Indexed OCR Text

Pages 781-800

٣١٠
كتاب الصلاة
وجه القول الأول ما احتج به من أن تلك السجدة نافلة للمستخلف؛ لأنه لا يعتد
بها، وإنما يأتى بها اتباعًا لصلاة الإمام، فمن اتبعه فيها لم يقض بها فرضه؛ لأنه لا
يقضى فرضه باتباع إمام متنفل، وإذا لم يجزه فى صلاته وجب أن تبطل صلاته.
ووجه الرواية الثانية أن المستحلف إنما يأتى بهذه السجدة نيابة عن الإمام، ولو لم
يصح أن يتبعه فيها المأموم لما جاز له أن يفعلها؛ لأنه لا فائدة فى فعلها إلا اتباع المأموم
له فيها، فإذا قلنا إنه يلزم الإمام فعلها، اقتضى ذلك أن يجزئ الإمام اتباعه فيها، ولا
يقال إنها نافلة للمستخلف بل هى فرضه على وجه النيابة عن الإمام، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((ما لى رأيتكم أكثرتم من التصفيق)) إنكار لفعلهم ذلك، وإن كان
الإمام علق حكم الإنكار بالإكثار، والمراد إنكار جميعه إلا أنه لما كان الإنكار للإكثار
منه أکثر قصد إليه، وعلق الإنكار به.
فصل: وقوله: ((من نابه شىء فى صلاته فليسبح)) هذا عام فى الرجال والنساء، فإن.
من تقع على كل من يعقل من الذكور والإناث، ولا خلاف فى أن هذا حكم الرجال،
فأما النساء، فذهب مالك إلى أن حكم النساء التسبيح كالرجال. وقال الشافعى: إن
حکم النساء إذا نابهن شیء التصفيق.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله : ((من نابه شىء فى صلاته
فلیسبح)).
فإن قيل، فإن هذا الخبر إنما ورد بسبب القوم الذين صفقوا خلف أبى بكر، فيجب
أن يقصر عليهم. فالجواب أن اللفظ عام مستقل بنفسه، فلا يقصر على سببه، ولذلك لم
يقصر حكم الظهار على سلمة بن صخر ولا آية اللعان على هلال بن أمية، وحمل ذلك
على عمومه.
وقوله ﴿: (إنما التصفيق للنساء)» ليس على أن ذلك حكمهن، ولكن على معنى
العيب للفعل إضافته إلى النساء كما يقال: كفران العشير من أفعال النساء. إذا ثبت
ذلك، فإن حکم التسبيح ان یقول: سبحان الله، فإن قال: سبح، سبح، فقد قال سحنون
فى نوازله: أرجو أن يكون خفيفًا، وإنما كان القول: سبحان الله.
فصل: وقوله :﴿15: ((فإنه إذا سبح التفت إليه)) يدل أيضًا على جواز الالتفات فى
الصلاة للحاجة والضرورة، ليعلم سبب التسبيح هل هو من أجل صلاته أم من أجل
غيرها، فيعمل على حسب ذلك.

............. ٣١١
كتاب الصلاة
٣٨٩ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى جَعْفَرِ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أُصَلّى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
وَرَائِى، وَلا أَشْعُرُ بِهِ فَالْتَفَتُّ فَغَمَزَّنِّى.
الشرح: وإنما كان ابن عمر لا يلتفت فى صلاته لإقباله على صلاته، واشتغاله بها،
وإعراضه عن غيرها.
وقول أبى جعفر: ((ولا أشعر به)» يعنى لم يعلم أنه وراءه، فلما التفت غمزه ابن عمر،
يريد أشار إليه، منكرًا لفعله، وآمرًا له بالإقبال على صلاته، ولعل ابن عمر لم يكن فى
صلاة، وإنما كان جالسًا، وراءه وأبو جعفر يتنفل، فأنكر عليه الالتفات، ولو كان ابن
عمر فى صلاة لاشتغل بها عن الإنكار عليه.
ما يفعل من جاء والإمام راكع
٣٩٠ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنٍ خُنَيْهٍ أَنَّهُ قَالَ:
دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْمَسْجِدَ، فَوَحَدَ النَّاسَ رُكُوعًا، فَرَكَعَ ثُمَّ دَبَّ خَتَّى وَصَلَ
الصَّفَّ.
٣٩١ - مَالِكِ أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَدِبُّ رَاكِعًا.
الشرح: وقوله: ((فوجد الناس ركوعا)) يريد فى صلاة الجماعة، فركع دون الصف لما
خاف أن يسبقه الإمام بالركعة، ثم دب بعد ذلك إلى الصف، وتحرير هذا أن من دخل
المسجد، فوجد الإمام راكعًا، فخاف أن تفوته الركعة قبل أن يصل الصف، وخاف إن
كبر لا يصل أول الصف حتى يرفع الإمام رأسه، ففى المبسوط من رواية ابن وهب عن
مالك: لا يركع وليمش على هينته حتى يأتى الصف فيكنبر، ويصلى ما أدرك، فهذا
حكمه إذا كان بموضع ائتمامه مصلون قليل، ليسوا ممن يقوم بهم صف، ولا جزء منه له
بال، ولو أدرك صفًا أو جزءًا له بال من الصف، ر کع به ثم کان حكمه حكم من كان
فی صف، فرآی بین یدیه فرجة.
٣٨٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٦٧.
٣٩٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٦٨.
٣٩١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٦٩.

٣١٢
كتاب الصلاة
فرع: فإن كبر قبل الصف، ففى المدونة عن مالك: ذلك يجزئه. ووجه ذلك أنه لم
يخل بشرط من شروط صحة الصلاة، وإنما ترك الأفضل، وذلك لا يمنع الإجزاء.
مسألة: فإن علم أنه إن كبر دون الصف أدرك الركعة، فقد روى أبو القاسم عن
مالك فى العتبية والمدونة: أنه يكبر دون الصف. وروى عنه ابن حبيب: لا يكبر ولا
يركع حتى يأخذ مقامه من الصف أو يقاربه، وأما ما كان بعيدًا، فلا أحبه.
وجه رواية ابن القاسم أن صلاة الجماعة مرغب فيها، وهو مضعف بسبع وعشرين
درجة، ولا یأمن أن يسبقه الإمام برفع رأسه، فتفوته بذلك، فاستحب أن یرکع دون
الصف، ثم يدخل بعد ذلك فى الصف، فهو أمر لا يفوته، فيجب أن يقدم ما يخاف
فواته.
ووجه رواية ابن حبيب ما روى من طريق ابن عجلان قال رسول الله ﴾: «إذا جاء
أحد کم الصلاة، فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه)).
فرع: إذا ثبت ذلك، فهو إدراك الركعة مع الإمام روى ابن القاسم عن مالك: أن
مکن یدیه من ر کیتیه قبل رفع الإمام رأسه.
ووجه ذلك أن هذا المقدار هو الفرض، فمن أدركه مع الإمام، فقد ائتم به فى
الر کوع، فکان مدر کًا له معه.
مسألة: فإن كبر قبل أن يصل إلى الصف، فمتى يدب من فعل ذلك؟ قال فى حديث
زید بن ثابت: فر کع ثم دب، ويحتمل أن یرید به انحط للركوع ثم دب راكعًا، فیکون
ذلك موافقًا لما روى عن ابن مسعود، ويحتمل أن یرید أنه أکمل الر کوع ثم دب،
فيكون ذلك مخالفًا له.
وقد روى ابن مسعود عن مالك: یکبر ویرکی ویدب راکعًا. وروى عنه أشهب: لا
يدب إلى الصف حتى يرفع رأسه من السجود، فروى عنه الوجهان جميعًا، ولعله اختلف
قوله فيه، لما احتمله اللفظ من التأويل، والله أعلم.
وجه رواية ابن القاسم أن الصلاة فى الصف مأمور بها والصلاة دون الصف منهى
عنها، وإنما جاز له التكبير دون الصف خوف الفوات والركوع والسجود من أركان
الصلاة، فلا يفعلها دون الصف، وهو قادر على إدراك الصف.
ووجه رواية أشهب أن فى دبيبه فى نفس الركوع اشتغالاً عن ركن من أركان
الصلاة، فكان عليه أن يأتى به على هينته ثم يدب بعد ذلك لإدراك الصف.

٣١٣
كتاب الصلاة
مسألة: ومقدار القريب الذى أبيح له فيه هذا، روى ابن القاسم عن مالك فى العتبية
أنه إنما يركع إذا كان قريبًا يدب بعد ذلك صفين أو ثلاثة، فأما إذا بعد، فلا أحبه.
*
ما جاء فى الصلاة على النبى
٣٩٢ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بن محمد بن عمرو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِىِّ أَنّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو حُمَّيْدِ السَّاعِدِىُّ أَنْهُمْ قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصِّلَّى عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: (قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ
وَذُرََّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرَيْتِهِ كَمَّا
بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَحِيدٌ).
الشرح: قوله: ((يا رسول الله، كيف نصلى عليك؟)) الصلاة فى كلام العرب
الدعاء، والصلاة الرحمة، إلا أن الصلاة التى أمرنا بها هى الدعاء، وإنما سألوا رسول الله
◌َّ عن صفة الصلاة عليه، ولم يسألوه عن جنس الصلاة عليه؛ لأنهم لا يؤمرون
بالرحمة، وإنما يؤمرون بالدعاء، إلا أن الدعاء بألفاظ كثيرة وعلى صفات مختلفة، فسألوا
هل لذلك صفة تختص به؟ فأعلمهم أن المشروع فى ذلك صفة مخصوصة، وهى أن يدعو
الله تعالى أن يصلى عليه.
فصل: وقوله: ((قولوا اللهم صلى على محمد وأزواجه وذريته) أما الأزواج، فهن
معروفات، وأما الذرية، فمن كانت للنبى 48 ولادة من ولده وولد ولده ممن تبع النبى
﴿ وأطاعه، وقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى﴾
[إبراهيم: ٤٠].
فصل: وقوله: ﴿﴾: ((كما صليت على إبراهيم)) أى كما رحمت آل إبراهيم، وآل
إبراهيم أتباعه، ويحتمل أن يريد بذلك أتباعه من ذريته، ويحتمل أن يريد أتباعه من كل
من اتبعه، وإلى هذا ذهب مالك، واحتج بقول تعالى: ﴿أدخلوا آل فرعون أشد
العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، يريد أتباعه من رهطه وغيرهم.
٣٩٢ - أخرجه البخارى فى أحاديث الأنبياء حديث رقم ٣٣٦٩. والدعوات حديث رقم ٦٣٦٠.
ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٠٧. والنسائى فى الصغرى فى السهو حديث رقم ١٢٩٤.
وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٩٧٩. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم
٩٠٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٠٨٩.

كتاب الصلاة
٣١٤
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: والأظهر عندى من الكلام أن الآل: الأتباع
من الرهط والعشيرة.
فصل: وقوله: ﴿435: ((وبارك على محمد وأزواجه وذريته)) البركة فى كلام العرب
التكثير من الله تعالى للمبرة، فيحتمل أن يريد بقوله: ((وبارك على محمد وأزواجه
وذريته)) تكثير الثواب لهم ورفع درجاتهم، وقد قال تعالى: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم
أهل البيت﴾ [هود: ٧٣]، ويحتمل بذلك تكثير عددهم مع توفيقهم.
وقد قال ابن الأنبارى: إن معنى قوله: تبارك اسمك، تقدس، أى تطهر، فعلى هذا
يحتمل أن يكون معنى قوله: ((وبارك على محمد وأزواجه وذريته)) طهرهم، قال الله
تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهر كم تطهيرا﴾ [الأحزاب:
٣٣].
٣٩٣ - مَالِك، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحْمِرِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَيْدٍ
أَنْهُ أَخْبُرَهُ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾ فِى مَجْلِسٍ سَعْدِ
ابْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَثِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَّنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلّىَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَكَيْفَ
نُصَلِّى عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حَتَّى تَمَنْنَا أَنْهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ:
(قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ
عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِى الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ
مَجِيدٌ وَالسَّلامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ).
الشرح: قوله: ((أتانا رسول الله ﴿﴿ فى مجلس سعد بن عبادة))، دليل على أنه يجوز
للإمام أن يخص رؤساء الناس وفضلاءهم بالزيارة فى مجالسهم والتأنيس لهم.
وقول بشير ابن سعد: ((أمرنا الله أن نصلى عليك))، يحتمل أن يريد قوله تعالى: ﴿يا
أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾[الأحزاب: ٥٦]، وهذا الأمر لنا بالصلاة
علیه، لايختص مكان ولا زمان، هذا الذی ذهب إليه مالك.
وقال ابن المواز: ذلك فريضة. قال الشيخ أبو محمد: يريد فريضة، ليست من فرائض
٣٩٣ - أخرجه مسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٠٥. والترمذى فى تفسير القرآن حديث رقم
٣١٤٤. والنسائى فى الصغرى فى السهو حديث رقم ١٢٨٥، ١٢٨٦. وأحمد فى المسند
حدیث رقم ١٦٦١٩، ٢١٨٤٧.

كتاب الصلاة
٣١٥٠
......
الصلاة، وقاله محمد بن عبد الحكم وغيره. وقال الشافعى: يختص ذلك بعد التشهد
الآخر من الصلاة وهو شرط فى صحتها. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذا
ذكر نبى، فلم يكن شرطًا فى صحة الصلاة كذكر سائر الأنبياء.
فصل: وقوله: ((فكيف نصلى عليك))، سؤال عن صفة الصلاة عليه، وسكوت النبى
ـّ يحتمل أن يكون لأنه لم يكن عنده فى ذلك نص، فأوحى إليه بذلك عند السؤال،
فكان سكوته لأجل الوحى إليه، ويحتمل أن يكون ذلك مصروفًا إليه فسكت مختارًا وإنما
تمنوا أنه لم يكن سأله لما خافوا أن يكون سكوته لأنه لم يرض السؤال.
فصل: وقوله عليه السلام: ((والسلام كما قد علمتم)) يحتمل أن يريد قوله تعالى:
﴿وسلموا تسليمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وأن صفة هذا التسليم قد عرفوها من قولهم فى
التشهد: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبر كاته.
٣٩٤ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقِفُ عَلَى
قَبْرِ النّبِّ ﴿ فَيُصَلّى عَلَى النّبِّ ﴿ وَعَلَى أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ.
الشرح: هكذا رواه يحيى بن يحيى وتابعه غيره، وقال فيه ابن القاسم: فيصلى على
النبی ۶﴾ ويدعو لأبى بكر وعمر، وتابعه على ذلك القعنبی وغيره. وذهب ابن عباس
إلى أن الصلاة لا تستعمل على أحد غير النبى ﴿3﴾ وذهب غيره إلى أن ذلك جائز لجميع
الناس، وهو الأكثر من مذاهب الخاصة والعامة إلا أن يمنع من ذلك مانع.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿هو الذى يصلى عليكم وملائكته﴾ [الأحزاب:
٤٣]، وقوله : ((اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد)) وفى الجملة أن استعمال
هذه اللفظة، إن خيف منه الإبهام، امتنع منه، وإن أمن ذلك فلا بأس به، مالم يمنع
بتوقيف أو اتفاق.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن من دخل المسجد وخرج لم يلزمه أن يقف بالقبر. قال
مالك فى المبسوط: وإنما ذلك على الغرباء إذا دخلوا وخرجوا وليس عليهم فيما بين
ذلك وليس ذلك على أهل المدينة. قال ابن القاسم: ورأيت أهل المدينة إذا أرادوا
الخروج منها أتوا القبر، فسلموا وإذا دخلوا المدينة، فعلوا مثل ذلك. قال ابن القاسم:
وهو رأى.
٣٩٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٧٢.

كتاب الصلاة
٣١٦
وفرق مالك بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأما أهل المدينة فهم
مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والمسجد.
مسألة: والذى شرع لمن وقف بالقبر أن يسلم على النبى 48 وعلى أبى بكر وعمر،
قاله مالك فى المبسوط وفى غيره من رواية ابن وهب عن مالك، قال: تقول: السلام
علیك أيها النبي ورحمة الله.
قال القاضى أبو الوليد: وعندى أنه يدعو للنبى ﴾ بلفظ الصلاة ولأبى بكر وعمر
على ما تقدم من الخلاف، ووجدت لابن وهب عن مالك أن المسلم على النبى
یدنو فسلم ولا يمس القبر بيده.
مسألة: وأما الدعاء عند القبر، فقد قال مالك فى المبسوط: لا أرى أن يقف الرجل
عند قبر النبى 18 يدعو ولكن يسلم ثم يمضى، وروى عنه ابن وهب فى غير المبسوط،
أنه يدعو مستقبل القبر، ولا يدعو، وهو مستقبل القبلة وظهره إلى القبر.
العمل فى جامع الصلاة
٣٩٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُصَلِّى قَبْلَ
الظُّهْرِ رَكْعَيْنٍ وَبَعْدَهَا رَكْعَتْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ وَبَعْدَ صَلاةِ الْعِشَاءِ
رَكْعَيْنِ وَكَانَ لا يُصَلِّى بَعْدَ الْحُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيَرْكَعَ رَكْغَيْنٍ.
الشرح: قوله: ((كان يصلى قبل الظهر ركعتين))، يريد يتنفل بهما وهذا اللفظ
يقتضى المداومة عليهما وكذلك الركعتان بعد الظهر وترك ذكرها قبل العصر وبعده،
فأما التنفل قبلها فمباح وفيما بعدها فممنوع، وسنذكره إن شاء الله تعالى، وأما قبل
٣٩٥ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٩٣٧، ١١٦٩، ١١٧٣. ومسلم فى صلاة
المسافرين وقصرها حديث رقم ٦٩٩، ٧٠٠، ٧٢٩. والجمعة حديث رقم ٨٨٢. والترمذى
فى الصلاة حديث رقم ٣٩٠، ٣٩٧، ٣٩٨. والجمعة حديث رقم ٤٧٩، ٤٨٠. والنسائى
فى الصغرى فى الإمامة حديث رقم ٨٧٣. والجمعة حديث رقم ١٤٢٧. وأبو داود فى
الصلاة حديث رقم ١١٢٧، ١٢٥٢. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم
١١٣٠، ١١٣١. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٤٩٢، ٥١٠٦، ٥٢٧٤، ٥٣٩٤، ٥٤٠٩،
٥٤٢٥، ٥٤٥٦، ٥٧٠٥، ٥٧٢٤، ٥٧٧٣، ٥٩٤٢، ٦٠٢٠، ٦٢٢٤، الدارمى فى الصلاة
حديث رقم ١٤٣٧، ١٥٧٣.

........... ٣١٧
كتاب الصلاة
المغرب، فقد روى عن أنس ((كنا نصلى على عهد رسول الله ﴾ ركعتين بعد غروب
الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﴿﴿ صلاهما؟ قال: كان يرانا
نصلیهما، فلا یأمرنا ولا ینهانا)».
وهذا يدل على جواز ذلك غير أنه لما كان المستحب من صلاة المغرب تقديمها فى
أول وقتها، قدم ذلك على التنفل قبلها، ولو تنفل متتفل ذلك الوقت، لم یکن به بأس.
فصل: أما التنفل بعد المغرب فجائز، ولا اختصاص لها ببيت ولا غيره أكثر من
سرعة انصرافه إما للفطر أو غيره، على أنه لم يقل إنه كان لا يصليها فى المسجد، ما
قال فى الجمعة: إنه كان لا يصلى بعدها حتى ينصرف، فيركع ركعتين، يريد بذلك
على أصل مالك، الانصراف إلى منزله.
ويحتمل أن يريد بذلك الانصراف من مكانه، فأما فى المسجد، فلا يخلو أن يكون
المصلى إمامًا أو مأمومًا، فأما الإمام فلا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف إلى منزله، قاله
مالك.
والدليل على ذلك أنها صلاة فرض ركعتان غير مقصورة يجهر بالقراءة فيهما، فكان
للمنع تأثير فى التنفل بعدها كصلاح الصبح.
مسألة: وأما المأموم، فإن شاء ركع، وإن شاء لم يركع، واختار ابن القاسم أن لا
یرکی.
ووجه ذلك القياس إلى قدمناه، والفرق بين الإمام فى ذلك والمأموم أن الإمام شرع
له سرعة القيام من موضع مصلاه ولا يقيم به، ولم يشرع للمأموم.
٣٩٦ - مَالِكِ، عَنْ أَبِىِ الرِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ :
قَالَ: (أَثْرَوْنَ فِيْلَتِى هَاهُنَا فَوَاللّهِ مَا يَنْفَى عَلَىَّ خُشُوعُكُمْ وَلا رُكُوعُكُمْ إِنِّى لارَاكُمْ
مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِى)).
الشرح: قوله (48: ((أترون قبلتى هاهنا)) يعنى حيث يستقبل بوجهه «فو الله ما يخفى
على خشوعكم ولا ركوعكم)) يعنى ﴿ أن ذلك ظاهر إليه وإنما أراد بذلك حضهم
علىَّ الخشوع وإتمام الركوع. وقوله ((إنى لأراكم من وراء ظهرى)) ذهب بعض الناس
٣٩٦ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤١٨. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٢٤.
وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٢٨٩، ٨٥٥٣، ٨٦٦٠.

كتاب الصلاة
٣١٨
إلى أن معناه لأعلم بأفعالكم، فإن الرؤية تكون بمعنى العلم، قال الله تعالى: ﴿ألم تر
كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١]، معناه ألم تعلم. ذهب الجمهور إلى أنه من
رؤية البصر.
قال القاضى أبو الوليد: وهو الصحيح عندى لأنه لو أراد به العلم ما كان لقوله:
((من وراء ظهرى)) فائدة إذ لا فرق بين أن يعلم ذلك من وراء ظهره أو من بين يديه
وإنما أراد به إعلامهم بأنه يرى مع إقباله على قبلته ما وراء ظهره.
وقد قال بعض الناس: إن ذلك مما خص به النبى 18 أن ينظر من وراء ظهره من غير
التفات ولا يبعد ذلك، ويحتمل أن يريد به أنه يرى من كان منهم عن يمينه وعن يساره
ممن يدركه نظره من غير التفات أو مع التفات يسير فى نادر الأوقات ويوصف من
يقف هناك بأنه وراء ظهره کما يوصف بأنه وراءه وخلفه.
٣٩٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يَأْتِى قُبَاءَ رَاكِبًا
وَمَاشِيًا.
الشرح: قوله: « کان یأتی قباء راكبًا)» يريد مسجد قباء. وقد فسر ذلك عبدالعزيز
ابن مسلم فى روايته كان النبى ﴿ يأتى مسجد قباء كل سبت ما شيًا ورا كبًا، وكان
عبدالله يفعله، فبين المراد بالقصد إلى قباء، وعلى أنه لو لم يذكره لعلم أنه إنما كان يأتى
المسجد لأنه إذا كان فى الجمعة المقصودة موضع مقصود ثم وصف القصد إلى الجمعة
وأطلق ذلك، فإنه يحمل على قصد الموضع المقصود، كما يقال خرج فلان إلى المدينة
فيفهم منه توجه إلى المسجد وإلى قبر النبى ﴿ إلا أن يتبين قصده لغير ذلك، وكذلك
من قال: توجه فلان إلى مكة فإنه يفهم منه توجهه إلى المكان المقصود للعمل المقصود
فيها، وليس فى قباء موضع غير مسجدها.
وقد اختلف الناس فى المسجد الذى أسس على التقوى، فذهب مجاهد وعروة وقتادة
إلى أنه مسجد قباء، وذهب عبدالله بن عمر وسعيد بن المسيب إلى أنه مسجد النبى
﴾، وقاله مالك من رواية أشهب عنه، وهو المروى عن النبى : أنه سئل عن ذلك،
فقال: «هو مسجدی)).
٣٩٧ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ١١٩٢. ومسلم فى الحج حديث رقم ١٣٩٩.
والنسائى فى الصغرى فى المساجد حديث رقم ٦٩٨. وأبو داود فى المناسك حديث رقم
٢٠٤٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤٤٧١، ٥١٩٦، ٥٤٩٧، ٥٧٤٠، ٦٣٩٦.

كتاب الصلاة
٣١٩
..
فصل: وقوله: ((كان يأتى قباء راكبًا وماشيًا)) ليس بمخالف لما نهى عنه من أن تعمل
المطى إلا إلى ثلاثة مساجد مسجده )، والمسجد الحرام ومسجد إيلياء لأن إتيان قباء
من المدينة ليس من باب إعمال المطى لأن إعمال المطى من صفات الأسفار البعيدة
وقطع المسافات الطوال، ولا يقال لمن خرج إلى المسجد من داره راكبًا أنه أعمل المطى،
وإنما يحمل ذلك على عرف الاستعمال فى كلام العرب ولا يدخل تحت المنع من إعمال
المطى أن يركب إنسان إلى مسجد من المساجد القريبة منه جمعة أو غيرها لأنه لا خلاف
فى جواز ذلك، بل هو واجب فى أوقات كثيرة، فإن الذى منع منه أن يسافر السفر
البعيد إلى غير الثلاثة المساجد، ولو أن آتيًا أتى قباء وقصد من بلد بعيد وتكلف فيه من
السفر ما يوصف من إعمال المطى لكان مرتكبًا للنهى عنه على هذا القول. وقال محمد
ابن مسلمة فى المبسوط: من قدر أن يأتى مسجد قباء فيصلى فيه لزمه ذلك، والقول
الأول أظهر وأکثر.
٣٩٨ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النّعْمَانِ بْنٍ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَا
قَالَ: مَا تَرَوْنَ فِى الشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَالرَّانِى، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْزَلَ فِيهِمْ، قَالُوا: اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِى يَسْرِقُ صَلاَتَهُ،
قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا.
الشرح: قوله: ((ما ترون فى الشارب والسارق والزانى))، اختبار منه لا بمسائل
العلم على حسب ما يختبر به العالم أصحابه، وهو الذى قاله أصحابنا فى هذا الحديث.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى وجهًا آخر، وهو أن يكون
أراد بذلك تقريب التعليم عليهم، فقرر معهم حكم قضايا يسهل عليهم ما أراد تعليمهم
إياه لأنه ﴿﴿ إنما قصد أن يعلمهم أن الإخلال بإتمام الركوع والسجود كبيرة من
الكبائر، وهى أسوأ مما تقرر عندهم أنه فاحشة.
فصل: وسؤاله ﴿ أصحابه عن حكم الشارب والسارق والزانى قبل أن ينزل فيهم
صريح فى جواز الحكم بالرأى؛ لأنه إذا لم ينزل عليه حكم ما سألهم عنه، فإنه لايسعهم
أن يقولوا بآرائهم.
وفى قوله: «وذلك قبل أن ينزل فیھم» دليل على أنه قد نزل فى شارب الخمر حد
بعد ذلك.
٣٩٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٧٦. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٠٩/٨.

٣٢٠
كتاب الصلاة
فصل: وقولهم: ((الله ورسوله أعلم))، تأدب منهم أو رد للعلم إلى الله تعالى وإلى
رسوله ﴿. وقوله: ((هن فواحش وفيهن عقوبة الفواحش)) جمع فاحشة، وهى ما فحش
من الذنوب، يقال هذا خطأ فاحش وعيب فاحش، أى كبير شديد، وأما العقوبة فإنها
مطلقة على ما يعاقب عليه المعتدى، ولا يختص ذلك يجنس منها ولا بقدر.
فصل: وقوله: ﴿: ((وأسوأ السرقة الذى يسرق صلاته)) السرقة تكون فى ذلك على
وجهين، أحدهما: أن يسرقها من الحفظة الموكلين بحفظه، وكتب ما يأتى به منها،
وذلك أنه إذا لم يأت بها على الوجه المأمور، فقد تعذر عليهم وجود ما أرادوا أن
يكتبوه من صالح عمله فيها.
والثانى: أن تكون السرقة فيها بمعنى الخيانة، وذلك أن يؤتمن عليها فيخون فيها، ولا
يأتى فيها على حسب ما يلزمه من أدائها، وأقل ما يلزمه من الركوع أن يضع يديه فى
ر کتیه ویسوی ظهره حتى يستقر كذلك، ومن السجود أن يضع جبهته ویدیه وسائر
أعضاء سجوده على ما يسجد عليه ويستقر كذلك، فلو أخل بشىء من ذلك فقد سرق
صلاته.
فصل: وقولهم ((كيف يسرق صلاته؟)) سؤال عن تفسير ما أجمله، فقال ﴿﴿ مفسرًا
لذلك: ((أن لا يتم ركوعها ولا سجودها)) وإنما خص الركوع والسجود لأن الإخلال
فى الغالب إنما يقع بهما . .
٣٩٩ - مَالِك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: اجْعَلُوا
مِنْ صَلائِكُمْ فِى بُيُوتِكُمْ)).
الشرح: قوله: ((اجعلوا من صلاتكم فى بيوتكم)) ذهب بعض الناس إلى أن المراد
بذلك أن يجعل بعض فرضه فى بيته ليقتدى به أهله، وهذا ليس بصحيح، لأن النبى
لم يختلف عنه أنه قد أنكر التخلف عن الحضور الجماعات فى المساجد والنساء كن
يخرجن فى ذلك الزمان إلى المساجد فيتعلمن ويقتدين بصلاة النبى ﴿، وأيضًا فقد كان
يقدر أن يعلم أهله بالقول.
قال القاضى أبو الوليد، رحمه الله: وإنما معنى ذلك عندى، والله أعلم، أنه أراد صلاة
النافلة، و کذلك ذکرا ابن مزین عن عیسی بن دینار وعبدالله بن نافع.
٣٩٩ - أخرجه البخارى حديث رقم ١١٨٧. مسلم حديث رقم ١٧٩٠. ابن ماجه حديث رقم
١٣٧٧. أبو داود حديث رقم ١٠٤٣.

٣٢١
كتاب الصلاة
ووجه ذلك أن إتيانه بالنافلة فى بيته أفضل من أن يأتى بها فى مسجده، وهذا حكم
النوافل كلها التستر بها أفضل يبين ذلك ما روى عن النبى ﴿﴿ أنه قال: ((أفضل الصلاة
صلاة أجدكم فى بيته إلا المكتوبة)).
٤٠٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ
الْمَرِيضُ السُّجُودَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إِمَاءً وَلَمْ يَرْفَعْ إِلَى حَبْهَتِهِ شَيْئًا ..
الشرح: قوله ((إذا لم يستطع المريض السجود أوما برأسه)) يريد أن ذلك يجزيه،
ويقوم مقام السجود والركوع فى أداء الفرائض عند العجز عنه لأنه أكثر ما يستطيع
منه، وقد تقدم الكلام فى الإيماء وحكمه.
٤٠١ - مَالِك، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا
جَاءَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَى النَّاسُ بَدَأَ بِالصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا شَيْئًا.
الشرح: قوله: ((إذا جاء المسجد وقد صلى الناس بدأ بالصلاة المكتوبة))، يريد أن
الصلاة التى جاء لها وحضر وقتها وصلاها الناس دونه لم يصل قبلها شيئًا، يحتمل أن
يريد لضيق الوقت، ويحتمل أن يفعل ذلك مع سعته، وذلك أن من دخل المسجد يصلى
وحده صلاة فرض فى وقتها لا يخلو أن يكون قد ضاق الوقت أو يكون فى سعة منه،
فإن كان ذلك فى وقت يضيق عن تلك الفريضة وعن نافلة قبلها بدأ بالفريضة، ولم يجز
له أن يصلى قبلها نافلة لأن ذلك يقتضى فوات الفريضة فى وقتها.
مسألة: وإن كان فى سعة من الوقت، فهو بالخيار بين أن يبدأ بالنافلة ثم الفريضة،
وهو الأظهر من فعل ابن عمر لأنه إنما وصف فعله بتقدم صلاة الناس قبله، ولو كان فى
ضيق من الوقت لقصد ذلك بالذكر. ووجه آخر، وهو أنه إنما يقصد من نقل فعله ما
يحتمل أن يفعل ضده، فأما ما لا يصح غيره فنقله لا فائدة فيه وحمل ما نقل عنه وأضيف
إليه على فائدة أولى.
٤٠٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلَّى، فَسَلْمَ
٤٠٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٧٨.
٤٠١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٧٩.
٤٠٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٨٠. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٥٩/٢. ابن أبى
شيبة فى المصنف ٧٤/٢. المحلى ٨١/٣. المغنى ٦١/٢. كشف الغمة ٨٩/١.

كتاب الصلاة
٣٢٢
عَلَيْهِ فَرَدّ الرَّجُلُ كَلامًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِذَا سُلْمَ عَلَى أَحَدِكُمْ
وَهُوَ يُصَلِّى فَلا يَتَكُلِّمْ وَلْيُثِرْ بِيَدِهِ.
الشرح: السلام على المصلى جائز، والأصل فى ذلك ما روى عن جابر قال: بعثنى
رسول الله ﴿ لحاجته ثم أدركته، وهو يصلى، فسلمت عليه، فأشار إلىّ، فلما فرغ
دعانى، فقال: ((إنك سلمت علىَّ آنفا وأنا أصلى)).
فوجه الدليل منه أنه سلم عليه فى الصلاة فلم ينكر عليه، وإنما أظهر المانع له من رد
السلام عليه نطقًا.
مسألة: ولا يرد بالكلام لأن الكلام ممنوع منه فى الصلاة، قال قتادة والحسن: فرد
السلام كلام، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وما روى أن ابن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله ﴾، وهو يصلى، فيرد علينا،
فلما أتينا الجيش فرجعنا سلمنا عليه، فلم يرد، فسألناه، فقال: ((إن فى الصلاة شغلاً)).
فصل: وقوله: ((وليشر بيده))، لما ممنوعًا من الكلام كان حكمه رد السلام بالإشارة،
وأما المؤذن والملبى، فلا يسلم عليه، فإن سلم عليه لم يرد إشارة، والفرق بينه وبين
المصلى، أن المصلى يقطع الكلام صلاته، والمؤذن والملبى لا يقطع عبادتهما الكلام،
فلذلك كان الكلام فى الصلاة بدل، ولم يكن للكلام فى الأذان والتلبية بدل، وهذا
كما قلنا: إن غسل الجناية شرط فى صحة الصلاة، وغسل الجمعة ليس بشرط فى صحة
الصلاة، وهما مشروعان، فكان لغسل الجنابة بدل وهو التيمم، ولم يكن لغسل الجمعة
بدل من تيمم ولا غيره فكذلك فى مسألتنا مثله، والله أعلم.
٤٠٣ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ نَسِىَ صَلاةٌ فَلَمْ
يَذْكُرْهَا إِلا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ فَلْيُصَلِّ الصَّلاةَ الَّتِى نَسِىَ ثُمَّ لِيُصَلِّ بَعْدَهَا
الأخرى.
الشرح: قول ابن عمر: ((من ذكر صلاة، وهو وراء إمام فى صلاة أخرى، فإنه
يتمادى مع الإمام ثم يصلى التى ذكر ثم يصلى التى كان فيها))، دليل على أنه إنما
يتمادى لئلا تفوته فضيلة صلاة الإمام لأنه لا يقطع بفساد صلاته مع الإمام، فيتمادى مع
٤٠٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٨١. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٢٢/٢. المغنى
٦٠٨/١. كشف الغمة ٧٤/١. عبد الرزاق فى المصنف ٥/٢.

٣٢٣٠٠
كتاب الصلاة
الإمام ثم يعيد صلاته تلك عند مالك وأبى حنيفة وأحمد. وقال الشافعى: يعتد بصلاته
تلك ويقضى الفائتة خاصة، وهذه المسألة مبنية على مراعاة الترتيب فى الصلاة، وذلك
أن من ذكر صلوات فائتة، فلا يخلو أن تكون قليلة أو كثيرة، فإن كانت قليلة فلا يخلو
أن يذكرها فى صلاة أو فى غير صلاة، فإن ذكرها فى صلاة فلا يخلو أن يكون إمامًا
ومأمومًا وفذًا، فإن كان إمامًا قطع ما هو فيه من الصلاة، ووجب عليه أن يبدأ بما عليه
من الفوائت، وسندل على ذلك، إن شاء الله.
فرع: وهل تبطل تلك الصلاة على من خلفه من المأمومين أو لا؟ عن مالك فى ذلك
روايتان، رواهما ابن القاسم، إحداهما: تبطل على من خلفه، ووجه ذلك أن الترتيب
شرط فى صحة الصلاة ولا يتصور انفصاله من الصلوات، فإذا فسدت صلاة الإمام
لعدمه تعدى ذلك إلى صلاة المأموم كتكبير الإحرام.
والرواية الثانية أن صلاتهم صحيحة، ووجه ذلك أن هذا معنى لو ذكره الإمام قبل
دخوله فى الصلاة لم تجز له الصلاة مع عدمه، فإذا ذكره فى نفس الصلاة لم يفسد
بذلك صلاة من خلفه کالحدث.
مسألة: فإن كان الذاكر للصلاة مأمومًا، فإنه يتمادى على ذكرناه مع الإمام ثم
يقضى الفائتة ثم يعيد التى صلى مع الإمام، وهذا قول ابن القاسم. وقال ابن حبيب: إن
ذكر فى العصر ظهر يومه، قطع على شفع أو وتر، كذلك إن ذکر مغرب ليلته فى
العشاء، وإنما يتمادى مع الإمام ذاكر لصلاة خرج وقتها. وأما من ذكر صلاة وهو فى
خناق من وقتها فاستدراكه لوقتها أولى من صلاة نافلة لا تجزئه، وهذا كله مبنى على أن
ذكر صلاة فى صلاة لا يفسدها وإنما يستحب للذاكر وحده أن يقطعها ويبدأ بالتى
ذكر، ولو بطلت التى هو فيها بذكر غيرها لوجب عليه القطع وراء إمام أو غيره.
فرع: وبماذا يحتسب التى تمادى فيها مع الإمام، مذهب ابن القاسم أنها فرضه، وإنما
يعيد بعد التى ذكرها لفضيلة الترتيب. قال ابن حبيب: هى نافلة.
مسألة: إذا قلنا يقطع ما هو فيه من الصلوات، فإن عليه أن يبدأ بالفوائت، وإن خاف
فوات وقت الصلاة التى هو فيها. وقال الشافعى: يتمادى على صلاته.
والدليل على نقوله، ما روى عن عبدالله بن مسعود قال: ((كنا مع رسول الله ﴾
فحبسنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فاشتد ذلك علىَّ، فقلت: نحن مع
رسول الله ﴾. وفى سبيل الله، فأمر رسول الله ﴾ بلالاً فأقام فصلى الظهر بنا، ثم

كتاب الصلاة
٣٢٤
أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء، ثم طاف علينا، فقال:
ما على الأرض عصابة يذكرون الله غیر کم)).
فوجه الدليل منه أنه قال: حبسنا عن الصلوات، وذكر العشاء وأنها مما حبسوا عنها
ولك يقتضى منعهم من صلاتها فى وقتها، ولو كان وقتها باقيًا لما كانوا محبوسين عنها،
ثم ذكر أنه بدأ بالظهر والعصر والمغرب قبلها.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا ترتيب مشروع فى الوقت، فلم يبطل بفوات الوقت
کترتیب الركعات.
فرع: وهل تبطل الصلاة التى كان فيها بما ذكر فيها من الفائتة أم لا؟ قال ابن
حبيب: عليه أن يعيدها أبدًا. وقال سحنون: لا يعيدها بعد الوقت. والقولان مبنيان على
أن الترتيب مراعى فى الصلوات المفروضة، وهل الترتيب شرط فى صحه الصلاة أم لا؟
ذهب القاضى أبو محمد: إلى أنه شرط فى صحة الصلاة. روى مطرف وابن الماجشون
عن مالك معناه، وروى على بن زياد عن مالك فيمن ذكر الظهر والعصر من يومه فى
وقت العصر فجهل فبدأ بالعصر، أنه يعيدها إن علم مكانه، وإن طال ذلك، فلا شىء
عليه، ونحوه رأيت لابن القاسم.
ووجه الرواية الأولى، أنه معنى لا يتصور انفصاله من الصلاة، فوجب يكون شرطًا
فى صحتها كتكبيرة الإحرام.
ووجه الرواية الثانية، أنه ليس فى تقديم ما هو فى وقتها أكثر من تأخير الثانية عن
وقتها، وذلك لا يمنع صحتها كتأخير الصلاة عن وقتها ولا يمنع ذلك صحة صلاة
الوقت لأنه لا يجوز أن يقال إن ذلك ليس بوقت لها، وتقدم الأخرى عليها لا يكون
شرطًا فى صحتها كما لو كانت صلوات كثيرة.
مسألة: وإن كانت الصلوات التى ذكر كثيرة فلا يبطل ما هو من الصلوات وليقض
ما ذكر من الفوائت بعد إتمامها. واختلف أصحابنا فى تحديد ذلك، فروى ابن القاسم
عن مالك، أن القليلة خمس فما دون ذلك، وحكى ابن سحنون عن أبيه أن الخمس فما
فوقها من حيز الكثير، وإلى ذلك أشار ابن القاسم فى المدونة.
وجه القول الأول أن هذا عدد لا تنكر فيها صلاة، فكان فى حيز القليل كالاثنين
والثلاث.

٣٢٥٠٠
....
كتاب الصلاة
ووجه قول سحنون حديث ابن مسعود، وليس فيها الموالاة إلا فى أربع صلوات.
ومن جهة المعنى أن الترتيب فى الصلوات مقيس على الترتيب فى الركعات وأكثرها
أربع.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن ذكر الفذ صلاة فرض فى صلاة فرض، ففى المحدونة: إن
كان افتتح الصلاة فليقطعها، وإن كان بعد أن صلى منها ركعة، فليضف إليها أخرى
يجعلها نافلة ويسلم، ويصلى التى ذكر ثم يصلى التى كان شرع فيها، وإن ذكرها بعد
ثلاث ركعات، فقد قال مالك: يضيف إليها ر کعة أخرى.
قال ابن القاسم: وأحب إلىّ أن يقطع إذا ذكر بعد ثلاث، والفرق بينهما على مذهب
ابن القاسم أنه يختار أن يكون لذكر الصلاة تأثير فى الصلاة التى ذكرها فيها، ولذلك
إذا ذكرها بعد ركعة سلم من ركعتين ولم يتمها أربعًا، فأثر الذكر فيها الاختصار منها
على ركعتين، وصرفها عن الفرض إلى النفل فلو أتم التى ذكر فيها بعد ثلاث لما كان
للذكر فيها تأثير لأنه أتمها على حسب ما ابتدأها به، فاستحب له أن يقطع ليظهر بذلك
تأثیر ذکر الصلاة فی صلاته.
وعلى هذا يجب إذا ذكرها فى الصبح بعد ركعة أن يقطع، وعلى قول مالك المتقدم
يضيف إليها ر کعة أخرى.
ووجه ذلك أن من افتتح صلاة على شفع فأتى منها بوتر، فإنه يستحب له تبليغها
الشفع ما بينه وبين أربع ركعات كما لو ذكر بعد ركعة.
مسألة: فإن ذكرصلاة فرض فى نافلة قطعها إن كان لم يصل منا شيئًا، وإن كان
صلى منها ركعة، فقد اختلف قول مالك فيه، فقال مرة: يقطع، وقال مرة أخرى: لا
يقطع بل يتم نافلة. واختار ابن القاسم أن يتم نافلته، والفرق بين هذه المسألة وبين التى
ذكر بعد ثلاث من الفريضة، وقد اختار ابن القاسم فيها القطع، أن القطع إنما هو ليظهر
تأثير الذكر فى الصلاة التى كان فيها إذا كان بين الصلاتين ترتيب، ولما كان الترتيب
مشروعًا بين الفريضتين، لزم أن يكون لذكر المتقدمة فى المتأخرة ترتيب.
وأما الفرض والنفل فلا ترتيب بينهما، فلذلك لم يلزم أن يكون لذكر الفرض فى
النفل بعد ركعة تأثیر.
ووجه اختيار مالك القطع فى النافلة أنه ذكر لصلاة فرض فى صلاة نفل، فاستحب
له قطع النفل، أصل ذلك إذا ذكر الفريضة فى أول ركعة من النافلة، فإن اعترض على

كتاب الصلاة
..
٣٢٦
قول ابن القاسم بإنه يلزمه إن ذكر صلاة فى أول ركعة من النافلة أن لا يقطع وقد تقدم
من قوله: يقطع.
فالجواب عن هذا، أن هذا إلا يلزمه لأن النافلة إذا لم يعقد منه ركعة فإنها لم
تستحق الوقت، فكانت الصلاة التى ذكر أحق منها بالوقت لقوله : ((من نام عن
صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ويدرك بذلك وقتها)) فلما كانت الصلاة التى ذكر
تستحق الوقت دون التى شرع فيها لزمه قطعها والشروع فى التى تستحق بالوقت.
: ((من
وأما من عقد ركعة من النافلة فقد استحقت تلك النافلة الوقت لقوله
أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) فلما استحقت الوقت بالإدراك لم تقطع
لفريضة إنما تستحق الوقت بالذکر فیتم نافلة ثم يصلى فريضته.
٤٠٤ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْتَى بْنِ حَبَّنَ، عَنْ عَمِّهِ
وَاسِعِ بْنِ حَّانَ أَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى حِدَّارِ
الْقِيْلَةِ فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلاتِى انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ قِبَلٍ شِقّى الأَيْسَرٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنْ يَمِينِكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ فَانْصَرَفْتُ إِلَيْكَ، قَالَ
عَبْدُ اللّهِ: فَإِنِّكَ قَدْ أَصَبْتَ إِنَّ قَائِلا يَقُولُ: انْصَرِفْ عَنْ يَمِينِكَ فَإِذَا كُّنْتَ تُصَلَّى
فَانْصَرِفْ حَيْثُ شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ عَنْ يَمِينِكَ، وَإِنْ شِئْتَ عَنْ يَسَارِكَ.
الشرح: قوله: ((كنت أصلى وعبدالله بن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة))، بيِّن
((فانصرفت إليه من قبل شقى الأيسر))، أنه لم يكن فى قيلته وإنما كان عنه فى جانب
لأنه يكره أن يصلى إلى من يستقبله لما فى ذلك من الاشتغال بالنظر إليه عن الصلاة.
وقول عبدالله بن عمر: ((ما منعك أن تنصرف عن يمينك)) على وجه الاختبار لواسع
لما رآه قد أصاب فى انصرافه عن يساره، فأراد أن يعلم أكان قصد ذلك أو أتاه سهوا،
وقول واسع: ((رأيتك فانصرفت إليك))، يعنى إنه لم يقصد الانصراف عن الصلاة فى
ذلك الشق، وإنما انصرف إلى عبدالله بن عمر من الجهة التى كانت تليه.
فصل: وقول عبدالله بن عمر: ((أصبت))، يعنى حيث رأيت الانصراف عن يسارك
جائزًا لأن قائلاً يمنع من ذلك، ويقول: إن الانصراف من الصلاة لا يكون إلا عن يمين
المصلى، وأراد عبدالله بن عمر أن يتقدم إلى واسع بن حبان بتعليم صواب من انصرف
٤٠٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٨٢. ابن أبى شيبة فى المصنف ٣٠٥/١.

٣٢٧٠٠٠
كتاب الصلاة .
على أى شق لئلا يتبع قول ذلك القائل فيعمل به، إذا لم يكن فى ذلك عنده علم ولا
أتاه عن قصد وإنما فعله على حسب ما تيسر له، ولعل عبدالله بن عمر قد كان عنده فى
ذلك عن النبى 48 أثر، فقد روى عن ابن مسعود أنه قال: ((لا يجعل أحدكم للشيطان
شيئًا من صلاته)) يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبى
کثیرا ینصرف عن يساره.
٤٠٥ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَرَ
بِهِ بَأْسًا أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أُصَلّى فِى عَطَّنِ(١) الإِبِلِ؟ فَقَالَ عَبْدُ
اللّهِ: لَا وَلَكِنْ صَلِّ فِى مُرَّاحِ(٢) الْغَنَمِ.
الشرح: نهى عبدالله بن عمر عن الصلاة فى معاطن الإبل وإباحته للصلاة فى مراح
الغنم، جواب للسائل عما سأله، وزاده مع ذلك علمًا لعله خاف أن لا يدرك السائل
السؤال عنه، ولعله خاف أن يظن أن مراح الغنم مثله، فأخبره بالفرق بينهما، وعطن
إلابل مباركها عند الماء، ومراح الغنم مجتمعها من آخر النهار، ولا خلاف بين العلماء
فى كراهية الصلاة فى عطن الإبل.
وذكر أصحابنا فى المنع من الصلاة فى مبارك إلابل عملاً مختلفة، فذهبت طائفة إلى
أنه لا يصلى فى أعطان الإبل لأنها يستتر بها للبول والغائط، فلا تكاد تسلم مباركها
من النجاسة، وعلى هذا التعليل تجوز الصلاة فى مباركها إذا أمنت النجاسة يبسط ثوب
أو تيقن طهارة أو غير ذلك.
وقد روى فى ذلك يحيى بن يحيى عن ابن القاسم، وقال بعض أصحابنا: إن المنع من
ذلك لأنها خلقت من الشياطين، على ما جاء فى الحديث عن البراء بن عازب ((سئل
رسول الله ﴿﴿ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضئوا منها)) و((سئل عن الوضوء
من لحم الغنم، فقال: لا تتوضئوا منها)) و((سئل عن الصلاة فى مبارك الإبل، فقال: لا
تصلوا فى مبارك الإبل، فإنها من الشياطين)» و «سئل عن الصلاة فى مرابض الغنم،
فقال: صلوا فيها فإنها بركة)) وهذا التعليل يمنع من الصلاة فى مبار کها بكل وجه.
وقد روى ابن القاسم عن مالك فى المجموعة لا يصلى فيها، وإن لم يجد غيرها، وإن
٤٠٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٨٣.
(١) العطن: موضع بروك الإبل.
(٢) المراح: مكان مبيت الغنم والإبل.

كتاب الصلاة
٣٢٨
بسط ثوبًا. وقال بعض أصحابنا: إن المنع من ذلك لأن نفارها جنابة، وأن نفارها ذلك
يمنع إتمام الصلاة، فعلى هذا أيضًا لا يصلى فى مباركها ما دامت فيها وإن تيقنت
طهارتها يصلى فيها بعد أن تزول عنها إذا تيقنت طهارتها، ويجب أن تجرى البقر مجراها
لأن نفارها أيضًا جنابة، ولا يؤمن قطعها للصلاة بنفارها.
وقال قوم: المنع من ذلك لزفورتها وثقل رائحتها والصلاة قد سنت النظافة لها
وتطيب المساجد بسببها، وأشبه هذه الوجوه أنه يكره الصلاة فى معاطنها لما يتكرر من
النجاسة فيها، فإذا تيقنت الطهارة جازت لما روى عن نافع، قال: رأيت ابن عمر يصلى
إلی بعیره، فقال: رأيت النبى ﴿﴾ يفعله.
فرع: فمن صلى فى مبارك الإبل، فقد قال ابن حبيب: من صلى فيها عامدًا أو
جاهلاً أعاد أبدًا كمن صلى فى موضع نجس. وروى ابن المواز عن أصبغ يعيد فى
الوقت.
مسألة: وأما الصلاة فى مراح الغنم، فإنه جائز لسلامتها من العلل المذكورة فى الإبل
ولا خلاف فى ذلك نعلمه، والأصل فى ذلك قوله ﴿﴿: ((جعلت لى الأرض مسجدًا
وطهورًا)» ولما روى عن أنس (كان رسول الله ﴿﴿ يصلى فى مرابض الغنم)» ويدل جواز
الصلاة فى مرابض الغنم على طهارة أبوالها وبعرها وكذلك كل ما يؤكل لحمه. وبذلك
قال مالك وأحمد بن حنبل. وقال أبو حنيفة والشافعي: أبوالها نجسة. ودليلنا على ذلك
الحديث المتقدم.
مسألة: إذا ثبت أنه يجوز الصلاة فى مرابض الغنم، فإن مرابض البقر بمثابتها فى جواز
الصلاة بها، رواه ابن القاسم عن مالك، والأصل فى ذلك ما قدمناه من طهارة أبوالها
وأرواتها.
٤٠٦ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنْهُ قَالَ: مَا صَلاةٌ
يُجْلَسُ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ سَعِيدٌ: هِىَ الْمَغْرِبُ إِذَا فَاتَتْكَ مِنْهَا رَكْعَةٌ
وَكَذَلِكَ سِنَّةُ الصَّلاةِ كُلُّهَا.
الشرح: قول سعيد ذلك على وجه الاختبار لأصحابه وتدريبهم فى المسائل مثل ما
تقدم من قوله ول لأصحابه: ((ما ترون فى الشارب والسارق والزانى)) وقوله سعيد:
٤٠٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٣٨٤.

٣٢٩
كتاب الصلاة .
(هى المغرب إذا فاتتك منها ركعة))، معنى ذلك أنه أدرك مع الإمام الركعتين الأخريين
فجلس مع الإمام فيها ثم يأتى هو الركعة الثالثة، فلابد أن يجلس فيها لأن من سنة
الصلاة أن یکون آخرها جلوسًا.
فصل: وقول مالك: ((وكذلك سنة الصلاة كلها))، يعنى أن من فاته من الصلاة، أى
صلاة كانت ركعة فإنه يجلس فيها لأنها آخر صلاته ومحل لجلوسه لسلامه، وأما من
أدرك ركعة من المغرب، فإنها تصير أيضًا جلوسًا كلها لأنه مع الإمام فى آخر ركعة من
صلاته، ثم صلى الثانية فيجلس فيها لأن من سنة الثانية الجلوس، ثم يصلى الثالثة فيجلس
فيها لأنها آخر صلاته، وليس هذا حكم الصلاة الرباعية لمن أدرك منها ركعة، فإنه
يجلس فى الثانية ويقوم فى الثالثة، وإنما تصير الرباعية جلوسًا كلها إذا فاتته ركعة ثم
"درك الثانية ثم فاتته بقية الصلاة برعاف أو غيره.
وإذا أدرك المقيم من صلاة مسافر ركعة، فقد قال ابن الموز وابن حبيب: تصير
جلوسًا كلها لأنه يجلس مع الإمام فى ثانية الإمام، وهى أولاه، ثم جلس فى ثانية ثم
جلس فى ثالثة منها يقوم إلى القضاء ولا يقام إلى القضاء إلا من جلوس ثم يجلس فى
الآخرة لأنها رابعة. وقال سحنون: يقوم فى الثالثة ولا يجلس.
جامع الصلاة
٤٠٧ - مَالِك، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِىِّ،
عَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُصَلِّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَّامَةَ بِنْتَ
زَيْنَبَّ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَأَبِى الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدٍ شَمْسٍ، فَإِذَا سَحَدَ
وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.
الشرح: روى ابن القاسم عن مالك فى معنى ها الحديث أنه قال: ذلك فى النوافل،
ووجه ذلك أن النوافل قد يترخص فيها بيسير العمل وأمر الفرض أکد، فيجب أن
٤٠٧ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٥١٦. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث
رقم ٥٤٣. والنسائى فى الصغرى فى السهو حديث رقم ١٢٠٤، ١٢٠٥. وأبو داود فى
الصلاة حديث رقم ٩١٧، ٩١٨، ٩١٩، ٩٢٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٢٠٣١،
٢٢٠٧٣، ٠٢٢١٣٩