Indexed OCR Text

Pages 661-680

كتاب الصلاة
١٩٠
..
جعل صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ، ولو لم تكن صلاة الفذ مجزئة لما وصفت بأن
صلاة الجماعة، تفضلها لأنه لا يصح أن يفاضل بين صلاة الجماعة وبين ما ليس بصلاة.
والثانى: أنه حد ذلك بسبع وعشرين درجة، فلو لم تكن لصلاة الفذ درجة من الفضيلة
لما جاز أن يقال إن صلاة الجماعة تزيد عليها سبعًا وعشرين درجة ولا أكثر ولا أقل
لأنه إذا لم يكن لصلاة الفذ مقدار من الفضيلة، فلا يصح أن تتقدر الزيادة عليها
بدرجات معدودة مضافة إليها.
فصل: وقوله: ((بسبع وعشرين درجة)) يقتضى أن صلاة المأموم تعدل ثمانية
وعشرين درجة من صلاة الفذ لأنها تساويها وتزيد عليها سبعًا وعشرين جزءًا.
٢٨٤ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((صَلاةُ الْحَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةٍ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ
وَعِشْرِينَ حُزْءًا)).
الشرح: الكلام فى هذا المتن كالكلام فى حديث ابن عمر إلا أنه ذكر فى حديث
أبى هريرة: خمسة وعشرين جزءًا، وفى حديث ابن عمر: سبعًا وعشرين درجة، ويحتمل
ذلك معانى، أحدها: أن يكون خاطب بقوله: خمسة وعشرين جزءًا، قوما بأعيانهم،
وأراد بقوله فى حديث ابن عمر غيرهم، ويحتمل أن يكون ذكر حديث أبى هريرة أنه
أعلم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمسة وعشرين جزءًا، ثم أعلم بعد ذلك
بفضيلة صلاة الجماعة بسبع وعشرين درجة، فأعلم بذلك، ورواه عنه ابن عمر.
وقد روى أبو صالح هذا الحديث فأشار إلى بيان معنى الفضيلة، فقال: سمعت أبا
﴾: ((صلاة الرجل فى جماعة تضاعف على صلاته
هريرة، يقول: قال: قال رسول الله
فى بيته، وفى سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج
إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه
٢٨٤ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٤٧٧. والأذان حديث رقم ٦٤٧، ٦٤٩. والبيوع
حديث رقم ٢١١٩. وتفسير القرآن حديث رقم ٤٧١٧. ومسلم فى المساجد ومواضع
الصلاة حديث رقم ٦٤٩. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ١٩٩، ٢٠٠. والنسائى فى
الصغرى فى الصلاة حديث رقم ٤٨٦. والإمامة حديث رقم ٨٣٨. وابن ماجه فى المساجد
والجماعات حديث رقم ٧٨٨٦، ٧٨٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٤٥، ٧٣٦٧،
٧٥٣٠، ٧٥٥٧، ٨١٤٩، ٨٩٠٥، ٩٥٥١، ٩٧٦٢، ٩٧٩٩، ٩٩٢٦، ١٠١٢١،
٠١٠٤١٩

............ ١٩١
كتاب الصلاة
بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه ما دام فى مصلاه، اللهم صل عليه،
اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم فى صلاة ما انتظر الصلاة».
فقوله: ((فى بيته أو فى سوقه))، يحتمل أن يريد صلاة الجماعة فى البيت والسوق،
ولذلك علل الفضيلة وبينهما بالخطا إلى المسجد فى الصلاة، وانتظار الصلاة، والمقام فى
المصلى بعد الصلاة، ويكون معنى حديث أبى سعيد الخدرى ومعنى رواية سعيد بن
المسيب: أن صلاة الجماعة فى المسجد أفضل من صلاة الفذ فيه بخمس وعشرين درجة،
لفضيلة الجماعة فيه.
ومعنى حديث ابن عمر أن صلاة الجماعة فى المسجد أفضل من صلاة الفذ فى البيت
بسبع وعشرين درجة، ولعله لم يضف إلى فضل صلاة الجماعة فضيلة الخطا إلى الصلاة
فى المسجد، ولا فضيلة انتظار الصلاة فيه، ولا فضيلة القيام فى المصلى بعد الصلاة، وأنه
لو أضيف ذلك كله لكانت الدرجات أكثر، ومع ذلك فقد ترك صلاة الجماعة فى
البيت والسوق ولم يفاضل بينهما وبين صلاة الجماعة فى المسجد لفضل صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة فى بعض الصلوات وبعضها بخمس وعشرين درجة، لأن الصلوات
تختلف فى ذلك على ما روى من حديث عثمان أن صلاة العشاء فى جماعة تعدل قيام
نصف ليلة، وصلاة الصبح فى جماعة تعدل قيام ليلة.
٢٨٥ - مَالِك، عَنْ أَبِى الرِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ﴾
قَالَ: ((وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَّقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ، فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ
فَيُؤَذِّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّالنّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِحَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ،
وَالَّذِىِ نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنْهُ يَحِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَانَيْنِ حَسَيْنِ لَشَهِدَ
الْعِشَاءَ)).
الشرح: قوله عليه السلام: ((لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب)) الحديث، وعيد
٢٨٥ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦٤٤. ومسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث
رقم ٦٥١. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٠١. والنسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث
رقم ٨٤٨. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٥٤٨، ٥٤٩. وابن ماجه فى المساجد
والجماعات حديث رقم ٧٩١. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٢٨٤، ٧٨٥٦، ٢٧٣٦٦،
٢٧٤٧٥، ٨٦٧٣، ٩١١٩، ٩٢٠٢، ٩٧٥٠، ٩٨٦٠، ١٠٤٢٣، ١٠٤٩٦، ٠١٠٥٥٢
والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٢٧٤.

كتاب الصلاة
١٩٢
لمن تخلف عن الصلاة وإخبار بما همَّ به فيهم، وفى ذلك تحذير لهم عن معاودة التخلف
عنها لجواز أن يرى إنفاذها، قد همَّ به، وقد استدل جماعة من أصحابنا بهذا اللفظ على
أن شهود الجماعة ليس بواجب لما لم ينفذ ما همّ به، وليس هذا بصحيح لأنه قد توعد
على التخلف عن الصلاة، ولا يتوعد إلا على ترك الواجب، والأصح فى هذا، والله
أعلم، أن الذين كانوا يتخلفون عن الصلاة قوم من المنافقين ممن كان لا يعتقد فرض
الصلاة، ويعلم من حاله الاستخفاف بها والتضييع لها، يبين ذلك أنه لابد أن يكون
هؤلاء المتخلفون موسومين عنده بذلك، إما لتكرر فعلهم لذلك، أو لوحى أو لغير ذلك
لأنه لا يجوز أن يهم بذلك إلا فيمن يعتقد فيه الاستخفاف والتضبيع، ولذلك أعلم
من حالهم أنهم أشد مسارعة.
وقوله: ((أو مرماتين)) ولا يكون هذا إلا ممن استخف أمرها، ولا يعتقد وجوبها.
وقد روى أبو صالح عن أبى هريرة قال: قال النبى 18: ((ليس صلاة أثقل على
المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن
آمر المؤذن، فيقيم ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم آخذ شعلاً من نار، فأحرق من لا يخرج
إلى الصلاة بعد) فبين أن ذلك للمنافقين لأنهم هم المذكورون فى الخبر بتأخرهم عن
صلاة العشاء، ويؤكد هذا ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: وما يتخلف عنها
إلا منافق معلوم نفاقه. ويحتمل أن تكون تلك الصلاة صلاة الجمعة، فهى فريضة على
الأعيان.
فصل: وقوله: ((ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى
رجال فأحرق عليهم بيوتهم» دليل واضح على أن حضور الجماعة ليس بفرض على
الأعيان لأن النبى ﴿ لا يخبر عن نفسه بما يكون فيه معصية.
وقوله: ((فأحرق عليهم بيوتهم)) بيان أنه هم أن يؤدب بإتلاف الأموال على سبيل
الإبلاغ فى النكاية، ويحتمل أن يريد بذلك تشبيه عقوبتهم بعقوبة أهل الكفر فى تحريق
بیوتهم وتخریب دیارهم.
فصل: وقوله: ((والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين
حسنتین لشهد العشاء». قال ابن وضاح: هی حديدة کالسنان يكومون كومًا من تراب
ويقومون منه على أذرع ويرمونه بتلك الحديدة، فأيهم أثبتها فيه، فقد غلب، وقيل
المرماتان، السهمان. ورواه ابن حبيب عن مالك.

١٩٣
كتاب الصلاة
وقال أبو عبيد: المرماتان، ما بين ظلفى الشاة، وقال: هذا حرف لا أدرى ما هو، ولا
ما وجهه، إلا أن هذا تفسيره يقال: مرماتان، وواحده مرماة، مثل مدحاة، وإنما نص
النبى * على المرماتين والعظم السمين على وجه التحقير لما يؤثره المنافقون ويبادرون
إليه، ويتخلفون مع ذلك عن العشاء والصبح مع عظيم أجرهما.
وأما المؤمنون فقد أخبر عبد الله بن مسعود أنهم كانوا يتحملون المشقة فى إتيان
الصلاة حتى أن الرجل منهم ليعجز عن المشى، فيتهادى بين الرجلين حتى يوقف فى
الصف، فمحال أن يتخلف عنهما مع القدرة عليهما من يأتيهما، إذا عجز يتهادى بين
رجلین.
٢٨٦ - مَالِك، عَنْ أَبِى النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ
زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلَانُكُمْ فِى بُيُوتِكُمْ إِلا صَلاةَ الْمَكْتُوبَةِ.
الشرح: معنى ذلك أن صلاة المكتوبة إظهارها والاجتماع إليها أفضل، وأما التنفل
ففى البيوت لأن إخفاءها والاستتار بها أفضل، وقد جعل لها النبى ﴿3﴾ فضيلة على
التنفل فى المسجد، فقد قال عليه السلام: ((صلوا أيها الناس فى بيوتكم، فإن أفضل
الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة».
وروى ابن القاسم عن مالك أن التنفل فى البيوت أحب إليه من التنفل فى مسجد
النبى ﴿ إلا للغرباء، فإن تنفلهم فى مسجد النبى ﴿﴿ أحب إليه.
*
ما جاء فى العتمة والصبح
٢٨٧ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الأَسْلَمِىِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ
٢٨٦ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٣١. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث
رقم ٧٨١. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٤١٢. والنسائى فى الصغرى فى قيام الليل
وتطوع النهار حديث رقم ١٥٩٨. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٠٤٤، ١٤٤٧.
وأحمد فى المسند حديث رقم ٢١٠٧٢، ٢١٠٨٤، ٢١١١٤. والدارمى فى الصلاة حديث
رقم ١٣٦٦.
٢٨٧ - أخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٥٩/٣، عن عبد الرحمن بن حرملة. وذكره بالكنز برقم
٣٦٠ وعزاه السيوطى إلى الشافعى والبيهقى، عن عبد الرحمن بن حرملة مرسلا.

كتاب الصلاة
١٩٤
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((بَيْنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ لا
يَسْتَطِيعُونَهُمَا)) أَوْ نَحْوَ هَذَا.
الشرح: قوله: ((بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح)، ورواه القعنبى وابن
بكير. صلاة العتمة والصبح على لفظ الترجمة، وهذا الحديث يدل على أن الذين كانوا
يتخلفون عن الصلاة إذ هم أن يحرق بيوتهم المنافقون، وأن بحضور هاتين يتميز المؤمن
من المنافق، وقد جمع معنی الحدیثین أبو صالح فى روايته عن أبى هريرة، وقد قال النبى
﴿: ((لا يستطيعونهما)). والظاهر أنه أراد بذلك التأكد فى حضورها فى الجماعة
والمساجد ومفارقة حال المنافقين بالتخلف عنها.
فصل: وقوله: ((أو نحو هذا))، يحتمل أن يكون شكًا من الراوى، ويحتمل أن يفعل
ذلك على سبيل التوقى فى العبارة مع ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه كان يفعل
ذلك فی حدیث النبی
٢٨٨ - مَالِكِ، عَنْ سُمَىِّ مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ
أَبِى هُرَّيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ إِذْ وَحَدَ غُصْنَ شَوْكٍ
عَلَى الطّرِيقِ، فَأَخْرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)).
وَقَالَ: ((الشُّهَدَاءُ حَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ
فِى سَبِيلِ اللّهِ).
انتهت رواية يحيى بن يحيى وجماعة من رواية الموطأ إلى حيث ذكرنا، وزاد أبو مصعب
بعد ذلك.
وَقَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِى الّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَحِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا،
٢٨٨ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٦١٥. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٣٧. والبر
والعملة والأداب حديث رقم ١٩١٤. والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢٠٩. والجنائز
حديث رقم ٩٨٣. والبر والصلة حديث رقم ١٨٨١. والنسائى فى الصغرى فى المواقيت
حديث رقم ٥٤٠. والأذان حديث رقم ٦٧١. وأبو داود فى الأدب حديث رقم ٥٢٤٥.
وابن ماجه فى المساجد والجماعات حديث رقم ٧٩٧. والجهاد حديث رقم ٢٨٠٤. والأدب
حديث رقم ٣٦٨٢. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١٨٥، ٧٦٨٠، ٧٩٦٢، ٨١٠٦،
٨٦٥٥، ٢٧٢٩٢، ١٠٣٧٤، ٠١٠٥١٥

١٩٥
.....
كتاب الصلاة
عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِى التّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِى الْعَتَمَةِ
وَالصُّبْحِ لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا).
الشرح: معنى تعلق هذا الحديث بالترجمة على رواية يحيى أنه ذكر أولاً أن بيننا وبين
المنافقين إتيان العشاء والصبح، ثم أدخل حديث الرجل الذى أخر الغصن عن الطريق،
فغفر الله له مع نزاره هذا الفعل وصغره فى النفس بإتيان العشاء والصبح، وهذا حض
على المبادرة إلى إتيانها، فشكر الله له، يحتمل أن يريد جازاه على ذلك بالمغفرة، أو أثنى
بما اقتضى المغفرة له، ويحتمل أن يريد به أمر المؤمنين بشكره والثناء عليه بجميل فعله،
وقد وصف نفسه فى كتابه بالشكر فقال: ﴿والله شكور حليم﴾ وقوله عليه السلام:
((الشهداء خمسة)) إلى آخر الحديث، مذکور فى كتاب الجنائز.
٢٨٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنٍ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ أَنَّ عُمَرٌ
ابْنَ الْخَطَّابِ فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِى حَثْمَةَ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
غَدَا إِلَى السُّوقِ، وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ النَّوِىِّ، فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ
أُمِّ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ لَهَا: لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِى الصُّبَّحِ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَاتَ يُصَلّى فَغَتْهُ
عَيْنَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لإِنْ أَشْهَدَ صَلاةَ الصُّبْحِ فِى الْحَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةٌ.
الشرح: قوله: ((فقد سليمان بن أبى حثمة فى صلاة الصبح))، يدل على مواظبة
سليمان لصلاة الصبح معه، وذلك لاختصاصه به والقرابة التى بينهما، وسؤاله أم
سليمان من كرم الأخلاق ومواصلة الأهلين، وقد يجوز أن يحبس سليمان عن الجماعة
عذر مرض أو غيره.
وقولها: (إنه بات يصلى، فغلبته عيناه))، يحتمل أن تكون غلبته بأن لم يستيقظ وقت
الصلاة واستيقظ بعد أن فاتته الجماعة، ويحتمل أن تكون غلبتهما له بأن بلغ منه النوم
مبلغًا لا يمكنه الصلاة معه، فنام عن صلاة الجماعة ليتمكن من الصلاة، فيكون قول عمر
لها ما قال حضًا وتعليمًا لسليمان أن يؤثر صلاة الصبح فى الجماعة، على أن يصلى من
الليل صلاة تمنعه منها، وذلك أنا قد ذكرنا أن صلاة الجماعة عند كثير من مشايخنا من
فروض الكفاية، فهو آكد من النوافل.
٢٨٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٦٦.

١٩٦
كتاب الصلاة
٢٩٠ - مَالِك، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ أَبِى عَمْرَةَ الأنْصَارِىِّ أَنَّهُ قَالَ: حَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَانَ إِلَى صَلاةِ الْعِشَاءِ، فَرَأَى
أَهْلَ الْمَسْجِدِ قَلِيلًا، فَاضْطَحَعَ فِى مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ النَّسَ أَنْ يَكْثُرُوا، فَأَنَاهُ ابْنُ
أَبِى عَمْرَةً فَحَلَسَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ مَنْ هُوَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَخْبُرَهُ،
فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فَكَأَنْمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ، وَمَنْ شَهِدَ الصُّبْحَ فَكَأَنْمَا
قَامَ لَيْلَةٌ.
الشرح: اضطجاع عثمان بن عفان رضى الله عنه فى مؤخر المسجد ينتظر الناس
ليكثروا من أدب الأئمة ورفقهم بالناس وانتظارهم الصلاة إذا تأخروا تعجيلها إذا
اجتمعوا. وقد روى جابر عن النبى ﴿! أنه كان يفعل ذلك فى صلاة العشاء.
فصل: وقوله: «فأتاه ابن أبى عمرة فجلس إليه)»، يحتمل أن یکون جلس إليه ليقتبس
منه علمًا أو يقتدى به فى عمل أو يسأله حاجة، فسأله [عمر](١) رضی الله عنه من هو،
وما معه من القرآن، وهذا اهتبال من الأئمة بأحوال الناس، وبما يحصل معهم من العلم
والقرآن، ويعرف منازلهم بذلك، وهذا مما ينشط الناس إليه وإخبار عثمان بما كان عنده
من العلم فى صلاة العشاء وصلاة الصبح لما رآه أهلا لذلك، ولما رجا أن ينشط على
المواظبة عليها، وهذا يدل على أن حضور الجماعة ليس بفرض على الأعيان لأن النبى
** ساوى بينه وبين النوافل، ولا يعدل الفرض النفل ولا يساويه، ألا ترى أن من ترك
صلاة لا يجزئ عنه قيام ليلة.
إعادة الصلاة مع الإمام
٢٩١ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَحُلٍ مِنْ يَنِى الدِّيلِ، يُقَالُ لَهُ بُسْرُ بْنُ
٢٩٠ - أخرجه مسلم فى المساجد ومواضع الصلاة حديث رقم ٦٥٦. والترمذى فى الصلاة حديث
رقم ٢٠٥، ٢٢١. وأبو داود حديث رقم ٥٥٥، ٦٥٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٤١٠،
٤٩٣. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٢٥٢).
(١) هكذا وردت فى الأصل، والصواب وعثمان)».
٢٩١ - أخرجه النسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث رقم ٨٥٧. وأحمد فى المسند حديث رقم
١٥٩٥٨، ٠١٨٤٩٩

١٩٧
كتاب الصلاة
مِحْحَنٍ، عَنْ أَبِيهِ مِحْحَنٍ أَنْهُ كَانَ فِى مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَأُذِّنَ بِالصَّلاةِ،
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ، وَمِحْجَنٌ فِى مَحْلِسِهِ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللّهِ فَ: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلَّىَ مَعَ النّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ فَقَالَ: بَلَى يَا
رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِّى قَدْ صَلَيْتُ فِى أَهْلِى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: إِذَا جِئْتَ فَصَلٌ
مَعَ الَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ)).
الشرح: قوله عليه السلام: ((ألست برجل مسلم) يحتمل معنين، أحدهما:
الاستفهام، والثانى: التوبيخ، وهو الأظهر، والله أعلم، أنه إنما ذهب إلى توبيخه على
ترك الصلاة مع الجماعة التى لا يتركها مسلم، وإنما تركها من علامات المنافق، ولا
يقتضى قوله ذلك أن من لم يصل مع الناس، فليس مسلم، وهذا لا يقوله أحد، وإنما
ذلك كما يقول القائل لمن علم أنه قرشى: مال ك لا تكون كريمًا ، ألست بقرشى؟ لا
يريد بذلك نفيه عن قريش، وإنما يوبخه على أنه قد ترك أخلاق قريش.
فصل: وقوله: ((بلى يا رسول الله، ولكنى قد صليت فى أهلى))، يريد أنه لم يترك
الصلاة، وإنما اجتزأ بصلاته فى أهله، فقال له رسول الله 49: ((إذا جئت فصل مع
الناس، وإن كنت قد صليت))، يريد والله أعلم، إذا جئت المسجد، فهذا أمر له إذا أتى
المسجد أن يصلى مع الناس، ولا يخلو أن يأتى المسجد قبل أن تقام الصلاة، أو حين إقامة
الصلاة أو بعد إقامة الصلاة، والإمام فيها، فإن أتى المسجد قبل أن تقام الصلاة، فإن له
أن يخرج من المسجد ما لم تقم الصلاة، وهو فى المسجد، قاله ابن الماجشون.
ووجه ذلك أن الصلاة معهم لا تلزمه إلا بإقامتها عليه؛ لأن الصلاة إنما تلزم بالأذان
لمن كان فى المسجد، ولم يكن أدى فرضها.
مسألة: فإن أتى المسجد، فوجد الصلاة تقام أو وجدهم قد شرعوا فى الصلاة، فعليه
أن يصليها معهم.
ووجه ذلك أن الصلاة قد تعينت عليه لدخول المسجد فى ذلك الوقت، أو دخول
موضع لا يجوز له فيه ركعتا الفجر، فأما من رأى الناس يصلون، وهو مار، فإنه لا تلزمه
إعادة الصلاة مع الإمام بعد أن صلى وحده، وذلك مما لا ينبغى.
فصل: وقوله عليه السلام: (وإن كنت قد صليت)) يحتمل أن يصلى فذًا أو فى
جماعة، ويحتمل الفذ خاصة غير أنه حمل على غالب أحوال الناس فى أن من صلى فى

١٩٨
كتاب الصلاة
بيته صلى فذًا قصر على الفذ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي. وقال أحمد
وإسحاق: ذلك فى الفذ وغيره.
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور ما روى عن سليمان بن يسار أنه قال:
رأيت ابن عمر جالساً على البلاط، والناس يصلون، قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما لك لا
تصلى؟ قال: إنى قد صليت، إنى سمعت رسول الله ﴿﴿ يقول: ((لا تعاد الصلاة فى يوم
مرتين)).
ودليلنا من جهة القياس أن هذه صلاة فرض أدّاها مع الإمام، فلم يكن مأمورًا
بإعادتها مع إمام غيره كالعصر.
فرع: وهذا فى الجماعات ومساجد الآفاق، فأما المسجد الحرام ومسجد المدينة
ومسجد إيلياء، فقد قال ابن حبيب: يعيد الصلاة فيها فى جماعة من صلى فى جماعة فى
مسجد أو غيره. ورواه عن مالك، قال: وذلك لفضل الصلاة فيها على غيرها.
٢٩٢ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنِى أُصَلِّى فِى
بَيْتِى ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلاةَ مَعَ الإِمَامِ، أَفَأُصَلّى مَعَهُ فَقَالَ لَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: نَعَمْ، فَقَالَ
الرَّجُلُ: أَيْتَّهُمَا أَجْعَلُ صَلاتِى؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَوَ ذَلِكَ إِلَيْكَ إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللّهِ
يَجْعَلُ أَيَتَهُمَا شَاءَ.
٢٩٣ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ:
إِنِّى أُصَلّى فِى بَيْتِى ثُمَّ آتِى الْمَسْجِدَ، فَأَجِدُ الإِمَامَ يُصَلِّى، أَفَأُصَلِى مَعَهُ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ:
نَعَمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: فَأَيْتُهُمَا أَجْعَل صَلَائِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: أَوَ أَنْتَ تَجْعَلُهُا، إِنَّمَا ذَلِكَ
إِلَى اللهِ.
الشرح: قوله: ((أيتهما أجعل صلاتى)) يريد أيتهما أعتد عن فرضى، فقال له
عبد الله: ((أو ذلك إليك، إنما ذلك إلى الله))، أى هو الذى يتقبل عن فرضك ما شاء
منهما. قال ابن حبيب: معناه أن الله يعلم التى تقبلها منه، فأما على وجه الاعتداد بها،
فهى الأولى، وهذا يقتضى أن يصلى الصلاتين بنية الفرض، ولو صلى إحداهما بنية النفل
لم یشك أن الأخری هی فرضه.
٢٩٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٠.
٢٩٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧١.

١٩٩٠٠
كتاب الصلاة .
وقد اختلف قول مالك فيمن صلى وحده ثم صلى مع الإمام، فروى عنه: أن الأولى
فرض، والثانية نفل. وروى عنه أنه قال: لا تدرى، وذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء
فرضه.
والقولان فى هذه المسألة مبنيان على صحة رفض الصلاة بعد تمامها، فإذا قلنا لا
يصح ذلك، فالأولى فرضه على كل حال. وإذا قلنا يصح رفضها جاز أن يقال بالقول
الثانى، والله أعلم.
مسألة: فإن دخل مع الإمام فأحدث، ففى المبسوط عن محمد بن مسلمة يلزمه إعادة
الثانية سواء كان بغلبة أو تعمد. وقال ابن حبيب: إن أحدث بعد عقد ركعة لزمته
الثانية، لأنه أدرك صلاة الإمام وإن لم يعقد معه ركعة لم يلزمه القضاء. وقال أشهب:
لا يعيد، وإن حدث بعد ركعة، سواء قصد بصلاته رفض الأولى أو الفضل. وقال ابن
حبيب: روى المصريون عن مالك تجزئه صلاته الأولى، وليس عليه أن يعيد الثانية. وقال
مالك: إن كان أراد بصلاته مع الإمام أن تكون هى فريضة أو أن ذلك إلى الله، فليعد
هذه.
٢٩٤ - مَالِكِ، عَنْ عَفِيفٍ السَّهْمِىِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ يَنِى أَسَدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُوبَ
الأنْصَارِىَّ، فَقَالَ: إِنِّى أُصَلِّى فِى بَنْتِى ثُمَّ آتِى الْمَسْحِدَ فَأَجِدُ الإِمَامَ يُصَلِّ، أَفَأُصِّلَى
مَعَهُ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُوبَ: نَعَمْ فَصَلِّ مَعَهُ، فَإِنَّ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ سَهْمَ جَمْعٍ أَوْ مِثْلَ
سَهْمٍ حَمْعٍ.
الشرح: قوله: ((فإن له سهم جمع)). قال ابن وهب: ومعنى ذلك له سهمان من
الأجر. وقال الأخفش: الجمع الجيش، قال الله تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾
قال: وسهم الجمع هو السهم من الغنيمة.
قال الإمام أبو الوليد رضى الله عنه: ويحتمل عندى أن ثوابه مثل سهم الجماعة من
الأجر، ويحتمل عندى أن يريد به مثل سهم من بيت بالمزدلفة فى الحج لأن جمعًا اسم
المزدلفة، حكاه ابن سحنون عن مطرف، فلم يعجب سحنونا، ويحتمل أن يريد به أن له
٢٩٤ - أخرجه البخارى ٦٩/٢ كتاب الوتر باب ما جاء فى الوتر، عن ابن عمر. ومسلم ٥١٦/١
كتاب صلاة المسافرين باب ٢٠ رقم ١٤٥، عن ابن عمر: وأبو داود ٣٧/٢ برقم ١٣٢٦،
عن ابن عمر. والترمذى برقم ٥٩٧ جـ٤٩١/٢، عن ابن عمر. والنسائى ٢٢٨/٣، عن ابن
عمر. وابن ماجه برقم ١٣١٩ جـ ٤١٨، عن ابن عمر. وأحمد ٣٠/٢، عن ابن عمر.

كتاب الصلاة
٢٠٠
سهم الجمع بين الصلاتين، صلاة الفذ وصلاة الجماعة، فيكون فى ذلك إخبار له بأنه لا
یضیع له إحدى الصلاتين. وقال الدارمى: إن هذا یروی، بأن له سهم جمع بالتنوين،
ومعنى ذلك أنه يضاعف له الأجر مرتين، والصحيح من الرواية، والمعنى ما قدمناه.
وقوله: ((أو مثل سهم)) جمع على الشك من الراوى.
٢٩٥ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرٌ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَى الْمَغْرِبَ أَوِ
الصُّبْحَ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا مَعَ الإِمَامِ فَلا يَعُدْ لَهُا.
قَالَ يحيى: وَلا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُصَلّىَ مَعَ الإِمَامِ مَنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِى بَيْتِهِ إِلا صَلاةَ
الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُ إِذَا أَعَادَهَا كَانَتْ شَفْعًا.
الشرح: اختلف الناس فيما يعاد من الصلوات مع الإمام، فقال مالك: تعاد الصلوات
كلها إلا المغرب، وبه قال الثورى. وقال المغيرة: تعاد الصلوات كلها، وبه قال الشافعى.
وقال أبو حنيفة: يعيد الظهر والعشاء، ولا يعيد سائر الصلوات. وقال أبو ثور: يعيدها
كلها إلا الفجر والعصر.
والدليل على جواز إعادة الصبح والعصر قوله مؤ فى حديث محجن: ((إذا جئت
فصل مع الناس وإن كنت قد صليت)) ولم يفرق، فيجب أن يحمل على عمومه. ومن
جهة القياس أن هذه صلاة شفع، فجاز أن تعاد مع الإمام للفضيلة كالظهر والعشاء.
مسألة: ومن صلى العشاء وحده ثم أوتر، فإنه لا يعيدها فى جماعة، رواه ابن القاسم
عن مالك. ودليلنا على أن المغرب لا تقضى أن هذه صلاة وتر، فلا تعاد مع الإمام
للفضيلة. أصل ذلك وتر النافلة.
مسألة: إذا ثبت ذلك ممن أعاد المغرب مع الإمام، فلا يخلو أن يريد إصلاح ذلك قبل
إكمال صلاته أو عند إتمامها أو بعد السلام منها، فإن أراد ذلك قبل أن يركع، فقد قال
ابن حبيب: يقطع ما لم يركع، فإن ركع شفعها بركعة أخرى وسلم ويجىء على أحد
أصلى ابن القاسم أنه يقطع بعد الركوع.
قال ابن حبيب: فإن أكمل صلاته مع الإمام، وأراد الإصلاح قبل السلام، فقد قال
ابن القاسم فى المدونة: من أعاد المغرب فى جماعة، فإنه يشفعها بركعة وبلغنى ذلك عن
مالك.
٢٩٥ - انفرد به مالك.

.......... ٢٠١
كتاب الصلاة
وقال ابن وهب: لا يشفع، ولكن يسلم ويعيدها ثالثة، وإن ذكر ذلك قبل السلام،
فقد قال ابن حبيب: إن كان بالقرب شفعها بواحدة، وإن تباعد ذلك، فلا شىء عليه.
وجه رواية ابن القاسم أنه إنما دخلت الكراهية والنقص فى صلاته الثانية لأن صلاته
الثانية نافلة، والنافلة لم يشرع فيها الوتر، وإنما شرع فى الفروض والسنن، وأما النوافل
المطلقة فلم يشرع فيها وتر، فإذا أتى بنافلة مطلقة على حكم الوتر، فيجب أن يتدارك
ذلك، فيشفع صلاته ويردها إلى حكم النافلة المشروعة ما لم يفت ذلك بسلام، أو
طول، أو عمل مانع من استدراك إتمام الصلاة.
وهذا القول مبنى على أن نية الشفع لا تنافى نية الوتر، فإذا فات تشفيعها بشىء مما
ذكرناه لم يكن عليه أن يأتى بصلاة ثالثة لأنه ليس فى ذلك أكثر من الإتيان بنافلة
أخرى على غير الوجه المشروع من الوتر.
وهذا القول مبنى على أن نية الشفع تنافى نية الوتر، وهذا لو دخل فى صلاة بنية
الوتر، فلا يتمها شفعًا، وإنما دخل النقص فى جملة الصلاتين من جهة الصورة، فإن
المغرب وتر، فلما أعادها صارت شفعا من جهة الصورة، فكان عليه أن يزيل ذلك
النقص بصلاة ثالثة يعيدها إلى صورة الوتر، وقد يكون للنفل مدخل فى الوتر كوتر
صلاة الليل.
قال الإمام أبو الوليد: فهذا عندى وجه القولين، وقد يجىء لابن القاسم وغيره من
أصحابنا مسائل على الأصلين، ومما ورد له على الأصل الذى ذهب إليه ابن وهب فى
هذه المسألة من منافاة نية الوتر لنية الشفع قوله فى المدونة فيمن افتتح صلاة المغرب،
فأقيمت عليه، وقد صلى ركعةك يضيف إليها أخرى ويسلم ويدخل مع الإمام، ففرق
بين صلاة الظهر والمغرب لما قدمناه، والله أعلم.
العمل فى صلاة الجماعة
٢٩٦ - مَالِك، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ه
٢٩٦ - أخرجه البخارى فى الأذان حديث رقم ٧٠٣. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤٦٧.
والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٢١٩. والنسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث رقم ٨٢٣.
وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٧٩٤، ٧٩٥. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٤٢٥،
٧٦١١، ٢٧٤٤٠، ٨٨٦٠، ٩٩٣٣، ١٠١٤٤، ٠١٠٥٥٥

كتاب الصلاة
٢٠٢
قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنّاسِ فَلُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا
صَلّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ).
الشرح: قوله : ((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)) يريد التخفيف من القراءة
الركوع والسجود وغير ذلك من الأقوال والأفعال، ومعنى ذلك التخفيف الذى لا يبلغ
الإخلال بالفرض، وإنما هو التخفيف مما زاد على الفرض الذى لا تجزئ الصلاة إلا به.
والدليل على ذلك ما روى عن أنس ((كان النبى ﴿﴾ يؤخر الصلاة ويكملها)).
فصل: وقوله: ((فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير))، يريد أن الضعيف لا يستطيع
التطويل فيضر به، ولا يجوز له الخلاف على الإمام فينقطع عن الجماعة، وكذلك الكبير
والسقيم، فيجب على الإمام أن يصلى صلاة يتجوز فيها بحيث لا يشق على أحدهم.
فصل: وقوله : ((وإذا صلى أحدكم لنفسه)) يريد أن يصلى وحده، فليطول ما
شاء، فإن تطويله ذلك لا يضر بغيره.
٢٩٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّهُ قَالَ: قُمْتُ وَرَاءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِى صَلاةٍ مِنَ
الصَّلَوَاتِ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِى، فَحَالَفَ عَبْدُ اللَّهِ بِيَدِهِ فَجَعَلَنِى حِذَاءَهُ عن يمينه.
الشرح: قال الإمام أبو الوليد رضى الله عنه: قد ذكرنا فيما تقدم مراتب المأموم مع
الإمام، وأن الواحد يجب أن يقوم عن يمين الإمام، وإن تعدى المأموم، فقام عن يسار
الإِمام، فلا شىء عليه، قاله أشهب.
وقوله: ((فخالف عبد الله بيده)) يحتمل أن يريد خالف سنة الصلاة فى ترك العمل بمد
يده إلى نافع، واستباح ذلك لأن يسير العمل معفو عنه فى الصلاة، ويحتمل أن يريد
بذلك أنه خالف ما أراده نافع من الوقوف عن يساره، فنقله إلى يمينه، ويحتمل غير ذلك
من المعانى، والله أعلم.
٢٩٨ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَؤُمُّ النَّاسَ بِالْعَقِيقِ، فَأَرْسَلَ
إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَنَهَاهُ.
قَالَ مَالِكٍ: وَإِنّمَا نَهَاهُ لأَنَّهُ كَانَ لا يُعْرَفُ أَبُوهُ.
٢٩٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٤.
٢٩٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٧٥.

٢٠٣
كتاب الصلاة
الشرح: اختلف الناس فى ولد الزنى، هل يكون إمامًا راتبًا، فذهب مالك إلى أنه
يكره ذلك، فإن أمَّ، جازت صلاة من ائتم به، وهو قول الليث والشافعى. وقال عيسى
ابن دينار: لا تكره إمامة ولد الزنى إذا كان فى نفسه أهلاً لذلك، وبه قال الأوزاعى
والثوری ومحمد بن عبد الحکم.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن موضع الإمامة موضع رفعة، وكمال
ينافس صاحبه، ويحسد على موضعه، ومن كان بهذه الصفة كره له أن يعرض نفسه
لألسنة الناس، ويستشرف الطعن والسب.
ومما يدل على ذلك أن موضع الإمامة موضع رفعة وتقدم على الناس فى أهم أمر
الدين وأجل عبادة المسلمين، وهى مما يلزمه الخلفاء ويقوم به الأمراء، والإمامة موضع
شرف ورفعة وعلو منزلة، فيكره أن يقوم لذلك من فيه شىء من النقائص المرذولة، ألا
ترى أنه لا يجوز أن تكون المرأة إمامًا لنقصها.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن المعانى المانعة من رتبة الإمامة على ضربين، أحدهما: يمنع
صحتها. والثانى: يمنع فضيلتها، فأما ما يمنع صحة الإمامة عند مالك، فعلى ثلاثة
أضرب، أحدها: الأنوثة، والثانية: الصغر وعدم التكليف، والثالثة: نقص الدين.
فأما الأنوثة، فإن المرأة لا تؤم رجالا ولا نساء فى فريضة ولا نافلة، وبهذا قال
أبو حنيفة وجمهور الفقهاء. وروى ابن أيمن عن مالك: تؤم النساء. وقال الطبرى وداود:
تؤم الرجال والنساء.
والدليل على صحة القول الأول أن هذا جنس وصف فى الشرع بنقصان الدين
والعقل، فلم يصح إمامته كالكافر. وتعلق فى الرواية الثانية بما روى أن النبى ﴿! كان
يزور أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث فى بيتها، وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن
تؤم أهل دارها، وهذا الحديث مما لا يجب أن تعول عليه.
فرع: إذا ثبت ذلك، فمن صلى خلف امرأة أعاد أبدًا، قاله ابن حبيب. ووجه ذلك
أن هذا انتم بمن لا تجوز إمامته لنقص دينه وعقله كالكافر، وفى النوازل لسحنون: إن
كان الخنثى ممن يحكم بحكم الرجال، فلا إعادة عليهم.
مسألة: فأما الصغر وعدم التكليف، فقد روى ابن القاسم عن مالك فى المدونة: لا
يؤم الصبى رجالا ولا نساء فى فريضة. وفى العتبية من سماع أشهب عن مالك: أما
النوافل، فالصبيان يؤمون الناس فيها، ويقومون فى رمضان، ولا بأس بذلك. وقال أبو
مصعب: إن أُمَّ الصبى مضت صلاة من ائتم به، وبه قال الشافعى.

٢٠٤
كتاب الصلاة
والدليل على ما نقوله أن هذا غير مكلف للصلاة، فلم يجز الائتمام به كالمجنون.
ووجه قوله أبى مصعب ما روى عن عمرو بن سلمة، قال: كنا بحاضر يمر بنا الناس
إذا أتوا النبى 138، فكانوا إذا رجعوا مروا بنا فأخبرونا أن رسول الله ﴿﴾، قال كذا
وقال كذا، وكنت غلامًا حافظًا، فتحفظت من ذلك قرآنًا، كثيرًا، فانطلق أبى وافدًا إلى
رسول الله ﴿4 فی نفر من قومه فعلمهم الصلاة، وقال: «یؤمكم أقرؤ کم))، فكنت أؤم
بهم، وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين.
فرع: إذا قلنا أنه لا يصلى، والصبى ممن صلى معه أعاد أبدًا، قاله ابن حبيب، وبه
قال أبو حنيفة. ووجه ذلك أنه ممن لا تصح إمامته، فأوجب ذلك إفساد صلاة من ائتم
به كالكافر والمرأة.
قال الإمام أبو الوليد: وهذه المسألة بينة عندى على أنه لا يجوز أن يصلى أحد
الفريضة وراء من يصلى النافلة وقول أبى مصعب، يحتمل وجهين، أحدهما: أن هذه
الصلاة جازت وراء الصبى لما صلاها بنية الفرض، فعلى هذا لا تجوز الصلاة خلف
المتنفل ، ويحتمل أن تبنى على تجويز صلاة الفريضة خلف المتنفل لأن صلاة الصبى نافلة،
وهو مذهب الشافعى.
والدليل على المنع من ذلك إن كان من أدى صلاته بنية إمامه لم تجزه، فإذا أداها بغير
نیته لم تجزہ کالجمعة.
مسألة: وأما النقض فى الدين، فإنه فسق وكفر، فأما الفسق، فقد قال القاضى أبو
محمد عن مالك: إنه يمنع صحة الإمامة، وحكاه القاضى أبو الحسن. والدليل على ذلك
أن هذا نوع فسق، فوجب أن يمنع الإمامة كالكفر.
فرع: إذا ثبت ذلك، فمن صلى وراء فاسق، فقد قال القاضى أبو الحسن: قال لى
الشيخ، رحمه الله، يريد أبا بكر الأبهرى: إن ذلك على قسمين، فإن كان بتأويل أعاد
الصلاة فى الوقت، وما كان فسقًا بإجماع أعاد أبدًا، وقد قال ابن حبيب، فيمن صلى
وراء من يشرب الخمر، ولم يكن فى وقته ذلك سكران، ولكنه ممن يشرب: فإنه يعيد
أبدًا، وليس ممن تجب إمامته إلا أن يكون الوالى الذى تولى إليه الطاعة، فلا إعادة على
من صلى خلفه إلا أن يكون فى وقته ذلك سكران. وكذلك قال من لقيت من أصحاب
مالك.
وقد خالف ذلك ابن وهب من رواية عبد الملك بن الحسن عنه، فقال: لا يصلى

٢٠٥٠٠
كتاب الصلاة
خلف عاصر الخمر، فمن صلى وراءه لم يعد، وهذا يقتضى أن الفسق بإجماع لا يمنع
صحة الإمامة. ووجه القول الأول أن الإمامة مبنية على الفضل فى الدين، ولا شك أن
المرأة أتم دينًا من الفاسق ومن صلى وراءها أعاد أبدًا، فبأن يعيد من صلى وراء الفاسق
أولى وأحرى.
باب
وأما ما يمنع فضيلة الإمامة وتكره معها، فالنقائص التى تمنع كمال الفروض، أو ما
يقرب من الأنوثة والنقائص التى تحط المنزلة وتسرع إلى صاحبها الألسنة، فاما ما يمنع
كمال الفروض، فمنه الرق فيكره للعبد أن يكون إمام راتبًا.
وروى على بن زياد عن مالك أنه قال: لا يؤم العبد الأحرار إلا أن يكون يقرأ وهم
لا يقرءون فيؤمهم فى موضع الحاجة. وقال ابن الماجشون: يؤم العبد راتبًا.
وجه القول الأول أنه ناقص الفروض لأنه لا يجب عليه حج ولا جمعة ولا زكاة،
وذلك يؤثر فى المنع من الإمامة كالمرأة لما لم تجب عليها الجمعة منعت إمامتها. ووجه
ثان وهو أن الإمامة موضع رفعة وشرف، فوجب أن يؤثر فيها الرق لأنه من النقائص.
ووجه قول ابن الماجشون أن العبد سالم من نقص الأنوثة والفسق، فصح أن يكون إمامًا
راتبًا كالحر.
مسألة: ولا يؤم الأعرابى الحضريين، وإن كان أقرأهم، وذلك يحتمل وجهین،
أحدهما: ما ذكره ابن حبيب، وهو جهله بالسنة.
قال الإمام أبو الوليد: والأوضح عندى أن يكون ذلك لأنه يستديم نقص الفرائض
والفضائل، فأما نقص الفرائض، فلأنه ليس من أهل الجمعة، وأما نقص الفضائل، فلأنه
لا یشهد الجماعات.
مسألة: وأما ما يقرب من الأنوثة، فكالخصى لا يكون إماما، وإنما قاله مالك. قال
عنه ابن حبيب: ونحا به نحو التأنيث. وقال ابن الماجشون وعيسى بن دينار: لا بأس أن
يكون الخصى إماما راتبًا فى الجمعة وغيرها.
وجه قول مالك أن له حالا ظاهرا فى القرب من الأنوثة والبعد عن الذكورة. وقد
بينا أن للأنوثة تأثيرًا فى منع الإمامة، فوجب أن يكون كل ما يقرب من ذلك له تأثير
فى المنع منها، ولا يلزم على هذا العنين، فإن حاله ليس مما يقرب من الأنوثة. ووجه

كتاب الصلاة
٢٠٦
القول الثانى أن قطع عضو من أعضائه لا يمنع استدامة الائتمام به كقطع اليد
والرجل.
مسألة: وأما النقائض التى تسرع إلى أصحابها الألسنة وتكثر فيهم المقالة فكولد
الزنا، وقد تقدم الكلام فيه.
مسألة: وأما ما كان نقصًا فى الخلقة، فإنه على ضربين، أحدهما: أن يكون العضو
الناقص له تعلق بالصلاة، أو لا تعلق له بها، فإن لم يكن له تعلق بها، ولا يقرب من
الأنوثة، فإنه لا يمنع صحة الإمامة، ولا فضيلتها كالأعمى والأصم، وإن كان له تعلق
بالصلاة، فلا يخلو أن يتعلق بها تعلق فضيلة كاليد التى تتعلق بها فضيلة السجود
وغيرها، فالذى عليه جمهور أصحابنا أن ذلك لا يمنع صحة الائتمام به.
وروى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: لا أرى أن يؤم الأقطع، وإن حسنت
حاله، ولا الأشل إذا لم يقدر أن يضع يده بالأرض.
وجه القول الأول أن ما نقص من خلقه لا يمنع شيئًا من فروض الصلاة، فلا يمنع
الائتمام به کالعمى والصمم.
صلاة الإمام وهو جالس
٢٩٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ الَّ رَكِبَ
فَرَسًا فَصُرِعَ فَحُحِشَ(١) شِقُهُ الأَيْمَنُ، فَصَّلَّىَ صَلَاةً مِنَ الصَّوَاتِ، وَهُوَ قَاعِدٌ،
وَصَلْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا
فَصِلُوا فِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَةُ
فَقُولُوا رَبََّا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى حَالِسًا فَصَلُوا خُلُوسًا أَحْمَعُونَ)).
٢٩٩ - أخرجه البخارى فى الصلاة حديث رقم ٣٧٨. ومسلم فى الصلاة حديث رقم ٤١١.
والترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٢٩. والنسائى فى الصغرى فى الإمامة حديث رقم ٧٩٤،
٨٣٢. والتطبيق حديث رقم ١٠٦١. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ٦٠١. وابن ماجه فى
إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٢٣٨. وأحمد فى المسند حديث رقم ١١٦٥٥،
١٢٢٣٥. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٢٥٦، ١٣١٠.
(١) حُجِشَ: حُلِش.

٠٠ ........ ٢٠
كتاب الصلاة .
الشرح: قوله: ((فجحش شقه الأيمن)) الجحش معناه الخدش والتوجع من السقطة
ونحوها.
وقوله: ((فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد وصلينا وراءه قعودًا)). قوله: ((من
الصلوات)) يحتمل ((أل)) من جهة اللفظ أن تكون للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس، فإذا
قلنا إنها للعهد، فإنه يحتمل أن ترجع إلى الصلوات المفروضة، ويحتمل أن ترجع إلى
الصلوات التى صلاها بهم، وإن كانت للجنس، فإنها تكون بمعنى التأكيد يفيد ما يفيده
قوله: ((صلی)).
فصل: وقوله: ((وهو قاعد)) يحتمل أن يكون ذلك لعدم القدرة على القيام إن جعلنا
الألف واللام فى الصلوات للعهد راجعًا إلى الصلوات المفروضة، ويحتمل أن يكون صلى
جالسًا فى نافلة مع القدرة على القيام طلبًا للرفق، وليقوى على ما يريده بعد ذلك من
الطاعات، فتكون الألف واللام راجعة إلى غير المفروضات من الصلوات أو الجنس.
فأما الفريضة، فلا يخلو إذا صلى الإمام جالسًا لعجزه عن القيام أن يكون من وراءه
مثله عاجزين عن القيام أو قادرين عليه، فإن كانوا عاجزين عن القيام، فاختلف فى ذلك
أصحابنا، فروى موسى عن ابن القاسم فى العتبية: لا بأس أن يؤمهم فى الفريضة؛ لأن
حالهم قد استوت كما لو أضافوا القيام، وبه قال مطرف وابن الماجشون وابن عبد
الحكم وأصبغ.
وروى سحنون عن ابن القاسم: لا يؤمهم؛ لأن هذا عاجز عن القيام، فلا يؤم من
يقدر عليه، ولا من يعجز عنه كما لو لم يقدر إلا على الاضطجاع، فإنه لا يؤم من
ساواه فيه.
وقد روى عيسى عن ابن القاسم: لا يؤم المضطجع المضطجعين.
فرع: فإذا قلنا أنه لا يؤم الجالس الجلوس مع تساويهم فى العجز، فوقع ذلك، فقد
قال سحنون عن ابن القاسم: يجزئ الإمام ويعيد ما ائتم به، لأن الإمام قد أتى بصلانه
على الوجه المأمور به من الانفراد، وترك الاقتداء بغيره، ومن ائتم به، فقد ائتم بمن ليس
بإمام، فعليه الإعادة كما لو ائتمت امرأة بامرأة.
فرع: فإن لم يقدر الإمام على الجلوس ولا من وراءه، فقد روى موسى عن ابن
القاسم: لا إمامة فى هذا. قال يحيى بن عمر: فإن صلوا على ذلك أجزأته وأعادوا.

٢٠٨
كتاب الصلاة
ووجه ذلك أن هذه ليست من هيئة الصلاة، فلا تصح إقامة الجماعة عليها كما لا
يجوز التنفل عليها من غير ضرورة.
مسألة: فإن كان من وراء الإمام قادرين على القيام، فالمشهور عن مالك أنه لا يجوز
أن يأتموا به، وبه قال محمد بن الحسن. قال سحنون: وقد اختلف فى هذا قول مالك،
هكذا ذكره أبو محمد فى النوادر. والذى فى روايتنا فى العتبية، إنما هو من قول العتبى:
إنما اختلف فيها قول مالك، والله أعلم.
وروى الوليد بن مسلم عن مالك: يجوز لهم الائتمام به قياما، وبه قال أبو حنيفة
والشافعى والأوزاعى.
وجه القول الأول أن هذا ركن من أركان الصلاة، فلا يصح الائتمام من عجز عنه
كالقراءة. ووجه الرواية الثانية ما روى أن النبى ﴿ أَمَّ، وهو جالس وأبو بكر
والمسلمون معه قيام، يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله ! ويقتدى الناس بصلاة أبى
بکر.
فرع: فإذا قلنا برواية الجمهور، فصلوا على ذلك، فقد قال مطرف: تجزئه وعليهم
الإعادة أبدًا.
ووجه ذلك أن الإمام عجز عن ركن من أركان الصلاة، فلم يجزهم ما ائتموا به فيه
من الصلاة، كما لو كان الإمام أخرس، وإذا قلنا برواية الوليد، فقد روى عن مالك أنه
يستحب أن يصلى إلى جنبه من يقتدى به يكون علما لصلاته.
ووجه ذلك الاقتداء بالنبى ﴿﴿ حين صلى بأناس فى آخر حياته، وإلى جنبه أبو بكر
قائمًا.
فصل: وقوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) يريد ليقتدى، وهذا يفيد الاقتداء به فى كل
شىء إلا ما خصه الدلیل.
وقوله: ((فإذا صلى فصلوا قيامًا)) يريد من يستطيع ذلك ممن يأتم به، ومن لم يستطع
ذلك فليصل جالسا. ووجه ذلك أن عجز المأموم عن القيام لا يدخل على الإمام نقصًا
فى صلاته بل يدرك معه فضيلة الجماعة.
فصل: وقوله: ((فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا)) يقتضى أن تكون أفعال
المأموم كلها بعد أفعال الإمام، وهو معنى الائتمام به، والاقتداء بفعله، ولا خلاف أن

.............. ٢٠٩
كتاب الصلاة
ذلك من سنته، والصلاة على ضربين: أفعال وأقوال، وأفعالها على قسمين، قسم:
مقصود فى نفسه، وقسم هو فضل لغيره.
فأما المقصود فى نفسه كالقيام والركوع والسجود، فلا يخلو أن يفعله المأموم بعد
فعل أو معه أو قبله، فإن فعله بعده، فإن ذلك على وجهين، أحدهما: أن يتبع الإمام فى
الدخول فيه، والخروج عنه، ويدركه فيه فهذه سنة الصلاة وحكمها، وهو معنى قوله:
((فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا)).
وأما الوجه الثانى بأن يدخل فى الفعل بعد خروج الإمام عنه، فإن تعمده ممنوع.
مسألة: وأما فعله معه، فأن ينحط للركوع مع انحطاطه، ويرفع منه مع رفعه، وهو
ممنوع فى الجملة لما تقدم من قوله :48: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا،
وإذا رفع فارفعوا)) وهو أيضا على وجهين، أحدهما: أن يأتى الإمام من الركوع
والسجود بأكثر من مقدار الفرض، فإذا أدرك المأموم منه بعد الإمام مقدار الفرض، فلا
خلاف فى صحة ائتمامه، لأنه قد تبعه فى مقدار فرضه، وصار مؤتما به فيه، وإن لم
يدرك به الإمام منه الأقل من مقدار الفرض، أو كان الإمام اقتصر من ذلك على مقدار
الفرض، فإن ذلك مبنى على صحة تكبيرة الإحرام معه.
مسألة: وهذا فى الأفعال، وأما الأقوال، فعلى ضربين: فرائض وفضائل، فالفرائض
تكبيرة الإحرام والسلام، وقد تقدم الكلام فيهما إذا فعلا قبل الإمام أنه لا يجزئ، فإن
فعل مع الإمام، ففى المجموعة: أن المأموم يحرم بعد أن يسكت الإمام، فإن أحرم معه
أعاد الإحرام، وإن لم يفعل أجزأه، وبه قال ابن عبد الحكم.
وقال ابن حبيب، وأصبغ: يعيد الصلاة أبدًا من فعل ذلك.
قال الإمام أبو الوليد، رضى الله عنه: وهو الأظهر عندى لأن من صحة الائتمام
الاقتداء بفعله، ولا يصح ذلك إلا بأن يتقدم ما يقتدى به، وإذا وجد منهما فى حال
واحدة، فلا يصح أن يمتثل أحدهما فعل صاحبه، والفرق بين الأفعال والأقوال أن الفعل
أمر يدوم ويتكرر منه مقدار الفرض، وما يقع عليه اسم ركوع وسجود، فلذلك قلنا إنه
يصح أن يقتدى من يفعله معه إذا زاد على مقدار الفرض لأنه قد صح اتباعه له مقدار
الفرض، وفيما يقع عليه اسم ركوع وسجود. وأما تكبيره الإحرام، فإنها قول واحد
غیر متکرر جميعها فرض واحد لا يتبعض، ولا يقع على أجزائها اسم تكبير، فإذا وجد
منها فى حال واحدة لم يتبع المأموم الإمام فى فرضه، ولا فيما يقع عليه اسم تكبير منه.