Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢٠ . الطهارة ليس بأمر يتعلق بالثوب فينجسه، وهذا إذا لم يكن على جسد الجنب نجاسة، فإن كان على جسده نجاسة، فعرق فى ثوب نجس منع ذلك من الصلاة فيه، وكذلك لو كان الثوب نجسًا فعرق فیه، نجس جسده. فصل: وقوله: ((كان عبدالله بن عمر يغسل جواريه رجليه))، يحتمل أن يريد بذلك فى الوضوء، على ذلك حمله سحنون. وفى العتبية من رواية أشهب عن مالك: أنه سئل عن ذلك وقيل له ألا يخاف أن يكون غسل الجوارى رجلى عبدالله من امتهانهن؟ فقال: لا لعمرى، وما كان عبدالله بن عمر يفعل ذلك إلا من شغل أو ضعف يجده. فصل: وقوله: ((ويعطينه الخمرة وهن حيض))، يريد أن الحيض لم يكن يمنع عبدالله ابن عمر من الصلاة على الخمرة التى يتناولنها بأيديهن لأن الحيض إنما هو حدث وليس نجاسة فينجس ما جاور الحائض أو تمسه. وقد روى عن عائشة أنها قالت: قال لى رسول الله ﴿1: ((ناولينى الخمرة، قالت: فقلت: إنى حائض، فقال: إن حيضتك ليست بذلك)). سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ لَهُ نِسْوَةٌ وَجَوَارِى، هَلْ يَطَؤُهُنَّ حَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ فَقَالَ: لا بَأْسَ بِأَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ. فَأَمَّا النِّسَاءُ الْحَرَائِرُ، فَيَكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ فِى يَوْمِ الأَخْرَى. فَأَمَّا أَنْ يُصِيبَ الْحَارِيَةَ، ثُمَّ يُصِيبَ الأَخْرَى وَهُوَ جُنُبٌ، فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ. الشرح: قوله: ((لا بأس أن يصيب الرجل جاريته قبل أن يغتسل بالماء»، لما روى عن أنس أن النبى ﴿﴿ كان يطوف على نسائه فى فور واحد، لأن الغسل إنما يراد للصلاة أو لما جرى مجراها شرط فيه الطهارة وليس الجماع مما شرط فيه الطهارة فيحتاج إلى الغسل، إلا أنه يستحب له غسل فرجه ومواضع النجاسة من جسده لئلا تنجس بذلك ثيابه لما روى عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﴿4﴾ قال: ((إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ)) والوضوء فى هذا الحديث محمول على ما ذكرنا من غسل الفرج وإزالة النجاسة من الجسد. فصل: وقوله: ((فأما النساء الحرائر فإنه يكره أن يصيب الرجل المرأة فى يوم الأخرى))، هذا الذى ذكره بمعنى القسم بين النساء ولأنه لا يجوز أن يصيب امرأة من حرائر نسائه فى يوم صار بالقسم لأخرى إلا أن تأذن له فى ذلك، وما ذكر فى حديث ............ ٤٢١ الطهارة . كان يجمع بينهن، يحتمل أحد أمرين، أحدهما: اختصاص ذلك النبى أُنس ان النبی څ﴾، والثانی: إباحتهن له ورضاهن به. سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ جُنُبٍ وُضِعَ لَهُ مَاءٌ يَغْتَسِلُ بِهِ، فَسَهَا فَأَدْخَلَ إِصْبُعَهُ فِيهِ، ◌ِيَعْرِفَ حَرَّ الْمَاءِ مِنْ بَرْدِهِ. قَالَ مَالِكِ: إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ إِصْبُعَهُ أَذِّى، فَلا أَرَى ذَلِكَ يُنَجِّسُ عَلَيْهِ الْمَاءَ. الشرح: وهذا كما قال أنه إن لم يكن على أصابعه ماء، فإن الماء طاهر، ولا خلاف فى ذلك، وإن كان فى أصابعه أذى، فإن کان الماء کثیرًا فإن إدخال يده فيه لا يفسده، وإن كان قليلاً فليتحيل فى شىء يتناول به الماء فيغسل يده قبل أن يدخلها فيه، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلاً ولم يكن عنده غير هذا فلا يخلو أن يكون ما بيده من النجاسة يغير ما عنده من الماء أو لا يغيره، فإن كان يغيره فلا يدخل يده فيه لأن ذلك ينجس الماء، ويفسده، وحكمه حكم من ليس عنده ماء لأنه ممنوع من تناوله وإن كان لا يغيره فليدخل يده فيه ثم يغسل يديه بما يغرف بهما من الماء ثم يتوضأ أو يغتسل لأن إدخال يده فى الماء إذا لم يغيره، فإنه لا ينجسه، وإنما يكره ذلك مع وجود غيره وحكم هذا حكم من ليس عنده ماء لأنه ممنوع من تناوله وإن كان لا يغيره فلا يخلو أن يكون قليلاً أو كثيرًا، فإن كان قليلاً فحكمه حكم اليسير تحله نجاسة لا تغيره، فالظاهر من قول أصحابنا أنه أولى من التيمم فعلى هذا القول يدخل يده فيه ثم يغسل يده ثم يتوضأ بما فضل. وظاهر قول ابن القاسم فى المدونة محتمل فتأول عليه قوم أن التيمم أولى منه، فعلى هذا التأويل لا يدخل يده فيه ويتيمم. وقد قال مالك: لا يغتسل الجنب فى الماء الدائم وإن غسل عنه الأذى. قال ابن القاسم: لا بأس به إذا غسل عنه الأذى، ولو كان الماء كثيرا يحتمل ما وقع فى ذلك لجاز، وإن لم يغسل عنه الأذى فيقتضى قول ابن القاسم أنه أراد بالماء الكثير مقدارًا يزيد على ما يتغير بالنجاسة، ويحتمل أن يكون عنده فى حيز الممنوع. مسألة: وأما أخذه الماء بفیه ليغسل به يديه، فقد اختلف أصحابتا فى ذلك، فروى أشهب عن مالك فى العتبية المنع منه، وروى موسى بن معاوية عن ابن القاسم إباحة ذلك. ٤٢٢ الطهارة ووجه قول مالك أن ما ينضاف إليه من الريق مع قلته يجعله ماء مضافًا ويمنع إزالة النجاسة به. ووجه قول ابن القاسم أن الريق من قربه لطعم الماء ولونه وريحه مع قلته لا يغيره، فلا يمنع رفع النجاسة. مسألة: وأما اغتسال الجنب، فقد قال مالك: لا يغتسل الجنب فى الماء الدائم وإن غسل عنه الأذى. قال ابن القاسم: لا بأس إذا اغسل عنه الأذى، ولو كان الماء كثيرًا يحمل ما وقع فيه لجاز ذلك وإن لم يغسل منه الأذى، والله أعلم. * هذا باب فى التيمم ١١٨ - مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿﴿ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنّا بِالْبَيْدَاءِ، أَوْ بِذَاتِ الْحَيْشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِى، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَّاءِ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِى بَكْرِ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلا تَرَى مَا صَنَّعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﴿)، وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءِ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﴿ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى نُخِذِى، قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَالنّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءِ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِى أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَحَعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِى خَاصِرَتِى، فَلا يَمْنَعُنِى مِنَ التَّخْرُّكِ إِلا مَكَانُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ عَلَى فَخِذِى، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حَتّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرٍ مَاءِ، فَأْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى آيَةَ التِّيَّهُم، فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِىَ بِأَوَّلِ بَرَكَيْكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْرٍ. قَالَتْ: فَبَعَثْنَا ١١٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٠. أخرجه البخارى كتاب التيمم وكتاب المناقب وكتاب تفسير القرآن وكتاب النكاح وكتاب اللباس بأرقام ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٨٨٢. ومسلم كتاب الحيض برقم ٣٦٧. والنسائى كتاب الطهارة برقم ٣١٠، ٣١٢. وأبو داود كتاب الطهارة ٣١٧، ٣٧٢. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٥٦٨، ٥٧٥. وأحمد بالمسند برقم ٢٣٧٧٨، ٢٤٩٢٧، ٢٥٨٠٩. والدارمى كتاب الطهارة ٧٥٣. ........... ٤٢٣ الطهارة الْبَعِيرَ الَّذِى كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ(١). الشرح: قول عائشة: ((خرجنا مع رسول الله ﴿ فى بعض أسفاره))، دليل على ! أزواج فيحتمل من جهة اللفظ أن يكون جواز سفر الرجل بأهله وقد كان للنبى ؟ خرج بجميعهن، ويحتمل أن يكون خرج ببعضهن، وقد كان رسول الله ! يسهم بين نسائه إذا أراد سفراً، وسيأتى بيان ذلك فى النكاح، إن شاء الله تعالى. فصل: وقولها: ((حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش القطع عقد لى))، هذه مواضع بقرب المدينة، والعقد قلادة در كان فيها جزع، وروى أن القلادة كانت من جزع أظفار ولم يكن المقام لأجل انقطاعه وإنما كان لأجل ضياعه لأن معنى ذلك أنه انقطع بغير علمها، فلما ذكرت أمره خفى عليها مكانه. فصل: وقولها: ((فأقام رسول الله ﴿﴿ على التماسه))، تريد أنه أقام حتى يمكنه التماسه بذهاب الظلام المانع من التماسه أو لانتظار من أرسله لطلب ذلك، ويحتمل أن يكون أقام ولا يظن عدم الماء، ونام رسول الله الا قبل دخول الوقت واستيقظ ولا يقدر على الوصول إلى الماء إلا بعد انقضاء الوقت، ويحتمل أن يكون أقام على التماسه مع علمه بعدم الماء لوجهين، أحدهما: أن تكون إقامته طلب العقد خاصة ليكون ذلك سنة فى حفظ الأموال فيجوز للرجل المقام على طلب ماله وحفظه، وإن أدى ذلك إلى عدم الماء فى الوقت والاضطرار إلى أداء الصلاة بالتيمم، ويجوز له أيضا سلوك طريق يتيقن فيه عدم الماء طلبا للمال ورعى المواشى فى الفلوات لأنه إذا جاز له المقام بموضع لا ماء فيه وليس بقرار له، فبأن يجوز له المرور به أولى وأحرى. ونحو هذا لمحمد بن مسلمة فى المبسوط. فصل: وقوله: ((وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء))، إقامة الناس معه دون ماء مع علمهم بعدمه وتركه الإنكار عليهم، دليل على جواز المقام بموضع لا ماء فیه من لا ماء معه لما یعن له من الحاجات فیه أو لمن يكون معه. (١) قال ابن عبدالبر: فيه من الفقه: خروج النساء مع الرحال فى الأسفار، وأن خروجهن مع الرجال فى الغزوات، وغير الغزوات مباح إذا كان العسكر كبيرا يؤمن عليه الغلبة. انظر: (التمهيد، باب التيمم حديث خامس لعبدالرحمن بن القاسم). وقال السيوطى: لأبى داود من حديث عمار بن ياسر فى آخره زيادة: « ... فقام المسلمون مع رسول الله 8# فضربوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئًا فمسحوا وجوهم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط». انظر: (تنوير الحوالك صـ٥٩). ٤٢٤ الطهارة ...... فصل: وقولهم: ((ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله ﴿ وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء)) دليل على علمهم بعدم الماء، وأن المقام إنما كان لطلب العقد خاصة وإنما نسب المقام فى ذلك إلى عائشة وشكوا فعلها إما لأنهم لم يعلموا أن النبى ـّ علم بعدم الماء عندهم فظنوا أنه أقام لطلب عقد عائشة وهو لا يعلم بعدم الماء حتى ضاق الوقت عن إدراك الماء وخيف ذلك فيه، أو لأن النبى ولا أقام على طلب العقد ونام فلم يكن لهم سبيل إلى الرحيل دون إذنه ولا أمكنهم إيقاظه لأن النبى ﴿3﴾ إذا نام لا يوقظ لأجل الوحى. فصل: وقولها: «فجاء أبو بكر ورسول الله ﴿﴾﴾ واضع رأسه على فخذى قد نام))، يريد أن أبا بكر جاء ليعاتبها فيما ذكر له عنها أو ليعلم عذرها فى ذلك ودخل عليها ورسول الله ﴾ واضع رأسه على فخذها ولم تمنع هذه الحالة دخول أبى بكر عليها. فصل: وقولها: ((فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول))، تريد أنه لامها وبالغ فى لومها وطعنها بيده فى خاصرتها أو أنه أراد المبالغة فى عتبها وإظهار التغليظ عليها أو أنه أراد أن يكون تحريكها سببًا لإيقاظه ﴾ لما خاف من وقت فوات الصلاة على نحو ما روى عن عمر أنه رفع صوته بالتكبير ليوقظه. فصل: وقولها: «فلا یمنعنی من التحرك إلا مکان رسول الله ﴿﴾ علی فخذى))، ترید أن طعن أبى بكر فى خاصرتها كان يقتضى تحريكها لألمه، ولكن منعها من ذلك إكرامها للنبى ﴿﴿ ورفقها به وإشفاقها من أن تتحرك فخذها فينقطع عليه نومه. فصل: وقوله: ((فقام رسول الله (19 حتى أصبح على غير ماء))، وقدمنا أن يحتمل أن يكون نومه قبل أن يعلم بعدم الماء، غير أنه ﴿﴿ يعلم ما يكون من حاله فى وقت نومه فلا يجب عليه الوضوء بمجرد النوم وأما الواحد منا فإنه لا يعلم ما يكون منه حال النوم فيجب عليه الوضوء بالنوم. والأحداث على ضربين: ضرب يكون معتادًا ولا يمكن الامتناع منه كالنوم والبول والغائط، فهذا يجوز فعله للمتوضئ مع عدم الماء. وضرب يمكن الاحتراز منه كالجماع والملامسة ومس الذكر فلا يجوز فعله مع عدم الماء فيما يقرب ويطرأ من المشقة. فصل: وقولها: ((فأنزل الله تعالى آية التيمم))، وهى قوله عز وجل: ﴿فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [النساء: ٤٣]. قال أسيد بن حضير: ((ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر))، يريد أن بركتكم، ٤٢٥ الطهارة . كانت متوالية على الصحابة متكررة وكانوا سببا لكل ما لهم فيه رفق ومصلحة. سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ لِصَلاةٍ حَضَرَتْ، ثُمَّ حَضَرَتْ صَّلاَةٌ أُخْرَى، أَيْتَمَّمُ لَهَا أَمْ يَكْفِيهِ تَيَّهُّمُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: بَلْ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ لأنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَغِىَ الْمَاءَ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ فَمَنِ ابْتَغَى الْمَاءَ فَلَمْ يَحِدْهُ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ. الشرح: وقوله: ((يتيمم لكل صلاة))، أصله أن اليتمم لا يرفع الحدث. وقال الزهرى وسعيد بن المسيب والحسن: يرفع الحدث الأصغر. وقال أبو سلمة: يرفع الحدثين جميعًا، ودليلنا على أنه لا يرفع الحدث أنه معنى لا يرفع الحدث مع وجود الماء فلم يرفعه مع عدمه كسائر المائعات. مسألة: إذا ثبت أنه لا يرفع الحدث، فإنه يستباح به ما لا يجوز فعله مع الحدث، وهو على ضربين: عبادة مؤقتة، وعبادة غير مؤقتة. فأما العبادة المؤقتة فإنها لا تستباح بالتيمم إلا مع ثلاثة شروط، أحدها: عدم الماء وعدم القدرة على استعماله، والثانى: طلب الماء، والثالث: دخول وقت العبادة المؤقتة. فأما عدم الماء، فإنه معتبر بالوقت مع التمادى على المعتاد من السفر فليس عليه أن يجهد نفسه فى الجرى لإدراك الماء ولا أن يخرج عن مشيه المعتاد ولا أن يعدل عن طريقه أكثر من مقدار ما جرت به العادة بالعدول له إلى الاستقاء من العيون والمياه التى يعدلها عن الطريق. وفى المبسوط من رواية ابن وهب عن مالك: أن كل ما يشق على المسافر طلبه والخروج إلیه وإن خرج إليه فاته أصحابه، فإنه یتیمم ولم يجد فيه حدًا، وروى ابن المواز عن مالك: إذا لم يخف فى نصف الميل إلا العناء، فمن الناس من يشق ذلك عليه. قال محمد: فتأويل قوله، المرأة والرجل الضعيف بخلاف القوى. وقال سحنون فى عدول المسافر عن طريقه الميلين إلى الماء: أراه كثيرًا وإن كان أمنا ولا أرى ذلك عليه ولو كان فى سفر لا تقصر فيه الصلاة. مسألة: والذى يراعى من وجود الماء أن يجد منه ما يكفى لطهارته وإن وجد منه أقل من الكفاية تيمم ولم يستعمل ما وجد منه، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: يستعمل ما معه من الماء ولا يتيمم، والدليل على ما نقوله أنه مائع ولا يرفع الحدث فلم يجب علیه استعماله كما لو كان مستعملاً. ٤٢٦ الطهارة فرع: وأما عدم القدرة على استعمال الماء كأن يجد الماء ولكنه يخاف من تناوله مضرة بجسمه من تلف نفسه أو تجدد مرضه أو زيادته، حكى ذلك ابن نافع فى المجموعة. وقال القاضى أبو الحسن: مثل أن يخاف الصحيح نزلة أو حمى وكذلك إن كان المريض يخاف زيادة مرض أو نحو ذلك، قاله أبو حنيفة. وقال الشافعى: لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف التلف. ورواه القاضى أبو الحسن عن مالك. والدليل على ما نقوله، قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣] فوجه الدليل منه أنه ذكر الأحداث وهى ملامسة النساء والمجىء من الغائط، فأمر بالوضوء إلا مع المرض أو مع عدم الماء فى السفر فإنه نقل إلى التيمم ولا يجوز أن يعلق المرض بعدم الماء لأنه لا تأثير له فيه وإنما يؤثر بعدم القدرة على استعماله، وإنما علقه بالسفر لأن الغالب من حاله عدم الماء وقلته. ودليلنا من جهة القياس أن هذا مسح أبيح للضرورة فلم يفترق الحكم فيه بين خوف المرض وخوف التلف كالمسح على الجبائر. مسألة: فأما الفصل الثانى، وهو طلب الماء فإنه يراعى فى الظاهر من المذهب، وبه قال الشافعى. وروى القاضى أبو الفرج عن مالك أنه لا بأس أن يجمع بين الصلاة من الفوائت بتيمم واحد. وذهب القاضى أبو محمد بن نصر وغيره من أصحابنا إلى أن وجه ذلك أن طلب الماء ليس بشرط فى صحة التيمم، وبه قال أبو حنيفة. قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: ويحتمل عندى وجها آخر أن يكون طلب الماء شرطًا فى صحة التيمم وأن تيممه لو لم يتقدمه طلب الماء لما كان تيمما يستبيح به الصلاة، ولكنه لما صح تيممه ذلك لم يجب عليه إعادة طلب الماء لكل صلاة فيكون تحديدًا الخلاف فى هذا أن المشهور من مذهب مالك ما فى الموطأ أن طلب الماء لكل صلاة شرط فى صحة التيمم. وعلى رواية أبى الفرح طلب الماء شرط فى صحة التيمم على الإطلاق. والدليل على أن طلب الماء شرط فى صحة الصلاة قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباً﴾ [النساء: ٤٣] فوجه الدليل من الآية أنه قال: ﴿فلم تجدوا﴾ وذلك لأنه لا يستعمل إلا بعد طلب الماء، وقد شرط فى صحة التيمم فوجب أن يكون الطلب شرطًا فى صحته. ٤٢٧ الطهارة ودليلنا من جهة القياس أن هذا بدل مأمور به عند العجز عن مبدله فلا يجزى فعله إلا مع تيقن عدم مبدله كالصوم مع العتق فى الكفارة. مسألة: ولا يجمع بين صلاتى فرض بتيمم واحد فى وقتيهما لما قدمناه من وجوب دخول الوقت قبل التيمم ولوجب طلب الماء لكل تيمم، فإن فعل ولم يكن بين وقتى الصلاة اشتراك أعاد الثانية أبدًا، وإن كان بينهما اشتراك كالظهر والعصر، روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: يعيد الثانية ما دام فى الوقت. وروى أبو زيد فى ثمانيته عن مطرف وابن الماجشون: يعيد الثانية أبدًا، وهو الذى يناظر عليه أصحابنا. والقول الأول مبنى على أن طلب الماء ليس بشرط فى صحة التيمم لکل صلاة. مسألة: فإن صلی نوافل متصلة بتيمم واحد أجزأه و كذلك إن صلى فريضة ثم صلى بعدها نافلة أو نوافل واتصل ذلك بالفريضة ولو صلى نافلة ثم صلى بذلك التيمم الفريضة، فالذى روى ابن القاسم عن مالك: يستأنف التيمم للفريضة، وروى محمد بن يحيى عن مالك أنه خفف أن يصلى الصبح بعد ركعتى الفجر. فرع: إذا ثبت ذلك، فإن طلب الماء يتعلق بالمواضع التى يغلب على الظن وجود الماء فيها أو سؤال من يغلب على الظن وجوده عنده على الوجه المعتاد، وأما المريض الذى لا يقدر على مس الماء، فإنه يتطلب بغلبة قدرته على استعمال الماء. مسألة: وأما الشرط الثالث، فهو دخول الوقت، وهذا مراعى فى المشهور من مذهب مالك، وبه قال الشافعى. وقال ابن شعبان من أصحابنا: ليس بشرط فى صحة التيمم، وبه قال أبو حنيفة. والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ وهذا يفيد أن يكون التيمم فى وقت القيام إلى الصلاة ولا يكون ذلك إلا بعد دخول الوقت. ودليلنا من جهة القياس، أن هذا مستغن عن التيمم فلم يجزه التيمم كالواحد للماء. سُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ، أَيُؤُمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ؟ قَالَ: يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَىَّ. وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَّ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا. الشرح: وهذا كما قال أن الأفضل أن يؤم المتوضئين متوضئ لأن من حكم الإمام أن . الطهارة ..... ٤٢٨ يكون حاله مساويًا لحال من خلفه وأفضل منها، والتيمم غير لاحق بفضيلة المتوضئ فلا يؤمه ولا يتقدم عليه، هذا المشهور من مذهب مالك. وفى المبسوط عن محمد بن مسلمة: يؤمهم المتيمم لأن حاله متساوية بحال المتوضئ بالماء، والأول أظهر. فصل: وقوله: (لو أمَّهم هو لم أر بذلك بأسًا))، يريد أن الأفضل ما تقدم وأن إمامته لهم مما لا تمنع صحة الصلاة وإن منعت فضيلتها. وقد قال ربيعة ومحمد بن الحسين: لا تصح إمامته لهم، ودليلنا أن هذه طهارة تصح بها الصلاة فصحت بها إمامته المتوضئين كالطهارة بالماء. وَسُئِلَ قَالَ مَالِك فِى رَجُلٍ تَّيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَدَخَلَ فِى الصَّلاةِ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ؟ قَالَ: لا يَقْطَعُ صَلاَتَهُ، بَلْ يُتِمُّهَا بِالْتّيْمُّمِ، وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ. الشرح: وهذا كما قال مالك، رحمه الله، وذلك أن تيمم الواجد للماء لا يخلو من ثلاثة أحوال، أحدها: أن يجد الماء قبل التلبس بالصلاة، والثانى: أن يجده بعد التلبس بالصلاة وقبل الفراغ منها، والثالث: أن يجده بعد الفراغ منها، فإن وجده قبل التلبس بالصلاة فإن عليه استعماله، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى، وقال أبو سلمة بن عبدالرحمن: ليس عليه استعمال الماء. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور حديث أبى ذر أن النبى ﴿ قال له: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو بقى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فامسسه)). ودليلنا من جهة القياس، أن هذا بدل من مبدل يراد لغيره، فإذا وجد المبدل قبل التلبس بالمقصود وجب الرجوع إليه كوجود النص قبل إنفاذ الحكم بالقياس المخالف له. فصل: وإذا وجد الماء بعد التلبس بالصلاة وقبل الفراغ منها فليس عليه قطع الصلاة واستعمال الماء وليتم صلاته وليتوضأ لما يستقبل، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: يقطع الصلاة ويتوضأ ويستأنف الصلاة. والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]. ودليلنا من جهة القياس، أنه دخل فى صلاة متعبد بها بتيمم مأمور به فلم يلزم الخروج عنها بطلوع الماء عليه كما لو دخل، فى صلاة الجنازة. ......... ٤٢٩ الطهارة فصل: فإن وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لم تجب عليه إعادة الصلاة، وبه قال أبو حنيفه والشافعى. وقال طاوس: يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة فى الوقت. والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور أن هذا أدى الصلاة بما وجب عليه أن يؤديها به فلم يجب عليه إعادتها بوجود الماء بعد الفراغ منها كما لو وجده بعد انقضاء الوقت. قَالَ مَالِك: مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، فَلَمْ يَحِدْ مَاءً، فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّيْمُّمِ، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَلَيْسَ الَّذِىِ وَحَدَ الْمَاءَ، بِأَطْهَرَ مِنْهُ، وَلَا أَنَّمَّ صَلاةً؛ لأَنْهُمَا أُمِرَا جَمِيعًا، فَكُلٌّ عَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْوُضُوءِ، لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ، وَالنَّهُّمِ، لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِى الصَّلاةِ. الشرح: قوله: ((فعمل بما أمر الله به من التيمم))، يريد أنه كان ممن يجوز له التيمم لاجتماع شروط التيمم فيه من عدم الماء بعد الطلب ودخول الوقت فهذا الذى أطاع الله تعالى. وقوله: ((ليس من وجد الماء بأطهر منه))، يريد أن هذا المتيمم قد أدى فرضه كما أداه المتوضئ وليست استباحة المتوضئ بالماء لصلاته بأكثر من استباحة المتيمم لها ولا أتم صلاة، يريد فى الأداء لأن ذمة المتيمم قد برئت من صلاته كما برئت ذمة المتوضئ، وبين هذا بقوله: لأنهما أمرا جميعًا، أمر المتيمم بالتيمم وأمر الواحد للماء بالوضوء. فإذا تيمم هذا وصلى وتوضأ الآخر فقد فعل كل واحد منهما ما أمر به وأدى فرضه على الوجه الذى لزم، وكذلك الصحيح وصاحب الجبائر كل واحد منهما قد عمل بما أمر الله به من المسح على الجبائر للشجوج ومباشرة العضو بالماء للصحيح، فلا يقال إن أحدهما أدى فرضه دون الآخر ولا أن طهارة أحدهما أتم فى باب الإجزاء، وهو الذى قصده مالك، رحمه الله، وأما الكلام على الفضيلة فلم يعرض لها فإن الفضل قد يوجد فى الوضوء بالماء. قَالَ مَالِك فِى الرَّحُلِ الْجُنُبِ أَنْهُ يَتْيَمَّمُ وَيَقْرَأُ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَتَفْلُ مَا لَمْ يَجِدْ مَاءِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِى الْمَكَانِ الَّذِى يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلّىَ فِيهِ بِالتَّهُمِ. الشرح: وهذا كما قال أن الجنب يتيمم ويقرأ حزبه من القرآن ويتنفل مرارًا هذه المسألة على فصلين، أحدهما: أن الجنب يتيمم ويقرأ حزبه من القرآن يستبيح ما تمنع منه الجنابة بالتيمم. والثانى: تفسير ما يستبيحه الجنب بالتيمم. ٤٣٠ الطهارة فأما استباحة الجنب الصلاة وغيرها من ممنوعات الجنابة بالتيمم، فهو مذهب جمهور الفقهاء، وروى منعه عن عمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود. والذى يظهر لى من قولهما أنهما إنما منعا ذلك للذريعة وذلك أن أبا وائل روى عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لو رخصنا لهم فيها لأوشك إذا يرد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم. وقد روى الضحاك بن مزاحم أن عبدالله بن مسعود ترك قوله فى الجنب لا يصلى حتى يغتسل، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائد: ٦] إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾. ودليلنا من جهة السنة حديث عمران بن حصين ((أن النبى ﴿﴿ صلى بالناس فلما انفتل من الصلاة إذا رجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلى مع القوم؟ قال: أصابتنى جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك)). ودليلنا من جهة القياس، أن هذا حكم محدث لم يجد الماء فكان فرضه التيمم مع التمكن منه إذا أراد الصلاة کالمحدث. مسألة: وأما ما يستبيحه الجنب بالتيمم فهو كل أمر من شرطة الطهارة الكبرى كالصلاة والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف، وقد قال مالك: إن الجنب لا يمر فى المسجد، فعلى هذا إذا اضطر إليه وجب عليه التيمم. فصل: وقوله: ((وإنما ذلك فى المكان الذى يجوز له أن يصلى فيه بالتيمم))، يريد أن من كان واجدا للماء لا يجوز له أن يستبيح قراءة القرآن بالتيمم لأن التيمم لا يكون بدلاً من الوضوء إلا عند الحاجة إليه وعدم الماء ولا خلاف فى وجوب ذلك فى السفر وإجزائه. وأما فى الحضر، فقد قال مالك: يتيمم. ويصلى عند عدم الماء فى الحضر، وبه قال الشافعى. وقال أبو حنيفة: لا يصلى بالتيمم عند عدم الماء فى الحضر. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن عادم الماء معنى يجوز له التيمم فى السفر فوجب أن يجوز معه التيمم فى الحضر كالمرض. فرع: إذا قلنا بالتيمم فى الحضر، فهل يعيد إذا وجد الماء أو لا؟ المشهور من مذهب مالك أنه لا يعيد. وقال ابن حبيب ومحمد بن عبدالحكم: يعيد أبدًا، وبه قال الشافعى. والدليل على صحة القول الأول أن هذا مأمور بالصلاة وبالتيمم، فوجب أن تكون صلاته مجزئة کالمسافر. الطهارة ........... ٤٣١ العمل فى التيمم ١١٩ - مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنْهُ أَقْبَلَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْجُرُفِ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِالْمِرْبَدِ (١)، نَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيًّا، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّصَلَى. الشرح: قوله: ((أقبل هو وعبدالله بن عمر من الجرف))، موضع بقرب المدينة ليس بينه وبينها ما تقصر فيه الصلاة، وأما المربد، فروى سفيان الثورى أن بينه وبين المدينة ميلا أو ميلين، وهذا يقتضى اعتقاد عبدالله جواز التيمم لعدم الماء فى الحضر لأن من يقصر التيمم على السفر لا يجزئه من المسافة إلا فيما تقصر فيه الصلاة، قاله ابن حبيب. فصل: قال محمد بن مسلمة: وإنما تيمم عبدالله بالمربد، وهو بطرف المدينة، ولم ينتظر الماء لأنه خاف فوات الوقت ويجب أن يريد بذلك خروج الوقت المستحب وهو أن تصفر الشمس. وقد روى سفيان وابن عجلان أنه دخل المدينة والشمس مرتفعة. وروی سفيان الثوری أنه لم يعد، وقد روى ذلك عبدالرزاق عن مالك، انفرد به عنه فى هذا الحديث. وذلك يحتمل وجهين، أحدهما: أن يريد بقوله: والشمس مرتفعة، أى أنها مرتفعة عن الأفق لم تغب بعد إلا أن الصفرة قد دخلتها فخاف فوات وقت الصلاة فتيمم على هذا الاجتهاد وصلى ثم تبين له أنه كان فى فسحة من الوقت فلم يعد. وقد روى عن ابن القاسم أنه قال: من رجا إدراك الماء فى آخر الوقت فتيمم فى أوله وصلى فإنه تجزيه ويعيد فى الوقت خاصة على معنى الاستحباب، ويحتمل أن يكون عبدالله رأى هذا الرأى وذهب إليه، وسيأتى ذكره بعد هذا، إن شاء الله. ١١٩ - أخرجه أبو داود برقم ٣٢٤، ٨٧/١ كتاب الطهارة، باب التيمم، عن عمار. والنسائى ١٦٦/١ كتاب الطهارة، باب التيمم فى الحضر، عن عمار. وابن ماجه برقم ٥٦٩، ١٨٨/١ كتاب الطهارة، باب ٩١ عن عمار. وأحمد ٢٦٣/٤ عن عمار. وابن خزيمة برقم ٢٦٨ عن عمار بن ياسر. والحميدى فى مسنده برقم ١٤٤، ١٧٩ عن أبى خفاف ناحية بن كعب. وأبو عوانة فى المنسد ٣٠٦/١ عن عبد الرحمن بن أبزى. والدارقطنى ١٨٣/١ عن عمار بن ياسر. والبيهقى فى السنن الكبرى ٢٠٩/١ عن عمار. (١) المربد: هو مربد النعم موضع على ميلين من المدينة. وقال الأصمعى: المربد: كل شىء حبست فيه الإبل، ولهذا قيل مربد النعم بالمدينة. انظر: (معجم البلدان). ٤٣٢ الطهارة مسألة: إذا ثبت ذلك، فالعادمون الماء على ثلاثة أضرب، أحدها: أن يغلب على ظن المكلف عدم الماء فى جميع الوقت. والثانى: أن يشك فى الأمر. والثالث: أن يغلب على ظنه وجود الماء فى آخر الوقت، فإنه يستحب له التيمم والصلاة فى أول الوقت أفضل على ما قدمناه، فإذا فاتته فضيلة الماء فإنه يستحب له أن يحوز فضيلة أول الوقت، وأما إذا شك فى الأمر، فالذى حكاه أصحابنا عن مالك أنه يتيمم فى وسط الوقت، ومعنى ذلك أن يتيمم من الوقت فى آخر ما يقع عليه اسم أول الوقت لأنه يؤخر الصلاة رجاء إدراك الماء ما لم تفت فضيلة أول الوقت، فإذا خاف فوات فضيلة أول الوقت تيمم وصلى لئلا تفوته فضيلة أول الوقت ثم لا يدرك فضيلة الماء فتفوته الفضيلتان. وأما إن غلب على ظنه إدراك الماء فى آخر الوقت فإنه يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء فى آخره لأن فضيلة الماء أعظم من فضيلة أول الوقت لأن فضيلة أول الوقت مختلف فيها وفضيلة الماء متفق عليها، وفضيلة أول الوقت يجوز تركها دون ضرورة ولا يجوز ترك فضيلة الماء إلا لضرورة، والله أعلم. فرع: والوقت فى ذلك هو الوقت المختار، قاله ابن حبيب، فلو علم وجود الماء فى آخر الوقت فتيمم فى أوله وصلى، فقد قال ابن القاسم: تجزئه، فإن وجد الماء أعاد فى الوقت خاصة. وقال عبدالملك: إن وجد الماء فى الوقت فلم يعد أعاد الصلاة أبدًا. ووجه قول ابن القاسم أنه يتيمم ليحوز فضيلة لا تتم إلا بالطهارة فكان تيممه صحيحًا كما لو تيمم للنافلة. ووجه قول ابن الماجشون أنه يتيمم لصلاة مع الاستغناء عن التيمم كالذى قبل الوقت. فصل: وقوله: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [النساء: ٤٣]. قال محمد بن مسلمة فى المبسوط: يريد أن يكون طاهرًا، ولم يرد كرم الأرض ولا لؤمها. فصل: وقوله: ((ومسح بوجه وعلى يديه إلى المرفقين ثم صلى))، لا خلاف فى أن حكم الوجه فى الوضوء والتيمم فى الاستيعاب واحد، وقد تقدم ذكره فى الوضوء، وأما اليدان فاختلف العلماء فى حكمهما فى التيمم، فقال ابن شهاب: حكمهما المسح إلى المناكب. وعن مالك فى ذلك روايتان، إحداهما: أن فرض التيمم فيهما إلى الكوعين، وبه قال ابن حنبل. والثانية: إلى المرفقين، وبه قال أبو حنيفة والشافعى. وجه القول الأول، ما قاله عمر بن يسار لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا فى ٤٣٣ الطهارة سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي فقال النبى ﴿﴿: ((إنما يكفيك هذا، فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه و کفیه)). ودليلنا من جهة القياس أن هذا حكم علق فى الشرع على اسم اليد فوجب أن يخص بالكوع كالقطع فى السرقة. قال ابن نافع: من تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة أبدًا. ووجه القول الثانى، أن هذه طهارة تتعدى محل موجبها فلم يقتصر بفرض اليدين فيهما على أدون من المرفقين كالوضوء. ١٢٠ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَيَّمَّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وسُئِلَ مَالِك كَيْفَ التَّهُمُ وَأَيْنَ يَبْلُغُ بِهِ؟ فَقَالَ: يَضْرِبُ ضَرْبَةٌ لِلْوَحْهِ، وَضَرَّبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَيَمْسَحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. الشرح: وهذا كما قال أن حكم التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين. وقال عطاء: ضربة واحدة للوجه والیدین. والدليل على صحة القول الأول أن هذه طهارة فشرع فيها استئناف الطهور لكل عضو كالوضوء، وإنما يجزئ فى اليدين ضربة واحدة لأن الطهر فى اليد اليمنى إنما يفعل باليد اليسرى خاصة، والطهر فى اليد اليسرى إنما يفعل باليد اليمنى خاصة، فجعل لكل يد طهارة بید لیس یباشرها تطهر عضو آخر فکان ذلك منزلة استئناف طهور. فرع: فإن اقتصر على ضربة واحدة للوجه واليدين فهل يكفيه أو لا؟ حكى ابن سحنون عن ابن نافع: لا يجزئه ويعيد أبدًا، وفى العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك: أرجو أن تجزئه. ووجه قول ابن نافع، أن هذا مسح مفترض فى طهارة فوجب أن لا يجزى إلا باستئناف الطهور، وأصل ذلك إذا مسح رأسه بفضل ذراعيه. ووجه قول مالك أن المسح فى الوضوء من فروضه ممسوح به، وهو الماء، ولذلك قال: إنه إذا فنى الماء من يديه قبل استيعاب رأسه جدد آخر، فأما التيمم فليس من فروضه ممسوح به لأنه يعلم أنه لا يبقى إلى آخر العضو من آثار ما تعلق باليد من التراب ١٢٠ - أخرجه من طرق أخرى عبد الرزاق ٢١١/١ عن ابن عمر رقم ٨١٧. ٤٣٤ • الطهارة ..... شىء، وبدليل أنه يجوز له التيمم على الحجر الصلد وإنما الغرض منه وضع اليد على الصعيد فى التيمم، وهذا قد وجد فى مسألتنا. فصل: وقوله: ((ويمسحهما إلى المرفقين))، يحتمل أن يريد به الوجوب، ويحتمل أن يريد به الاستحباب على ما تقدم من الاختلاف فى ذلك، وقد اختلف أصحابنا فى صفة المسح فقال مالك من رواية ابن القاسم: يبدأ فيمسح اليمنى باليسرى، يبدأ من ظاهرها من أطراف أصابعها إلى المرفقين ثم يمسح من باطنها إلى المرفق إلى أطراف الأصابع من جهة الكف ثم يمسح اليسرى باليمنى مثل ذلك. وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك: أنه يبدأ فيمسح اليمنى باليسرى من ظاهرها على أطراف أصابعها إلى المرفق ثم يمسح باطنها من المرفق إلى الكف ولا يمسح الكف ثم يمسح اليسرى باليمنى مثل ذلك ويمسح الكفين بعضهما ببعض مرة واحدة، واختار أصحابنا رواية ابن القاسم لأن أعضاء الطهارة مبنية على أنه لا يشرع فى تطهير عضو إلا بعد استيفاء الذى قبله. فرع: قال الشيخ أبو إسحاق: ويخلل أصابعه فى التيمم وليس عليه متابعة العضوين، ووجه ذلك استيعاب ظاهر بشرة اليدين بالمسح، وقال الشيخ أبو محمد: لم أر تخليل الأصابع فى التيمم لغيره. * تيمم الجنب ١٢١ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ،؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَّبِ، عَنِ الرَّجُلِ الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ ثُمَّ يُدْرِكُ الْمَاءَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِذَا أَدْرَكَ الْمَاءَ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ. الشرح: معنى ذلك أنه كان جنبا ولذلك قال: ((عليه الغسل لما يستقبل)) لأنه إذا تيمم بعد أن تمت له شروط التيمم المتقدمة ثم صلى بعد ذلك، فإذا وجد الماء لم تلزمه إعادة الصلاة لأنه قد أتى بها على ما لزمه، وعليه أن يغتسل لما يستقبل لأن تيممه لم يرفع حدث جنابته، وإنما أباح له الصلاة، وقد تقدم من قول أبى سلمة: إن التيمم يرفع حدث الجنابة. ١٢١ - الحديث فى الموطأ برقم ١٢١. ٤٣٥٠ ... الطهارة .. قَالَ مَالِك فِيمَنِ احْتَلَمَ وَهُوَ فِى سَفَرٍ، وَلا يَقْدِرُ مِنَ الْمَاءِ إِلا عَلَى قَدْرِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ لا يَعْطَشُ حَتَّى يَأْتِىَ الْمَاءَ. فَقَالَ: يَغْسِلُ بِذَلِكَ فَرْجَهُ، وَمَّا أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ الأَذَى، ثُمَّ يَتْيَمَّمُ صَعِيدًا طَيًِّا، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالى. الشرح: وهذا كما قال أن من وجب عليه الغسل لاحتلام ولا يقدر من الماء إلا على قدر الوضوء فإنه غير واجد للماء وفرضه التيمم، وبه قال جمهور الفقهاء. وقال عطاء والحسن: يتوضأ بذلك الماء ويصلى، فإن لم يكن معه من الماء إلا قدر ما يغسل به وجهه ويديه، فهو أولى من التيمم، وإن لم يجد إلا ما يغسل به وجهه غسله ومسح كفيه بالتراب. والدليل على ما ذهب إليه الجمهور ما قدمناه من أن من وجد من الماء أقل من كفايته للطهارة فليس بواجد للماء، وأن الاعتبار بوجود قدر الكفاية. فصل: وقوله: ((وهو فى سفر))، إنما خص السفر لأن الغالب من عدم الماء إنما يكون فى الأسفار، واشترط أنه لا يخاف العطش باستعمال الماء لئلا يكون تركه لاستعماله بسبب ضرورة العطش؛ إذ هو ما يبيح التيمم. فصل: وقوله: ((يغسل بذلك الماء فرجه وما أصابه من ذلك الأذى))؛ لأنه كانت عليه طهارتان طهارة الجنابة وطهارة النجاسة فلما أمكنه فعل إحداهما فعلها، وهى طهارة النجاسة، وأبدل التيمم من الآخر، أو لم يكن عنده ما يغسل به النجاسة عنه، تيمم وصلى ولم يكن عليه إعادة بعد خروج الوقت. وبهذا قال أبو حنيفة. وقد قال الشافعى: يكون عليه الإعادة. ودليلنا أن هذه نجاسة لا تمنع صحة الصلاة فلم يجب لأجلها الإعادة، وأصل ذلك إذا صلى بدم البراغيث وأثر الاستنجاء. فصل: وقوله: ((ثم يتيمم صعيدًا طيبًا كما أمره الله))، يريد أنه من خوطب بقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: ٤٣]. وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَجُلٍ جُنُبٍ، أَرَادَ أَنْ يَتْيَمَّمَ فَلَمْ يَجِدْ تُرَابًا إِلا تُرَابٌ سَبْخَةٍ (١)، هَلْ يَتَيَّمَّمُ بِالسَِّاخِ؟ وَهَلْ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِى السَِّاخِ؟. (١) السبخة: أرض مالحة لا تكاد تنبت. ٤٣٦ الطهارة قَالَ مَالِك: لا بَأْسَ بِالصَّلاةِ فِى السَِّاخِ، وَالتِّيَهُّمِ مِنْهَا، لأَنَّ اللَّهَ تَّبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿فَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيًِّا﴾ [النساء: ٤٣] فَكُلُّ مَا كَانَ صَعِيدًا فَهُوَ يُنَيَمَّمُ بِهِ سِبَاحًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. الشرح: وهذا كما قال أنه لا بأس بالصلاة فى السباخ والتيمم بها للآية التى احتج بها، وروی عن مجاهد أنه قال: لا یتیمم بالسباخ، والدليل عليه الآية. ومن جهة السنة ما روى عن جابر بن عبدالله أن النبى ﴿﴾ قال: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وأعطيت الشفاعة، وكان النبى ل﴾ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)). فقال النبى ﴿﴿: ((جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا)) ولم يفرق بين السباخ وغيرها، وأصل مالك فى ذلك أن كل ما كان من جنس الأرض ولم يتغير عن حكم الأصل، فإنه يجوز التيمم به، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعى: لا يجوز التيمم بغير التراب، وله فى الرمل قولان. وقال الشيخ أبو إسحاق: لا يتيمم برمل لا تراب فيه، ولا بحجر سقط عنه ترابه، فذهب مذهب الشافعى. والدليل على ما ذهب إليه مالك وجمهور العلماء قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: ٤٣] والصعيد وجه الأرض، ترابًا كان أو رملاً أو حجرًا. قال ابن الأعرابى وأبو إسحاق والزجاج: قال أبو إسحاق: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة. ودليلنا من جهة السنة الحديث المتقدم: ((جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا)) ولم يخص ترابًا من غيره. ودليلنا من جهة القياس، أن هذا جزء طاهر من الأرض لم يتغير عن جنس الأصل، فجاز التيمم به كالتراب. مسألة: ولا يجوز التيمم بالجير، ويجىء على قول ابن حبيب: أنه يجوز التيمم به. والأول أصح لأنه قد تغیر بالطبخ عن جنس أصله. مسألة: وهل يجوز التيمم بالمسح أم لا؟ قال القاضى أبو الحسن: يتيمم به، ورأيت لبعض أصحابنا لا یتیمم به. ٤٣٧ الطهارة . قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والملح عندى على ضربين، معدنى محت من الأرض كالحجارة، فهذا حكمه حكم الزرنيخ والكحل. والضرب الثانى، يجمد من الماء، فحكمه عندى حكم الثلج، بل هو أشد من الثلج لما فيه من الصناعة. مسألة: وأما الثلج، فقد روى ابن زياد عن مالك فى المدونة، وابن وهب عن مالك فى المبسوط: ويتيمم به. زاد ابن وهب: والجليد، وذكر الشيخ أبو بكر أن ابن القاسم روى عن مالك: لا يجوز التيمم بالثلج. وجه الرواية الأولى: أن الثلح جامد إذا قصد المكلف تغيير الماء به لم يسلبه ذلك حكم التطهير، فجاز به حال انفراده كالتراب. ووجه الرواية الثانية أن هذا ليس بصعيد، فلم يجز التیمم به کالنبات. مسألة: وأقل ما يكفى التيمم من التراب ما يضرب عليه بيده مرتين، فإن لم يجد إلا ما يضرب عليه مرة واحدة، فقد قال القاضى أبو الحسن: ليس عليه استعماله لأنه لا ينتفع به إذا لم يكمل تيممه، وهذا مبنى على قول ابن نافع المتقدم: أن الضربة الواحدة لا تجزئ، وأما على قول مالك فإنه يستعمله ويجزيه ذلك لوجهه ويديه، وبالله التوفيق. فصل: ومن لم يجد ماءً، ولا ترابًا من مريض أو مربوط لا يجد من يناوله إياه، فروى عن مالك: لا صلاة عليه، وبه قال أصبغ. وروى أصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم: يصلى کذلك. وجه قول مالك أن هذا محدث لا يقدر على رفع حدث ولا استباحة الصلاة بالتيمم، فلم تكن عليه صلاة كالحائض. ووجه قول ابن القاسم: أن هذا مكلف يقدر على إزالة حدثه، فوجبت عليه الصلاة وإن لم يجد ما يزيله به كالذى لا يجد الماء يجد التراب. فرع: فإذا قلنا بقول ابن القاسم، ففی العتبية عنه من روایة أبی زید: يعيد أبدًا. ورواه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، وروى ابن سحنون عن أبيه: لا إعادة عليه. وإذا قلنا بقول أصبغ، فقد قال ابن حبيب: لا يعيد، وحكاه القاضى أبو الحسن على المذهب أنه لا يعيد، قال: ومن قال من أصحابنا: يعيد، فمعناه فى المربوط على طهارة لا يصلى إيماءً. ٤٣٨ الطهارة ما يحل للرجل من امرأته وهى حائض ١٢٢ - مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾، فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِى مِنِ امْرَأَتِى وَهِىَ حَائِضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿َ: «لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا، ثُمَّ شَأْنَكَ بِأَعْلاهَا)). الشرح: قوله: ((ما يحل لى من امرأتى وهى حائض))، وإن كان لفظًا عامًا فهو خاص بالاستمتاع بالوطء؛ لأنه إذا وقع السؤال على عين من الأعيان انصرف بالعرف والعادة إلى المنافع المقصودة منه، والمقصود من المرأة الاستمتاع والوطء، فكان السؤال على ما يحل له من وطئها فى حال حيضها لما علم أنه ممنوع من وطئها فى الفرج لقول الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وانصرف الاعتزال أيضًا إلى اعتزال وطء لما تقدم ذكره، وعلم هذا السائل أن الاستمتاع بالنظر إليها والمباشرة لها والقبل وغير ذلك من الاستمتاع مباح، فطلب تحديد المباح وتمييزه من المحظور. فصل: وقوله :﴿: ((لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها)) جواب للسائل ونص منه له على المباح بأنه ما فوق المنزر، وما ليس بمباح، فلا يجوز أن يطأ امرأته تحت الإزار فى فرج ولا غيره، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وذهب أصبغ من أصحابنا ومحمد بن الحسن من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يجوز وطؤها تحت الإزار فيما عدا الفرج. والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وعلم أنه أراد اعتزالهن بالوطء، فيجب حمل ذلك على عمومه إلا ما خصه الدليل واستدلالى فى المسألة، وهو أن الوطء فى الحيض إنما منع لموضع أذى الدم أن ينال الرجل أو يصيبه ولا يؤمن من ذلك فيما دون الإزار، وإنما جاز ذلك فيما فوق الإزار لأن ذلك يؤمن به، وهذا القول أحوط. والقول الثانى محتمل إذا أمن الدم. فصل: فأما الوطء فى الفرج فى وقت الحيض، فلا خلاف فى منعه، فمن فعل ذلك ١٢٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠١. وقال ابن عبدالبر: لا أعلم أحدا روى هذا الحديث مسندًا بهذا اللفظ. ومعناه صحيح ثابت. وأخرجه الدارمى كتاب الطهارة برقم ١٠٣٢. والبيهقى فى السنن الكبرى ١٩١/٧ عن زيد ابن أسلم. وذكره فى الكنز برقم ٤٤٨٩٥ ١٦ /٣٥٣ وعزاه لمالك، والبخارى، ومسلم، عن زید بن أسلم. ٠٠٠ ٤٣٩ الطهارة فقد أثم ولا غرم عليه، وبه قال أبو حنيفة والشافعى فى الجديد. وقال فى القديم: عليه دينار يتصدق به، وبه قال ابن حنبل. ودليلنا من جهة القياس، أن هذا وطء محرم لا لحرمة عبادة فلم تجب فيه كفارة كالزنا. ١٢٣ - مَالِك، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴾ كَانَتْ مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَأَنْهَا قَدْ وَثَبَتْ وَتْبَةٌ شَدِيدَةٌ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((مَا لَكِ؟ لَعَلِّكِ نَفِسْتِ) يَعْنِى الْحَيْضَةَ. فَقَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((شُدِّى عَلَى نَفْسِكِ إِزَارَكِ، ثُمَّ عُودِى إِلَى مَضْحَعِكِ). الشرح: قولها: ((إنها وثبت وثبة شديدة))، يريد لما رأته من دام الحيضة لمكان رسول الله څ﴾ معها. وقوله: ((لعلك نفست))، يريد لعل الموجب لوثبتك النفاس؟ وهو الحيض، فقالت: ((نعم))، فأعلمها بما يجب أن تمتثله فى مثل هذا الحال، فقال: ((شدى على نفسك إزارك)) يريد أن تشد الإزار على ما جرت العادة بشده عليها منها ونفسها حقيقتها، ففهم من ذلك شدى الإزار على ما جرت به العادة كما لو قال: شدى عليك إزارك، لفهم ذلك منه. فصل: وقوله: ﴿: ((ثم عودى إلى مضجعك)) دليل على ما تقدم من مباشرة الحائض إذا انتزرت ومضاجعتها لأن الذى حظر عليه وطؤها فى موضع مخصوص، وأما الالتذاذ بها فليس ممنوع ولا محظور. ١٢٤ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللّهِ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ، أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةً، يَسْأَلُهَا: هَلْ يُبَاشِرُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِىَ حَائِضٌ؟ فَقَالَتْ: لِتَشُدَّ إِزَارَهَا عَلَى أَسْفَلِهَا، ثُمَّ يِّبَاشِرُهَا (١) إِنْ شَاءَ. ١٢٣ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٢. قال ابن عبدالبر: هكذا هذا الحديث فى الموطأ، كما روى، منقطع، ويتصل معناه من حديث أم سلمة عن النبى ﴿، ولا أعلم أنه روى من حديث عائشة بهذا اللفظ البتة. أخرجه الترمذى كتاب الطهارة برقم ١٢٢. والنسائى كتاب الحيض والاستحاضة برقم ٣٧٣، ٣٧٤، ٣٧٥. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٦٣٥، ٦٣٦. وأحمد بالمسند برقم ٢٣٨٢٨. ١٢٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ١٠٣. أخرجه الدارمى كتاب الطهارة برقم ١٠٣٣. (١) المباشرة: المعاشرة فيما دون الجماع.