Indexed OCR Text
Pages 601-620
كتاب الصلاة ١٣٠ فصل: وأما الإِمام، فهو أيضًا شرط فى وجوب الجمعة، والأصل فى ذلك فعل النبى ﴾ وأيضًا، فإنها صلاة من شرطها الجماعة، والجماعة لابد لها من إمام، فإن كانت قرية لا والى لها، قدموا من أنفسهم من يصلى بهم، وصحت الجمعة. فرع: ومن صفة الإمام الذكورة والحرية، قاله ابن القاسم ومطرف وابن الماشجون. وحكى القاضى أبو محمد فى إشرافه، أن الجمعة تصح خلف العبد، ومن صفاته أن يكون بالغًا، ومن صفاته أن يكون عدلاً، وهل يصح أن يكون فاسقًا؟ قال القاضى أبو محمد: القياس يقتضى أن لا تصح إمامة الفاسق، ولم يخص جمعة من غيرها. وقال ابن حبيب: إمامته، وإن بلغ فسقه ما بلغ فى الجمعة دون غيرها، والأول أظهر لأنه يعتبر فى صفات إمام الجمعة ما لا يعتبر فى غيره، وإذا كان الفسق يمنع إمامته فى غير الجمعة، فبأن يمنع ذلك فى الجمعة أولى. فرع: وهل من صفاته أن يكون مقيمًا؟ قال ابن القاسم: لا يؤم المسافر ابتداء، ولا مستخلفًا. وقال أشهب وسحنون: يؤم فى الحالتين. وقال ابن الماجشون ومطرف: يؤم مستخلفًا، ولا يؤم ابتداء. وجه ما قاله ابن القاسم أنه ليس من أهلها كالمرأة. ووجه ما قاله أشهب أنه لما أتاها صار من أهلها، ولم يكن فيه نقص يمنعه من التقدم فيها كالإمام بقرية من عمله، وهو مسافر. ووجه ما قاله ابن الماجشون أنه إذا عقد المسافر مع الإمام إحرامه، فقد لزم حكم الجمعة، وثبت كونه من أهلها، فصح أن يستخلف على إتمامها، وإذا لم ينعقد إحرامه مع الإمام لم يثبت له حکمھا، ولم تصح إمامته فيها. فصل: وأما الجماعة، فشرط فى وجوب الجمعة ولا حد لها عند مالك إلا أن يكونوا عددًا تتقرى بهم قرية، وتمكنهم الإقامة بانفرادهم، ومنع ذلك فى الثلاثة والأربعة. وقال أبو حنيفة: تنعقد بالإمام وثلاثة معه. وقال الشافعى: لا تنعقد إلا بأربعين مع الإمام. والدليل على أبى حنيفة أن الجمعة لما كان من شرطها الإقامة بدليل سقوطها عن أهل الظعن، وجب أن يكون من شرط وجوبها من يمكنه الإقامة من الجمع، ومعلوم أن ذلك لا يمكن فى الاثنين والثلاثة والأربعة، فوجب أن لا تنعقد بهم الجمعة. وقد استدل أصحابنا فى ذلك على الشافعى بما روى عن جابر بن عبدالله: بينما نحن نصلى مع النبى :﴿﴿ إذ أقبلت عير تحمل طعامًا، فانفضوا إليها حتى ما بقى مع رسول الله ﴿ إلا اثنا عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ............. ١٣١ كتاب الصلاة وتركوك قائمًا﴾ [الجمعة: ١١] واستدلالهم بهذا الحديث على ضعف التعلق به، يقتضى إجازتهم للجمعة من اثنى عشر رجلاً مع الإمام، والذى يجب أن يعتمد عليه من الدليل أن هذا عدد يصح منهم الانفراد بالاستيطان، فصح أن تنعقد بهم الجمعة كالأربعين رجلاً. فرع: ومن صفتهم أن يكونوا ممن تجب عليهم الجمعة، فإن كانوا مسافرين أو عبيدًا، لم تنعقد بهم لأنهم ليسوا من أهلها. وقال أشهب فى الإمام يفد من عنده، فلم يبق إلا نساء أو عبيد: فليصل يوم الجمعة ركعتين، هذا يحتمل أن يرى أن الجمعة تنعقد بهم، ويحتمل أن يكون حكم الجمعة قد ثبت بالإحرام، والله أعلم. فرع: وهل من شرط هذه الجماعة أن تحضر جميع الصلاة؟ قال أشهب: إن عقد الإمام معهم ركعة، ثم تفرقوا عنه بعد ذلك أتم الجمعة ركعتين. قال ابن سحنون: هو القياس. وقال سحنون فى المجموعة: لا تصح له الجمعة، ولو تفرقوا عنه فى التشهد حتى يبقى معه من الرجال الأحرار المقيمين عدد تنعقد بهم الجمعة، وإن لم يبق معه إلا عبيد أو مسافرون، جعلها نافلة وسلم وانتظر الجماعة. وجه القول الأول أنه من شرط الجمعة أن يؤتى بجميع الصلاة مع الإمام، وأنها من شرطها أن ينعقد منها ركعة مع الإمام، لذلك من أدرك منها ركعة مع الإمام جاز له أن یقضی الر کعة الأخرى وحده. ووجه القول الثانى أن الجماعة شرط من شروط الجمعة، فلم يجز أن يعرى عنها شىء منها كالجامع، ولا يلزم على هذا من فاتته ركعة من صلاة الإمام لأن صلاة الإمام قد كملت بشروطها، وفى مسألتنا بخلافه. فصل: وأما الخطبة فهى شرط فى صحة الصلاة بعد وجوبها، وبه قال أبو حنيفة والشافعى، وقال ابن الماجشون فى رواية أبى زيد عنه: من ترك الخطبة على أى وجه تر کها، فإن جمعته ماضية، ورواه عن مالك فی الثمانية، وبه قال داود. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور ما نقلته الأمة من فعل النبى ﴾﴾ وأفعاله على الوجوب. وقال مطرف فى الثانية: إن تركها على أى وجه كان، أعاد أبدًا، ورواه ابن حبیب عن مالك. فرع: وهل من شرطها أن تكون بحضرة من تنعقد بهم الجمعة؟ حكى القاضى أبو محمد عن شيوخنا، أنه يجزئ على المذهب، وأنه لم يجد فيها نصًا لمالك ولا لمتقدمى أصحابه. كتاب الصلاة ١٣٢ قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى أنه نص على ذلك فى المدونة بقوله: لا تجمع الجمعة إلا بالجماعة، والإمام يخطب خلافًا لأبى حنيفة. والدليل على ما نقوله أنه ذكر جعل شرطًا فى صحة الجمعة، فوجب أن تكون من شرطه الجماعة كتكبيرة الإحرام. قَالَ مَالِك: وَإِنْ جَمَّعَ الإِمَامُ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، بِقَرْيَةٍ لا تَجِبُ فِيهَا الْجُمُعَةُ، فَلا جُمُعَةَ، لَهُ وَلا لِأَهْلِ ◌ِلْكَ الْقَرْيَةِ، وَلا لِمَنْ جَمَّعَ مَعَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَيْئَّهِمْ أَمْلُ تِلْكَ الْقَرْبَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُسَافِرِ الصَّلاةَ. الشرح: وهذا كما قال لأنه لا جمعة لأحد من المصلين لعدم شروط الجمعة، من المصر أو القرية الموصوفة على ما تقدم. فصل: وقوله: ((وليتم أهل تلك القرية وغيرهم ممن ليس بمسافر»، يحتمل معنیین، أحدهما: أن يعودوا إلى الإتمام، والثانى: أن يتموا على ما تقدم من صلاتهم، وهذا أظهر من جهة اللفظ لأنه لو أراد المعنى الأول لقال: ليعد جميع المصلين معه فيتم المقيم ويقصر المسافر، ولما خص المقيمين بالذكر كان أظهر إذ صلاة المسافر جائزة. وقد اختلف أصحابنا فى هذه المسألة، فروى عن ابن القاسم فى المدونة والمجموعة، ورواه عن مالك أن الصلاة لا تجزئ الإمام ولا أحدًا ممن معه. وروى عنه أبو زيد وابن المواز تجزئه ولا تجزى أحدًا من أهل القرية، حتى يتموا عليها ظهرًا أربعًا. ورواه ابن نافع عن مالك. وجه الرواية الأولى أن الإمام أفسد صلاته بتعمد الجهر فى صلاة السر، وإذا فسدت صلاته بالعمد تعدى إلى صلاة الجماعة معه. وقد قال الشيخ أبو القاسم: إن الجهر فیما يجهر فيه والإسرار فيما يسر فيه من سنن الصلاة، وهذا مقتضى هذه الرواية. ووجه الرواية الثانية، أن تعمده للجهر لا يفسد صلاته لأنها صفة للقراءة مشروعة، فلم تمنع صحة صلاة الإمام، وإذا لم تمنع صحة صلاته لم تمنع صحة صلاة من وراءه. قَالَ مَالِك: وَلا جُمُعَةً عَلَى مُسَافِرٍ. الشرح: وهذا كما قال، وذلك أن المسافر على ضربين: رجل ابتدأ سفره يوم الجمعة، ورجل مستديم لسفره، فأما من ابتدأ يوم الجمعة، فلا يخلو أن يبتدئه قبل الزوال ١٣٣ كتاب الصلاة أو بعد الزوال قبل الصلاة، فإن شرع فيه قبل الزوال، فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أنه مکروه. وروی علی بن زیاد عنه: لا بأس به. فإن أنشأه قبل الزوال وقبل الصلاة فهو ممنوع خلافًا لبعض أصحاب أبى حنيفة. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة﴾ [الجمعة: ٩]، والأمر بالشىء يقتضى وجوبه وتحریم تر که. مسألة: فإن خرج من منزله يوم الجمعة، فأذن لصلاة الجمعة قبل أن يكون بينه وبين موضع الجمعة ثلاثة أميال، فالظاهر من المذهب أن يجب عليه الرجوع لأنه قد نودى للصلاة، وهو من أهل الجمعة، بموضع يلزم منه إتيان لجمعة كما لو كان بالمصر. مسألة: وأما من كان مستديما لسفره، فلا جمعة عليه، وإن كان بموضع الجمعة، والدليل على ذلك أن السفر عذر يبيح الفطر للصائم، فوجب أن يسقط فرض الجمعة کالمرض. مسألة: وأما إن كان المسافر واردًا على موضع استيطانه، فإن علم أنه يدرك الجمعة .بمصره، فليؤخر الصلاة حتى يصلى الجمعة، فإن عجل فصلى الظهر لم يجزه لأن فرضه الجمعة، وإن ظن أنه لا يدرك الجمعة، فصلى الظهر، فالذى رواه ابن المواز عن مالك: إن أدرك ركعة من صلاة الجمعة مع الإمام فعليه أن يأتيها. قال ابن الماجشون: لأنه صار من أهل الجمعة، فانتقض ما كان صلى من الظهر. وقال أشهب: إن كان صلى الظهر فى جماعة، فالأولى فرضه، وكان ينبغى له أن لا يأتى الجمعة، وإن كان صلى الأولى، فذا كان له أن يعيدها جمعة ثم الله أعلم بصلاته، ولو أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى. وقال سحنون فى كتاب ابنه: إن كان صلى على ثلاثة أميال من موضع الجمعة، فعليه إتيان الجمعة، وإن كان صلى على ستة أميال، فليس عليه إتيانها، بل يكره له ذلك. وجه القول الأول، أن صلاة الجمعة كانت مراعاة لأنه إن كان ممن يدرك الجمعة، فلا ظهر له، وإن كان ممن لا يدركها، فظهره ثابت، فإذا طلع الغيب عن أحد الأمرين حکم له بذلك. ووجه القول الثانى أنه لما صلى، وهو معتقد أن الجمعة قد فاتته، كان ما صلى فرضه، فلا يعيد إلا لمثل ما يعيد له العبد. ١٣٤ كتاب الصلاة .. ووجه القول الثالث أنه إذا صلى على ثلاثة أميال من موضع الجمعة فصلاته غير صحيحة لأن فرضه الجمعة، وإن كان صلى على ستة أميال فظهره صحيحة لأن ذلك فرضه. ما جاء فى الساعة التى فى يوم الجمعة ٢٣٤ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: ((فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى يَسْأَلُ اللّهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ رَسُولُ اللّهِ ﴿هَ بِيَدِهِ يُقْلَلُهَا)). الشرح: قوله 18: ((فيه ساعة)) يقتضى جزءًا من اليوم غير مقدر ولا معين، وبيان ذلك ما أشار إليه النبى 18 من تقليلها، ولو كانت مقدرة أو معينة لما كان للتقليل معنی. وقوله: ((لا يوافقها عبد مسلم)) تخصيصا لدعاء المسلمين بالإجابة فى تلك الساعة. فصل: قوله: ((وهو قائم يصلى)) هكذا رواه أكثر رواة الموطأ، وخالفهم قتيبة وعبدالله بن يوسف وأبو مصعب فأسقطوا لفظة ((وهو قائم)) وهى ثابتة صحيحة من حدیث من حديث أبى الزناد. وقوله: ((يصلى)) اختلف الناس فى تأويل هذه اللفظة لاختلافهم فى تعيين الساعة، ورويت فى ذلك أخبار نذكر ما شهر منها، وذلك أن عبد الله بن سلام وجماعة من الصحابة والتابعين قالوا: إن الساعة هى من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس من يوم الجمعة. وتأولوا قوله: ((يصلى)) بمعنى آن له حكم المصلى على ما يأتى بعد هذا، ويصح أيضا أن يتأولوا ((يصلى)) بمعنى يدعو، وتأول من ذهب إلى ذلك من المتأخرين قوله: ((وهو ٢٣٤ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٩٣٥. والطلاق حديث رقم ٥٢٩٥. والدعوات ٦٤٠٠. ومسلم فى الجمعة حديث رقم ٨٥٢. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٤٥٣. والنسائى فى الصغرى فى الجمعة حديث رقم ١٤٢٩، ١٤٣٠، ١٤٣١. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٠٤٦. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١١٣٧. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧١١١، ٧٤٢٣، ٧٦٣١، ٧٧١١، ٧٧٦٤، ٢٧٣٣٥، ٠٨٩٥ ١٣٥ ........ كتاب الصلاة قائم يصلى)) بمعنى مواظب من قوله تعالى: ﴿إلا ما دمت عليه قائما﴾ ويحتمل اللفظ هذا التأويل وإن لم يكن ظاهره. وذهب قوم إلى أن ساعة الإجابة ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة، ويجب أن تكون الساعة على قول هؤلاء فى نفس الصلاة، وإلا احتاجوا من التأويل إلى مثل ما تحتاج إليه الطائفة الأولى لأن وقت الخطبة ليس بوقت قيام فى صلاة عندنا ولا ينتدب إلى ذلك بإجماع، وأقل ما يقتضى هذا اللفظ الندب، وقد روى عن على رضى الله عنه أنه قال: تلك الساعة إذا زالت الشمس. ٢٣٥ - مَالِك، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ النَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبَ الأحْبَارِ، فَجَلَّسْتُ مَعَهُ فَحَدَّثَنِى عَنِ التّوْرَاةِ وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ ﴿ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾: ((خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ تِيْبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَةٍ إِلا وَهِىَ مُصِيحَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينٍ تُصْبِحُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلاَ الْحِنَّ وَالإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصِلِى، يَسْأَلُ اللّهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّهُ». قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِى كُلِّ سَنَّةٍ يَوْمٌ، فَقُلْتُ: بَلْ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَرَّأَ كَعْبٌ التّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿قَ﴾. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ بَصْرَةً بْنَ أَبِى بَصْرَةَ الْغِغَارِىَّ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبُلْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مَا خَرَجْتَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ يَقُولُ: لا تُعْمَلُ الْمَطِىُّ إِلا إِلَى ثَلاثَةٍ مَسَاحِدَ، إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى مَسْحِدِى هَذَا، وَإِلَى مَسْجِدٍ إِيَاءَ، أَوْ بَيْتِ الْمَغْيِسِ يَشْكُ. ٢٣٥ - أخرجه الترمذى فى الصلاة حديث رقم ٣٠٢. والجمعة حديث رقم ٤٥٣. والنسائى فى الجمعة حديث رقم ١٤٢٩، ١٤٣٠، ١٤٣١. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٠٤٦. وابن ماجه فى المساجد والجماعات حديث رقم ٧٩٩. وإقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١١٣٧، ١١٣٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ٢٣٢٦٧، ٢٣٢٦٩، ٢٣٣٣٦، ٠٢٦٦٨٨ ١٣٦ كتاب الصلاة قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِى مَعَ كَعْبِ الأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْتُهُ بِهِ فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: قَالَ كَغْبٌ: ذَلِكَ فِى كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ، فَقُلْتُ: ثُمَّ قَرَّأَ كَعْبٌّ النَّوْرَاةَ، فَقَالَ: بَلْ هِىَ فِى كُلِّ حُمُعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِىَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتَ لَهُ أَخْبِرْنِى بِهَا، وَلا تَضَنَّ عَلَىَّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ تَكُونُ أَخِرَ سَاعَةٍ فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿: ((لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلّى)) وَتِلْكَ السَّاعَةُ سَاعَةٌ لا يُصَلَّى فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((مَنْ حَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ، فَهُوَ فِى صَلاةٍ حَتَّى يُصَلّىَ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ ذَلِكَ. الشرح: قوله: ((خرجت إلى الطور))، الطور فى كلام العرب واقع على كل جبل إلا أنه فى الشرع يطلق على جبل بعينه، وهو الذى كلم فيه موسى عليه السلام، وهو الذى عناه أبو هريرة. وقوله: ((فلقيت كعب الأخبار، فحدثنى عن التوراة))، يعنى أخبره بما فى التوراة التى بأيديهم على وجه القصص والأخبار عما ينسب إليها واعتبار ما يوافق منها ما عند أبى هريرة عن النبى فصل: وقوله: فكان فيما حدثته أن قلت: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تيب عليه)) إخبار عن وقوع الأمور العظام فيه واختصاصها به فى الأغلب دون سائر الأيام، وذلك حض على الاستكثار من الطاعات فيه، وزجر عن مواقعة المعاصى. فصل: وقوله: ((وما من دابة إلا وهى مصيخة يوم الجمعة من حين يصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة)) الإصاخة الأسماع، مع التوقع لأمر يطرأ فأخبر 49 أن إصاختها إنما هى توقع للساعة وشفقة منها. وقوله: ((إلا الجن والإنس))، استثنى هذين النوعين من كل دابة وهو استثناء من الجنس لأن اسم الدابة واقع على كل ما دب ودرج إذ هذا الجنس لا يصبخ يوم الجمعة ٠٠ ١٣٧ كتاب الصلاة إشفاقًا من الساعة لأنه قد علم أن بين يدى الساعة أشراطًا ينتظرها. قال القاضى أبو الوليد: وهذا عندى ليس بالبين لأنا نجد منها ما لا يصيخ ولا علم له بالأشراط، وقد كان الناس قبل أن يعلموا بالأشراط على حالتهم التى هم عليها لا يصيخون. فصل: وقوله: ((وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه)) إخبار عن فضيلة اليوم وعظيم درجته لاختصاصه بهذه الساعة. وقول كعب: ((ذلك فى كل سنة يوم))، يحتمل أن يكون على سبيل السهو فى الإخبار عن التوراة أو التأويل للفظها، فلما راجعه أبو هريرة راجع قراءة التوراة، فقال: *))، على معنى أن الذى فى التوراة موافق له لا على معنى أن «صدق رسول الله صدقه إنما ظهر بموافقته ما قرأ من التوراة لأن الذى عند النبى ﴿﴾ أصح وصدقه أظهر من أن يعلم ذلك بموافقة ما قرأ کعب له. فصل: وقول أبى هريرة: ((فلقيت بصرة الغفارى، فقال: من أين أقبلت؟)) يعنى أنه لقيه منصرفًا من الطور، وقد كان يحتمل أن يكون خروجه هذا إلى الطور لحاجة عنت له فيه، ويحتمل أن يكون قصده على معنى التبعد والتقرب بإتيانه إلا أن قول بصرة: ((لو أدر كتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت)) دليل على أنه فهم من التقرب بقصده وسكوت أبى هريرة حين أنكر عليه دليل على أن الذى فهم منه كان قصده. فصل: وقوله: ((سمعت رسول الله (8) يقول: لا تعمل المطى)) هو تسييرها والسفر عليها لأن ذلك عملها المقصود منها، ونهيه عن إعمال المطى إلى مسجد غير المساجد الثلاثة يقتضى أن من نذر صلاة بمسجد البصرة والكوفة أنه يصلى بموضعه ولا يأتيه لحديث بصرة المنصوص فى ذلك، وذلك أن النذر إنما يكون فيما فيه القربة ولا فضيلة المساجد البلاد بعضها على بعض قصده بإعمال المطى إليه إلا المساجد الثلاثة، فإنها تختص بالفضيلة. وأما من نذر الصلاة والصيام فى شىء من مساجد الثغور، فإنه يلزمه إتيانها والوفاء لأن نذره قصدها لم يكن لمعنى الصلاة فيها، بل قد اقترن بذلك الرباط، فوجب الوفاء به، ولا خلاف فى المنع من ذلك فى غير المساجد الثلاثة إلا ما قاله محمد بن مسلمة فى المبسوط، فإنه أضاف إلى ذلك مسجدًا رابعا وهو مسجد قباء، فقال: من نذر أن يأتيه فیصلی فیه كان عليه ذلك. ١٣٨. كتاب الصلاة فصل: وقوله: ((وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس)) يشك فى اللفظة، ومسجد إيلياء هو مسجد بيت المقدس، وهذا الحديث قد رواه سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبى ((تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد)، ولم يذكر فيه بصرة، وهذا يدل على أن الصحابة كان يرسل بعضهم عن بعض. فصل: وقول عبد الله بن سلام: ((كذب كعب)) لما أخبر عنه أبو هريرة أن ذلك فى كل سنة مرة، يعنى أنه أخبره بالشىء على غير ما هو به، سواء تعمد ذلك أو لم يتعمده. وقال بعض الناس: إن الكذب إنما هو أن يتعمد الإخبار عن المخبر على ما ليس به وليس ذلك بصحيح، قال الله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدًا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذى يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾ [النحل: ٣٨، ٣٩] فأخبر تعالى أنهم يعلمون إذا بعثوا بعد الموت أنهم كانوا كاذبين فى قولهم: ﴿لا يبعث الله من يموت﴾ وإن كانوا فى حال قولهم ذلك يعتقدون أنهم صادقون. فصل: وقوله بعد ذلك: ((صدق كعب)) بمعنى أنه أخبر بالشىء على ما هو عليه، ثم قال عبد الله بن سلام: ((قد علمت أية ساعة هى))، إظهار لعلمه وتنبيه لأبى هريرة على أنها معلومة، فأما أن یکون عنده منها علم یوافقه علیه أو لا يكون عنده علم، فيبينه له. فصل: وقول أبى هريرة: ((أخبرنى بها ولا تضن علىَّ)، بمعنى لا تبخل علىّ بالعلم الذى ينتفع به أبو هريرة ولا يستضر به عبد الله بل ينتفع بتعليمه، وإنما قال أبو هريرة ذلك لأن فطرة كثير من الناس البخل بما ينفرد بعلمه، فقال عبد الله: ((هى آخر ساعة فى يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﴿، وهو يصلى: وتلك ساعة لا يصنى فيها)) مطالبة من أبى هريرة لعبد الله بتصحيح قوله، وليزيل من نفس أبى هريرة الشبهة التى تعترض علی قول عبد الله. وهذا يدلك على كثرة بحثهم عن معانى الألفاظ وتحقيقهم فيها وصحة مناظرتهم عليها بمعنى استخراج الفائدة، ففزع عبد الله إلى تأويل الظاهر الذى اعترض أبو هريرة به والجمع بينه وبين ما أورده، ولم يقنع فى ذلك بأن ما رويته عن النبى ﴿49 ليس عليه العمل أو بأن ما قلته أولى منه لما كان أبو هريرة عنده من أهل العلم والفهم حتى بين له ـة وأقام الدليل على أن اسم المصلى ينطلق فى وجهه وموافقته لما رواه عن النبى #: ((من جلس مجلسا ينتظر فيه الصلاة فهو فى صلاة الشرع على منتظر الصلاة بقوله # حتى يصلى)). ٠ ١٣٩ كتاب الصلاة الهيئة وتخطى الرقاب واستقبال الإمام يوم الجمعة ٢٣٦ - مَالِك، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنٍ لِحُمُّعَتِهِ سِوَى ثَوْتِىْ مَهْنَتِهِ». الشرح: هذا حض من النبى 8 على التحمل للجمعة فى اللباس كما حض على التطيب والغسل والسواك لأنه يوم عيد، فكان التجمل مسنونًا فيه كالفطر والأضحى. وقوله ﴿: ((لو اتخذ ثوبين لجمعته)) دليل على أن ذلك أقل ما يكون من لبس الجمال وحسن الهيئة على عادتهم من اللابس فى ذلك الوقت واتخاذها للجمعة سوى الثياب التى يمتهنها فى سائر أوقاته، يفيد قصرها على يوم الجمعة، وأن تكون الجمعة مخصوصة بلبسها وأن تكون له ثياب غيرها يمتهنها ویباشر الأعمال فيها. ٢٣٧ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَرُوحُ إِلَى الْحُمُعَةِ إِلَا ادَّهَنَ وَتَطَّبَ إِلا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا. الشرح: هذا من فعل ابن عمر موافق للحديث والعمل به وعلى ذلك عمل الأمة والحديث إذا تلقته الأمة بالقبول والعمل به لم يحتج إلى إسناد صحيح لأن عمل الأمة به يقتضى العلم بصحته بتقرير الشرع وتصحيح إسناده لا يقتضى ذلك فكان العمل به على هذا الوجه أقوى. ٢٣٨ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عُمَر بَنْ حَزْمٍ عَمَّنْ حَذََّهُ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: لِأنْ يُصَلّىَ أَحَدُكُمْ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْعُدَ خَتَّى إِذَا قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ جَاءَ يَتَخَطَى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. الشرح: معنى ذلك أن المؤثم عنده فى تخطى الرقاب يوم الجمعة أكثر من المؤثم فى التخلف عن الجمعة والتخطى يوم الجمعة على ضربين، أحدهما: قبل أن يجلس الإمام على المنبر. والثانى: بعد ذلك. فأما التخطى قبل الجلوس لمن رأى فرجة لجلوسه، فإنه مباح، ورواه ابن القاسم عن مالك لأن للداخل حقا فى الجلوس فى الفرجة، ما لم ٢٣٦ - أخرجه أبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٠٧٨. ٢٣٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢١٤. ٢٣٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢١٥. كتاب الصلاة ١٤٠ يجلس فيها غيره لأن جلوس الجالس فيها قبل الداخل لا يمنع هذا الداخل من الجلوس فيها لأنه لم يتأخر عن وقت الوجوب ولابد له من طريق إليها إلا أنه يؤمر بالتحفظ من إذاية الناس والوجوب ولابد له من طريق إليها إلا أنه يؤمر بالتحفظ من إذاية الناس والوجوب فى التخطى إليها، وأما الداخل بعد جلوس الإمام فلا يتخطى إلى فرجة ولا غيرها لأن تأخره عن وقت وجوب السعى قد أبطل حقه من التخطى إلى الفرجة يبين ذلك ما روى عن عبد الله بن بشر أن النبى ﴾ قال للداخل يوم الجمعة: ((اجلس فقد آذیت)». قَالَ مَالِك: السُُّ عِنْدَنَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ النّاسُ الإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ◌َلِى الْقِبْلَةَ وَغَيْرَهَا. الشرح: وهذا كما قال وعليه جمهور الفقهاء وعمل الناس، وذلك أن الإمام قد ترك استقبال القبلة واستقبلهم بوجهه ليكون ذلك أبلغ فى وعظهم وأتم فى إحضارهم أفهامهم فعليهم أن يستقبلوه إجابة له وطاعة وإقبالاً على كلامه ووقت استقباله هو إذا قام يخطب. قال ابن حبيب: ويلزم استقبال الإمام من لا يسمعه ولا يراه ممن كان داخل المسجد وخارجه، وللمستقبل أن يلتفت يميناً وشمالاً. زاد على بن زياد عن مالك: وله أن يلتفت، وإن حول ظهره إلى القبلة. * القراءة فى صلاة الجمعة والاحتباء ومن تركها من غير عذر ذكر فى هذه الترجمة الاحتباء ولم يجئ له ذكر فى الباب. ولأصحابنا فى صفة الجلوس مسائل نذكرها، فأولها الاحتباء، روى ابن نافع عن مالك: لا بأس أن يحتبى الرجل يوم الجمعة والإمام يخطب وله أن يمد رجليه لأن ذلك معونة له على ما يريده من أمره، فليفعل من ذلك ما هو أرفق به. ٢٣٩ - مَالِك، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِىِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ٢٣٩ - أخرجه مسلم فى الجمعة حديث رقم ٨٧٨. والنسائى فى الجمعة حديث رقم ١٤٢٢. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١١٢٣. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١١١٩. وأحمد فى المسند حديث رقم ١٧٩١٤، ١٧٩٦٣. والدارمى فى الصلاة حديث رقم ٠١٥٦٧،١٥٦٦ ......... ١٤١ كتاب الصلاة . ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الضَّحَّكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النَّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَثْرٍ سُوَرَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. الشرح: قوله: ((على أثر سورة الجمعة))، دليل على أن قراءة سورة الجمعة أمر معروف مشهور لا يحتاج إلى التساؤل عنه لكون ذلك من فعل النبى ﴾ والمواظبة عليه. ومن المجموعة من رواية ابن نافع: قيل لمالك قراءة سورة الجمعة سنة؟ قال: ما أدرى ما سنة، ولكن من أدركنا كان يقرأ بها فى الأولى، وأما الركعة الثانية فكانت تختلف القراءة فيها فمرة كان يقرأ فيها: بوهل أتاك حديث الغاشية﴾ روى أنه قرأ بـ(سبح اسم ربك الأعلى﴾ وروى أنه قرأ ((بالمنافقين)) ولذلك قال مالك: إنه يستحب قراءة الجمعة فى الركعة الأولى، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: هى وغيرها من السور سواء. والدليل على ما ذهب إليه مالك حديث ضمرة بن سعيد المذكور. ومن جهة المعنى أن هذه السورة تختص بتضمن أحكام الجمعة، فكانت أولى بذلك من غيرها وأشبه بالحال. فصل: وقوله: (على أثر سورة الجمعة)) يحتمل من جهة القراءة بأثر سورة الجمعة فى الركعة الأولى، غير أنه لا خلاف أن المراد بذلك الركعة الثانية، واللفظ يحتمل ذلك فحمل عليه، فقال: كان يقرأ ﴿هل أتاك حديث الغاشية) وروى عن النعمان بن بشير أيضًا أنه كان يقرأ ب﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ ولا خلاف أن الركعة الثانية لا تختص بإحدى هاتين السورتين، وهى عند مالك وأبى حنيفة لا تختص بغيرهما من السور. وقال الشافعى: لا يقرأ فيها إلا بسورة المنافقين. والدليل على ما نقوله أنه قد روى عن النبى ﴾ب قراءته بهذه السور كلها، وهو محمول عندنا وعندكم على الركعة الثانية، وهذا يدل على أنها غير مختصة بسورة من السور لأنها لو اختصت بسورة لم يقرأ فيها بغيرها. فصل: ويتضمن هذا الحديث جهر النبى 8 بالقراءة، ولذلك علموا ما قرأ به ولو أسر لذهبوا فى ذلك إلى التغرير كما ذهبوا إلى ذلك فى قراءته فى الظهر والعصر وفى صلاة الكسوف. ١٤٢ كتاب الصلاة ٢٤٠ - مَالِك، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، قَالَ مَالِك: لا أَدْرِى أَعَنِ النّبِىِّ ﴿ أَمْ لا؟ أَنّهُ قَالَ: (مَنْ تَرَكَ الْحُمُعَةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ». الشرح: هذا الحديث يدل على وجوب إتيان الجمعة مع تقدم ذكرنا له من قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ وأما معنى اعتبار العدد فى الحديث، والله أعلم، فانتظار للفيئة وإمهال منه تعالى عبده للتوبة، ومعنى الطبع على القلب أن يجعل بمنزلة المختوم عليه لا يصل إليه شىء من الخير، نسأل الله العصمة بفضله. ٢٤١ - مَالِك، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُخَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾ خَطَبَ خُطْبَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا(١). الشرح: لا خلاف أن من سنة الخطبة أن تفصل على خطبتين، فإن ترك الإمام الثانية لانحصار أو نسيان أو حدث وصلى غيره أجزأهم، وكذلك لو لم يتم الأولى وأتى منها بما له بال. ورواه مطرف، عن مالك وروى ابن حبيب، عن ابن القاسم: إن لم يخطب من الثانية ما له بال، لم تجزم وأعاد. مسألة: والجلوس بين الخطبتين مسنون، والمشهور من مذهب مالك أنه ليس بشرط فى صحتها. ووجه ذلك أن الخطبتين ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطًا فى صحتهما كالأذان والإقامة. مسألة: ومقدار الجلسة بين الخطبتين مقدار الجلسة بين السجدتين، رواه يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم لأنه فصل بين مشتبهين كالجلوس بين السجدتين. مسألة: ومن سنته أن يخطب قائمًا، فإن خطب جالسًا، فقد ذكر القاضى أبو محمد ٢٤٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢١٧. وأخرجه أبو داود حديث رقم ١٠٥٢. الترمذى حديث رقم ٥٠٠. ابن حان حديث رقم ٢٧٨٦. البيهقى فى السنن الكبرى ٠١٧٢/٣ ٢٤١ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢١٨. (١) قال ابن عبد البر: مرسل فى روايته عند جميع رواته، وذكر أثر متصله فى معنى حديث مالك منها: حديث جابر بن سمرة: ((أن رسول الله كان يخطب بخطبتين قائمًا يفصل بينهما بجلوس)). أخرجه مسلم فى صحيحه حديث رقم (١٩٦٢). أبو داود حديث رقم (١٠٩٣). ١٤٣٠ كتاب الصلاة فى إشرافه: أنه قد أساء ولا تبطل بذلك خطبته، خلافًا للشافعى. والدليل على ذلك أنه ذكر يتقدم الصلاة، فلم يكن القيام شرطًا فى صحته كالأذان. مسألة: وكم المقدار الذى يجزئ من الخطبة؟، ذكر القاضى أبو محمد أن فى ذلك روايتين، إحداهما أنه لا يجزئ إلا ما له بال، ويقع عليه اسم خطبة. والثانية أنه إن سبح وهلل أو سبح فقط، فإنه يعيد ما لم يصل، فإن صلى أجزأه، وفى ثمانية أبى زمذ، عن مطرف، أنه إذا صعد المنبر وتكلم بما قل أو كثر، فجمعتهم جمعة. مسألة: ويستحب تقصير الخطبتين، قال ابن حبيب: والثانية أقصرهما. والأصل فى ذلك ما روى عن أبى وائل أنه قال: خطبنا عمار بن ياسر فأوجز وأ بلغ فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فلو سكت تنفست، فقال: إنى سمعت رسول الله * يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، فإن من البيان لسحرا)». مسألة: ومن سنة الخطبة الطهارة، وهل ذلك شرط فى صحتها أم لا؟ قال سحنون: إن خطب جنبًا أعادوا الصلاة أبدًا. قال الشيخ أبو محمد: يريد وهو ذاكر، فذهب إلى أنها بمنزلة الصلاة إذا خطب بهم ناسيًا لجنابته، صحت خطبته، وإن كان ذاكرًا لجنابته بطلت خطبته، وقد أساء، وإلى مثل هذا قصد مالك فى المختصر فيمن خطب غير متوضئ ثم ذكر فتوضأ وصلى أجزأه. قال الشيخ أبو القاسم: الاختيار أن يخطب على طهارة، فإن خطب على غير طهارة أساء والخطبة صحيحة، ولو أحدث فى أثناء خطبته أو بعد الفراغ منها أجزأته خطبته. قال الشيخ أبو محمد: وقد قال بعض أصحابنا فيمن ذكر فى الخطبة أنه جنب، فتمادى فى خطبته واستخلف للصلاة أجزأهم، ونحو هذا ذكر القاضى أبو محمد عن المذهب. مسألة: ومن حكم الخطبة الاتصال بالصلاة اتصال قرب، فإن خطب فى وقت الظهر وصلى فى وقت العصر فى غيم. قال أشهب: أحب إلىّ أن يعيدوا إلا أن يكون ما بين الخطبة والصلاة قريب فيجزيهم، والله أعلم. الترغيب فى الصلاة فى رمضان ٢٤٢ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْرَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِىِّ ٢٤٢ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٩٢٤. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها= كتاب الصلاة ١٤٤ ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ صِّلِّى فِى الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَى بِصَلاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى الَّْلَةَ الْقَابَةَ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَّمَعُوا مِنَّ اللّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ ﴿ فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: ((قَدْ رَأَيْتُ الَّذِى صَنَغْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِى مِنَ الْخَرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلا أَنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ)) وَذَلِكَ فِى رَمَضَانَ. الشرح: قوله: ((إن رسول الله ، صلى فى المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس))، يدل آخر الحديث على أن صلاته نافلة وصلاة الناس معه فى الليلة الأولى، والثانية تدل على جواز الاجتماع فى النافلة فى رمضان وفعلهم ذلك فى رمضان دون غيره دليل على اختصاصه بهذا المعنى على وجه مّا كما خصه بالاعتكاف ويحتمل أن يكون ذلك لفضيلة العمل فيه، والله أعلم. فصل: وقوله: ((ثم اجتمعوا فى الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم)) لا يدل على المنع من ذلك لإقراره لهم فى الليلتين المتقدمتين عليه، ولا يدل على النسخ لأنه علل امتناعه من الخروج، فإنه خشى أن يفرض عليهم، فإذا زالت العلة بانقطاع الفرض بعده ذهب المانع وثبت جواز الاجتماع لقيام رمضان. وقد روى عن عائشة رضى الله عنها فى الحديث الذى بعد هذا من الأصل. قال: ((إن كان رسول الله ﴾ ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم وما سبح رسول الله سبحة الضحى قط وإنى لأستحبها)). قال القاضى أبو بكر: يحتمل أن يكون الله تعالى أوحى إليه أنه إن واصل هذه الصلاة معهم فرضها عليهم، إما لإرادته فرضها فقط على ما يذهب إليه أو لأنه يحدث فيهم من الأحوال والاعتقاد ما يكون الأصلح لهم فرض هذه الصلاة عليهم، ويحتمل أن يكون * ظن أن ذلك سيفرض عليهم لما جرت به عادته، فإن دام عليه على وجه الاجتماع من القرب فرض على أمته، ويحتمل أن يريد بذلك، أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده إذا داوم عليها وجوبها وإلزام الناس أمرها، وهذه المعانى كلها مأمونة بعد النبى وقد روى ابن حبيب فى واضحته عن مالك استدامة المنع من ذلك إلى وقتنا، فقال: ليس من الأمر الذى تواطأت عليه العامة أن يصلى الرجل بالنفر فى سبحة الضحى وغيرها من النافلة بالليل والنهار غير نافلة رمضان، إلا أن يكون نفرًا قليلاً، الرجلين =حديث رقم ٧٦١. والنسائى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦٠٣. والصيام حديث رقم ٢١٩٢، ٢١٩٤. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٣٧٣. وأحمد فى المسند حدیث رقم ٢٤٨٣٤، ٢٤٩٠٣، ٢٥٧٧٥. ......... ١٤٥ كتاب الصلاة والثلاثة ونحوه من غير أن يكون أمرًا مشهورًا، فمعنى ذلك، والله أعلم . . اشتهر ذلك فيها، فإنه يمنع من إشهارها والاجتماع لها مخافة أن يظن كثير من الناس أنها من جملة الفرائض. ٢٤٣ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِى هُرِّيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الَّهِ ﴿ كَانَ يُرَغِّبُ فِى فِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِعَزِيْمَةٍ، فَقُولُ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ لِجَانًا وَاخْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِى خِلافَةٍ أَبِى بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلاَقَةٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. الشرح: قوله: ((كان يرغب فى قيام رمضان))، يعنى أنه كان يحضهم عليه ويندبهم إليه ويخبرهم عن ثوابه بما يرغبهم فيه وقيام رمضان يجب أن يكون صلاة تختص به ولو كان شائعًا فى جميع العام لما اختص به ولا انتسب إليه كما لا تنتسب إليه الفرائض والنوافل التى تفعل فى غيره على حسب ما تفعل فيه، وإنما خص به معنى الحض عليه لمن عجز عن جميع قيام العام رجاء أن يأخذ من القيام يحظ، وأن يكون ذلك فى أكثر أشهر العام ثوابًا كما أنه يحض على قيام العشر الأواخر من لم يستطع قيام جميع رمضان، والأفضل لمن استطاع أن يقوم جميع العام لحديث عائشة الذى يأتى بعد هذا ((ما كان رسول الله ﴿3﴾. يزيد فى رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة)). وقالت فى حديث آخر يأتى بعد هذا: ((وأيكم يستطيع ما كان رسول الله يستطيعه كان عمله ديمة، فلما علم ﴿ أن أمته لا تطيق من ذلك ما يطيقه حضهم على أفضل الأوقات بالقول والعمل لأنه كان أكثرهم محافظة عليها وأعلمهم بها)). فصل: وقوله: ((من غير أن يأمر بعزيمة)) يعنى من غير أن يوجبه إيجابًا لا يحل تركه ثم ٢٤٣ - أخرجه البخارى فى الإيمان حديث رقم ٣٧. ومسلم فى صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٧٦٠. والترمذى فى الصوم حديث رقم ٦١٩. والنسائى فى قيام الليل وتطوع النهار حديث رقم ١٦٠١، ١٦٠٢. والصيام حديث رقم ٢١٩٣، ٢١٩٥، ٢١٩٦، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢١٩٩، ٢٢٠٠، ٢٢٠١، ٢٢٠٥، ٢٢٠٦. والإيمان وشرائعه حديث رقم ٥٠٢٢، ٥٠٢٣، ٥٠٢٤، ٥٠٢٥. وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١٣٧١، ١٣٧٢. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١٣٢٦. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٢٣٨، ٢٧٦٧٥، ٢٧٥٨٣، ٩١٨٢، ٩٧٦٧، ٠١٠١٥٩ والدارمى فى الصوم حديث رقم ١٧٧٦). كتاب الصلاة ١٤٦ .. بين الترغيب بقوله: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)) وهذا من أعظم الترغيب وأولى ما يجب أن يسارع إليه إذا كان فيه السيئات التى تقدمت له. وأعلم أن الوجه الذى يكون التكفير به هو أن يقومه إيمانًا بصدق النبى ﴿ فى ترغيبه فيه، وعلمًا بأن ما وعد به من قامه على ما وعده به واحتسابًا عند الله تعالى وأنه يقومه رجاء ثواب الله تعالى لا رياء ولا سمعة ولا غير ذلك مما يفسد العمل. فصل: وقوله: ((فتوفى رسول الله ﴿ والأمر على ذلك)) إلى آخر الحديث وهو مرسل، أرسله ابن شهاب، ويعنى بقوله: ((والأمر على ذلك))، وحال الناس على ما كانت عليه فى زمن النبى ﴿﴿ من ترك الناس والندب إلى القيام، وأن لا يجتمعوا فيه على إمام يصلى بهم خشية أن يفرض عليهم ويصح أن يكونوا لا يصلون إلا فى بيوتهم أو يصلى الواحد منهم فى المسجد، ويصح أن يكونوا لم يجمعوا على إمام واحد، ولكنهم كانوا يصلون أوزاعًا متفرقين على حسب ما ذكر فى حديث عمر رضى الله عنه بعد هذا. فصل: وقوله: ((ثم كان الأمر على ذلك فى خلافة أبى بكر وصدرًا من خلافة عمر)) وإنما أمضاه على ذلك أبو بكر، وإن كان قد علم أن الشرائع لا تفرض بعد النبى لأحد وجهين، إما لأنه شغل ولم يتفرغ للنظر فى جميع أمور المسلمين بأمر أهل الردة وغير ذلك من الأمور مع قصر المدة أو لأنه رأى من قيام الناس فى آخر الليل وقوتهم عليه ما كان أفضل عنده من جمعهم على إمام فى أول الليل. وقال ابن حبيب: رغب النبى ﴿﴿ فى قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فقام الناس وحدانًا منهم فى بيته، ومنهم فى المسجد، فمات النبى (48 وهم على ذلك، و كان الناس على ذلك فى خلافة أبى بكر وصدرًا من خلافة عمر، ثم رأى عمر أن يجمعهم فأمر أبيًا وتميمًا الدارى أن يصليا بهم إحدى عشرة ركعة بالوتر. * ما جاء فى قيام رمضان ٢٤٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةً بْنِ الزَُّيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِئُ أَنْهُ قَالَ: حَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِى رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ ٢٤٤ - أخرجه البخارى فى صلاة التراويح حديث رقم ٢٠١٠. ١٤٧٠ كتاب الصلاة أَوْزَاعٌ(١) مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلَّى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلّى الرَّجُلُ فَيُصَلِّى بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ (٢)، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنِّى لأَرَانِى لَوْ حَمَعْتُ هَؤُلاءٍ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ فَحَمَعَهُمْ عَلَى أَبِىِّ ابْنٍ كَعْبٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَحْتُ مَعَهُ لَيْلَةٌ أُخَّرَى، وَالنّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِى تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنِ الْتِى تَقُومُونَ، يَعْنِى آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. الشرح: قوله: ((فإذا الناس أوزاع متفرقون)) يعنى جماعات متفرقة، تكون الجماعة فى ناحية المسجد وفى ناحية أخرى منها جماعة أخرى، وكذلك فى نواح منه. وقوله: ((يصلى الرجل لنفسه، ويصلى بصلاته الرهط))، يحتمل معنيين، أحدهما: يصلى رجل لنفسه ويصلى آخر ومعه الرهط يصلون بصلاته، فالضمير فى قوله: بصلاته، راجع إلى غير مذكور، ويدل عليه قوله: الرجل، فتكون الألف واللام فى قوله: الرجل ليست للعهد وإنما هى للجنس. والوجه الثانى: أن يريد أن الرجل يصلى لنفسه ويصلى بصلاة ذلك الرجل الرهط، فيصح أن تكون الألف واللام على هذا التأويل للجنس، ويصح أن تكون للعهد، ويقتضى أن المأموم يصح أن يقتدى بالمصلى، وإن لم يقصد المصلى ذلك. فصل: وقول عمر: ((والله إنى لأرانى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل))، فبان أن ذلك فيما أدى إليه اجتهاده ورأيه واستنباطه ذلك من إقرار النبى . الناس على الصلاة معه فى الليلتين وقيامه ذلك على جمع الناس على إمام واحد فى الصلوات المفروضة، ولما فى اختلاف الائمة من اختلاف الكلمة وأسباب الحقد؛ ولأن هذا الشرط يحمل الكثير من الناس على الصلاة. وقوله: (أمثل»، یرید أفضل. مسألة: قال ابن حبيب: ولا بأس أن يصلى من حول المسجد فى دورهم بصلاة الإمام إذا سمعوا التكبير، ولا بأس أن يسمع الناس رجل التكبير، ولا يفعل ذلك فى الفرائض. فصل: وقوله: ((فجمعهم على أبى بن كعب)) يعنى أنه جمعهم على الائتمام به والصلاة معه. (١) أوزاع: جماعات متفرقة. (٢) الرهط: الجماعة من الرجال دون العشرة. ١٤٨ كتاب الصلاة .. قال: ((ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم))، يعنى الذى جمعهم عليه عمر، فقال: ((نعمت البدعة هذه))، هكذا وقعت هذه اللفظة نعمة فيما رأيت من النسخ، نعمة بالهاء، وذلك وجه الصواب على أصول الكوفيين، وأما البصريون فإنما تكون عندهم نعمت بالتاء الممدودة لأن نعم عندهم فعل، فلا تتصل به إلا تاء التأنيث دون هذا. وهذا القول تصريح من عمر رضى الله عنه بأنه أول من جمع الناس على قيام رمضان على إمام واحد بقصد الصلاة بهم، ورتب ذلك فى المساجد ترتيبًا مستقرًا لأن البدعة هو ما ابتدأ فعله المبتدع دون أن يتقدمه إليه غيره، فابتدعه عمر وتابعه عليه الصحابة والناس إلى هلم جرًا، وهذا أبين فى صحة القول بالرأى والاجتهاد وإنما وصفها بنعمت البدعة لما فيها من وجوه المصالح التى ذكرناها. فصل: وقوله: ((والتى ينامون عنها) يريد الصلاة آخر الليل، ((أفضل من التى يقومون)»، يريد مع الإمام أول الليل لأن الصلاة فى النصف الآخر أفضل منها فى النصف الأول لما روى عن عائشة، رضى الله عنها ((أن رسول الله ﴾ كان ينام أول الليل ويحيى آخره)) وأيضًا فإن النوافل فى بيت الرجل أفضل منها فى المسجد، لما روى عن زيد بن ثابت أن النبى ﴿ قال: ((إن أفضل الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة)) وسیأتی بعد هذا مسندًا. مسألة: ويكره للقارئ التطريب فى قراءته ولا بأس أن يحزن قراءته من غير تطريب ولا ترجيع ولا تحزين فاحش يشبه النوح أو يميت به حروفه، ولكن على معنى الترتيل والخشوع، قاله ابن حبيب. والأصل فى ذلك: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾. مسألة: ولا بأس بالاستعاذة للقارئ فى رمضان فى رواية ابن القاسم عن مالك فى المدونة، وروى عنه أشهب فى العتبية: ترك ذلك أحب إلىّ. وجه رواية ابن القاسم تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ أن الآية عنده محمولة على القراءة فى غير الصلاة لأن هذا لفظ ليس من المعجز، فلم يسن الإتيان به مع القراءة كسائر الكلام. فرع: فإذا قلنا يجوز ذلك، فقد روى بن حبيب عن مالك: لا بأس بالجهر بذلك. وروى أشهب عن مالك: کراهة الجهر بذلك. وجه رواية بن حبيب أنه ذكر مشروع حال القيام، فكان حكمه فى السر والجهر ١٤٩ كتاب الصلاة حكم القراءة. ووجه رواية أشهب أنه ليس من المعجز، فكان شأنه الإسرار ليفرق بينه وبين المعجز. وروى ابن حبيب عن مالك ذلك فى افتتاح القارئ، قال ابن حبيب: وأحب إلىّ أن يفتح بها فى كل ركعة. ٢٤٥ - مَالِك، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ أَبِىَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِئَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ قَالَ: وَقَدْ كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ خَتَّى كُنَا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِىِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كَّا نَنْصَرِفُ إِلا فِى بُزُوعِ الْفَحْرِ. الشرح: قوله: ((أمر عمر بن الخطاب، أبي بن كعب وتميمًا الدارى أن يقوما للناس)»، يعنى أن يؤماهم فى قيام رمضان يصلى بهم أبى ما قدر، ثم يخرج فيصلى تميم، والصواب أن يقرأ الثانى من حيث انتهى الأول لأن الثانى إنما هو بدل من الأول ونائب عنه ولأن القارئ من غير ذلك الموضع إنما يقصد ما يوافق صوته ويحسن فيه الخشوع وسنة قراءة القرآن على الترتيب. فصل: وقوله: ((إحدی عشر ر کعة)» يقتضى أنه کان یصلى ركعتين ركعتين، ثم يوتر بركعة، وسيأتى الكلام فى ذلك إن شاء الله تعالى، ولعل عمر إنما امتثل فى ذلك صلاة النبى ﴿3﴾ من الليل على ما روته عائشة أنه كان يصلى من الليل إحدى عشر ركعة، وقد اختلفت الرواية فيما كان يصلى به فى رمضان فى زمان عمر، فروى السائب بن یزید: إحدى عشر ركعة، وروی یزید بن رومان: ثلاثًا وعشرين ركعة، وروى نافع مولی ابن عمر: أنه أدرك الناس يصلون بتسع وثلاثین ر کعة، يوترون منها بثلاث، وهو الذى اختاره مالك. واختار الشافعى عشرين ركعة غير الوتر على حديث يزيد بن رومان، ويحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشر ركعة وأمرهم مع ذلك بطول القراءة يقرأ القارئ بالمئاين فى الركعة لأن التطويل فى القراءة أفضل الصلاة، فلما ضعف الناس عن ذلك أمرهم بثلاث وعشرين ركعة على وجه التخفيف عنهم من طول القيام، واستدراك بعض الفضيلة بزيادة الركعات، وكان يقرأ سورة البقرة فى ثمان ركعات أو اثنتى عشرة على حديث الأعرج. ٢٤٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٢٢. وأخرجه البيهقى فى السنن الكبرى ٤٩٦/١.