Indexed OCR Text

Pages 921-940

٤٥٠
كتاب الجنائز
وقال الشافعى: لا يجرد الميت ويغسل على قميصه.
والدليل على ما ذهب إليه مالك أن ما لم يكن عورة من الحى، فليس بعورة من
الميت كالوجه، وإذا لم يكن جسد الميت عورة، فلا معنى لستره بالقميص لأن تجريده
منه أمكن لغسله وأبلغ فى تنقيته. قال أشهب فى كتاب ابن سحنون: وإذا جرد للغسل
لا يطلع عليه إلا الغاسل ومن يليه.
ووجه ذلك أنها حالة لا يجوز للحى أن يطلع عليه فيها غالبًا إلا لضرورة
[ ....... ](١) وحسن الزى فلا يطلع على الميت ما دام عليها إلا لضرورة.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن عورة الميت، كما قال ابن حبيب: من سرته إلى ركبته،
وقد تعلق الفقهاء بذلك لما روى أن النبى ﴾ قال لعلى: ((لا تبرز فخدك، ولا تنظر إلى
فخد حى ولا ميت))(٢). ومن جهة المعنى أن حرمة المسلم باقية بعد موته، ولذلك يستر
بالكفن، فكما لا يجوز النظر إلى عورته قبل الموت، فكذلك بعده.
إذا ثبت ذلك، فقد قال أشهب فى كتاب ابن سحنون: يستر عورته بمنزر ويجعل
على صدره ووجهه خرقة أخرى.
وظاهر قول أصحابنا: أنه لا يستر منه غير عورته على ما تقدم، والله أعلم وأحكم.
= وقال القاضى: يغسل فى قميص واسع [الكمين] حزم به فى الجامع الصغير، والتعليق،
والشريف، وأبو الخطاب فى خلافيهما، وابن البنا وغيرهم.
قال فى مجمع البحرين: اختاره القاضى وسائر أصحابه، والمجد فى شرحه، وابن الجوزى.
انتهى. وهو الذى ذكره ابن هبيرة عن الإمام أحمد.
وقال الإمام أحمد: يعجبنى أن يغسل الميت وعليه ثوب، يدخل يده من تحت الثوب.
فإن کان القميص ضیق الکمین: فتق الدخاریص، فإن تعذر حرده.
قال فى الفروع: اختاره جماعة. وقدمه فى الهداية، والمستوعب، والتلخيص، والرعایتین،
والحاويين.
قال فى البلغة: ولا ينزع قميصه إلا أن لا يتمكن. فيفتق الكم، أو رأس الدخاريص، أو يجرده
ويستر عورته. وأطلقهما فى المذهب.
انظر: المحرر (١٨٣/١). المغنى (٣١٥/٢). الشرح الكبير(٣١٦/٢).
(١) ما بين المعقوفتين بياض فى الأصل.
(٢) أخرجه أبو داود حديث رقم ٣١٤٠. ابن ماجه حديث رقم ١٤٦٠. أحمد فى المسند
حديث رقم ١٢٥٢.

٤٥١٠٠٠٠
.....
كتاب الجنائز
مسألة: ويجعل الغاسل على يديه خرقة كثيفة مطوية مرارًا يتناول بها غسل عورة
الميت ليصل إلى غسله ولا يباشر عورته بيده لأنه نوع من الاطلاع عليها كالنظر إليها،
فإن دعت ضرورة إلى مباشرة ذلك باشر بيده، لأن الضرورة تبيح النظر إلى عورة الحى
للمداوة، فكذلك بعد موته، وهذا إذا غسل الرجال الرجل، والنساء المرأة، وكذلك إذا
غسل أحد الزوجين الآخر، فأما غسل ذوى المحارم المرأة، فسيأتى ذكره بعد هذا إن
شاء الله تعالى.
فصل: وأما ما روى من أن النبى ﴿ غسل فى قميص، فإن صح ذلك فيحتمل أن
يكون ذلك خاصًا له، وقد روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ((لما أرادوا
غسل النبى 48 فقالوا: والله ما ندرى أنجرد رسول الله ﴿﴿ من ثيابه كما تجرد موتانا
أو نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه
على صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: اغسلوا رسول الله
وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﴿ فغسلوه، وعليه قميصه، يصبون فوق
القميص ويدلكون دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمرى ما
استدبرت، ما غسله إلا نساؤه))(٣). وهذا الحديث تفرد به محمد بن إسحاق، والله
أعلم.
٥١٦ - مَالِكِ، عَنْ أَيُوبَ بْنِ أَبِى تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِىِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ،
(٣) أخرجه أبو داود حديث رقم ٣١٤١. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٥٧٧٤.
٥١٦ - أخرجه البخارى فى الجنائز حديث رقم ١٢٥٣. ومسلم فى حديث رقم ٩٣٩. والترمذى
فى الجنائز حديث رقم ٣١٤٢، ٣١٤٥. وابن ماجه فى الجنائز حديث رقم ١٤٥٩. وأحمد
فى المسند حديث رقم ٢٦٧٥٢. والبيهقى فى السنن الكبرى ٧/١ عن أم عطية. وذكره
بنصب الراية ٢٥٦/٢ وعزاه الزيلعى إلى الجماعة عن أم عطية. والترمذى برقم ٩٩٠، ٣٠٦/٣
كتاب الجنائز باب ١٥ عن أم عطية. وابن أبى شيبة ٢٤٢/٣ عن أم عطية.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٦٢/٤: قالت طائفة من أهل السير والعلم بالخبر: إن ابنة
رسول الله # التى شهدت أم عطية غسلها هى أم كلثوم. فالله أعلم.
وقال: وكل من روى هذا الحديث فيما علمت عن مالك فى الموطأ يقولون فيه بعد قوله، أو
أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك ليس فى روايته، ولا فى نسخته فى الموطأ، ولا أعلم أحدا من
أصحاب أيوب أيضا، إلا وقد ذكر هذه الكلمة فى حديثه هذا قوله: ((إن رأيتن ذلك)). وقد
روى هذا الحديث عن أيوب جماعة أثبتهم فيه حماد بن زيد، وابن علية وروايتهما لهذا الحديث
كرواية مالك، سواء إلى آخره إلا أنهما زادا فيه فقالا: ((قال: أيوب وقالت حفصة بنت=

كتاب الجنائز
٤٥٢
عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْتُهُ فَقَالَ:
(ِغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَنْتُنَّ ذَلِكَ(١) بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِى
الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآَذِنْنِى، قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا أَذْنَاهُ،
فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّهُ تَعْنِى بِحِقْوِهِ إِزَارَهُ.
الشرح: قوله: ((اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك))، يقتضى مراعاة الوتر
على كل حال، وأصل ذلك باب الطهارات المشروعة كالوضوء وغسل الإناء من ولوغ
الكلب وغير ذلك، وإلى هذا ذهب مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة: إذا غسل الميت
ثلاثًا، كانت وترًا، فإن زاد الغاسل على ذلك لم يراع الوتر.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك الحديث المتقدم، وهو قوله: ((اغسلنها ثلاثًا أو
خمسًا، فجعل التخيير بين الثلاث والخمس، ولم يذكر ما بينهما من الأربع.
فإن قيل: لفظ الحديث ما يسوى بين ما يزاد على الثلاثة، وهو قوله: ((أو أكثر من
ذلك».
فالجواب أن على قول أبى حنيفة إنما يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، فيجب أن
يكون الضمير فى ذلك راجعًا إلى الخمسة، ويكون قوله: ((أو أكثر من ذلك)) محمولاً
على الوتر، بدليل قوله: ((ثلاثًا أو خمسًا).
وأما على قول مالك، فإن الضمير راجع إلى ما تقدم، فيكون معناه: أو أكثر من
الثلاثة والخمسة، ويحمل على الوتر من وجهين، أحدهما: أن قوله: ثلاثًا أو خمسًا، دليل
على أن المراد بأكثر من ذلك الوتر. والثانى، الإجماع؛ لأنه لا فرق بين الأربعة والستة،
فإذا حمل قوله: ثلاثا أو خمسا، على المنع من الأربع وجب أن تكون الستة كذلك؛ لأن
أحدًا لم يفرق بينهما.
=سيرين، عن أم عطية فى هذا الحديث اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك، إن
رأيتن ذلك، قال: وقالت حفصة: قالت أم عطية مشطناها ثلاثة قرون».
(١) قال النووى: قوله: (إن رأيتن ذلك)): هو بكسر الكاف خطابًا لأم عطية، ومعناه إن
احتجان إلى ذلك وليس معناه التخيير وتفويض ذلك إلى شهوتهن وكانت أم عطية غاسلة
للبنات وكانت من فاضلات الصحابيات واسمها نسيبة بضم النون وقيل بفتحها وأما بنت
رسول الله # هذه التى غسلتها رضى الله عنها فهى زينب هكذا قاله الجمهور وقال بعض
أهل السير إنها أم كلثوم، والصواب زينب كما صرح به فى رواية مسلم. انظر: صحيح مسلم
بشرح النوری کتاب الجنائز باب غسل الميت.

٤٥٣
كتاب الجنائز
وقد روى فى هذا الحديث من طريق صحيح: ((اغسلنها وتراً ثلاثًا أو خمسًا)(٤).
وهذا يبين جميع ما قلناه. ودليلنا من جهة القياس أن هذه طهارة من حدث، فكان الوتر
مشروعًا فيها كالوضوء.
فصل: وقوله: ((أو أكثر من ذلك)) على معنى تفويض هذا الأمر إلى اجتهاد الغاسل،
وقد روی فی هذا الحدیث (أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك)). وقد قال ابن سيرين:
إن معنى ذلك الأمر بالغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شىء فخمسًا، فإن خرج منه شىء
فسبعًا.
فصل: وقوله: (بماء)) الظاهر من قول مالك وأصحابه أنه الماء الطاهر المطهر وقال
الشيخ أبو إسحاق: إنما يكره غسل الميت بماء الورد وماء القرنفل للسرف، وإلا فهو
جائز؛ إذ لا يغسل ليطهر، وإنما هو إكرام للقاء الملكين. قال الشيخ أبو محمد: إن كان
يعنى أنه لا يغسل بغيره من الماء القراح فليس هذا قول أهل المدينة. قال الشيخ أبو
إسحاق: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة. قال الشيخ أبو محمد فى نوادره: لا وجه
لهذا القول عند مالك وأصحابه، وما قاله الشيخ أبو محمد هو المذهب، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((بماء وسدر)) على معنى المبالغة فى الغسل والتنظيف لأن السدر
غاسول، وهذا إذا وجد، فإن عدم فما يقوم مقامه مما يعين على التنظيف والغسل
كالأشنان والنطرون وغيرهما. قال ابن حبيب: فإن لم يجد فبالماء وحده، وإنما يكون
ذلك فى الثانية وما بعدها، فأما الأولى فإنما تكون بالماء وحده، فهذا مذهب مالك.
وقال أبو قلابة: يغسل أولاً بالماء والسدر ثم بالماء وحده، ويحتسب بذلك غسلة
واحدة. وقول مالك: إن الغسل أولاً هو الفرض، فوجب أن يكون بالماء وحده، وما
بعد ذلك فإنما هو على وجه التنظيف والتطبيب فلا يضره ما خالطه مما يزيد فى تنظيفه.
ووجه قول أبي قلابة: إن فرض الغسل إنما يجب أن يكون بعد المبالغة فى تنظيفه من
الأقذار وغيرها كغسل الجنابة.
فصل: وقوله: ((واجعلن فى الآخرة كافورًا)) يريد بذلك تطييب الرائحة وبقاء
(*) قال البخارى بعد ذكر الحديث رقم (١٢٤٥) فقال أيوب، وحدثتنى حفصة مثل حديث
محمد وكان فى حديث حفصة: ((اغسلنها وترا)). وكان فيه: ((ثلاثا أو خمسا أو سبعا). وكان
فيه: أنه قال: ((ابدءوا بميامنها ومواضع الوضوء منها). وكان فيه: أن أم عطية قالت:
((ومشطناها ثلاثة قرون».

٤٥٤
کتاب الجنائز
الطيب فى أن يجعل فى آخر غسلة، وإنما خص الكافور بذلك لأنه أقوى الأرائح الطيبة
مع ما فيه من التجمير ومنع ما فى الميت من النان. وقد قال أشهب: إن عدم أو
عظمت مؤنته طيب الميت بغيره أو ترك.
فصل: وقوله : ((فإذا فرغتن فآذننى)، يريد إذا فرغن من غسلها أن يعلمنه،
ويروى أن النبى * فعل ذلك لقرب عهد الحقو بجسمه، ويكون نقله منه إلى المغسولة
رجاء الخير لها فى ذلك والبركة بإشعارها بثوب كان قريب العهد بجسمه ؟
فصل: وقولها: ((فأعطانا حقوه))(٢)، وأرادت بحقوه: الإزار، وقال: ((أشعرنها إياه))
يريد ﴿ أن يكون ذلك الثوب الذى يلى جسدها من الثياب، وهو الشعار، والذى
فوقه الدثار.
٥١٧ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَّيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرِ
الصِّدِّيقَ حِينَ تُوُفّىَ، ثُمَّ خَرَحَتْ فَسَأَلَتْ مَنْ حَضَرَهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَتْ: إِنِّى
صَائِعَةٌ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ، فَهَلْ عَلَىَّ مِنْ غُسْلٍ؟ فَقَالُوا: لا.
الشرح: قوله: ((إن أسماء بنت عميس امرأة أبى بكر الصديق غسلته)) يدل على
جواز غسل المرأة زوجها بعد وفاته لأن هذا كان بحضرة جماعة الصحابة وموضع لا
يتخلف عنه فى الأغلب أحد منهم، ومثل هذا مما يجزى فيه أن يتحدث به وينتشر ولا
سيما أن أبا بكر رضى الله عنه أوصى بذلك ولم يعلم له مخالف، فثبت أنه إجماع.
قال ابن حبيب: من غير ضرورة وإن كانت قد تزوجت غيره، قال: وكذلك لو
تزوج هو أختها غسلها. قال ابن حبيب: ويغسل أحد الزوجين الآخر، والميت منهما
عريان. قال فى المختصر: ولا يطلع أحدهما على عورة الآخر بل يستر عورته، وكذلك
لو انقضت عدة الزوجة بالوضع قبل غسل زوجها لجاز لها أن تغسله لأن الغسل حكم
من أحكام النكاح كالمواريث.
مسألة: وأما غسل الزوج زوجه، فقال مالك: يجوز، وبه قال الشافعى، ومنع من
ذلك أبو حنيفة. والدليل على ما نقوله أن هذه زوجية كملت بالموت، فلم تمنع الغسل
كما لو مات الزوج.
(٢) حقوه: بكسر الحاء وفتحها لغتان، فسر فى الموطأ بالإزار، وقال النووى: وأصل الحقو
معقد الإزار وسمى به الإزار مجازًا لأنه يشد فيه. انظر: تنوير الحوالك ١٧٢.
٥١٧- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٨٨. ابن أبى شيبة فى المصنف ٢٤٩/٣. المغنى
٥٢٣/٢. كشف الغمة ١٦٣/١.

٤٥٥
كتاب الجنائز
مسألة: وإن كانت مطلقة، فلا يخلو أن تكون رجعية أو بائنًا، فإن كانت رجعية،
فقد روى ابن القاسم عن مالك: ليس له غسلها. وروى عن ابن نافع: له غسلها.
ورواه ابن نافع عن مالك فى الحاوى.
وجه الرواية الأولى، أن هذه مطلقة، فلم يكن للزوج غسلها کالبائن. ووجه الرواية
الثانية، أنها امرأة يرثها الزوج، فكان له غسلها، كالتى لم تطلق وإن كانت مبتوتة لم
يكن له غسلها لأنه لا توارث بينهما كالأجنبية. قال الشيخ أبو محمد: قياس هذا على
قول مالك فى الحى لا يراها حتى يرتجع.
فصل: وقوله: ((فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إنى صائمة))، دليل
على جواز الإخبار بأفعال النفل، إن كان نفلاً أو الإخبار عن قضاء الواجب إن كان
واجبًا إذا تعلق بذلك حكم يحتاج إلى السؤال عنه، وإن لم تكن أسماء من أهل النظر
فحكمها التقليد للصحابة فى هذا الحكم، وإن كانت من أهل النظر، ويحتمل أن تسئل
عنه لخوف فوات الحادثة إذا لم يبين لها الحكم أو ليقوى فى نفسها ما ظهر إليها منه
إن کانت علمته.
فصل: وقولها: ((إن هذا يوم شديد البرد، فهل علىَّ من غسل))، أخبرت بالعلة
المانعة لها من الغسل أو السبب الذى تخاف الضرر به.
وقولهم لها: ((لا))، يحتمل أن يكون جوابًا لها من أن الغسل ليس بواجب على من
غسل ميتا، ويحتمل أن وجوبه أسقطته عنها شدة البرد، إلا أن الذى عليه جمهور
الفقهاء، أن غسل الميت لا يوجب الغسل.
وما روى عن أبى هريرة أن رسول الله ﴿ قال: ((من غسل ميتا فليغتسل، ومن
حمله فليتوضأً(١) ليس بثابت. وقد روى موقوفًا عن أبى هريرة، ولو ثبت لحمل على
الاستحباب ليكون العازم على الاغتسال من غسل الميت يبالغ فى غسله وينبسط ولا
يتحفظ ولا يتقبض إذا لم يين على الاغتسال، وأمر الحامل للميت أن يتوضأ قبل أن
يحمله ليكون على طهارة إذا صلى عليه، فيصلى مع المصلين عليه.
(١) أخرجه بلفظه: الإمام أحمد فى المسند حديث رقم ٩٥٥٣. وفيه: صالح مولى التوأمة، قال
فيه أحمد بن حنبل: صالح ثقة، ما أعلم به بأسا، يحيى بن معين: ثقة خرف قبل موته، ابن
عدى: لا بأس إذا سمعوا منه قديمًا. مالك بن أنس: ضعفه وترك السمع منه. يحيى بن سعيد
القطان: لم يكن بثقة.

٤٥٦
كتاب الجنائز
مسألة: وهل ينجس الماء الذى يغسل به الميت والثوب الذى يجفف به. قال ابن
عبدالحكم: يروى أنه ينجس ذلك الثوب. وقال الشيخ أبو إسحاق: لا يرى أن يصلى
به حتی یغسل ولا بالذی یصیبه من مائه شیء. وقال سحنون: لا ینجس الثوب، وذلك
مبنى على نجاسة الإنسان بالموت، فمن قال: إنه ينجس بالموت، قال بنجاسة ذلك،
ومن قال: لا ينجس بالموت، حكم بطهارتهما، وهو الذى اختاره القاضى أبو الحسن.
مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا مَاتَتِ الْمَرَّأَةُ وَلَيْسَ مَعَهَا نِسَاءٌ يُغْسِّلْنَهَا
وَلَا مِنْ ذَوِى الْمَحْرَمِ أَحَدٌ يَلِى ذَلِكَ مِنْهَا، وَلا زَوْجٌ ◌َِى ذَلِكَ مِنْهَا، يُمِّمَتْ فَمُسِحَ
بِوَجْهِهَا وَكَفِيْهَا مِنَ الصَّعِيدِ.
الشرح: وهذا كما قال أن المرأة إذا توفيت، وكان معها نساء يلين ذلك منها
غسلنها، فإن لم يكن معها نساء، وكان معها رجال من ذوى محارمها، فظاهر قوله:
((لا من ذوى المحرم أحد»، يقتضى أن ذا المحرم يغسلها. وقال ابن القاسم: يغسلها
فى قميصها. وقال أشهب عن مالك: يممها وإذا غسلت ذات المحرم الرجل غطت
عورته لأن جسده ليس بعورة.
فرع: فإذا قلنا: يغسلها ذو المحرم، فصفة غسلها فى قول مالك أن تغسل فى
قميصها. وقال ابن حبيب: تغسل وعليها ثوب يجافيه عنها ويصب الماء من تحت الثوب
لئلا يلصق الثوب بجسدها فيصفها.
وقول مالك مبنى على أنه راعى لمس جسدها بيده. وقول ابن حبيب مبنى على
مراعاة بصره ومنعه من أن يدرك شيئًا من حجم جسدها.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأفضل عندى أن يجمع بين القولين فيلقى
الماء من تحت الثوب على ما قاله ابن حبيب، ويجافى الثوب عن جسدها ويكون على
يديه خرقة يغسل بها جسدها تمنع يده من مباشرة شىء من جسدها.
فصل: وقوله: ((يممت فمسح بوجهها وكفيها من الصعيد)، على ما قاله، أنه إذا لم
يكن معها من يحل النظر إليها فباشر غسلها من النساء أو من ذوى محارمها يممت
بالصعيد لأن هذا الطهور على معنى العبادة فى جسد الإنسان، فكان بدله التيمم عند
تعذره ويختص التيمم بوجهها وكفيها لأن الوجه والكفين مما يجوز النظر إليه، وليس
بعورة من المرأة، وأما الذراع فعورة، وفرض التيمم لا يتعلق بالذراع فقصر على الفرض
الذی ليس بعورة.

٤٥٧
كتاب الجنائز
قَالَ مَالِك: وَإِذَا هَلَكَ الرَّجُلُ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلا نِسَاءٌ يَمَّمْنَهُ أَيْضًا.
الشرح: وهذا كما قال أن المرأة لما منع الرجال من النظر إلى جسدها ومباشرته
بأيديهم فكذلك يمنع النساء من النظر إلى جسد الرجل ومباشرته بأيديهن إلا أن يكن
من ذوى محارمه فيغسلنه عريانا ويسترن عورته. قال ابن القاسم وابن حبيب: وقال
سحنون: یغسلنه فی قميصه.
وجه الرواية الأولى، ما روى عن أنس أن رسول الله ! كان يدخل على أم حرام
فتفليه وتطعمه. ومن جهة المعنى أن جسد الرجل ليس بعورة، ولذلك أبيح له كشف
جسده بحضرة ذوات محارمه من النساء، وإنما أمر بستر المرأة لأن جسدها عورة. ووجه
الرواية الثانية، أن لمس المرأة الرجل ممنوع.
مسألة: فإن کن أجنبیات یممنه على ما ذكر. قال ابن القاسم: يممن وجهه ويديه
إلى المرفقين لأن ذراعى الرجل ليستا بعورة، فتوصل إليهما الطهارة.
قَالَ مَالِك: وَلَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ عِنْدَنَا شَىْءٌ مَوْصُوفٌ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ صِفَةٌ
مَعْلُومَةٌ، وَلَكِنْ يُغَسَّلُ فَيُطَهَّرُ.
الشرح: وهذا كما قال أنه ليس لغسل الميت صفة لا يجوز أن تتعدى، فتكون شرطًا
فى صحة غسله، ولكن الغرض من ذلك تطهيره، ويستحب أن يبدأ فى المرة الأولى من
غسله فيصب عليه الماء ويبدأ بغسل رأسه ولحيته، ثم يجسده يبدأ بشقه الأيمن ثم
بالأيسر لما روى عن النبى ﴿ أنه قال فى غسل ابنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء
منها»(٢) .
مسألة: ويستحب أن يوضئه الغاسل خلافًا لأبى حنيفة. والدليل على ذلك ما روى
عن النبى 8 أنه قال: ((ابدأن يميامنها ومواضع الوضوء منها)، ومعنى ذلك عند مالك أن
يبدأن بمواضع الوضوء منها عند الغسل الذى هو محض العبادة لا فى غسل الجسد مما به
أذى أو غيره.
وقال أشهب: توضأ فى الغسلة الأولى. وقال ابن حبيب: فى الثانية.
(٢) أخرجه البخارى حديث رقم ١٦٧. مسلم حديث رقم ٩٣٩. الترمذى حديث رقم
٩٩٠. النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٨٨٤. أبو داود حديث رقم ٣١٤٥. أحمد فى
المسند حديث رقم ٢٦٧٥٧.

٤٥٨
كتاب الجنائز
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أن معنى ذلك إن كانت الغسلة
الأولى لإزالة ما به من أذى أو غيره إن توضأ بعد الفراغ منها، وهو عند الشروع فى
الثانية، والله أعلم. ومن جهة المعنى أن هذا الجسد لغير نجاسة فشرع فيه الوضوء
کغسل الجنابة.
مسألة: وقال أشهب: يعاد وضوؤه فى الثانية، وأنكر ذلك سحنون وينبغى على
قول أشهب أن لا يكرر وضوؤه فى أول مرة ثلاثًا، فيعاد الوضوء، فيكون ذلك
تكراره. ومن قال من أصحابنا: لا يعاد وضوؤه، اقتضى أن يوضأ ثلاثًا، وبالله التوفيق.
مسألة: ويمضمض الميت ويدخل الماء فى فيه، قال ابن حبيب: وقال أشهب: ويأخذ
على إصبعه خرقة ويدخلها فى فمه لتنظف أسنانه وينقى أنفه ووجهه لأن هذا من
طهارة الحى، فجاز أن يفعل بالميت كسائر الوضوء.
فصل: وإن كان المغسول امرأة، فقد قال ابن حبيب: لا بأس أن يضفر شعرها.
وقال ابن القاسم: يعمل فى شعر المرأة بما شاءوا من لفه، وأما الضفر فما أعرفه،
ويحتمل أن يريد لا أعرفه من أحكام الغسل الذى لابد منها، والصواب أنه يستحب
لقول أم عطية فى غسل بنت النبى ﴿: ((فضفرنا شعرها ثلاث قرون، فألقيناها
خلفها))، ولعل ابن القاسم تعلق فى ذلك بأن هذا أمر يمكن أن يخفى عن النبى
﴾ ولا
يطلع عليه، والأول أظهر، والله أعلم.
مسألة: ولا يقلم للميت ظفر ولا يحلق له شعر ولا ينتف خلافًا لأبى حنيفة، وأحد
قولى الشافعى، وبقولنا قال المزنى.
والدليل على ذلك أن هذا قطع جزء متصل بالميت، فلم يكن مشروعًا، أصل ذلك
الختان، ويزال الوسخ من أظفاره وغير ذلك من ظاهر جسده لأنها نظافة له دون قطع
شىء من جسده. قال أشهب: وما سقط من جسده من شعر أو غيره جعل فى أكفانه.
*
ما جاء فى كفن الميت
٥١٨ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ﴾
أَنَّ
٥١٨- أخرجه البخارى فى الجنائز حديث رقم ١٢٦٤. ومسلم الجنائز حديث رقم ٩٤١.
والترمذى فى الجنائز حديث رقم ٩١٧. والنسائى فى الصغرى فى الجنائز حديث رقم=

٤٥٩
كتاب الجنائز ..
رَسُولَ اللّهِ وَ كُفِّنَ فِى ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ.
الشرح: قوله: ((إن رسول الله ﴿﴿ كفن فى ثلاث أثواب))، المستحب من الكفن
الوتر؛ لأن النبى ﴿ كفن فى ثلاثة أثواب، فكره أن يقصر عنها مع القدرة عليها أو
يزاد عليها إلا إلى وتر. قال ابن حبيب: وثلاثة أثواب أحب إلى من أربعة، وثوبان أحب
إلى من ثوب.
ووجه ذلك أن الزائد على الثلاثة إنما هو للاحتياط والمبالغة، ولا يكون ذلك إلا مع
الوتر الذى هو فضل والنقصان من الثلاثة إنما يكون للضرورة والتقصير عن الكفاية، فلا
يقصر عما يقدر عليه منه.
فصل: وقوله: ((بيض))، البياض أفضل ألوان الكفن استنانًا بكفن النبى ﴿، قال ذلك
أشهب. وقد روى عن سمرة أن النبى ﴾، قال: ((البسوا من ثيابكم البياض، فإنها
أطهرو أطيب وكفنوا فيها موتاكم»(٦).
مسألة: وكره مالك أن يكفن رجل أو امرأة فى معصفر إلا أن لا يوجد غيره، رواه
عنه ابن القاسم. وروى عنه ابن زياد: لا بأس به وبالمزعفر للرجال والنساء.
وجه الكراهية أن هذه الألوان إنما هى للجمال، وليس الكفن بموضع تجمل. ووجه
رواية على ابن زياد، أن ما جاز من اللباس حال الحياة، فإنه يكفن فيه بعد الممات
کالأبيض.
فصل: وقوله: ((سحولية))(١)، قال ابن بكير: هى منسوبة إلى سحول بلد باليمن.
= ١٨٩٦، ١٨٩٧، ١٨٩٨. وأبو داود فى الجنائز حديث رقم ٣١٥١. وابن ماجه فى الجنائز
حديث رقم ١٤٦٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٦٠٢، ٢٤١٠٤، ٢٤٤٨٤،
٢٤٧٩٥، ٢٥٤١٨.
قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٦٩/٤: هذا أثبت حديث يروى فى كفن الرسول
، وهو
الأصل فى كفن الرجل الميت، وقد روى أن النبى ﴿ كفن فى ثوب حبرة، وقد روى أنه
كفن فى ريطتين وبرد نجرانى، وهذا غير صحيح؛ لأن عائشة قالت: أخر عنه البرد.
(*) أخرجه الترمذى حديث رقم ٩٩٤. النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٨٩٦. أبو داود
حديث رقم ٣٨٧٨. أحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٢٠.
(١) قال النووى بفتح السين وضمها والفتح أشهر، وهو رواية الأكثرين. انظر: صحيح مسلم
بشرح النوری كتاب الجنائز باب كفن الميت.
وقال السيوطى فى تنوير الحوالك ١٧٣: قال ابن الأعرابى وغيره: هى ثياب بيض نقية لا
تكون إلا من القطن، وقال ابن قتيبة: ثياب بيض ولم يخصها بالقطن.

٤٦٠
كتاب الجنائز
وقال ابن حبيب: إنها منسوبة إلى القطن لأن السحول ثياب القطن والأمران راجعان إلى
معنى واحد لأن ثياب اليمن إنما هى من القطن. وقال ابن وهب: السحول قطن ليس
بالجيد، وأفضل الكفن القطن والكتان استئانًا فى القطن بالنبى ﴿ والكتان يجرى مجراه
لأنهما من نبات الأرض ومما يلبس غالبًا لغير معنى المباهاة. وأما الحرير فإن مالكًا كرهه
للرجال والنساء. وقال ابن حبيب: لا بأس به النساء.
وجه القول الأول أن الحرير إنما هو للمباهاة والجمال وليس الكفن بموضع مباهاة
ولا تجمل. ووجه ما قاله ابن حبيب أن هذا من لباسها المباح لها كالقطن وكرهت
المغالاة فى الكفن لأنه من باب المباهاة، وهو ممنوع فى الكفن.
فصل: وقوله فى الحديث: ((ليس فيها قميص ولا عمامة))(٢)، يحتمل أمرين،
أحدهما: أنه لم يكن فى كفنه جملة قميص ولا عمامة، وإنما كان جميع ما كفن فيه
ثلاثة أثواب. والثانى: أنه كفن فى ثلاثة أثواب لم يعتد فيها بقميص ولا عمامة، وإن
کان ذلك من جملة ما کفن به.
وقد اختلف العلماء فى ذلك فروى ابن حبيب وابن القاسم عن مالك، أن الميت
يقمص ويعمم، وبه قال أبو حنيفة. وقال القاضى أبو الحسن: إن مذهب مالك أنه غير
مستحب. وقد رواه يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: أن المستحب أن لا يقمص ولا
يعمم، ونحا به نحو المنع، وبه قال الشافعى.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والأظهر عندى جوازه. والأصل فى ذلك
ما روى جابر بن عبدالله قال: ((أتى رسول الله ﴿﴿ عبدالله بن أبى، وقال: ما أدخل
حفرته، فأمر به، فأخرج فوضعه على ركبتيه وألبسه قميصه، ونفث عليه من ريقه(*)»،
والله أعلم. و کان کسا عباسًا قميصًا.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن المستحب عند مالك من الكفن خمسة أثواب قميص
(٢) قال النووى: أى كفن فى ثلاثة أثواب غيرهما، ولم يكن مع الثلاثة شىء آخر هكذا
فسره الشافعى وجمهور العلماء، وهو الصواب الذى يقتضيه ظاهر الحديث. قالوا ويستحب أن
لا يكون فى الكفن قميص ولا عمامة، وقال مالك وأبو حنيفة: يستحب قميص وعمامة،
وتأولوا الحديث على أن معناه ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة وإنما هما زائدان عليها.
انظر: شرح النووى كتاب الجنائز باب كفن الميت، وتنوير الحوالك ١٧٣.
(*) أخرجه البخارى فى صحيحه حديث رقم ١٣٥٠، ٥٧٩٥. مسلم حديث رقم ٢٧٧٣.
النسائى فى الصغرى حديث رقم ١٩٠١، ٢٠١٩. أحمد فى المسند حديث رقم ١٤٦٥٧.

............. ٤٦١
كتاب الجنائز
وعمامة ومئزر وثوبان يدرج بعد ذلك، فيجوز أن يضاف المنزر إلى الثوبين فى العدد
لأنه من جنسهما، والمرأة مثل ذلك مئزر وثوبان ودرع وخمار، والزيادة فى كفن الميت
على الخمسة إلى السبعة لا بأس به لحاجة ما إلى الستر، وهذا على مذهب مالك، فأما
على رأى ابن القاسم فإن الرجل يدرج فى الثلاثة الأثواب إدراجًا، وتزاد المرأة على
ذلك منزرًا وخمارًا لحاجة ما إلى الستر.
مسألة: وعمامة الميت على حسب عمامة الحى، رواه مطرف عن مالك، يجعل منها
تحت لحيته ويترك منها قدر الذراع ذؤابة تطرح على وجهه، وكذلك يفعل من خمار
الميتة لأنه منزلة العمامة للرجال.
٥١٩ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ قَالَ: بَلَغَنِى أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ قَالَ
لِعَائِشَةَ، وَهُوَ مَرِيضٌ: فِى كَمْ كُفْنَ رَسُولُ اللّهِ ﴿؟ فَقَالَتْ: فِى ثَلاثَةٍ أَنْوَابٍ بِیضٍ
سُحُولِيَّةٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: خُذُوا هَذَا الثّوْبَ لَِّوْبٍ عَلَيْهِ قَدْ أَصَابَهُ مِشْقٌ أَوْ زَغْفَرَانٌ
فَاغْسِلُوهُ ثُمَّ كَفْنُونِى فِيْهِ مَعَ ثَوْبَيْنِ آخَرَيْنِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
الْحَىُّ أَحْوَجُ إِلَى الْحَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتٍ، وَإِنَّمَا هَذَا لِلْمُهْلَةِ.
الشرح: سؤاله رضى الله عنه عائشة لما كانت أعلم الناس بأمره ﴿ لأنه مات فى
يومها وفى بيتها ووليت أمره واهتبلت به، فكان يرجع فى ذلك إليها، وسألها أبو بكر
رضى الله عنه فى مرضه استعدادًا للموت، ولتنظر فى كفنه وأمره ويجرى ذلك كله
على اختياره من الاقتداء برسول الله (#
وقوله: ((خذوا هذا الثوب، لثوب عليه))، وصية منه بأن يكفن فى ثوب لبيس، وهو
جائز فى الكفن، ولا خلاف فى جواز التكفين فى خلق الثياب إذا كانت لها لمة من
القطع وساترة له، ويحتمل أن يكون أوصى أن يكفن فيه لأنه قد لبسه فى مواطن
الحروب مع النبى 19 أو أحرم فيه.
وقد قال ابن حبيب: إن مثل هذا مستحب للحديث المتقدم ((أن النبى 498 أعطى
٥١٩ - أخرجه البخارى فى الجنائز حديث رقم ١٢٦٤. ومسلم فى حديث رقم ٩٤١. والترمذى
فى الجنائز حديث رقم ٩١٧. والنسائى فى الصغرى فى الجنائز حديث رقم ١٨٩٦، ١٨٩٧،
١٨٩٨. وأبو داود فى الجنائز حديث رقم ٣١٥١. وابن ماجه فى الجنائز حديث رقم
١٤٦٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٦٠٢، ٢٤١٠٤، ٢٤٣٤٨، ٢٤٤٨٤، ٢٤٧٩٥،
٢٥٤١٨.

٤٦٢
كتاب الجنائز
حقوه أم عطية الأنصارية وأمرها أن تشعره ابنته)) وهذا يقتضى أن وصية الميت معتبرة
فى كفنه وغير ذلك من أمره إذا وافق سنة وصوابًا، فإن أوصى بسرف، فقد روى على
بن زياد عن مالك يكفن منه بالقصد. ووجه ذلك أن الوصية إذا تعدت إلى ما نهى
اقتصر منها على المباح الجائز كالزيادة على الثلث.
مسألة: فإن لم يوص الميت بشىء وتشاح الورثة، لم ينقص من ثلاثة أثواب من
جنس ما كان يلبس فى حياته. قال الشيخ أبو إسحاق: لأن الزيادة عليها والنقص منها
خروج به عن عادته، والله أعلم وأحكم.
فصل: وقوله: ((فاغسلوه))، يحتمل أن يكون ذلك لشىء علمه فيه، وإلا فإن الثوب
اللبيس لا يقتضى لبسه وجوب غسله، قاله سحنون. وربما كان الجديد أحق بالغسل
منه ويحتمل أن يكون أمر بالغسل للحمرة التى كانت فيه لما أخبر أن النبى (18 كفن فى
ثلاثة أثواب بيض.
وقول عائشة: ((وما هذا) تريد أن ذلك الثوب لم يصلح عنده لكفنه، وأرادت أن
يكفن فى جديد أو فى غيره مما هو أفضل، فقال رضى الله عنه: ((إن الخى أحق بالجديد
من الميت))، لما يلزمه فى طول عمره من اللباس وستر العورة، وأما الميت فإن تغيره
سريع، ولذلك قال: (إنما هو للمهبلة(١)، تريد الصديد والقيح، يعنى أنه ليس لتجمل
ولا لاستدامة، وإنما يصير عن قريب إلى التغير بالصديد، فلا معنى لكونه جديدًا، هكذا
رواه يحيى للمهلة، بكسر الميم، ويروى للمهل. وقال ابن الأنبارى: لا يقال: المهلة
بالكسر، ورواه ابن عبيد، وإنما هما للمهل والتراب، والمهل الصديد.
٥٢٠ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْهُ قَالَ: الْمَيِّتُ يُقَمَّصُ وَيُؤَزَّرُ وَيُلَفُّ فِى الثَّوْبِ
(١) قال فى النهاية: يروى بضم الميم وكسرها وهى القيح والصديد الذى يذوب فيسيل من
الجسد ومنه قیل للنحاس الذائب مهل.
وقال ابن عبدالبر فى التمهيد ٢٧٢/٤: قال: ابن حبيب: المهلة - بكسر الميم - صديد الجسد
والمهلة - بضم الميم - التمهل عكر الزيت، ومنه قوله عز وجل: ﴿بماء كالمهل﴾، والمهلة، بضم
الميم، المتمهل.
٥٢٠- انفرد به مالك. وأخرجه من طرق أخرى ابن أبى شيبة عن ابن عمر، ١٩٥/٣.
وقال السيوطى فى تنوير الحوالك ١٧٤: كذا رواه يحيى وهو وهم وصوابه عن عبد الله بن
عمرو.

٤٦٣
..
....
كتاب الجنائز ..
الثّالِثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلا تَوْبٌ وَاحِدٌ كُفِّنَ فِيهِ.
الشرح: قوله: ((يقمص))، يريد يلبس القميص ويشد عليه المئزر، وهذا يؤيد ما
ذكرنا من مذهب مالك فى القميص والمئزر.
وقوله: ((ويلف فى الثوب الثالث))، يقتضى أن كفته ثلاثة أثواب وأن الثالث منها
یلف به.
فصل: وقوله: ((فإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه))، يريد أن ما ذكر أولا هو
المستحب عنده لمن وجد، فإن لم يجد إلا ثوبًا واحدًا اجتزا به. والأصل فى ذلك ما
روى عن عبدالرحمن بن عوف أنه قال: قتل مصعب بن عمير وكان خيرًا منى، فلم
يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة وخلق نمرة (١)، ورجل آخر خير منى، فلم يوجد ما
یکفن فیه إلا بردة.
المشى أمام الجنازة
٥٢١ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا
يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ وَالْخُلَفَاءُ هَلُمَّ حَرًّا(١) وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
(١) أخرج نحوه ابن أبى شيبة ٢٦٠/٣ عن خباب.
٥٢١- أخرجه الترمذى فى الجنائز حديث رقم ٩٢٨، ٩٢٩، ٩٣٠، ٩٣١. والنسائى فى الصغرى
فى الجنائز حديث رقم ١٩٤٣، ١٩٤٤. وأبو داود فى الجنائز حديث رقم ٣١٧٩. وابن
ماجه فى الجنائز حديث رقم ١٤٨٢، ١٤٨٣.
قال ابن عبد البر فى المهيد ٢٧٤/٤: هكذا هذا الحديث فى الموطأ مرسل عند الرواة عن مالك
للموطأ، وقد وصله عن مالك قوم منهم: يحيى بن صالح الوحاظى، وعبدالله بن عوف الخراز،
وحاتم بن سالم القزاز.
(١) قال السيوطى فى تنوير الحوالك ١٧٤: قال الشيخ جمال الدين بن هشام هذا كلام
مستعمل فى العرف كثيرًا، وذكره الجوهرى فى صحاحه، فقال: تقول كان ذلك عام كذا
وهلم جرًا إلى اليوم، وفى العباب للصغانى مثله.
وقال ابن الأنبارى فى كتاب الزاهر: معنى هلم جرا سيروا على هيئتكم أى تثبتوا فى سيركم
ولا تجهدوا أنفسكم. قال: وهو مأخوذ من الجر وهو أن تنزل الأبل والغنم ترعى فى السير.
انتھی باختصار.

..
٤٦٤
كتاب الجنائز
الشرح: قوله: ((كانوا يمشون أمام الجنازة))، دليل على أن ذلك سنة المشى معها لأن
مثل هذا اللفظ لا يستعمل إلا فيما يتكرر ويستدام ويواظب عليه، وإذا كان ذلك من
فعل النبى 18 والخلفاء بعده، ثبت أنه مشروع ولا يصح أن يحمل على الإباحة لأن ذلك
ليس بقول لأحد؛ لأن الناس بين قائلين قائل يقول: إن ذلك سنة مشروعة، وبه قال
مالك والشافعى وابن حنبل. وقائل يقول: إن ذلك ممنوع، وإن السنة المشى خلفها، وبه
قال أبو حنيفة.
والدليل على ما نقوله الحديث المتقدم، وقد ذكر أصحابنا فى ذلك معانى ليست
بالقوية منها أن الناس شفعاء له والشفيع يمشى بين يدى المشفوع، وهذا حكم الرجال
فأما النساء فیمشین من وراء الجنازة لأن ذلك أستر لهن، قاله ابن نافع.
مسألة: ويكره الركوب فى المشى مع الجنازة، قاله مالك، ولا بأس به فى
الانصراف، قاله ابن حبيب.
ووجه ذلك أن المشى مع الجنازة فعل بر وموضع تواضع ومشى إلى صلاة، كالمشى
إلى الجمعة والرجوع فليس بعبادة فى نفسه، والركوب فيه مطلق كالركوب للمنصرف
من الجمعة.
فرع: فإن ركب إلى الجنازة فحكمه أن يمشى خلف الجنازة والنساء خلفه، قاله
الشيخ أبو إسحاق.
ووجه ذلك أنه قد خالف السنة فى مسيره، فلم يكن له أن يماشى من على السنة،
فيظهر مخالفته وأذيته بدابته، فكان موضع سيره خلف الجنازة وأما النساء ليستترن منه،
والله أعلم.
٥٢٢ - مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنْهُ
أَخْبُرَهُ أَنْهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقْدُمُ النّاسَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ فِى حَنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ
جَحْشٍ.
٥٢٢- أخرجه أبو داود برقم ٣١٨٠، ٢٠٢/٣ كتاب الجنائز باب المشى أمام الجنازة عن المغيرة بن
شعبة. وأحمد ٢٤٩/٤ عن المغيرة بن شعبة. والبيهقى فى السنن الكبرى ٨/٤ عن المغيرة بن
شعبة. والحاكم فى المستدرك ٣٦٣/١ عن المغيرة بن شعبة. وابن أبى شيبة ٢٨٠/٣ عن المغيرة
ابن شعبة. والبغوى بشرح السنة ٣٣٤/٥ عن المغيرة بن شعبة. وذكره فى الكنز برقم
٤٢٣٣٥ وعزاه السيوطى إلى أحمد وأبى داود والترمذى والحاكم فى المستدرك عن المغيرة بن
شعبة.

٤٦٥
كتاب الجنائز .
الشرح: قوله: ((إنه رأى عمر بن الخطاب يقدم الناس أمام الجنازة)) على نحو ما
ذكرناه من رواية ابن شهاب، وزاد فى هذا أنه بين أنه مما كان يأمر به ويأخذ الناس
بالتزامه والعمل به، وقد فعل ذلك عمر بحضرة الصحابة لاسيما فى مثل جنازة زينب
بنت جحش زوج النبى 48، فإنه لا يتخلف عنها أحد إلا لعذر، ثم لم يثبت فى ذلك
إنكار من أحد، فثبت أنه إجماع.
٥٢٣ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَبِى قَطُ فِى جَنَازَةٍ إِلا
أَمَامَهَا، قَالَ: ثُمَّ يَأْتِى الْبَقِيعَ، فَيَجْلِسُ حَتَّى يَمُرُّوا عَلَيْهِ.
الشرح: قوله: ((ما رأيت أبى قط فى جنازة إلا أمامها)، يقتضى مداومة عروة على
ذلك اقتداء بما روى فى ذلك عن النبى ، وعن أبى بكر وعمر فأخبر هشام أنه لم ير
أباه قط فى جنازة إلا أمامها، وهذا يدل على اعتماده ذلك وقصده إليه.
فصل: وقوله: ((ثم يأتى البقيع))، يريد مقبرة المدينة ((فيجلس حتى يمروا عليه))، يريد
أن جلوسه كان على طريقهم إلى القبر إذا كان يتقدمهم لسرعة سيره وإبطائهم وسرعة
السير بالجنازة مستحب. والأصل فى ذلك ما روى عن النبى # أنه قال: ((اسرعوا
بجنائز كم، فإنما هو خير تقدمونها إليه أو شر تضعونه عن رقابكم))(١) .
فصل: وقوله: ((فيجلس حتى يمروا عليه))، يريد أنه إنما كان يجلس ببعض الطريق،
ولو كان يجلس بموضع القبر لقال: فيجلس حتى يلحقوا به. وقد روى عن النبى فـ
المنع من الجلوس حتى توضع الجنازة ثم نسخ بعد، وروى عن على بن أبى طالب أنه
قال: قام رسول الله 4 ثم قعد.
٥٢٤ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنْهُ قَالَ: الْمَشْىُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ مِنْ خَطَأَ السُّنَّةِ.
الشرح: قوله: (من خطأ السنة)، السنة ما رسم ليجرى، عليه ولا يطلق فى الشرع
إلا على جواب الفعل، فيحتمل أن يريد به من مخالفة السنة، وأن الفاعل لذلك قد أخطأ
السنة وخالفها، ويحتمل أنه يريد أنه من خطأ أهل السنة وأن من أهل السنة من قد
أخطأ فى ذلك(١).
٥٢٣- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢١٨/٨.
(١) أخرجه مالك فى الموطأ حديث رقم ٥٧٤، وسیأتی تخريجه.
٥٢٤- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢١٨/٨.
(١) قال فى الاستذكار ٢١٩/٨: أورد مالك فى هذا الباب السنة وعمل الخلفاء بذلك ومن
بعدهم واشتهار بذلك بالمدينة عندهم حتى جعله ابن شهاب مع علمه بآثار من مضى سنة
مسنونة وجعل ما خالفها خطأ. وهذا كله خلاف ما ذهب إليه أهل العراق من الكوفيين-

٤٦٦
كتاب الجنائز
-وغيرهم فأجازوا المشى خلفها وعن يمينها وعن يسارها وأمامها. واختلف العلماء فى
الأفضل، فقال مالك والليث والشافعى وأصحابهم: السنة المشى أمام الجنازة وهو الأفضل، وبه
قال أحمد بن حنبل. وقال الثورى: لا بأس بالمشى بين يدها وخلفها وعن يمينها وشمالها إلا أن
المشى عندهم خلفها أفضل. وحجة هؤلاء ومن قال بقولهم حديث عبد الرحمن بن أبزى، قال:
كنت أمشى مع على فى جنازة وهو آخذ بيدى وهو يمشى خلفها، وأبو وعمر يمشيان أمامها
فقلت له ذلك، فقال: إن أفضل الماشى خلفها على الماشى أمامها كفضل صلاة المكتوبة على
صلاة النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك ولكنهما يسهلان على الناس. وقد ذكرنا إسناده فى
التمهید من حديث عبد الرزاق وغيره عن الثوری. قال عبد الرزاق: وبه يأخذ الثوری. وروى
أبو سعيد الخدرى عن على مثله معناه، وزاد: قال لى على: يا أبا سعيد: إذا شهدت جنازة
فقدمها بين يديك، واجعلها نصب عيينك، فإنما هى موعظة وتذكرة وعبرة. ومن حديث ابن
مسعود أنه كان يقول: سألنا رسول اللـه ل عن السير بالجنازة؟ فقال: ((الجنازة متبوعة
وليست بتابعة وليس معها من تقدمها)). ومن حديث المغيرة بن شعبة عن النبى 8 # قال:
(الراكب يسير خلف الجنازة، والماشى يمشى خلفها وأمامها وعن يمنيها ويسارها قريبًا منها)).
ومن حديث أبى هريرة أن النبى ﴿ قال: أمشوا خلف الجنازة)). فهذا ما جاء من الآثار
المرفوعة فى هذا الباب. وهى كلها أحاديث كوفية لا يقوم بأسانيدها حجة، وقد ذكرناها
بأسانيدها وعللها فى التمهيد.
وروى عن أنس بن مالك، ومعاوية بن قرة، وسعيد بن جبير أنهم كانوا يمشون خلف الجنازة.
وروى عن نافع مولى ابن عمر أنه قال: قلت لابن عمر: كيف المشى فى الجنازة؟ فقال: أما
ترانى أمشى خلفها. فهذا يعارضه حديث ابن شهاب المذكور فى هذا الباب، وحديث أهل
المدينة أثبت والله أعلم.
وأما الصحابة، رضى الله عنهم، فروى عن عثمان، وطلحة، والزبير، وابن عباس، وأبى هريرة،
والحسن بن على، وابن الزبير، وأبى أسيد الساعدى، وأبى قتادة الأنصارى أنهم كانوا يمشون
أمام الجنازة. وروى ابن وهب عن يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد بن
المنكدر، قال: ما رأيت أحدا ممن أدركت من أصحاب رسول اللـه و﴿ إلا وهم يمشون أمام
الجنازة حتى أن بعضهم لينادى بعضًا ليرجع إليهم. ذكر ابن المبارك عن موسى الجهنى، قال:
سألت عبد الرحمن بن أبى ليلى عن المشى بين يدى الجنازة، فقال: كنا نمشى بين يدى الجنازة
مع أصحاب رسول الله ﴾ے فلا يرون بأسًا.
وأما التابعين فروى عن السائب بن يزيد، وعبيد بن عمير، وشريح القاضى، والأسود بن يزيد،
وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسليمان بن
يسار، وسائر الفقهاء السبعة المدنيين، وبشر بن سعيد، وعطاء بن يسار، وابن شهاب، وربيعة،
وأبى الزناد أنهم كانوا يمشون أمام الجنازة. وذكر هشيم عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال لأبى=

٤٦٧
کتاب الجنائز
النهى عن تتبع الجنازة بنار
٥٢٥ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ أَنْهَا قَالَتْ
لأَهْلِهَا: أَحْمِرُوا ثِيَامِى إِذَا مِتُّ، ثُمَّ خَبِّطُونِى، وَلا تَذُرُّوا عَلَى كَفَنِى حِنَاطًا، وَلا
تُعُونِى بِنَارٍ.
الشرح: قولها: ((أجمروا ثيابى)، يحتمل أن يكون ذلك منها على وجه التعليم بالسنة
على وجه الأمر ببلوغها والتحذير من التقصير عنها، ويحتمل أن يكون على وجه
الوصية لمن قد علم جواز ذلك وجواز غيره، وتريد بقولها: ((أجمروا ثيابى))، تجميرها
بالعود وغير ذلك مما يتبخر به. والأصل فى ذلك أن الميت يحتاج إلى تطييب ريحه وريح
كفنه، فإن ذلك من إكرامه وصيانته لئلا تظهر منه ريح مكروهة، ولذلك شرع فى
غسله الکافور لیطیب ریحه ولتخفی ریح کریھة إن کانت.
فصل: وقولها: ((ثم حنطونى))، الحنوط ما يجعل فى جسد الميت وكفنه من الطيب
والمسك والعنبر والكافور وكل ما الغرض منه ريحه دون لونه لأن المقصود منه ما ذکرنا
من الرائحة دون التجمل باللون.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فموضع الحنوط، قال أشهب: إن جعل الحنوط فى لحيته
ورأسه فواسع. وقال ابن حبيب: يجعل الكافور على مساجده ووجهه و کفیه ور کیتیه
وقدميه، ويجعل فى مسامه وعينيه وفمه وأذنيه ومنخريه، وعلى القطن الذى يجعله بين
فخذيه ويجعل بين أكفانه كلها ولا يجعل على ظاهر كفنه.
وجه ذلك أن الحنوط يجعل من أعضائه فيما يكرم وهو مواضع السجود وفيما تيقن
=وائل: أكان أصحابك يمشون أمام الجنازة؟ قال: نعم.
قال أبو عمر: المشى أمام الجنازة أكثر عن العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من
الخالفين، وهو مذهب الحجازيين، وهو الأفضل إن شاء الله ولا بأس عندى بالمشى خالفها
وحيث شاء الماشى منها؛ لأن الله عز وجل لم يحظر ذلك ولا رسوله، ولا أعلم أحدًا من
العلماء كره ذلك ولا ذكر أن مشى الماشى خلف الجنازة يحبط أجره فيها ويكون كمن لم
يشهدها، وقد قال رسول الله : ((من شيع جنازة وصلى عليها كان له قيرط من الأجر،
ومن قعد حتى تدفن كان له قيراطان، والقيرط كأحد»، ولم يخص الماشى خلفها من الماشى
أمامها. ومن عمل العلماء بالعراق والحجاز قرنا بعد قرن مما ذكرنا عنهم يدل على قولنا،
وبالله توفيقنا.
٥٢٥- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٩٢.

٤٦٨
كتاب الجنائز
منه خروج أذى، وهو جميع مسامه، ويكون ذلك مع قطن ليمنع خروجه من الأذى
وليرد ريح الحنوط ما تيقن من ريح مكروهة، ولا يجعل على ظاهر الكفن شىء من
ذلك لأن الحنوط إنما هو لمعنى الريح لا للون.
مسألة: ويفعل هذا بكل من يغسل ويصلى عليه محرمًا كان أو غير محرم، وبه قال
الحسن وعكرمة والأوزاعى وأبو حنيفة. وقال الشافعى: لا يقرب المحرم الطيب ولا
یغطی رأسه.
والدليل على ما نقوله أنه حكم من أحكام الحج، فوجب أن يبطل بالموت
كالطواف. وأما ما روى عن النبى 48 أنه قال فى محرم وقع عن راحلته فمات:
((اغسلو بماء وسدر وكفنوه فى ثوبين ولا تحنطوه ولا تجمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم
القيامة ملبيًا»(١) فليس بمانع من ذلك فى غير ذلك الميت لأننا لا طريق لنا إلى أن نعلم
نحن فى غيره من الأموات أن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا، وتعليل النبى 198 الحكم بما لا
طريق لنا إلى معرفته دليل على أنه حكم مخصوص به، ولو كان حكما يتعدى إلى غيره
لعلله بما لنا طريق إلى معرفته.
فصل: وقولها: ((ولا تتبعونى بنار)). قال ابن حبيب: إنما ذلك للتفاؤل بالنار،
ويحتمل أيضا أن يكون هذا من أفعال الجاهلية فشرعت مخالفته إذا لم يكن له وجه
مقصود فى الشريعة، ويحتمل أن يمنع لأنه كان يفعل على وجه الظهور والتعالى، والله
أعلم.
٥٢٦ - مَالِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَغْبُرِىِّ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنْهُ نَهَى أَنْ
◌ُتْبُعَ بَعْدَ مَوِْهِ بِنَارٍ.
قَالَ يَحْتَى: سَمِعْت مَالِكًا يَكْرَهُ ذَلِكَ.
الشرح: قوله: ((نهى أن يتبع بعد موته بنار)) ويجب على الإمام أن ينهى فاعليه
ویوصیھم بتقوى الله واتباع السنة فى أمره وغسله و کفته ودفنه وغير ذلك من أحواله.
(١) أخرجه البخارى حديث رقم ١٢٦٦، ١٢٦٧، ١٨٥٠. مسلم حديث رقم ١٢٠٦.
النسائی فی الصغری حدیث رقم ٢٨٥٥. الدارمى حديث رقم ١٨٥٢.
٥٢٦- ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٤٩٣.
قال ابن عبد البر فی التمهيد: قد روى النهى عن ذلك من حديث ابن عمر عن النبى

٠ ٤٦٩
........
كتاب الجنائز
التكبير على الجنازة
٥٢٧ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرّيْرَةَ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ ﴿ نَعَى النّجَاشِىَّ لِلنّاسِ فِى الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى
الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبِّرَ أَرْبَعَ تَكْبِرَاتٍ.
الشرح: قوله: ((أن رسول الله (4 نعى النجاشى للناس))، يريد أخبرهم موته، وقد
أخبر بقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبى طالب وعبدالله بن رواحة، وهذا النعى غير
محظور، فأما النعى الذى يكون معه الصياح والضجيج فإنه محظور، ولذلك كره مالك
أن تدار بالجنائز على أبواب المساجد والأسواق لأنه من النعی.
قال علقمة بن قيس: الإنذار بالجنائز من النعى، والنعى من أمر الجاهلية.
فصل: فأما النجاشى(١)، فملك الحبشة، واسمه أصحمة، وكان آمن بالنبى
وأخذ الإِيمان به عمن هاجر من أصحاب النبى (، فمنع عنهم وآواهم وأسر إيمانه
المخالفة جميع الحبشة له، فلما مات نعاه النبى ﴿ لأصحابه فى اليوم الذى مات فيه،
وهذا دليل واضح على نبوته إذ لا سبيل إلى معرفته لمن يدعى النبوة إلا بوحى من رب
العالمين.
فصل: وقوله: ((وخرج بهم إلى المصلى)) يقتضى أن ذلك موضع معين عندهم
٥٢٧- أخرجه البخارى فى الجنائز حديث رقم ١٢٤٥. ومسلم فى الجنائز، حديث رقم ٩٥١.
والترمذى فى الجنائز حديث رقم ٩٤٣. والنسائى فى الصغرى فى الجنائز حديث رقم
١٨٧٨، ١٩٧١، ١٩٧٩، ٢٠٤١. وأبو داود فى الجنائز حديث رقم ٣٢٠٤. وابن ماجه فى
الجنائز حديث رقم ١٥٣٤. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٧١٩، ٩٣٦٣، ٩٣٧١،
١٠٤٧١.
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد ٢٨٤/٤: النجاشى ملك الحبشة، قال ابن إسحاق: النجاشى
اسم الملك كما يقال: كسرى، وقيصر، قال: واسمه أصحمة، وهو بالعربية عطية.
وقال: وفى هذا الحديث علم من أعلام النبوة كبير، وذلك أن يكون النبى ® علم بموته فى
اليوم الذى مات فيه على بعد ما بين الحجاز وأرض الحبشة، ونعاه للناس فى ذلك اليوم، وكان
نعى رسول الله ﴿ النجاشى، فى رجب سنة تسع من الهجرة، كذلك قال أهل السير:
الواقدى وغيره وفيه إباحة الإشعار بالجنازة، والإعلام بها والاجتماع لها، وهذا أقوى من
حديث حذيفة، أنه كان إذا مات له ميت، قال: ((لا تؤذنوا به أحدا، فإنى أخاف أن يكون
نعيا، فإنى سمعت رسول الله ﴿ ينهى عن النعى)). انتهى باختصار.