فيها لما تقدم ذكره. وفى المجموعة، قال ابن القاسم: شدد مالك فى القبلة للصائم فى الفرض والتطوع. وروى ابن حبيب عن مالك أنه شدد فى القبلة فى الفريضة وأرخص فيها فى التطوع، وتر کها أحب إليه من غیر ضیق. وجه رواية ابن القاسم أن ما يمنع منه صوم الفرض يمنع صوم التطوع كسائر الموانع. ٥٩١ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّخِ وَكَرِمَهَا لِلشَّابِ. الشرح: قوله: ((سئل عن القبلة، فأرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب))، إنما ذلك لأن الشيخ فى الغالب يملك نفسه لأنه ليس فيه من الشهوة والشدة إلى معانى الجماع ما فى الشاب، فهو يأمن من عاقبة القبلة، ولا يتيقن أن يتسبب منها ما يفسد صومه. وأما الشاب فلا يقدر فى الغالب على ملك نفسه لحدّته وشرهه إلى أمر النساء وقوة شهوته، فربما أفضى به الأمر إلى أن يمنى الإفراط الشهوة عليه، فيفسد صومه، وإنما هذا على الغالب من أحوال الناس، وقد يكون فى الشباب من يأمن هذا ويملك نفسه فیه، فلا جناح عليه. ٥٩٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ(١) لِلصَّائِمِ(٢). ٥٩١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦١١. الشافعى فى الأم ٩٨/٢. البيهقى فى الكبرى ٢٣٣/٤. عبد الرزاق فى المصنف ١٨٥/٤. وذكره الهيثمى فى المجمع ١٦٦/٣ عن ابن عباس، وعزاه للطبرانى فى الكبير. ٥٩٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦١٢. وذكره الهيثمى فى المجمع مرفوعًا إلى النبى عن أبى هريرة ١٦٦/٣ وعزاه للطبرانى فى الأوسط. (١) المباشرة: المعاشرة فيما دون الجماع. (٢) قال فى الاستذكار ٦٢/١٠: وممن كره القبلة للصائم: ابن مسعود، وابن عباس. روى فضيل بن مرزوق عن عطية، عن ابن عباس فى القبلة للصائم، قال: إن عروق الخصيتين معلقة بالأنف، فإن وجد الريح تحرك ودعى إلى ما هو أكثر، والشيخ أملك لاربه. كتاب الصيام ٣٢ الشرح: نهيه عن القبلة والمباشرة لما قدمناه من خوف ما يحدث عنها، فإن قبل وسلم، فلا شىء عليه، وكذلك إن باشر، فإن قبل أو باشر، فانعظ، ولم يخرج من قبله، فروى ابن القاسم عن مالك فى الحمديسية: عليه القضاء. وروى ابن وهب عن مالك: لا قضاء علیه حتی یمنی. وجه الرواية الأولى أن الانعاظ لا يكون إلا مع لذة شديدة، ويتيقن معه انفصال الماء عن موضعه، فلا يتيقن أداء العبادة وسلامتها مما يفسدها، فلابد من القضاء. ووجه رواية ابن وهب أن اللذة غير مراعاة لأن الإنسان لا يكاد يستبد منها، ولو روعى سلامة الصوم منها لبطل أكثر الصوم، ولو بلغت اللذة مبلغًا يخاف منه انفصال الماء لما سلم من المذى، فإذا عرا من المذى علمنا أنها لذة يسيرة لا ينفصل معها الماء من مستقره. وسوى ابن القاسم فى رواية عيسى بين المباشرة وغيرها، فقال: لا يقضى إلا أن منی. مسألة: وإن خرج منه ماء، فلا يخلو أن يكون مذيًا أو منيًا، فإن كان مذيًا كان عليه القضاء. واختلف أصحابنا فى وجه ذلك، فحكى القاضى أبو محمد أن من أصحابنا من حمل ذلك على الاستحباب، ومنهم من حمله على الوجوب، فأما من قال: إنه على الوجوب، أو على الندب، تعلق فى ذلك بما قدمناه. فرع: قال القاضى أبو محمد: واتفق أصحابنا على أن لا كفارة عليه. ووجه ذلك أننا إنما نوجب عليه القضاء لأن الصوم قد ثبت فى ذمته، فإذا خرج منه المذى لم يتيقن أداء صومه ولا براءة ذمته، فلزمه القضاء. وأما الكفارة فإنها لم تثبت فى ذمته، وإنما يثبت لتيقن الفطر على صفات معتبرة ونحن لا نتيقن ذلك، فلم تجب الكفارة. =وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن سليمان الأحول، قال: جاء رجل شيخ إلى ابن عباس يسأله عن القبلة وهو صائم فرخص له. وجاءه شاب فنهاه. قال عبد الرزاق وأخبرنا ابن عيينة، عبد الله بن أبى يزيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بها إذا لم يكن معها غيرها. قال أبو عمر: لم يأخذ مالك بقول ابن عباس فى ذلك؛ لأنه كرهها للشيخ والشاب، وذهب فيها مذهب ابن عمر وهو شأنه فى الاحتياط، رضى الله عنه. والأصل أن القبلة لم يكرهها من كرهها إلا لما يخشى أن تولده على الصائم من التطرق إلى الجماع على كل صائم، وبالله التوفيق. ٣٣ ............. كتاب الصيام .. مسألة: وأما إن أمنى، فعليه القضاء، وهل عليه الكفارة أم لا؟ لا يخلو أن يكون قبل قبلة واحدة، فأنزل أو قبل فالتذ، فعاود فأنزل، فإن قبل قبلة واحدة أو باشر أو لمس مرة واحدة، فأنزل، فقال أشهب: لا کفارة علیه حتی یکرر. وقال ابن القاسم: عليه الكفارة فى ذلك كله، إلا فى النظر، فلا كفارة عليه. وجه قول أشهب أن اللمس والقبلة والمباشرة ليست بفطر فى نفسها، وإنما تيقن أن يؤول إلى الأمر الذى يقع به الفطر، فإذا فعله مرة واحدة، فلم يقصد الإنزال وإفساد الصوم، فلا كفارة عليه كالنظر إليها، وإذا كرر ذلك، فقد قصد إفساد صومه، فعليه الكفارة، كما لو كرر النظر. وفى الجملة أن ذلك مبنى على أنه مباح، ما لم يظن منه وقوع الإنزال. ووجه قول ابن القاسم أن هذه معان يقع بها الإنزال كثيرًا، وهى من دواعيه، فلا تفعل غالبًا إلا لمعنى الاستمتاع الذى من صدده الإنزال، فالفاعل لها مغرر بصومه، فإن كان سبب إفساده صومه، فعليه الكفارة كما لو استدام. وهذا القول مبنى على المنع من هذه المعانى للصائم، وليس كذلك النظر، فإنه لا يستفاد منه، فهو بمنزلة المكالمة، وهذا إذا كان النظر لغير لذة، فإن تظر نظرة واحدة يقصد بها اللذة، فإنزل، فقد قال الشيخ أبو الحسن: عليه القضاء والكفارة، وهو الصحيح عندى لأنه إذا قصد بها الاستمتاع كانت كالقبلة وغير ذلك من أنواع الاستمتاع، والله أعلم وأحكم. وروى فى المدنية عن مالك أنه من نظر إلى امرأة متجردة، فالتذ: عليه القضاء دون الكفارة. قال ابن القاسم: إلا أن يديم النظر إليها تلذذًا، فعليه الكفارة. وفرق ابن نافع فى روايته عن مالك بين النظر وبين القبلة والمباشرة والملاعبة، فجعل فى ذلك كله الكفارة. ما جاء فى الصيام فى السفر ٥٩٣ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، ٥٩٣ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨٠٨. ومسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٨٧٥. والنسائى فى كتاب الصيام ٢٢٤٧، ٢٢٤٨، ٢٢٤٩، ٢٢٥٠، ٢٢٥١، ٢٢٧٢، ٢٢٧٣. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠٥٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٧٠، ٢٩٢٦، ٣٠٤٠. والدارمى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٦٤٦. كتاب الصيام ٣٤ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ خَرَجَ إِلَى مَكْةَ عَامَ الْفَتْحِ فِى رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النّاسُ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالأَحْدَثِ فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿﴾(١). الشرح: قوله: ((خرج إلى مكة عام الفتح))، يريد عام فتح مكة، حتى بلغ الكديد، ﴾ فيه من المدينة حتى بلغ وهذا يدل على جواز الصوم فى السفر؛ لصوم النبى 9 الكديد، وهذا ما بين عسفان وقديد. كذلك قال البخارى: فأفطر به، فأفطر الناس لفطره. ويحتمل أن يكون ذلك ليتقورا لعدوهم. وقد روى هذا منصوصًا عليه، ولعله لذلك أخر الفطر إلى الكديد، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار فى أن صيام رمضان فى السفر يصح إلا ما روى عن بعض أهل الظاهر، فإنه قال: لا یصح ولا يجزئ عنه. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوّع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٤]. فوجه الدليل من الآية أنه قال: ﴿وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٤]. مسألة: إذا ثبت صحة الصوم فى السفر، فإنه أفضل من الفطر لمن قوى عليه. وقال عبدالملك بن الماجشون: الفطر أفضل. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]. وجه قول مالك أن الصوم تعلق بالذمة، فالمبادرة إلى إيرائها أولى لما ربما طرأ من الموانع والأشغال، والفرق بينه وبين القصر فى السفر أن الذمّة تبرأ ما يؤتى به من القصر، وفى مسألتنا الذمة مشتغلة بالصوم. فرع: إذا ثبت ذلك، فإنه يباح له الفطر فى السفر ما دام يباح له القصر. قال الشيخ (١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٤٩/٥: قوله فى هذا الحديث: ((وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﴿﴿)). يقولون: إنه من كلام ابن شهاب. وفيه دليل على أن فى حديث رسول الله ﴿﴿ ناسخًا ومنسوخًا، وهذا أمر مجمع عليه، واحتج من ذهب إلى الفطر فى السفر بأن آخر فعل رسول الله ﴿﴿ الفطر فى السفر. وبقوله: ((ليس من البر الصيام فى السفر)). ٣٥ ... كتاب الصيام . أبو القاسم، فيمن قدم فى إضعاف سفره إلى بلد غير بلده، فله الفطر حتى يعزم على مقام أربعة أيام، فيتحتم عليه الصوم. ووجه ذلك أنه حكم تختص إباحته بالسفر، فأشبه القصر. ٥٩٤ - مَالِك، عَنْ سُمَى مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُؤْلاَه أَبِی بَكْرٍ أبْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابٍ() رَسُولِ اللَّهِ ﴿﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَمَرَ النّاسَ فِى سَفَرِهِ عَامَ الْفَتْحِ بِالْفِطْرِ، وَقَالَ: (تَقَوَّوْا لِعَدُوّكُمْ، وَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ الْذِىِ حَدَثَنِى: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ بِالْعَرْجِ(١) يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ ثُمَّ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ صَامُوا حِينَ صُمْتَ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِالْكَدِيدِ دَعًا ◌ِقَدَحِ فَشَرِبَ، فَأَفْطَرَ النّاسُ. الشرح: قوله: ((إن النبى (48 أمر الناس فى سفره عام الفتح بالفطر))، ظاهر أمره الندب لما قرنه به من العلة الداعية لذلك، وهو قوله: ((تقوّوا لعدوّ کم)) فكان ذلك سبب فطرهم؛ لأن السفر لا يصح فيه الصوم، ولو كانت العلة السفر لما علل بالتقوّى لعدو ولعلل بالسفر، فقال: فإن السفر لا يحل فيه الصوم، ولا يصح. ومما يبين ذلك أنه ﴿لَ﴾ صام، ولم يمنع من الصوم لما علم من نفسه القوة والجلد، وقد بلغ به شدة العطش أو الحر أن صب الماء على رأسه ليتقوى بذلك على صومه، وليخفف عن نفسه بعض ألم الحر أو العطش، وهذا أصل فى استعمال ما يتقوى به الصائم على صومه مما لا يقع به الفطر من التبرد بالماء والمضمضة به لأن ذلك يعينه على ٥٩٤ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٧٩٥. ومسلم ٧٨٥/٢ كتاب الصيام، باب ١٥ حديث ٩١ عن جابر بن عبد الله. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠١٨، وكتاب الجهاد حديث رقم ٢٣٦٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٥٣٣٨، ١٦٠٠٦، ٢٢١٠٦. والحاكم فى المستدرك ٤٣٢/١ عن أبى بكر بن عبد الرحمن. (*) قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٥٣/٥: هذا حديث مسند صحيح، ولا فرق بين أن يسمى التابع الصاحب الذى حدثه أو لا يسميه فى وجوب العمل بحديثه، لأن الصحابة كلهم عدول مرضيون ثقات أثبات، وهو أمر مجتمع عليه عند أهل العلم بالحديث. (١) قال فى النهاية: هو بفتح العين وسكون الراء، قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة. كتاب الصيام ..... ٣٦ الصوم، ولا يقع به الفطر لأنه يملك ما فى من الماء ويصرفه على اختياره، ويكره له الانغماس فى الماء لئلا يغلبه الماء مع ضيق نفسه، فيفسد صومه، فإن فعل فسلم فلا شىء عليه. فرع: والسفر الذى يبيح له الفطر هو الذى يبيح له القصر، رواه ابن القاسم وابن نافع عن مالك. قال ابن نافع فى روايته: وذلك مسيرة اليوم التام. قال ابن القاسم: وهو ثمانية وأربعون ميلاً. قال ابن نافع: قال مالك: وينظر لراكب البحر أن يكون مسيرة فى البحر قدر مسيره فى البر أربعة برد. فصل: وقوله: ((ثم قيل لرسول الله ﴿ إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت))، وذلك أن جماعة من أصحابه أحسوا من أنفسهم القوة واغتنموا الأجر لما ـ﴾، وهو كان أعلم بأحوالهم وبما يطيقونه رأوه صام فصاموا، فلما علم بذلك النبی من ذلك دعا بالكديد بماء فشرب فأفطر، وعلموا بإفطاره فأفطروا. وقد كان ﴿﴿ يترك بعض العمل، وهو يحب أن يعمل به لئلا يعمل به الناس، فيفرض عليهم، والظاهر من نسق الحديث أنه إنما أفطر لئلا يتكلف أصحابه الصوم، فيضعفون عن العمل وعن لقاء العدو، ويحتمل أن يكون إفطاره نهارًا ليريهم فطره بعد أن نوی من ليلته تلك. وقد قال الداودى: إنه أفطر بعد أن بيت الصيام للضرورة، ولا طريق إلى معرفة ذلك، وإذا احتمل الفعل الأمرين وجب أن يحمل فعله ﴿﴿ على الواجب وألحق به التقوى للعدو، فالغالب أنه لا يكون ضرورة تبيح الفطر بعد انعقاده إلا بوجود الضعف أو العطش باللقاء والحرب. والنبى ﴿﴿ إنما أمرهم بهذا الفطر استعدادًا لأمر مستقبل، وهذا لا يبيح الفطر بعد انعقاد الصوم. وقد روى ابن حبیب عن مطرف ان المسافر له ان یفطر بعد ان یبیت صيام رمضان، واحتج فى ذلك بفطر النبى (﴿ بالكديد، وما قدمناه أبين والله أعلم وأحكم. وقد منع مالك من رواية ابن القاسم وغيره من أصحابنا للمسافر الفطر بعد انعقاد صومه فى سفره، وأوجب مالك عليه به الكفارة. وقال مطرف: ذلك مباح له، سواء بيت أو لم يبيت. واحتج بهذا الحديث وحمله على استباحة الفطر بعد التلبس بالصوم. ٣٧٠٠ كتاب الصيام . وقال المغيرة وابن كنانة: يمنع الفطر، فإن أفطر، فلا كفارة عليه. ورواه ابن نافع عن مالك فى المدنية. وجه قول مالك أن من أفطر فى رمضان على الحالة التى تلبس فيها بالصوم، فإن فطره موجب للكفارة كالمقيم، وبهذا فارق من تلبس بالصوم فى الحضر ثم أفطر فى السفر، فإن لما طرأ من السفر تأثيرًا فى إباحة الفطر يسقط عنه الكفارة. ووجه قول المغيرة وابن كنانة ما احتجا به من أن صومه انعقد فى حالة أبيح له تر که، فلم يجب عليه كفارة كما لو أفطر فى قضاء رمضان. ٥٩٥ - مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فِى رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. فى رمضان، فلم يعب الصائم على الشرح: قوله: ((سافرنا مع رسول الله المفطر، ولا المفطر على الصائم))، يريد أن كل إنسان منهم كان يفعل من ذلك بقدر اختياره وبحسب قوته، ويرى أن الصوم والفطر له جائز، ولذلك لم يعب الصائم على المفطر لاعتقاده جواز الفطر، ولم يعب المفطر على الصائم صومه لاعتقاده جواز الصوم. ٥٩٦ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِىَّ قَالَ ٥٩٥ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨١١. ومسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٨٨٥. أبو داود حديث رقم ٢٤٠٥. البيهقى فى الكبرى ٢٤٤/٤. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٥٩/٥: هذا حديث متصل صحيح. وبلغنى عن ابن وضاح، رحمه الله، أنه كان يقول إن مالكًا لم يتابع عليه فى لفظه، وزعم أن غيره يرويه عن حميد، عن أنس، أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﴿ يسافرون فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ليس فيه ذكر ((رسول الله)) ولا وأنه كان يشاهدهم فى حالهم هذه)). وهذا عندى قلة اتساع فى علم الأثر. ٥٩٦ - أخرجه البخارى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٨٠٦. ومسلم فى كتاب الصيام حديث رقم ١٨٩٠. والترمذى فى كتاب الصوم حديث رقم ٦٤٥. والنسائى فى كتاب حديث رقم ٢٢٦٣، ٢٢٦٤، ٢٢٦٥، ٢٢٦٦، ٢٢٦٧، ٢٣٤١. وأبو داود فى كتاب الصوم حديث رقم ٢٠٥٠. وابن ماجه حديث رقم ١٦٥٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٠٥٦، ٢٤٤٢٩، ٢٤٤٨٥. والدارمى فى كتاب الصوم حديث رقم ١٦٤٥. والبيهقى فى الكبرى ٢٤٣/٤ عن حمزة بن عمرو الأسلمى. والبغوى بشرح السنة ٣٠٥/٦ عن حمزة بن عمرو الأسلمى .= كتاب الصيام ٣٨ لِرَسُولِ اللّهِ ﴿: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى رَجُلٌ أَصُومُ، أَفَأَصُومُ فِى السَّفَرِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ ﴿: ((إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَقْطِرْ). الشرح: قوله: ((إنى رجل أصوم، أفأصوم فى السفر))، سؤال عن إجزاء الصوم فى السفر، وجوازه لمن فعله، فأجابه النبى ﴿﴿ أنه مخير بين الصوم والفطر، فقال ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)). وسؤال حمزة بن عمرو عام، فإذا خرج الجواب مطلقًا حمل على عمومه، فحمل على جواز الصوم للفرض والنفل فى السفر، ولا يخص صوم دون صوم إلا بدليل. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أن ذلك محمول على التطوع وهذا تخصیص بغیر دلیل، فوجب أن یکون باطلاً. ٥٩٧ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَصُومُ فِى السَّفَرِ. الشرح: يحتمل أن يكون عبدالله بن عمر يمتنع من الصوم فى السفر لضعفه عنه ولعل ذلك كان منه فى آخر عمره ووقت ضعفه أو فى أوقات مخصوصة وجد فيها العجز عن الصيام، ويحتمل أنه كان يفطر فى السفر لأنه كان يرى ذلك أفضل من الصوم فيه على ما قاله عبدالملك بن الماجشون، ويحتمل أنه كان يفطر لأنه كان يرى & أنه الصوم فيه ممنوعًا أو غيره مجزئ على ما تأول على أبى هريرة لما روى عن النبى . قال: ((ليس من البر الصيام فى السفر))(٤). =والطبرانى فى الكبير ١٦٧/٣ عن حمزة بن عمرو الأسلمى. وعبد الرزاق فى المصنف برقم ٤٥٠٣ عن حمزة بن عمرو الأسلمی. قال ابن عبد البر فى التمهيد ١٦٥/٥: هكذا قال يحيى: عن مالك، عن هشام، عن أبيه، أن حمزة ابن عمرو قال سائر أصحاب مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن حمزة بن عمرو الآسلمی قال: يا رسول الله، أصوم فى السفر؟ وكان كثير الصيام. والحديث محفوظ عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. كذلك رواه جماعة عن هشام، منهم: ابن عيينة، وحماد بن سلمة، ومحمد بن عجلان، وعبدالرحيم بن سليمان، ويحيى القطان، ويحيى بن هاشم، ويحيى بن عبدالله بن سالم، وعمرو بن هاشم، وابن نمير، وأبو أسامة، ووكيع، وأبو معاوية، والليث بن سعد، وأبو ضمرة، وأبو إسحاق الفزارى؛ كلهم رووه عن هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ كما رواه جمهور أصحاب مالك، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. ٥٩٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦١٧. الطبرى فى تفسيره ٨٩/٢. عبد الرزاق فى المصنف ٥٦٤/٢. (*) النسائى فى الصغرى حديث رقم ٢٢٥٥. ابن ماجه حديث رقم ١٦٦٤. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٣١٦٨. الدارمى حديث رقم ١٧١٠. ٣٩ ..... كتاب الصيام وإنما حمل ذلك فقهاء الأمصار على سفر مخصوص كان الفطر فيه مندوبًا إليه أو واجبًا لما كان يختص به من التقوى للقاء العدو مع الحاجة إلى ذلك، والله أعلم وأحكم. ٥٩٨ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ فِى رَمَضَانَ وَنُسَافِرُ مَعَهُ، فَيَصُومُ عُرْوَةُ وَنَفْطِرُ نَحْنُ، فَلَا يَأْمُرُنَا بِالصِّيَامِ. الشرح: قوله: ((إنه كان يسافر فى رمضان)) تبيين لموضع الخلاف لأن الخلاف إنما هو فى صوم رمضان فى السفر، فالمخالف يقول: لا يجزئ قال هشام: ((فكان عروة يصوم))، وذلك أنه كان يرى أن صومه يجزئه، وكان يبادر إلى إبراء ذمته من الصوم، وأدائه لفرضه مع أنه كان يجد من نفسه القوة، وكان لا ينكر على بنيه الفطر لأنه كان يعتقد جواز الصوم. ما يفعل من قدم من سفر أو أراده فى رمضان ٥٩٩ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا كَانَ فِى سَفَرٍ فِى رَمَضَانَ، فَعَلِمَ أَنْهُ دَاخِلٌ الْمَدِينَةَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ دَخَلَ وَهُوَ صَائِمٌ. الشرح: قوله: ((فعلم إنه داخل المدينة من أول يومه))، يحتمل أن يريد به قبل طلوع الفجر، فيجب عليه الصوم، ويحتمل أن يريد به بعد طلوع الفجر، وهو أظهر؛ لأنه أول اليوم وما قبل ذلك، فهو آخر الليل، فعلى هذا كان صومه مستحسنًا(١). قَالَ مَالِك: مَنْ كَانَ فِى سَفَرِ، فَعَلِمَ أَنْهُ دَاخِلٌ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِهِ وَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ، دَخَلَ وَهُوَ صَائِمٌ. الشرح: وهذا كما قال أمن دخل من سفره إلى أهله فى أول يومه، فإنه إن كان طلع الفجر قبل انقضاء سفره بدخوله إلى أهله، فإنه يستحب له الصوم، قاله مالك فى المختصر؛ لأن المشقة تذهب عنه فى أول يومه بدخوله إلى أهله، فالأفضل له أن يبادر إلى أداء فرضه فى محله وموضعه، فإن لم يصم، فلا شىء عليه غير القضاء، لأنه وقت ٥٩٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦١٨. ٥٩٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦١٩. (١) قال فى الاستذكار ٨٦/١٠: ما ذكره مالك عن عمر فهو المستحب عند جماعة العلماء، إلا أن بعضهم أشد تشديدًا فيه من بعض، وما أعلم أحدًا دخل مسافرًا على أهله مفطرًا كفارة. ٤٠ كتاب الصيام ٠٠ الدخول فى الصوم لم يكن من أهل الحضر الذين يلزمهم الصوم. قَالَ مَالِك: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فِى رَمَضَانَ، فَطَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ، وَهُوَ بِأَرْضِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، فَإِنَّهُ يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ(٢). وهذا كما قال أن ذلك الخارج لسفر لا يخلو أن يفطر قبل خروجه أو بعده، فإن أفطر نهارًا قبل خروجه، فالذى ذهب إليه مالك أنه يكفر، سواء خرج أو لم يخرج، وبه قال أبو حنيفة والشافعی. (٢) قال فى الاستذكار: اختلف العلماء فى الذى يصبح فى الحضر صائمًا فى رمضان ثم يسافر فى صبحية يومه، وذلك هل له أن يفطر فى ذلك اليوم فى سفره أم لا؟. فذهب مالك، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعى: إلى أنه لا يفطر ذلك اليوم. وهو قول الزهرى، ويحيى بن سعيد، والأوزاعى، وأبى ثور. وكلهم قالوا: إن أفطر بعد خروجه ذلك اليوم فليس عليه إلا القضاء. وروى عن المخزومى، وابن كنانة: أنه يقضى، ويكفر، وليس قولهما هذا بشىء ولا له حفظ من النظر ولا سلف من جهة الآثر. وروى عن ابن عمر فى هذه المسألة أنه يفطر فى يومه ذلك إن شاء إذا خرج مسافرًا. وهو قول الشعبى، وأحمد، وإسحاق. قال أحمد: يفطر إذا برز عن البيوت. وقال إسحاق: يفطر حين يضع رجله فى الرحل. وهو قول داود. وروى عن الحسن فى رواية أنه لا يفطر ذلك اليوم إلا أن يشتد عليه العطش، فإن خاف على نفسه أفطر. وقال إبراهيم النخعى: لا يفطر ذلك اليوم. ولم يختلف عن مالك فى الذى يريد السفر: أنه لا يجوز له أن يفطر فى الحضر حتى يخرج. واختلف أصحابه فيه إن فطر قبل أن يخرج. فذكر ابن سحنون، عن الماجشون: أنه إن سافر فلا شىء عليه من الكفارة، وإن لم يسافر فعليه الكفارة. واحتج بما روى عن الحسن البصرى، قال: يفطر فى بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج. وقال أشهب: لا شىء عليه من الكفارة سافر أو لم يسافر. وقال سحنون: عليه الكفارة سافر أو لم يسافر، وهو بمنزلة المرأة تقول: غدًا تأتينى حيضتى فتفطر لذلك، ثم رجع إلى قول عبد الملك، وقال: ليس مثل المرأة؛ لأن الرجل يحدث السفر إذا شاء، والمرأة لا تحدث الحيضة. وقال ابن حبيب: إن كان قد تأهب لسفره، وأخذ فى سبب الحركة فلا شىء عليه. وحكى ذلك عن أصبغ، وابن الماجشون. فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة. قال أبو عمر: هذا ضعفٌ من الذى قاله؛ لأنه إن كانت حركته لسفر وتأهبه له الفطر، وحكمه فى ذلك حكم المسافر وقد وقع أكله مباحًا، وعذره قائم بالعائق المانع فلا وجه للكفارة هنا ولا معنى. وروى عيسى، عن ابن القاسم أنه لا كفارة عليه؛ لأنه متأول فى فطره. قال أبو عمر: هذا أصبح أقاويلهم فى هذه المسألة؛ لأنه غير منتهك لحرمة الصوم، وإنما هو متأول، ولو كان الأكل مع نية السفر يوجب عليه الكفارة؛ لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه. وتأمل ذلك تجده كذلك إن شاء الله. ........... ٤١ کتاب الصيام وقال ابن القاسم فى العتبية: لا كفارة عليه، لأنه متأول. وقال أشهب: لا كفارة عليه، خرج أو أقام، وبه قال سحنون. وروى ابن حبيب عن ابن القاسم وابن الماجشون إن أفطر قبل أن يأخذ فى أهبته للسفر، فعليه الكفارة، وإن أفطر بعد الأخذ فيها فلا كفارة عليه. وقال ابن الماجشون فى غير الواضحة: إن خرج، فلا كفارة عليه، وإن أقام فعليه الكفارة. والدليل على صحة القول الأول أن فطره وجد قبل سبب الإباحة، فوجبت عليه الكفارة کما لو أفطر قبل ذلك اليوم. مسألة: وإن أفطر بعد خروجه، فلا يخلو أن يخرج لسفره قبل الفجر أو بعده، فإن خرج قبل الفجر، فلا خلاف أنه يجوز له الفطر لأنه وقت انعقاد الصوم كان مسافرًا، فكان له الفطر. مسألة: فإن خرج بعد الفجر بعد أن نوى الصوم، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجوز له الفطر، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال القاضى أبو الحسن: إن ذلك على الكراهية. وقال ابن حبيب: يجوز له الفطر، وبه قال المزنى وأحمد وإسحاق. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام﴾ [البقرة: ١٨٧] وهذا أمر مقتضاه الوجوب. ودليلنا من جهة القياس أن هذه عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإذا تلبس بها فى الحضر، ثم سافر كان عليه إتمامها حضرية كالصلاة. فرع: فإن أفطر، فهل عليه كفارة أم لا؟ ذهب مالك إلى أنه لا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة. وقال المغيرة وابن كنانة: عليه الكفارة، وبه قال الشافعى. وجه قول مالك أنه معنى لو قارن أول الصوم لأسقط الكفارة، فإذا طرأ بعد انعقاد الصوم أبطل حكم الكفارة كالمرض. ووجه رواية المغيرة بأن هذا فطر عمد، صادف صومًا قبل السفر، فلم يبطل السفر الكفارة. أصل ذلك إذا أفطر قبل السفر. قَالَ مَالِك فِى الرَّجُلِ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِهِ، وَهُوَ مُفْطِرٌ وَامْرَأَتُهُ مُفْطِرَةٌ حِينَ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا فِى رَمَضَانَ: أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يُصِيبَهَا إِنْ شَاءَ. الشرح: وهذا كما قال أن من أفطر فى رمضان لإباحة السفر، فإن له أن يفطر بقية يومه، وإن دخل الحضر، والمرأة تفطر لأجل حيضتها، فإن لها أن تفطر بقية يومها، وإن طهرت من حيضتها، فإذا جاز لهما الفطر، جاز لهما الجماع. وأصل ذلك أن من أفطر