Indexed OCR Text
Pages 581-600
١١٠ كتاب الصلاة .. . استصحاب ذلك فى إتيانه إلى العيد، ولم يفهم منه أن يتجمل ثم يزيل ذلك ويرجع إلى حال البداوة وحين خروجه إلى العيد. ويدل على ذلك حديث عائشة رضى الله عنها ((كان الناس ينتابون الجمعة من العوالى فيصيبهم الغبار، فيخرج منهم العرق، وإن النبى ﴿َّه قال: لو تطهرتم ليومكم)) هذا فأمر النبى ﴿﴿ بالاغتسال لما كان يخرج منهم من العرق والرائحة بحضور الجمعة، والله أعلم. قَالَ مَالِك: وَمَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْحُمُعَةِ مُعَجِّلا أَوْ مُؤَخِرًا، وَهُوَ يَنْوِى بِذَلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ، فَأَصَابَهُ مَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ، فَيْسَ عَلَيْهِ إِلا الْوُضُوءُ، وَغُسْلُهُ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ. الشرح: قوله: ((معجلاً أو مؤخرًا)»، يريد بالتعجيل أن يجعل غسله ورواحه، والمؤخر أن يؤخر غسله ورواحه. وقوله: ((وهو ينوى بذلك غسل الجمعة))، يقتضى أن غسل الجمعة ينوى، ويقصد ظاهره يدل على أنه يفتقر إلى النية، ولو لم يفتقر إلى النية عنده لما أثر فيه وجودها ولا عدمها کغسل الجنابة. والظاهر من قول أشهب وابن شعبان أنه لا يفتقر إلى النية. والدليل على افتقاره إلى النية أنه غسل من غير نجاسة، فافتقر إلى النية كغسل الجنابة. ووجه تعلقه بالنية أنه تأكد وتعدى على موجبه حتى بالسنن والعبادات التى تفتقر إلى النية، وذلك أنه لو اختص بإزالة الرائحة؛ لاختص بالمواضع الموجبة لذلك، وبمن يتوقع ذلك منه، ولما شمل جميع الجسد، ولزم التنظيف للجسد الذى يؤمن منه وجود رائحة تتعدى محل موجبه كغسل الجنابة، فلحق بالسنن التى تلزم فيها النية، ولا يمتنع أن يكون الفعل ثبت بمعنى من المعانى ثم يتعدى ذلك الموضع، فيجب مع عدمه ويلحق بالسنن والعبادات كما قلنا فى الرمل حول البيت، فإنه كان لإظهار الجلد للمشركين، ثم ثبت مع عدم الحاجة إلى ذلك، فلحق بالسنن والعبادات. فرع: فإذا قلنا يفتقر إلى النية، فمن اغتسل ينوى الجمعة والجناية، فقد قال ابن القاسم: يجزئه، وبه قال الشافعى. وقال محمد بن مسلمة: لا يجزئه ذلك، وإنما يجزئه أن يغتسل جنابته، وینوی أن يجزئه عن غسل جمعته. ............ ١١١ كتاب الصلاة وجه ما قاله ابن القاسم أن الجمعة والجنابة موجبهما واحد، وهو الغسل، وهى عبادة تتداخل، فجاز أن يفعل لهما كالوضوء من البول والغائط والنوم ومس الذكر والطواف والسعى والحج والعمرة. ووجه قول محمد بن مسلمة أن نية الجمعة تقتضى النفل ونية الجنابة تقتضى الوجوب، ومقتضى أحدهما ينافى الآخر، ويحتمل أن يعنى بذلك أن غسل الجمعة لا يفتقر إلى النية، فإذا نواه مع غسل الجنابة الذى يفتقر إلى النية منع ذلك صحة النية، وقد تقدم ذكر هذا الباب مستوعبًا، والله الموفق. فصل: وقوله: ((فأصابه ما ينقض وضوء، فليس عليه إلا الوضوء، وغسله ذلك مجزئ عنه))، ومعنى ذلك أن هذا الغسل لا ينافيه الحدث، وإنما ينافيه العرق والصنان، ونذلك لو لم يحدث وطال مقامه بعد اغتساله لانتقض غسله ولو لم ينتقض وضوؤه، وكذلك قال ابن القاسم فيمن اغتسل ثم أكل أو نام: أن عليه أن يعيد غسله. وروى ابن القاسم عن مالك فى المجموعة قال: وذلك إذا أراد النوم، فأما من يغلب عليه، فكنوم المحتبى. وقد قال الشيخ أبو القاسم فى تعريفه: إن اغتسل للجمعة فى أول نهاره أجزأه، وإن تشاغل بعد الغسل أعاده، يريد أنه إنما يجزئه اغتساله فى أول النهار إذا اتصل به سعيه إلى الجمعة، وقد قدمنا أن التأخر إلى وقت الرواح هو المشروع، والله أعلم. مسألة: ومن اغتسل وبينه وبين الجمعة مسافة، فذهب فيها أثر الغسل لم يكن عليه إعادة الغسل. وروى ابن نافع عن مالك فيمن يأتى الجمعة من ثمانية أميال: رب دابة سريعة المشى، وأخرى المشى خير من ركوبها، فإعادة الغسل فى مثل هذا أحب إلىّ، وما هو بالبين وفيه سعة، ومن كان على خمسة عشر ميلاً، فاغتسل لم يجزه، والله أعلم. باب ما جاء فى الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب ٢٢٦ - مَالِك، عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ٢٢٦ - أخرجه البخارى فى الجمعة حديث رقم ٩٣٤. ومسلم فى الجمعة حديث رقم ٨٥١. والترمذى فى الجمعة حديث رقم ٤٧٠. والنسائى فى الجمعة حديث رقم ١٤٠٠، ١٤٠١ .= : كتاب الصلاة ١١٢ قَالَ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْتَ)). الشرح: معنى هذا المنع، والله أعلم، المنع من الكلام إذا خطب الإمام يوم الجمعة، وأكد ذلك 4 بأن من أمر حينئذ غيره بالصمت، فهو لاغ، لأنه قد أتى من الكلام بما نهى عنه، كما أن من نهى فى الصلاة مصليًا عن الكلام، فقد أفسد على نفسه صلاته، وإنما نص على أن الآمر بالصمت وقت الخطبة لاغ تنبيها على أن كل مكلم غيره لاغ، واللغو ردیء الكلام وما لا خير فيه منه. قال الداودى: ترك اللغو ورفث التكلم والإنصات للخطبة، واجب على من شهدها، سمعها أو لم يسمعها، قاله مالك وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء. وقال النخعى والشعبى: لا يجوز الإنصات إلا إذا قرأ القرآن خاصة. وقال أحمد بن حنبل: يجب الإنصات على من سمع الخطبة دون من لم يسمعها، وهو أحد قولى الشافعی. والدليل على وجوب الإنصات للخطبة حديث أبى هريرة المتقدم، وهو عام، فإن قيل فإن معنى ((قد لغوت)) إنك أمرت بالإنصات من لم يجب عليه. فالجواب أنه لا خلاف بيننا فى أن الآمر بالإنصات لاغيًا لأجل أمره؟ لأن الإنصات مأمور به فى الجمعة، فلم بق إلا أن یکون لاغیًا لم يتكلم فى وقت هو ممنوع من الكلام فيه، یبین ذلك قوله ﴿ !: ((من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر ثم ادهن أو مس من طيب، ثم راح فلم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)). مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن ما يتكلم به من حضر الجمعة على ضربين، ضرب فيه عبادة کقراءة القرآن، وذکر الله تعالى، وضرب لا عبادة فيه، فقليله وبکثیرہ ممنوع، لما ذ کرناه. وأما ما فيه عبادة، فإن كثيره ممنوع؛ لأن الخطبة مشروعة لمعنى التذكير والوعظ، وأمر الإمام ونهيه وتعليمه، فهو ذكر مخصوص يفوت ما قصد بها، وما يأتى به من الذكر والتسبيح وقراءة القرآن لا يفوته. وأما يسير الذكر، فإنه على ضربين ضرب =وأبو داود فى الصلاة حديث رقم ١١١٢. وابن ماجه فى إقامة الصلاة والسنة فيها حديث رقم ١١١٠. وأحمد فى المسند حديث رقم ٧٢٨٨، ٧٦٢٩، ٧٧٠٦، ٨٩٠٢، ٩٩٢٧). الدارمى فى الصلاة حديث رقم ١٥٤٨. ١١٣ . كتاب الصلاة يختص به كحمد الله عند العطاس، والتعوذ من النار عند ذكرها، فهذا خفيف؛ لأنه ليس يشغل عن الإصغاء، ولا يمنع من الإنصات إلى الخطبة. . وقال أشهب: الإنصات أحب إلىّ منه، وإن فعلوا فسرًا فى أنفسهم. والضرب الثانى لا يختص به مثل أن یعطس غيره، فیشتمه فهذه ممنوع منه. وقد روى على بن زياد عن مالك: إذا قرأ الإمام ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى﴾ [الأحزاب: ٥٦] فليصل عليه فى نفسه. وقد قال ابن حبيب: إذا دعا الإمام فى خطبته المرة بعد المرة أمن الناس، وجهروا جهرا ليس بالعالى، قال: وذلك فيما ينوب الناس من قحط أو غيره، ومعنى ذلك أنه بدعائه مستدع تأمينهم وآذن فيه. وكذلك إذا قرأ ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية، مستدع منهم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تسليمًا، فهذا لاخلاف فى إباحته، وإنما الاختلاف فى صفة النطق به من سر وجهر. مسألة: والإنصات المذكور لازم من وقت يشرع الإمام فى الخطبة الأولى بين الخطبتين إلى أن تكمل الخطبة الثانية. ٢٢٧ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِى مَالِكِ الْقُرَظِىِّ أَنْهُ أَخْبُرَهُ أَنْهُمْ كَانُوا فِى زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَّطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ، فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَّى الْمِنْبَرِ وَأَذْنَ الْمُؤَذِّنُونَ، قَالَ تَعْلَةُ: جَلَّسْنَا نَتَحَدَّثُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذّنُونَ وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ أَنْصَتْنَا، فَلَمْ يَتَكُلِّمْ مِنَّا أَحَدٌ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَخُرُوجُ الإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلاةَ وَكَلامُهُ يَقْطَعُ الْكَلامَ. الشرح: قوله: ((كانوا فى زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة)»، يعنى المهجرين إلى الجمعة يصلون، ((فإذا خرج عمر وجلس على المنبر))، يقتضى استقراءه للعمل وتتبعه الأخبار عند اتصال خروجه على الناس بارتقائه المنبر، ولا يفصل بينهما بركوع ولا غيره، وهذه السنة أن يدخل الإمام إلى المسجد، فيرقى المنبر بأثر دخوله ولا يركع لأن دخوله المسجد يمنع صلاة النافلة، ويقتضى الأخذ فى الغرض من الخطبة والصلاة بعدها، وإنما يركع عند دخول المسجد من أراد الجلوس وأما متى شرع فى الغرض، فليس عليه ركوع. ٢٢٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٠٣. ١١٤ كتاب الصلاة فصل: وقوله: ((وجلس على المنبر))، حكم الإمام إذا صعد على المنبر أن يجلس ولا يسلم، ولذلك لم يذكره ابن شهاب من فعل عمر، وهو المشهور من مذهب مالك. وقال ابن حبيب: إن كان ممن إذا دخل رقى المنبر، ووقف إلى جنبه، فليسلم على الناس عن يمينه وشماله. وأما من كان مع الناس ركع أو لم يركع، فإنه لا يسلم إذا جلس للخطبة. وقال الشافعى: يسلم إذا جلس على المنبر ولم يفصل، والدليل على ما ذهب إليه مالك عمل أهل المدينة المتصل فى ذلك، وهو حجة قاطعة، فيما طريقه الخبر. ودليلنا من جهة القياس أن هذا موضع شغل بافتتاح عبادة، فلم يشرع فيه السلام علی الناس کافتتاح سائر العبادات. فرع: فإذا قلنا بقول ابن حبيب، فإنه يجهر بالسلام فيسمع من يليه ويرد عليه من سمعه. ووجه ذلك أن من حكم المسلم أن يسمع المسلم عليهم أو بعضهم ويلزم الرد عليه. مسألة: ولا خلاف فى الجلوس على المنبر يوم الجمعة، وأما فى سائر الخطب، فعن مالك فى ذلك، روايتان، إحداهما: أنه يجلس لأن ارتقاء المنبر للخطبة يتعلق بالصلاة، فكان من سنته الجلوس كالارتقاء يوم الجمعة. والرواية الثانية: لا يجلس لأن الجلوس إنما شرع يوم الجمعة انتظارًا لفراغ المؤذنين من الأذان يوم الجمعة، ولا أذان فى خطبة العيد، فلا معنى للجلوس فى أولها. فصل: ومعنى قوله: ((وجلسنا نتحدث))، يقتضى المنع من الصلاة فى ذلك الوقت، وإباحة الكلام لأنه أخبرهم أنهم كانوا على صلاة، حتى إذا خرج عمر وجلس على المنبر جلسوا يتحدثون، وهذا أبين فى تركهم ما كانوا عليه وانتقالهم إلى حال أخرى غيرها، وهو الحدیث. وأما الإنصات، فليس بواجب فى ذلك الوقت، وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: يجب الإنصات إذا قعد الإمام على المنبر، وقبل أن يشرع فى الخطبة. والدليل على ذلك أن الإنصات، إنما هو للإصغاء إلى الخطبة وقبل أن يبتدئ الإمام بالخطبة لم يوجد ما يصغى له، ولم يلزم بعد حكم الإنصات للخطبة، فلا معنى له، ولا يلزم على هذا الإنصات بين الخطبتين، لأن حكم الإنصات قد لزم. ......... ١١٥ كتاب الصلاة فصل: وقوله: ((وأذن المؤذنون))، يقتضى أن الأذان كان عند جلوس عمر على المنبر، وهى السنة، ((فإذا فرغ المؤذنون، وقام عمر يخطب أنصتنا))، يقتضى أن من سنة الخطبة القيام. والدليل على ذلك ما رواه ابن عمر ((كان النبى ﴿لَّه يخطب قائمًا، ثم يعقد، ثم يقوم كما تفعلون)). فصل: وقوله: ((أنصتنا فلم يتكلم منا أحد))، بين اتفاقهم على الإنصات، وأن ذلك مما لا اختلاف فیه بینھم. فصل: وقول ابن شهاب: ((إن خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام))، تفسير لحديث ثعلبة، وتقرير لمعناه. وذلك أن المتنفل يوم الجمعة، لا يخلو أن يحرم قبل دخول الإمام أو بعده، فإن أحرم قبل دخول الإمام، فقد قال مالك: يتمادى على صلاته، وإن خرج الإمام؛ لأنه قد شرع فى الصلاة فى وقت يجوز له الشروع فيها، ولزمه إتمامها، وإن دخل الإمام المسجد قبل أن يحرم، فقد قال مالك فى المدونة: يقعد ولا يحرم. وقال مالك فى المختصر: الصلاة جائزة إلى أن يجلس الإمام على المنبر، وإنما كره له أن يحرم بعد دخول الإمام، وقبل أن يجلس لقرب ذلك من جلوسه على المنبر، وعليه أن يتم الصلاة قبل أن يجلس. مسألة: فإن دخل قبل أن يجلس الإمام على المنبر، والمؤذنون يؤذئون، فلا يصلى وإن أحرم ساهيًا أو جاهلاً، فقد روى ابن وهب عن مالك: لا يقطع صلاته وليتمها. ووجه ذلك أنه قد تلبس بالصلاة ولزمه حكمها، فكان عليه إتمامها. مسألة: وأما من جاء والإمام يخطب، فإنه يجلس ولا يركع، هذا مذهب مالك وجماعة أصحابه، وبه قال أبو حنيفة والثورى. وقال الشافعى: يركع من دخل يوم الجمعة، والإمام يخطب. ودليلنا على ذلك ما تقدم من الأدلة على وجوب الإنصات، والمصلى لا يمكنه الإنصات لما يلزمه من القراءة. ١١٦ كتاب الصلاة ٢٢٨ - مَالِك، عَنْ أَبِىِ النّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِى عَامِرٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ فِى خُطْبِهِ، قَلَّ مَا يَدَعُ ذَلِكَ إِذَا خَطَبَ: إِذَا قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَمِعُوا وَأَنْصِتُوا، فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِى لا يَسْمَعُ مِنَ الْحَظِّ مِثْلَ مَا لِلْمُنْصِتِ السَّامِعِ، فَإِذَا قَامَتِ الصَّلاةُ فَاعْدِلُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بِالْمَنَّاكِبِ، فَإِنَّ اعْتِدَالَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ، ثُمَّ لا يُكَبِرُ حَتّى يَأْتِيَهُ رِحَالٌ قَدْ وَكُلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَيُخْبِرُونَهُ أَنْ قَدِ اسْتَوَتْ فَيْكَبِرُ. هذا الخبر، وخبر ثعلبة عن أبى مالك حجتان فيما تضمنه كل خبر منهما لحضور الصحابة وجماعة المسلمين لهما، وعدم المخالف، وترك الاعتراض فى شىء منهما، ومثابرة عثمان رضى الله عنه فى خطبته على الأمر بالإنصات عند الخطبة يوم الجمعة دليل على وجوب تأكد ذلك عنده، وعند من سمعه ممن لم ينكر عليه. فصل: قوله: ((فإن للمنصت الذى لا يسمع من الحظ مثل للمنصت السامع))، على استواء الحالتين فى الوجوب، وأما فى الأجر، فقد قال الداودى: إنما ذلك لمن لم يفرط فى التهجير، وهذا الذى قاله ليس بالقوى لأن المفرط فى التهجير، وغير المفرط يجب عليهما الإنصات، ويؤجران عليه، وإنما يختلف حالهما ويتباين أجرهما فى التهجير، وتلك قربة أخرى غير الإنصات. فصل: قوله: (فإذا قامت الصلاة، فاعدلوا الصفوف وحاذوا بالمناكب))، أمر بتعديل الصفوف لأن ذلك من سنة الصلاة وإقامتها، وليس ذلك بشرط فى صحة الصلاة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى. وقال أحمد بن حنبل: من صلى خلف الصف بطلت صلاته. ودليلنا من جهة القياس أن هذا موضع تصح صلاة المرأة فيه، فصحت صلاة الرجل فیہ کالصف. فصل: قوله: ((وكان عثمان رضى الله عنه قد وكل أناسًا بتسوية الصفوف))، لما علم من أمر النبى 1888 بذلك، وعلم اعتقاد الناس أن ذلك من هيئة الصلاة وفضائلها دون فرائضها، فربما تجوز بعضهم فى ذلك لاعتقاده صحة صلاته، وكان عثمان رضى الله عنه يريد أن يأخذهم بالأفضل الأكمل. ٢٢٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٠٤. كتاب الصلاة ١١٧٠٠٠٠٠٠ ٢٢٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَصْبَهُمَا (١) أَنِ اصْمُنَا. الشرح: معنى ذلك أنه أنكر على المتحدثين، ولم يكن له أن يتكلم بالإنكار عليهما، فحصبهما. وقال عيسى بن دينار: وليس العمل على تحصيب من تكلم، والإمام يخطب، ولا بأس أن يشير إليه. ويحتمل أن يكون ابن عمر إنما حصبهما لبعدهما وخلو ما بينه وبينهما، وأمن أن یؤدی بذلك أحدًا، فحصبهما، يعنى أنه رمى الحصب بقربهما لینظرا إليه، فیشیر إليهما بالصمت، فإن كان ابن دينار خاف من أن يؤذى أحدًا بذلك، فإنما أنكر إطلاق اللفظ من أذى المحصوب أو من بينه وبين الحاصب، وإن كان أنكر كثرة العمل والاشتغال عن الخطبة، فهو مخالف لما رواه عبدالله. وفى الجملة، فإن مقتضى مذهب مالك أن لا يشير إليهما، وهو الصواب لأن الإشارة إليهما أن يصمتا بمنزلة أن يقول لهما: اصمتا، فى ترك الإنصات للخطبة، وقد سمى النبى ﴿﴾ من فعل ذلك لاغيًا، والله أعلم. ٢٣٠ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَشَمَّنَّهُ إِنْسَانٌ إِلَى حَنْبِهِ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: لا تَعُدْ. الشرح: هذا من قبيل ما ذكرنا النهى عنه، لأن تشميت العاطس كلام من المشمت فى حال الخطبة لغير الإمام، وذلك مكروه، ومخرج من الإنصات، وقد قال أشهب فى العاطس حين الخطبة: إن حمد الله ففى نفسه، ومعنى ذلك أن الجهر به استدعاء لتشمیت من سمعه، ومعنى التشميت أن يقال له: يرحمك الله، ويقال شمته، وسمته، قال ابن الأنباری: والشین أفصح، ومعنى التشمیت الدعاء، فمعنی شمته، أی دعا له. وقوله: («فنهاه عن ذلك، وقال: لا تعد»، من باب اتصال العمل بالأمر بالصمت، واتفاق أئمة المسلمين عليه. ٢٢٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٠٥. (١) الحَصْب: الرمى بحجارة صغيرة. ٢٣٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٠٦. كتاب الصلاة ١١٨ ٢٣١ - مَالِكِ أَنّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الْكَلامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا نَزَلَ الإِمَامُ عَنِ الْمِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ. فهذا الحديث من قول ابن شهاب، ومعناه صحيح لأن الأمر بالإنصات، إنما كان لأجل الخطبة، فإذا انقضت الخطبة وزال حكمها، فلا يوجب الإنصات إلا الإحرام بالصلاة، وذلك مباح فى حال الإقامة، ولا خلاف فيه. ما جاء فيمن أدرك ركعة يوم الجمعة ٢٣٢ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاةِ الْحُمُعَةِ رَكْعَةٌ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَهِىَ السُّنّةُ. قَالَ مَالِك: وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاةِ رَكْعَةٌ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ)(١). الشرح: فى إدراك المصلى يوم الجمعة أربع مسائل، إحداها: أن يدرك بعض الخطبة، فهذا لا خلاف فى إدراكه الجمعة. والثانية: أن يفوته جميع الخطبة، ويدرك جميع الصلاة، فالذى عليه فقهاء الأمصار أن صلاته صحيحة. وقال عطاء ومكحول ومجاهد وطاوس: إن الجمعة قد فاتته بفوات الخطبة، وفرضه أن يصلی ظهرًا أربعًا. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور قوله : ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) وهو عام فى جميع الصلوات إلا ما خصه الدليل. ودليلنا من جهة المعنى أن هذه صلاة، فوجب أن تدرك مع الإمام بإدراك ركعة منها کسائر الصلوات. وأما المسألة الثالثة، فهو أن يدرك ركعة من صلاة الإمام، فإن جمعته صحيحة، وعليه ٢٣١ - أخرجه أحمد ٣١٨/٢. وذكره الزيلعى فى نصب الراية ٢٠٠/٢ كتاب الصلاة، وعزاه لمسلم، عن أبى هريرة. ٢٣٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢٠٧. (١) تقدم تخريجه فى باب من إدرك ركعة من الصلاة. ........... ١١٩ كتاب الصلاة أن يأتى بركعة على نحو ما فائته، فتتم بذلك صلاة الجمعة، وهذا يقتضى أن الإمام والجماعة شرط فى إدراك ركعة من الجمعة، وليستا شرطًا فى إدراك جميعها، وقد اختلف فى الجامع على ما تقدم. وأما المسألة الرابعة، فأن يدرك الإمام جالسًا فى صلاته، فذهب مالك والشافعى وجماعة من الفقهاء أن الجمعة قد فاتته، وعليه أن يصلى ظهرًا أربعًا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يصلى ركعتين لأنه مدرك للجمعة. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذا لم يدرك من صلاته الإمام ما يتعد به، فلم يكن مدركًا كما لو لم يدركه إلا بعد السلام. فرع: فإذا ثبت ما قلناه، فهل يتم صلاته على إحرامه الذى أحرم مع الإمام أم يستأنف الإحرام سنذكره بعدها إن شاء الله. قَالَ مَالِك فِى الَّذِى يُصِبُهُ زِحَامٌ يَوْمَ الْحُمُعَةِ، فَيَرْكَعُ وَلا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ حَتَّى يَقُومَ الإِمَامُ أَوْ يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ صَلَاِهِ: أَنْهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْحُدَ إِنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ فَلْيَسْجُدْ إِذَا قَامَ النَّاسُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ خَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ صَلاتِهِ فَإِنَّهُ أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ يَبْتَدِئَّ صَلاَتَهُ ظُهْرًا أَرْبَعًا. الشرح: الظاهر من هذه المسألة أن الزحام كان فى الركعة الأولى بعد أن رفع رأسه من ركوعها، فلم يقدر على السجود، فإن قدر على أن يسجدها، والإمام قائم فى الثانية سجدها، واعتد بها، وإن لم يقدر على سجودها حتى يفرغ الإمام من صلاته كلها، فعليه أن يصليها ظهرًا أربعًا، وفى هذا أربعة أبواب، أحدها: فى بيان الأسباب التى يجب بها اتباع الإمام. والثانى: فى اختلاف محل الأسباب. والثالث: فى بيان فوات الاتباع فى ما يجب فيه الاتباع. والرابع: العمل فيما تركه للمصلى. باب بيان الأسباب التى يجب بها اتباع الإمام وهو على ثلاثة أضرب، نعاس وغفلة وزحام، فأما الغافل والناعس، فلم يختلف قول مالك ولا أصحابه فى أنهما يتبعان الإمام، واختلف أصحابنا فى المزاحم، فقال مالك: يتبع الإمام، وعلى ذلك جماعة أصحابنا غير ابن القاسم وأصبغ فى رواية ابن حبيب عنهما، فإنهما رويا أن المزاحم لا يتبع الإمام بوجه. ١٢٠ .. كتاب الصلاة وروى سحنون عن ابن القاسم أن المزاحم يتبع الإمام بمثل رواية الجماعة، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. وجه القول الأول أن الغافل يتبع الإمام، والمزاحم أعذر منه، فقال: يكون اتباعه له أولى وأخرى. ووجه قول ابن القاسم فى رواية ابن حبيب أن المزاحم ذاكر، ولهذا تأثير فى لزوم الفرائض، ولذلك اتفق أصحابنا على أن المربوط فى جميع وقت الصلاة يلزمه قضاء الصلاة أبدًا، والمغمى عليه فى جميع وقت الصلاة يسقط عنه فرضها، والله أعلم. * باب فى اختلاف محل الأسباب أما محل اختلاف الأسباب، فإن من نعس أو غفل عن اتباع الإمام أو نسى، فلا يخلو أن يكون ذلك قبل الركوع أو بعده، فإن كان غفل عن الركعة الأولى فقد روى ابن المواز عن أصبغ عن ابن وهب وأشهب فيمن أحرم قبل ركوع الإمام، فإنه يتبعه فى الأولى والثانية ما لم يرفع رأسه من سجودها. وروى ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون فيمن نعس أو غفل حتى رفع الإمام رأسه من الأولى: لم يتبعه فيها، ولو نابه ذلك فى الثانية بعد أن عقد الأولى لتبعه. مسألة: وأما إن غفل بعد الركوع، فلا يخلو أن يكون ذلك فى الركعة الأولى والثانية، فإن كان ذلك فى الركعة الأولى فعن مالك فى ذلك روايتان رواهما عيسى بن دينار عن ابن القاسم، إحداهما: لا يتبعه فى الأولى ويتبعه فيما بعدها، وبه قال الشافعى والثانية يتبعه فى الأولى وفيما بعدها، وبه قال أشهب وابن وهب وأبو حنيفة والشافعى أيضًا. وجه الرواية الأولى أنه لم يعقد معه من الصلاة ما يكون به مدركًا للإمام، فلا يتبعه كما لو لم يدرك الركوع بتكبيرة الإحرام. ووجه الرواية الثانية أن هذه ركعة من الصلاة فجاز أن يتبع فيها الغافل والناعس الإمام. كالركعة الثانية .. باب فى بيان فوات الاتباع أما ما يفوت به المأموم اتباع الإمام فيما يجب له فيه اتباعه، فإنه لا يخلو أن يكون فى ............ ١٢١ كتاب الصلاة الأولى أو فى الثانية، فإن كان فى الأولى، فعلى رأى من رأى الاتباع فيها عن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجودها. والثانية: يتبعه ما لم يرفع رأسه من الر کوع الذى يليها. وجه الرواية الأولى أن له اتباع الإمام ما لم يلتبس بفعل ركعة أخرى، فإن تلبس بها اتباعه فيها أولى من اتباعه فى الأولى التى قد فارقها لأن اتباعه فى الأولى مخالفة له، ألا ترى أن من وجد الإمام قد سبقه ببعض الصلاة، فإنه يتبعه فيما أدرك معه دون ما سبقه به. ووجه الرواية الثانية أن القياس ليس بحائل فى الصلاة يمنع من تصحيح ما قبله، وإنما الحائل رفع الرأس من الركوع، ألا ترى أن من ذكر سجدة من ركعة أولى، وهو واقف فى الثانية يؤمر أن يرجع إليها، ما لم يرفع رأسه من الركعة الثانية، فإن رفع رأسه منها، فقد فاته تصحيح ما قبلها، فكذلك فى مسألتنا. مسألة: وأما إن كان فى الركعة الثانية، فقد قال ابن حبيب ومطرف وابن القاسم وأشهب: يتبع الإمام وإن لم يدركه إلا بعد السلام، فليسجد بعد سلامه ويجزيه. ومن أصحابنا من قال: لا يتبعه فى السجود من الركعة الثانية إلا بعد السلام، فليسجد بعد سلام الإمام. وجه القول الأول أن هذه آخر صلاته، وليس للإمام عمل فى ركعة أخرى، فيلزم المأموم اتباعه فيها لعقد الإمام لها، وإنما عمل الإمام فى إتمام تلك الركعة، فيجب على المأموم اتباعه فيها كما يلزم اتباعه فى الركعة الأولى ما لم يعقد الثانية أو يتلبس بها. ووجه القول الثانى أن الركعة لا تتم إلا بسجدتيها، فإذا سلم الإمام قبل أن يدركها، فلم يدرك معه ر کعة كاملة، فلا يتبعه فيها. فرع: فإذا قلنا إنه يتبعه بعد السلام و کان ذلك فی الجمعة فهل يكون بذلك مدر كا للجمعة؟ اختلف قول ابن القاسم فيمن أدرك الركعة الثانية من الجمعة ثم ذكر بعد سلام الإمام سجدة، فقال مرة: يسجدها، ويقضى ركعة وتصح له الجمعة. وروى عنه أنه یسجد، ویینی علیها أربعًا. وجه القول الأول أنه أدرك من صلاة الإمام ركعة شرع له إتمامها والاعتداد بها، فكان بها مدركاًا للجمعة، كما لو أتى بها وبسجدتيها مع الإمام. ووجه القول الثانى أنه لم يصل مع الإمام ركعة بسجدتيها، فلم يكن مدركًا لصلاة الإمام كما لو لم يدرك معه إلا الجلوس. ١٢٢ كتاب الصلاة فرع آخر: وهل يصح بناؤه على تلك التكبيرة؟، إذا قلنا إنها لا تكون جمعة، وإنما يتمها ظهرا أربعًا، وقال الشيخ أبو القاسم: اختلف فى ذلك قول ابن القاسم، فقال مرة: يتم عليها ظهرًا أربعًا، وبه قال عبدالملك. وقد قال أيضًا: يسلم ويبتدئ ظهراً أربعًا. وقال الشيخ أبو القاسم فى تفريعه: والاختيار أن يبتدئ تكبيرة أخرى للإحرام. وقال أصبغ: یتم ركعتين، ويعيد ظهرًا أربعًا. قال الإمام أبو الوليد: ووجه ذلك عندى الاعتبار بعدد الركعات فى أول الصلاة، فمن قال: إنه نوى ركعتين لم يكن له أن يتم على ذلك أربعًا؛ لأن نيته فى أول الصلاة لم تتناولها، لم يجز له البناء هنا، وإتمام الأربع، ومن قال: ليس عليه فى أولى صلانه أن ينوى عدد الركعات، جوز له هاهنا الإتمام أربعًا. ما جاء فيمن رعف يوم الجمعة قَالَ مَالِك: مَنْ رَعَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَخَرَجَ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتّى فَرَغَ الإِمَامُ مِنْ صَلَاِهِ، فَإِنّهُ يُصَلِّى أَرْبَعًا. قَالَ مَالِك فِى الَّذِى يَرْكَعُ رَكْعَةٌ مَعَ الإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِى وَقَدْ صَلَى الإِمَامُ الرَّكْعَتَيْنِ كِلْهِمَا: أَنْهُ يَيْنِى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يَتَكُلِمْ. الشرح: وهذا كما قال أن من لم يدرك من صلاة الإمام ما يعتد به، فإنه يصلى ظهرًا أربعًا، ومن أدرك منها ركعة، يريد بسجدتيها، فإنه قد أدرك صلاة الجمعة، فلما فاتته الثانية بالرعاف كان له أن يبنى عليها بركعة ثانية، يتم بها جمعته، وقد بينا معنى هذا الباب فيما تقدم. وعلى الذى يرعف يوم الجمعة بعد أن أكمل ركعة بسجدتيها أن يرجع إلى المسجد، فيبنى فيه لأن الجمعة لا تكون إلا فى المسجد الجامع، فيكون مشيه فى الرجوع إليه من عمل الصلاة، فلا يسقط عنه من شرط الجمعة فى ركعة البناء إلا ما لا سبيل إلى استدراكه من أمر الإمام والجماعة. مسألة: فإن أتم صلاته حيث غسل عنه الدم ولم يرجع، فالظاهر من المذهب أن ذلك لا يجزئه لما قدمناه. وقال الشيخ أبو إسحاق: إن لم يرج أن يدرك صلاة الإمام، فالأفضل له إتيان الجامع، فإن لم يفعل، وأتم مكانه أجزأه، وهذا له أصل فى المذهب، وقد تقدم ٠٠٠ ١٢٣ ... كتاب الصلاة ذكره، فيجىء هذا على أصل من يقول: إن الإتيان بجميع الصلاة فى الجامع، ليس بشرط فى صحة الجمعة وإنما شرط من ذلك عقد ركعة منها فى جامع كالإمامة أو يقول: الرجوع إلى الجامع فضيلة، وليس بفريضة، فلذلك أبيح له المشى إليها وجوز له تركها، فيكون التخيير فى المشى إلى الفضائل لا يمنع صحة البناء للراعف. فرع: فإن قلنا بلزومه الرجوع إلى الجامع، فإنه يلزمه الرجوع منه إلى الموضع الذى تصح فيه الجمعة، ولا يزيد على ذلك، فإن زاد على ذلك بطلت صلاته، لأنه زاد فيها ما يستغنى عنه، والله أعلم. قَالَ مَالِك: لَيْسَ عَلَى مَنْ رَعَفَ أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لِأَبْدَّلَهُ مِنَ الْخُرُوجِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ. الشرح: وهذا كما قال مالك، وبه قال جمهور الفقهاء المشهورين وذهب قوم من التابعین إلی أنه لا يخرج حتی یستأذن. والدليل على صحة ما ذهب إليه أن الإمام إنما يستأذن فيما فيه النظر إليه، والمنع منه إن شاء لأن ذلك فائدة الاستئذان، وما ليس له منعه فلا يستأذن فيه، ولذلك لا يستأذنه الناس فى سائر تصرفهم. ما جاء فى السعى يوم الجمعة ٢٣٣ - مَالِكِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَحَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِىَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقْرَؤُهَا: (إِذَا نُودِىَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)(١). قَالَ مَالِك: وَإِنَّمَا السَّعْىُ فِى كِتَابِ اللَّهِ، الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ٢٣٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٢١٠. (١) وقال فى البحر المحيط ٢٦٨/٨: وقرأ بها كبراء من الصحابة والتابعين. انظر: مختصر شواذ القراءات ١٥٧، الطبرى ٦٥/٢٨، ٦٦، القرطبى ١٠٢/١٨، التبيان ٨/١٠، الفراء ١٥٦/٣، الكشاف ١٠٥/٤ الآلوسى ١٠٣/٢٨. كتاب الصلاة ١٢٤ ﴿وَإِذَا تَوَّلَّى سَعَى فِى الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: ٨ - ٩] وَقَالَ: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢] وَقَالَ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]. قَالَ مَالِك: فَلَيْسَ السَّعْىُ الَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ فِى كِتَابِهِ بِالسَّعْىِ عَلَى الأَقْدَامِ وَلا الاشْتِدَادَ، وَإِنَّمَا عَنَى الْعَمَلَ وَالْفِعْلَ. إنما سأل مالك عن تفسير لفظة السعى لما كانت تحتمل فى كلام العرب الجرى من قوله ﴿﴿: ((فلا تأتوها وأنتم تسعون)) والمشى من غير جرى من قوله تعالى: ﴿وأما من جاءك يسعى وهو يخشى﴾ [عبس: ٨] فأجابه ابن شهاب بقراءة عمر بن الخطاب لها لأن فى ذلك بيانًا منه أنها عنده بمعنى المشى، فاحتج ابن شهاب فى ذلك بقراءة عمر، وإن لم تكن ثابتة فى المصحف إلا أنها تجرى عند جماعة من أهل الأصول مجرى خبر الآحاد، سواء أسندها القارئ أو لم يسندها، وذهبت طائفة أخرى إلى أنها لا تجرى بجرى خبر الآحاد إلا إذا استندت إلى النبى ﴿، فإذا لم يسندها فهى بمنزلة قول القارئ لها، لأنه يحتمل أن يأتى بذلك على وجه التفسير لنص القرآن الثابت، والذى ذهب إليه القاضى أبو بكر أنه لا تجوز القراءة بها، ونقل مالك ذلك بمعنى أن عمر، وهو من أهل اللسان حمل السعى فى الآية على معنى المضى، فكان ذلك بمنزلة أن تفسير السعى الثابت بنص القرآن بأنه المضى دون العدو، وقوله فى ذلك حجة بلا خلاف بين العلماء، واحتج مالك، رحمه الله، فى ذلك بما ذكره بعد هذا إلى آخر الباب من كتاب الله. فصل: وقوله: ((وإنما السعى فى كتاب الله العمل))، ذهب مالك فى هذا الباب إلى أن المشی والمضی إلی الجمعة إنما سمیا سعیًا من حیث کان عملاً، و کان عملا بیدیه أو غير ذلك، فقد سعى وأما السعى بمعنى الجرى، فهو العمل بالقدمين على نوع مخصوص من الاشتداد والإسراع، ولذلك قال ﴿﴿: ((فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة والوقار)) فنهى عن العدو خاصة دون المشى، والمضى إلى الصلاة إلا أن السعى إذا كان بمعنى العدو أو بمعنى المضى إلى الصلاة، فإنه يتعدى إلى الغاية بإلى، يقال سعى إلى غاية كذا وكذا، أى جرى إليها ومشى إليها، وإذا كان بمعنى العمل، فإنه لا يتعدى بإلى وإنما يتعدى باللام، فتقول سعيت لكذا وكذا، وسعيت لفلان، قال الله تعالى: ﴿وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾ [الإسراء: ١٩] وإنما تعدى السعى إلى الجمعة بإلى لأنه بمعنى المضى. ١٢٥ كتاب الصلاة مسألة: إذا ثبت ذلك، فالسعى واجب على كل من تلزمه الجمعة فى الجملة، وقد يباح التأخير عنها لأعذار، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يجوز أن يتخلف عنها لجنازة أخ من إخوانه ينظر فى أمره. قال ابن حبيب: ويتخلف لغسل ميت عنده. قال مالك: أو مريض يخاف عليه الموت، واختلف فى تخلف العروس والمجذوم عنها وفى التخلف عنها فى اليوم المطير. مسألة: إذا ثبت ذلك، فللسعى إليها وقتان، أحدهما: استحباب، وقد تقدم بيانه ووقت وجوب، وهو وقت النداء إذا جلس الإمام على المنبر، هذا الذى حكاه القاضى أبو محمد. ويجب أن يكون فى ذلك تفصيل، وذلك أننا إذا قلنا إن حضور الخطبة واجب، فيجب رواحه بمقدار ما يعلم أنه يصل ليحضر الخطبة، وإن قلنا إن ذلك غير واجب، فيجب عليه الرواح بمقدار ما يدرك الصلاة، وقد رأيت للشيخ أبى إسحاق نحوه. وقد اختلف فى صحة الخطبة دون جماعة، فحكى القاضى أبو محمد عن شيوخنا أنه يجىء على المذهب إن ذلك شرط فيها، وهو معنى ما فى المدونة، والذى يقوله أصحابنا إن إتيان الجمعة يجب بالأذان، يدل على ذلك أنه ليس بشرط فى صحة الخطبة لأن الأذان هو عند جلوس الإمام على المنبر، ومن وجب عليه الإتيان ذاك الوقت، وهو فى طرف المصر، فمعلوم أنه لا يأتى المسجد إلا بعد انقضاء الخطبة، فدل على أن الخطبة ليس من شرطها الجماعة، وبه قال أبو حنيفة. والذى حكاه القاضى أبو محمد يقتضى وجوب السعى بمقدار ما يأتى المسجد قبل الشروع فى الخطبة، وهو الأظهر عندى، والله أعلم. مسألة: إذا ثبت ذلك، فإنه يجب السعى إلى الجمعة لمن كان منها على مسيرة ثلاثة أميال وزيادة يسيرة، وإن كان خارج المصر. وقال أبو حنيفة: لا يجب النزول لمن كان خارج المصر. وقال الشافعى: لا يجب النزول إليها لمن كان خارج المصر، ومنع التحديد بثلاثة أميال. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩] ولم يخص أهل المصر من غیرهم، فیجب حمله على عمومه. ودليلنا من جهة المعنى أن هذا سليم يبلغه النداء، فوجب أن تلزمه الجمعة كالذى كتاب الصلاة ١٢٦ داخل المصر. ودليلنا على اعتبار المسافة أننا قد دللنا على تعلق الحكم بالنداء، ويجب أن يتعلق بالموضع الذى يسمع منه لا بنفس السماع بدليل أن الأصم يلزمه إتيان الجمعة، وإن لم يسمع النداء. والذى جرت عليه العادة أن يسمع النداء فى غالب الحال من ثلاثة أميال أو ما قرب منها، فلذلك اعتبر ذلك المقدار فى وجوب إتيانها، وإنما يراعى فى ذلك المكان الذى یکون المقيم فيه وقت وجوب السعی علیه دون مکان منزله، والله أعلم. مسألة: والنداء الذى يحرم به البيع هو النداء، والإمام على المنبر، رواه ابن القاسم عن مالك فى العتبية، قال: وأنكر منع الناس البيع قبل ذلك، وكل من لزمه النزول إلى الجمعة، فإنه يحرم عليه ما يمنعه من ذلك من بيع أو نكاح أو عمل، فمن باع فى الوقت الذى يجب فيه النزول، فقد روى ابن وهب وعلى بن زياد عن مالك فيمن باع من وقت الأذان عند الخطبة إلى انقضاء الصلاة ممن يلزمه الإتيان إلى الجمعة: أنه يستغفر الله، وبه قال أبو حنيفة والشافعی. وروى عنه ابن القاسم ان البیع یفسخ، وبه قال أکثر أصحابنا. والدليل على القول الأول قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ووجه القول الثانى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩]. وقد اختلف أصحابنا فى عقد النكاح، وقال القاضى أبو محمد: الهبات والصدقات مثلهما. وقال الشيخ أبو القاسم: النكاح والإجارة فى ذلك بمنزلة البيع. فرع: فإذا قلنا يفسخ، ففات بزيادة أو نقصان أو حوالة سوق، فقد قال المغيرة وسحنون: يمضى بالثمن ولا يرد. وقد قال ابن القاسم وأشهب: يرد إلى القيمة. وجه ما قاله المغيرة ما احتج له به ابن عبدوس أن الفساد فى العقد لا فى العرض، وذلك يقتضى أن يمضى بالمسمى إذا فات. ووجه ما قاله ابن القاسم أن هذا بيع فاسد لا يفوت بالقبض، وإنما يفوت بالزيادة والنقصان وحوالة الأسواق، فوجب أن يرد إلى القيمة. أصل ذلك إذا كان الفساد فى المعقود عليه. فرع: وإذا قلنا برد القيمة، فقال ابن القاسم: تراعى القيمة حين القبض. وقال أشهب: القيمة حين انقضاء الصلاة وقت جواز البيع. ١٢٧ كتاب الصلاة ما جاء في الإمام ينزل بقرية الجمعة في السفر قَالَ مَالِك: إِذَا نَزَلَ الإِمَامُ بِقَرْيَةٍ تَجِبُ فِيهَا الْحُمُعَةُ، وَالإِمَامُ مُسَافِرٌ، فَخَطَبَ وَجَمَّعَ بِهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَغَيْرَهُمْ يُحَمِّعُونَ مَعَهُ. الشرح: وهذا كما قال لأن شروط الجمعة قد وجدت، والإمام وإن كان مسافرًا، فإن واليه النائب عنه مستوطن تجب عليه الجمعة، وإن كانت الجمعة تجب بحق النيابة عن الإمام وجبت أيضًا على الإمام الذى ينوب عنه الوالى، والفرق بين الجمعة والقصر أن من كان فرضه الإتمام أتم وراء من يقصر، ومن كان فرضه فى الجمعة أربعًا لم يجز له أن يصليها وراء من يصلى الجمعة. مسألة: والمستجب أن يصلى بهم الإمام دون الوالى، لأن القرية المجمع بها من عمله ونظره، وإنما ينوب الوالى عنه مع غيبته، فإذا حضر كان أحق بالصلاة، فإن صلى الوالى جازت الصلاة كما لو استخلف الإمام فى وطنه من يصلى الجمعة، وهو حاضر. وجملة ما تبنى علية المسألة أن للجمعة أربعة شروط تجب بوجودها، ولها شرط آخر، هو شرط فى صحتها بعد وجوبها، فأما الأربعة فهى موضع استيطان، وإقامة وجامع وجماعة وإمام، وأما المعنى الذى هو شرط فى صحتها، فهو الخطبة. وسنذكر ذلك كله إن شاء الله. فأما موضع الاستيطان، فإنما يعنى به المصر والقرية، وإنما يختلف فى الاستيطان والإقامة، فهى اعتقاد المقام بموضع مدة يلزمه إتمام الصلاة بها، فكل استيطان إقامة وليس كل إقامة استيطانًا، فإن عللنا بالاستيطان، فلا يجوز لجماعة مرت بقرية خالية من أهلها، فعقدوا فيها إقامة شهر أو شهرين أن يجمعوا، لأنه ليس بموضع استيطان، وإن عللنا بالإقامة جاز لهم ذلك، وقد رواه ابن القاسم عن مالك. فرع: إذا ثبت ذلك، فموضع الاستيطان هو المصر أو القرية الجامعة المتصلة البنيان، فأما المصر، فلا خلاف فى وجوب الجمعة فيه. وأما القرية، فإن مالكًا رحمه الله، جعلها فى ذلك بمنزلة المصر، فقال فى المختصر الكبير: إن كانت القرية بيوتها متصلة وطرقها فى وسطها، وفيها سوق ومسجد يجمع فيه للصلوات، فليجمعوا، كان لهم وال أو لم يكن، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا تقام الجمعة إلا فى مصر. والدليل على جواز ذلك ما رواه ابن عباس أنه قال: إن أول جمعة جمعت فى الإسلام كتاب الصلاة ١٢٨ بعد، جمعة جمعت فى مسجد رسول الله 4 بالمدينة لجمعة جمعت بجوائى قرية من قرى البحرين. وفى العتبية من رواية أشهب عن مالك: ليس على أهل العمود جمعة. فرع: واختلفت الرواية عن مالك فى تحديد القرية التى تلزم فيها الجمعة، فروى عنه ابن القاسم أنه لم يحد فى ذلك غير أنه قال: القرية المتصلة البنيان. وروى عنه مطرف وابن الماجشون أنها التى فيها ثلاثون بيتا متصلة، وذلك متقارب فى المعنى. ويجب أن تكون القرية الموصوفة حيث الجامع، فإن كان موضع الجامع لا تصح فيها الجمعة بانفراده، ويجتمع إليه ممن يقرب منه عدد كثير لم يصح فيه الجمعة، وبه قال ابن حبيب؛ لأن موضع إقامتها لا تصح فيه الجمعة بانفراده، فلا تصح بما هو تبع له. فصل: فأما الجامع، فإنه من شروط الجمعة، ولا خلاف فى ذلك إلا خلاف لا يعتد به مما نقله القزوينى فى كتابه عن أبى بكر الصالحى، وتأوله على رواية ابن القاسم عن مالك، وتأوله فى المسألة التى فى المدونة، أن الجمعة تقام فى القرية المتصلة البنيان التى بها الأسواق، وترك ذكر الأسواق مرة أخرى، فقال أبو بكر الصالحى: لو كان من صفة القرية أن يكون فيها الجامع لذكره. قال الإمام أبو الوليد، رضى الله عنه: وهذا عندى غير صحيح؛ لأنه إنما قصد من ذكر القرية إلى ما يختص بصفاتها دون أن يذكرها فهو شرط منفرد عنها كما لم يذكر أن تكون معمورة بعده تنعقد بهم الجمعة، وأن يحضرها إمام، وأن يكونا مؤمنين، وغير ذلك من الشروط على أنه قد تقدم من قول مالك فى المختصر الكبير: إن كانت القرية بيوتها متصلة وطرفها فى وسطها، وفيها سوق ومسجد، فليجمعوا بشرط المسجد، ولا يلزمه ذكر ذلك فى كل موضع، ولا أن ينقله عنه كل راو، وهذا قول قد انعقد الإجماع على خلافه، فلا نعلم ممن بقى من العلماء من يقول به، والله أعلم. وقد تقدم قول مالك فى غير موضع أن الجمعة لا تكون إلا فى الجامع، ولیس القزوينى ولا الصالحى بالموثوق بعلمهما فى النقل والتأويل، فيعتمد على ما أثبتاه ويحتاج إلى المراجعة عنه. وأما الصالحى فمجهول، وإنما أثبتناه لنبين وجه الصواب فيه لئلا يغير به من يقع هذا القول إليه ممن لا يميز وجه الأقوال، وبالله التوفيق. والأصل فى ذلك فعل النبى ﴿﴿ وعمل الأئمة بعده إلی هلم جرا. فرع: ومن شرطه البنيان المخصوص على صفة المساجد، فأما البراح الذى لا بنيان ١٢٩ كتاب الصلاة فيه، أو ما كان فيه من البنيان ما لا يقع عليه اسم مسجد، فلا يصح ذلك فيه. ووجه ذلك أن كل ما كان شرطًا فى صحة الجمعة، فإن شروطها متعلقة بأسمائها کالجماعة، ألا ترى أن الإمام له حكم الجماعة فى سائر الصلوات، وليس له أن يجزئ بذلك فی الجمعة حتی یوجد الاسم مع الحکم به. فرع: والجامع صفة زائدة على كونه مسجدًا، فكل جامع مسجد، وليس كل مسجد جامعًا، وإنما يوصف بأنه جامع لاجتماع الناس كلهم فيه لصلاة الجمعة، وهذا حكم يختص بهذا المسجد دون غيره من المساجد، فلا يصح أن تقام الجمعة فى غيره من المساجد مما لا يحكم له بهذا الحكم حتى يحكم له على التأبيد دون أن ينقل إليه هذا الحكم فى يوم بعينه، ولو أصاب الناس ما يمنع من الجامع فى يوم ما، لم تصح لهم جمعة فى غيره من المساجد ذلك اليوم إلا بأن يحكم له الإمام بحكم الجامع وينقل الحكم إليه عن الجامع الممنوع، فيبطل حكم الجمعة فى المسجد الأول، ولذلك قال مالك فيمن رعف يوم الجمعة، وهو جالس فى التشهد: إنه يخرج فيغسل عنه الدم، ويرجع إلى الجامع فيتم تشهده، ويسلم وإن علم أن الإمام قد قضى صلاته بعده لأن الجمعة لا تكون إلا فى الجامع، ولو كانت سائر المساجد تنوب عن الجامع لقال: يتم صلاته فى أقرب المساجد إليه لأن إتمامها فيه يجزئ عنه. فرع: ويجب أن يكون بين الجـ ع وبيز - جامع أقا منه مسافة، لا يجب المضى منها إلى الجامع الأقدم، وقد اختلف أصحابنا فيمن كان من الحضرة أو من القرية التى يجمع فيها على أقل من بريد، فقال ابن حبيب: لا يتخذ بها جامع حتى يكون منه على مسافة برید، فأکثر. وقال يحيى بن عمر: لا يجمعوا حتى يكونوا منها على ستة أميال. وقال زيد بن بشير: يتخذوا جامعًا إن كانوا على أكثر من فرسخ. قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: وهو الصحيح عندی لأن كل موضع لا يلزم أهله النزول إلى الجمعة لبعدهم عنه، وكملت فيهم شروط الجمعة لزمتهم إقامتها فى موضعهم كأهل المصر، وقد قال يحيى بن عمر ومحمد بن عبدالحكم: لا بأس أن تقام الجمعة فى موضعين فى الأمصار العظام كبغداد ومصر، والله أعلم. وقال الشيخ أبو القاسم: لا يصلى الجمعة فى مصر واحد فى مسجدين، فإن فعلوا ذلك، فالصلاة صلاة أهل المسجد العتيق، يعنى القديم.