Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨٠
الطهارة
وجه إيجاب غسل الذكر قوله ﴿﴿ للسائل: ((توضأ واغسل ذكرك)). ومن جهة المعنى
أن ما يخرج من الذكر للذة وجب به غسل الذكر، يريد على ما يجب بالبول كالمنى.
٨٣ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنّى
لأجدُّهُ يَنْحَدِرُ مِنِّى مِثْلَ الْخُرَيْزَةِ(١)، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ، وَلْيَتَوَضَّأْ
وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ(٢). يَعْنِى الْمَذْىَ.
الشرح: قول عمر بن الخطاب: ((إنى لأجده ينحدر منى مثل الخريزة))، يريد أن
انحداره على فخذه كانحدار الخريزة. ورواه عمر فقال: مثل الجمانة، يحتمل أن يريد به
أن يجده، وهو قائم فى الصلاة على ما سنذكره بعد هذا، ((فإذا وجد ذلك أحدكم))،
يريد والله أعلم، فإذا وجد المذى على غير هذا الوجه.
وقد يحتمل أن يريد به، فإذا وجد انحداره منه مثل الخريزة، والأول أظهر؛ لأن حكم
المذى المنحدر مثل الخريزة، وحكم غيره مما يجده الإنسان مضطجعًا أو جالسًا، فلا
ینحدر علی فخذه، سواء عندنا.
فصل: وقوله: ((فإذا وجد ذلك أحدكم، فليغسل ذكره وليتوضأ))، يحتمل أن يكون
عمر بن الخطاب خصهم بهذا الحكم، وإن كان هو غير داخل فيه، إذا كان خروجه منه
على غير وجه اللذة.
ويحتمل أن يكون عمر بن الخطاب أمرهم بذلك، وحكمه فيه حكمهم لخروجه منه
على وجه اللذة، وأمر بغسل الذكر على ما قدمناه ظاهره أنه غسل على وجه التعبد،
ولو كان يغسله لنجاسة المذى لقال: فليغسل المذى.
٨٣ - أخرجه أبو داود برقم ٢٠٧ عن على فى كتاب الطهارة، باب فى المذى. والنسائى ٩٧/١ عن
على فى كتاب الطهارة، باب ما ينقض الوضوء. وابن ماجه برقم ٥٠٥ عن عبد الله بن زيد
فى كتاب الطهارة، باب الوضوء من المذى. وعبد الرزاق برقم ٦٠٠ عن المقداد. وأحمد ٦/٤
عن المقداد. وذكره فى كنز العمال برقم ٢٧٠٧١ وعزاه السيوطى لعبد الرزاق بالمصنف، عن
المقداد.
(١) الخريزة: الخرزة الصغيرة. والمراد: أى حامدًا مثلها.
وقال السيوطى فى تنوير الحوالك: تصغير الخزرة وهى الجوهرة، وفى رواية عنه مثل الجمانة
وهى اللؤلؤة. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٤٩).
(٢) وليتوضأ وضوءه للصلاة، قال الرافعى: يقطع احتمال حمل التوضؤ على الوضاءة الحاصلة
بغسل الفرج فإن غسل العضو الواحد قد يسمى وضوءًا كما ورد أن الوضوء قبل للطعام ينفى
الفقر والمراد غسل اليد. انظر: (تنوير الحوالك صـ٤٩).
الطهارة
٣٨١
.......
فصل: وقوله: ((وليتوضأ وضوءه للصلاة)) مبالغة فى البيان لئلا يظن السامع أنه يريد
بالوضوء غسل الذكر من المذى، فبين أنه يريد وضوء الحدث.
وقوله: ((یعنی المدی))، يريد أنه يعنى بقوله: إنه يجده ينحدر منه مثل الخريزة هو،
المذی.
٨٤ - مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ خُنْدُبٍ، مَوْلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَّشٍ أَنَّهُ قَالَ:
سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْمَذْىِ، فَقَالَ: إِذَا وَحَدْتَهُ، فَاغْسِلْ فَرْحَكَ، وَتَوَضَّأْ
وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ.
الشرح: قوله: ((إذا وجدته))، یرید إذا وجدته قد برز من مخرجه، ((فاغسل فرجك))،
يحتمل أن يريد به مخرج المذى من الذكر، ويحتمل أن يريد الذكر.
وقوله: ((توضأ وضوءك للصلاة))، على ما تقدم.
*
*
*
الرخصة فى ترك الوضوء من المذى
٨٥ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنْهُ سَمِعَهُ، وَرَجُلٌ
يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: إِنِّى لأَحِدُ الْبَلَ وَأَنَا أُصَلِّى، أَفَأَنْصَرِفُ؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَوْ سَالَ عَلَى
فَخِذِى مَا انْصَرَفْتُ حَتَّى أَقْضِىَ صَلاتِى.
الشرح: قوله: ((إنى لأجد البلل وأنا أصلى))، يريد أنه يجد فى صلاته بللا مما يخرج
من ذكره. فقال سعيد: ((لو سال على فخذى ما انصرفت))؛ لأن ذلك عنده مما لا
ينقض الطهارة، ولا يمنع صحة الصلاة، فحمل مالك، رحمه الله، ذلك على سائر المذى،
وإنما وردت هذه اللفظة عامة فى البلل، فكان مذهب حذيفة وزيد بن ثابت والحسن
وعطاء وقتادة أن البلل لا يبطل الوضوء فى الصلاة على من تيقنه حتى يقطر، فإذا قطر
بطل الوضوء.
وكان سعيد بن المسيب يقول: لا يبطل الوضوء فى الصلاة، وإن قطر وسال، فهذا
وجد حديث سعيد بن المسيب، إلا أن مالكًا، رحمه الله، حمله على المذى الخارج لغير
اللذة.
٨٤ - أخرجه من طرق أخرى الطبرانى فى الكبير، عن سهل بن حنيف ١٠٦/١.
٨٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٦.
٣٨٢
.
الطهارة
...........
وقد روى ابن نافع عن مالك: إن وجد بللاً فى الصلاة فلا ينصرف حتى يستيقن،
إلا أن يكون مستنكحًا، فيتمادى، فتقرر من هذا أن ما خرج من العادة، وتكرر حتى
تشق مراعاته دخل فى باب السلس المعفو عنه.
ومن قول مالك: أن ما خرج من منى أو مذى أو بول على وجه السلس، فإنه لا
ينقض الطهارة خلافًا لأبى حنيفة والشافعى.
والدليل على ما نقوله أن هذا مائع تجب به الطهارة إذا خرج على وجه الصحة لم
تجب به تلك الطهارة كدم الحيض. وحكى القاضى أبو الحسن فى المرأة يخرج منها دم
الاستحاضة المرة بعد المرة: عليها الوضوء، وإن کان یتکرر علیها بالساعات استحب لها
الوضوء.
قال: ويخرج من ذلك قول مالك لابن القاسم فيمن اعتراه المذى مرة بعد مرة: عليه
الوضوء، إلا أن يستنكحه، فظاهر قول أبى الحسن أن المذى الخارج بغير لذة يجب به
الوضوء، إلا أن يكثر، وهو خلاف المشهور من المذهب، وإنما حمل شيوخنا قول مالك
فى المذى يخرج المرة بعد المرة للذة؛ لأن ذلك غالب حال المذى أن يخرج للذة.
وأما ما يستنكح به وهو أن يخرج لغير لذة ولا سبب، فلا يجب به الوضوء؛ لأنه
خارج على غير الوجه المعتاد، فيجىء على مذهب القاضى أبى الحسن أن معنى خروجه
على وجه الصحة أن يخرج المرة بعد المرة ولا يكثر جدًا، ولا يراعى اللذة.
قال الشيخ أبو إسحاق: وقد اختلف فى غسل من لدغته عقرب أو ضرب أسواطًا أو
کانت به حكة، فاغتسل بماء سخن، فأنزل، فالاختيار أن يغتسل للإنزال، فيجىء على
اختياره هذا أن معنى خروجه على وجه الصحة أن يخرج سواء كان السبب اللذة أو
.elll
وقال سحنون فى كتاب ابنه: من أمنى للذغة عقرب أو ضرب بسيف، فلا غسل
عليه، وإنما الغسل على من خرج منه ذلك للذة مثل أن ينتشر لشبق، فيمنى أو ينزل
الحوض، فيمنى فيجىء على مذهبه أن ما كان من المياه يخرج للذة، فإن خروجه على
وجه الصحة أن يخرج لتلك اللذة، فإن عرا منها فهو خارج على غير وجه الصحة، فلا
تجب به تلك الطهارة، وهذا إجراء على المذهب.
فصل: إذا ثبت أنه لا يجب بسلس المذى والبول وضوء، فهو على قسمين، أحدهما:
أن ينقطع فى بعض الأوقات، فهذا يستحب منه الوضوء لكل صلاة، إلا أن يؤذى
٣٨٣
الطهارة .
ويشتد البرد، وقسم لا ينقطع فهذا لا معنى للوضوء منه؛ لأنه يأمن أن يطرأ مثله قبل
التلبس بالصلاة.
رواه علی بن زیاد عن مالك، فإن قرن بین صلاتین بوضوء واحد من به سلس أو
استحاضة، يقطع فى بعض الأوقات، ففى العتبية من رواية أشهب عن مالك فى
المستحاضة: لا إعادة عليها. وروى ابن المواز عنه: تعيد الثانية فى الوقت.
فرع: ومن به سلس البول، فإنه يجب عليه الوضوء، إذا تعمد البول کالذی به سلس
المذى لا يجب عليه الوضوء حتى يقصد اللذة، بأن يلاعب، فيخرج منه المذى للذة.
وروى معنى هذا على بن زياد عن مالك، ووجهه أنه خارج على المعتاد، والله أعلم.
٨٦ - مَالِك، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ زِيَادٍ، أَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنِ الْبَلَلِ
أَجِدُهُ، فَقَالَ: انْضَحْ مَا تَحْتَ ثَوْبِكَ، وَالْهُ عَنْهُ.
الشرح: قوله: «سألت سلیمان بن يسار عن البلل أجده» أدخله مالك، رحمه الله، فى
باب ترك الوضوء من المذى، وليس فى اللفظ ما يقتضيه دون غيره مما يقع عليه اسم بلل
إلا أن يكون عنده فى ذلك توقيف، ويحتمل أن يكون مالك، رحمه الله، استوى عنده
بلل المذى وبلل البول الخارجان على وجه السلس، وكان السؤال إنما يكون عن أحدهما
فى الغالب، ولما كان هذا الخبر يقتضى الجواب عنهما أدخله فى الباب.
فصل: وقوله: ((انضح ما تحت ثوبك واله عنه))، دليل على أن المراد به رفع ما يقع
فى النفس من الوسواس من احتباس البول وتوقع نجاسة، فأمره أن ينضح ما تحت ثوبه،
وهو الفرج وما قرب منه ثم يلهو عن ذلك البلل، ويعتقد أنه من الماء الذى نضحه.
الوضوء من مس الفرج
٨٧ - مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنْهُ
٨٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٧.
٨٧ - أخرجه الترمذى كتاب الطهارة برقم ٧٧. والنسائى برقم ١٦٣، ١٦٤. وأبو داود برقم
١٨١. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٤٧٩. وأحمد بالمسند برقم ٢٦٧٤٩. والدارمى
كتاب الطهارة ٧٢٤، ٧٢٥. والبيهقى ١٢٨/١ عن بسرة. والحاكم بالمستدرك ١٣٨/١ عن
بسرة. والدارقطنى، عن بسرة. وعبدالرزاق بالمصنف برقم ٤١٢ عن بسرة. وابن خزيمة فى=
٣٨٤.
الطهارة
سَمِعَ عُرْوَةً بْنَ الزُّبِيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَتَذَاكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ
الْوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: وَمِنْ مَسِّ الذِّكَرِ الْوُضُوءُ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ هَذَا، فَقَالَ
مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: أَخْبُرَتْنِى بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ، أَنْهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللّهِ ﴿ يَقُولُ:
(إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ)).
الشرح: قوله: ((فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء))، إخبار عما كانوا عليه من تذاكر
العلم والاجتماع إليه، وقول عروة: ما علمت ذلك مراجعة لمروان بن الحكم فيما ادعاه
من الوضوء من مس الذكر، وإظهار مخالفته.
ولذلك احتج عليه مروان بن الحكم بالخبر الذى رواه عن بسرة بنت صفوان عن
النبى ﴿: ((إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ))، والمس ينطلق من جهة اللغة على مسه بأى
جزء من جسده، وعلى أى وجه مسه عليه، إلا أنه من جهة العرف والعادة، فجرى
ذلك فى الأكثر على المس باليد؛ لأن القصد إلى المس فى الغالب إنما يكون بها.
وقد اختلف أصحابنا فى وجوب الوضوء من مس الذكر، فروى ابن القاسم فى
المدونة عن مالك: أن الوضوء منه واجب. وروى عنه فى المستخرجة: أنه ليس بواجب،
واختلف أصحابنا فى توجيه القولين، فذهب سحنون وغيره من أصحابنا إلى أن ذلك
على روايتين، إحداهما: إيجاب الوضوء من مس الذكر، وبه قال الشافعى. والثانية:
نفیه، و به قال أبو حنيفة.
وذهب العراقيون من أصحابنا إلى أن ذلك لاختلاف حالين، وأنه يجب الوضوء، إذا
قارنه معنى، وينفيه إذا عرا من ذلك المعنى. واختلف القائلون بذلك فى المعنى المراعى،
فقالت طائفة: المعنى المراعى هو اللمس بباطن الكف، وهو مذهب ابن القاسم. وقال
إسماعيل القاضى وجمهور أصحابنا العراقيون: إن المراعى فى ذلك اللذة.
والدليل على صحة وجوب الوضوء من مس الذكر خبر بسرة بنت صفوان، وهو
نص فى موضع الخلاف.
ودليلنا على ذلك من جهة القياس أن هذا التقاء بشرتين على معنى الاستمتاع،
فوجب بذلك طهارة كالتقاء الختانين. ودليلنا على أن لمس الذكر إذا عرا عن اللذة لم
= صحيحه برقم ٣٣، ٢٢/١ عن بسرة. والبغوى فى شرح السنة ٣٤٠/١ عن بسرة فى كتاب
الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج. وابن حبان فى صحيحه ٢٢٠/١ عن بسرة.
٠ ٣٨٥
......
الطهارة
يوجب الوضوء، أن هذا لمس عرا عن اللذة، فلم يجب به الوضوء كما لو مسه بظاهر
کفه.
ووجه ثان، وهو أن من اغتسل من جنابة فلابد له من غسل ذکره، فلو كان حدثًا
مع تعريه من قصد اللذة لما كان طهارة؛ لأنه لا خلاف إن كان حدث من الأحداث
ليس بطهارة من جنسه من الأحداث، والله أعلم وأحكم.
فرع: فإذا قلنا بوجوب الوضوء، فمن صلى قبل أن يتوضأ أعاد الوضوء والصلاة
أبدًا، قاله ابن نافع. وإن قلنا بنفى الوجوب، ففى العتبية من رواية سحنون عن ابن
القاسم فى ذلك روايتان، إحداهما: يعيد الصلاة فى الوقت. والثانية: لا يعيدها فى
الوقت ولا غيره.
مسألة: واختلفت الرواية فى إيجاب الوضوء يمس المرأة فرجها، فروى ابن القاسم
وأشهب عن مالك: لا وضوء عليها. وروى على بن زياد: عليها الوضوء.
وروى إسماعيل بن أبى أويس: عليها الوضوء إذا ألطفت أو قبضت عليه، واختلف
أصحابنا فى تأويل هذه الرواية، فقال الشيخ أبو بكر: إن ذلك ليس باختلاف أقوال،
وإنما هو لاختلاف أحوال، فمن روى لا وضوء عليها، فإن معنى ذلك إذا لم تلتذ، ومن
روى عليها الوضوء، فإنما ذلك إذا التذت.
ومن أصحابنا من يحمل ذلك على اختلاف روايتين، إلا أن الوجوب يتعلق
بالإلطاف، وهو إدخال الإصبع ومس الفرج به، والكلام فى توجيه ذلك مبنى على
الكلام فى مس الذكر، والله أعلم وأحكم.
٨٨ - مَالِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ
سَعْدٍ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أُمْسِكُ الْمُصْحَفَ عَلَى سَعْدٍ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ،
فَاحْتَكَكْتُ، فَقَالَ سَعْدٌ: لَعَلَّكَ مَسِسْتَ ذَكَرَكَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمَّ، فَقَالَ: قُمَّ،
فَتَوَضَّأ. فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ.
الشرح: قوله: ((فاحتككت))، يحتمل أن يكون احتكاكه دون الثوب، فباشر ذكره
بیده، ويحتمل أن یکون من فوق الثوب، ویری سعد فيه الوضوء.
٨٨ - الحديث فى الموطأ برقم ٨٨.
. الطهارة
٣٨٦
وقد روى ابن القاسم عن مالك فيمن مس ذكره فوق ثوب عليه الوضوء. وروى
عنه على بن زياد: إنما ذلك فى الثوب الخفيف، يريد عند العراقيين من أصحابنا، الثوب
الذى لا يمنع بشرة اليد أن تصل إلى الذكر. وأما الثوب الكثيف الذى يمنع ذلك، ويحول
دونه، فلا يوجب ذلك.
وجه قول ابن القاسم أن بالقبض على الذكر تحصل اللذة. وهذا المعنى الموجب
للوضوء.
ووجه الرواية الثانية أن اللذة لا تأثير لها إلا مع اللمس والمباشرة، وأما مجرد اللذة،
فلا وضوء فيها، وقد يلتذ الإنسان بالذكر ولا يجب عليه وضوء.
فصل: وأمر سعد لمصعب بالوضوء، يقتضى أنه كان يرى أن لا يمس المصحف إلا
طاهرًا، وسيأتى ذكره، ويقتضى أيضًا أنه كان يرى الوضوء من مس الذكر. وقد روى
عن مصعب أن أباه سعدًا قال له: اغسل يدك، والأول أصح؛ لأن روايته أثبت. والمعنى
أصح؛ لأنه لا وجه لغسل اليد منه، ولا خلاف أن ذلك لا يجب.
وقد روى قيس بن حازم أن رجلاً قال لسعد: مسست ذكرى، قال: إن علمت أن
بضعة منك تنجس، فاقطعها، وهذا يعارض ما روى من غسل اليد من مس الذكر.
٨٩ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ
فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
٩٠ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً، عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَقَدْ
وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
٨٩ - أخرجه أبو داود فى كتاب الطهارة، باب ٦٩ الوضوء من مس الذكر ٤٥/١ عن بسرة.
والترمذى فى كتاب الطهارة، باب ٦١ الوضوء من مس الذكر ١٢٦/١ عن بسرة. والنسائى
فى كتاب الطهارة، باب ١١٨ الوضوء من مس الذكر ١٠٠/١ عن بسرة. وابن ماجه فى
كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر ١٦١/١ برقم ٤٧٩ عن بسرة. وأحمد ٤٠٧/٦
عن بسرة. والبيهقى ١٢٨/١ عن بسرة. والحاكم فى المستدرك ١٣٨/١ عن بسرة. وعبد
الرزاق فى المصنف برقم ٤١٢ عن بسرة. وابن ماجه فى صحيحه برقم ٣٣ عن بسرة.
والبغوى فى شرح السنة ٣٤٠/١ عن بسرة فى كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج.
وابن حبان فى صحيحه ٢٢٠/١ عن بسرة.
٩٠ - الحديث فى الموطأ برقم ٩٠.
٣٨٧٠
....
الطهارة
الشرح: الوضوء فى الحديثين محمول على الوضوء الشرعى دون غسل اليد؛ لأن اليد
إنما تغسل للنجاسة، ولا نجاسة فى الذکر توجب غسل اليد.
وقول عروة: ((من مس ذكره فقد وجب عليه الوضوء))، تصريح منه بالأخذ بخبر
بسرة واعتقاد العمل به، ولا يجوز أن يكون عروة مع دينه وفضله يصير إلى العمل به،
ويترك ما كان يعتقده من ترك الوضوء من مس الذكر، إلا أن يصح عنده الخبر، ويأخذه
عمن یوثق بنقله، ویلزم الأخذ بروايته.
٩١ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِى عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَغْتَسِلُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، أَمَا يَحْزِيكَ الْغُسْلُ مِنَ الْوُضُوءِ؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِّى أَحْيَانًا أَمَسُّ ذَكَرِى، فَأَتَوَضَّأُ.
الشرح: إنما كان سؤال سالم أباه لما رآه يتوضأ بعد غسله، وافتتحه بالوضوء، فأنكر
عليه إعادة الوضوء، ولا يصح أن ينكر عليه الوضوء مع الغسل برفع صغير الحدث
وكبيره، وإنما يتوضأ مع الغسل على معنى تخصيص أعضاء الطهارة، فقال عبدالله بن
عمر: أن الغسل يجزيه من الوضوء، ولكنه ربما مس ذكره فتوضأ لذلك، ويجوز أن يكون
مس ذكره من غير قصد المنى، بل مرور يديه فى دلكه جسده، ويحتمل أن يكون ذلك
بقصد، وقد روى معمر فى هذا الحديث ما يدل على ذلك.
مسألة: لم يذكر فى حديث عبدالله بن عمر متى مس ذكره إن كان فى حين غسله
أو بعد الفراغ منه، فإن بعد غسله فهو حدث مستأنف يحتاج أن يجدد له طهارة، وإن
كان حال غسله وهو الأظهر من قول سالم: «رأيت أبى عبدالله يغتسل ثم توضأ»،
ولفظة ((ثم)) وإن كان موضوعها للمهلة، فلا تستعمل فى مثل هذا إلا للرتبة، فهى بمعنى
الفاء.
وهذا يقتضى أن مس ذكره كان حين غسله، ولا يخلو أن يكون مس ذلك قبل
أعضاء الوضوء، فلا ريب أن غسل أعضاء الوضوء بعد ذلك لا يفتقر إلى نية؛ لأن نية
الغسل فى أوله التى تشتمل على نية الوضوء ثابت حكمها، ما لم يغسل أعضاء
الوضوء.
وإن مس ذكره بعد وضوئه، فقد قال الشيخ أبو محمد: تلزمه النية للوضوء، ومنع من
٩١ - الحديث فى الموطأ برقم ٩١.
٣٨٨.
الطهارة
ذلك الشيخ أبو الحسن، والأولان مبنيان على أصل اختلف فيه قول مالك وأصحابه،
وهو المتطهر إذا غسل عضوًا من أعضاء طهارته، فهل يطهر بتمام غسل ذلك العضو أم
لا يطهر إلا بتمام طهارته؟.
فإذا قلنا إن الحدث لا يزول عن ذلك العضو إلا بتمام الطهارة؛ لأن أعضاء الوضوء
التی غسلها حکم الحدث ثابت فيها، فكان ذلك منزلة أن يمس ذكره قبل غسله، فحکم
نية الغسل بأولها؛ لأنه لا يأتى إلى الآن بموجبها، والفعل فلا يحتاج فى غسل أعضاء
الوضوء إلى تجدید نية.
وإن قلنا إن أعضاء الوضوء قد طهرت، وارتفع الحدث عنها بتمام إمرار الماء عليها
قبل تمام الغسل، فإن ذلك بمنزلة من مس ذكره بعد تمام وضوئه، فعليه أن يستأنف
الوضوء بنية مستأنفة، وعلى هذا أيضًا يجب أن يكون الخلاف فيمن مس ذكره فى أثناء
غسل أعضاء وضوئه، وإن قلنا إن کل عضو یزول حدثه بتمام غسله، فلابد من تجديد
نية وضوئه، وإن قلنا لا يرتفع حدثه إلا بتمام وضوئه، فحكم النية الأول باق، فلا يحتاج
إلی تجدید نية، والله أعلم.
٩٢ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ فِى سَفَرٍ، فَرَأَيْتُهُ، بَعْدَ أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، تَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ
هَذِهِ لَصَلاةٌ مَّا كُنْتَ تُصَلِيْهَا، قَالَ: إِنّى بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأْتُ لِصَلاةِ الصُّبْحِ مَسِسْتُ
فَرْجِى، ثُمَّ نَسِيتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، فَتَوَضَّأْتُ، وَعُدْتُ لِصَلاتِى.
الشرح: إعادة عبدالله بن عمر الوضوء والصلاة من مس الذكر بعد طلوع الشمس،
دليل على تأكد ذلك عنده، وعلى وجوب الطهارة منه، وعلى أنه من حملة الأحداث
التى لا تبقى الطهارة حكمها.
وروى ابن القاسم وابن نافع عن مالك أنه يعيد الصلاة فى الوقت، فإن خرج الوقت
فلا إعادة عليه، وهذا على رواية نفى وجوب الوضوء من مس الذكر فى الزقت؛ ليؤدى
الصلاة على يقين، فإذا خرج الوقت فقد فات ذلك، وقد روى عن ابن القاسم نفى
الإعادة فى الوقت وغيره.
وذهب العراقیون من أصحابنا إلى أنه یعید أبدًا، وبه قال ابن نافع وعیسی بن دینار،
٩٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٧٩.
٣٨٩
...
الطهارة
وهو المروى عن عبدالله بن عمر. وقد روى الزهرى عن سالم أن الصلاة التى أعاد
عبدالرحمن بن عمر كانت صلاة العصر.
الوضوء من قبلة الرجل امرأته
٩٣ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَسُّهَا بِيَدِهِ، مِنَ الْمُلَامَسَةِ، فَمَنْ قَبْلَ
امْرَأَتَهُ، أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
الشرح: قول عبدالله بن عمر: ((أن قبلة الرجل امرأته، ووجسَّها بيده من الملامسة))
التى أوجب الله تعالى بها الوضوء فى قوله: ﴿أو لا مستم النساء﴾ [النساء: ٤٣، المائدة:
٦]، وأخبر ابن عمر أن القبلة والجس باليد واقعان تحت ذلك، وأنهما مما يجب به
الوضوء، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء، وبه قال مالك والشافعى.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يوجب شىء من ذلك الوضوء، وإنما يجب الوضوء
بالمباشرة الفاحشة التى يقدر معها خروج الماء.
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ والملامسة التقاء بشرتين،
فإن قيل إن الملامسة هى الجماع، وقد روى ذلك عن ابن عباس، فالجواب أن عبدالله
ابن عباس من أهل اللسان وعبد الله بن عمر من أهل اللسان، وقد قالا: إن القبلة من
الملامسة. وتابعه على ذلك عبدالله بن مسعود وهو من كبار الصحابة وأهل اللسان، ولا
يجوز أن يختلفوا فى اللغة، وإنما اختلفوا فى الحكم.
وذهب عبدالله بن عباس إلى أن الملامسة التى ذكرت فى الآية هى الجماع، ولذلك
روى عنه أنه قال: ربنا حیی کریم، کنی عن الجماع بالملامسة، وليس هذا مما يرد به
قول ابن عمر وابن مسعود، وقد حملا اللفظ على مقتضاه فى اللغة.
فإن قيل أن الملامسة من باب المفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين، واللمس باليد إنما
یکون من واحد، فثبت أن الملامسة هی الجماع الذی یکون من اثنين.
٩٣ - أخرجه عبد الرزاق فى المصنف، عن ابن عمر ١٣٢/١. وأخرج نحوه ابن أبى شيبة، عن ابن
مسعود ٤٥/١، ١٦٦/١ كتاب الطهارة. وذكره فى الكنز برقم ٢٧٠٩٢، عن ابن مسعود،
وعزاه لابن أبى شيبة فى المصنف وعبد الرزاق بالمصنف.
. الطهارة
٣٩٠
فالجواب إن الملامسة هى التقاء بشرتين، سواء كان ذلك من فعل واحد أو من فعل
اثنين؛ لأن كل واحد منهما ملامس وملموس على أنه لو سلم له ما ذكر، فإن الملامسة
فعل اثنين أيضًا؛ لأن كل واحد منهما يقصد إليها بها، ولو امتنع ذلك فى اللمس لامتنع
فى الجماع؛ لأن الفعل لواحد.
وجواب ثان، وهو أن الملامسة قد تكون من الواحد، ولذلك نهى النبى ﴿1﴾ عن بيع
الملامسة، وإن کان الثوب ملموسًا وليس بلامس.
وجواب ثالث وهو إذا قرئ: ((أو لامستم النساء»، وبها قرأ الكسائى وحمزة.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن التقاء البشرتين يكون على ضربين، أحدهما: أن يفعل
على وجه اللذة، فهذا القدر يجب به الوضوء. والثانى: أن يكون لغير لذة، فهذا لا يجب
منه الوضوء، وبه قال النخعى ومالك. وقال الشافعى: يجب به الوضوء على كل حال،
وبه قال زيد بن أسلم والأوزاعى.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك الحديث الذى يأتى بعد هذا، وهو ما روى
عن عائشة أنها قالت: كنت أنام بين يدى رسول الله ﴿﴿ ورجلاى فى قبلته، فإذا سجد
غمزنى فقبضت رجلى، فإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
ودليلنا من جهة القياس، أن هذه المس عرا اللذة، فلم ينقض الطهارة كلمس الذكر.
فصل: وقوله: ((فيمن قبل أمرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء))، لفظ عام يحتمل أن
يريد به من فعل ذلك ملتذًا، ولذلك خصه بامرأته؛ لأن قبلة الرجل امرأته فى الأغلب لا
تنفك من لذة وجسها بيده لا يكون إلا للذة بخلاف لمس يدها لتناول شىء أو مناولته،
هذا الذی قاله أصحابنا.
والذى من مذهب مالك وأصحابه أن الوضوء إنما يجب بقصد اللذة دون وجودها،
فمن قصد اللذة بلمسه فقد وجب عليه الوضوء، التذ بذلك أو لم يلتذ، وهذا معنى ما
فى العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم.
مسألة: وأما الإنعاظ بمجرده، فقد روى ابن نافع عن مالك أنه لا يوجب وضوءًا ولا
غسل ذكر. وقال الشيخ أبو إسحاق: من أنعظ إنعاظًا قويًا انتقض وضوؤه، وهو قول
مالك فى المدونة.
وجه القول الأول أن مجرد اللذة لا يجب لها طهارة حتى يقارنها معنى آخر من
ملامسة أو مذى أو غير ذلك.
٠٠٠ ٣٩١
الطهارة
.
٩٤ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّحُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ.
٩٥ - مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّحُلِ امْرَأَتَهُ
الْوُضُوءُ.
الشرح: قوله: ((من قبلة الرجل امرأته الوضوء))، على نحو ما تقدم، وخص المرأة
بذلك لأنها مقصودة باللذة فى الأغلب، فأما تقبيل الطفل الصغير، فلا وضوء فيه؛ لأن
ذلك لغير لذة.
وفى المجموعة: ليس فى قبلة أحد الزوجين الآخر لغير شهوة من فرض أو غيره
وضوء. قال ابن القاسم وأصبغ: إن أكرهها، فعليه الوضوء.
وجه الرواية الأولى أنه لما كان الغالب عدم اللذة من التقبيل على وجه الإشفاق
والتحنين لم يجب بذلك الوضوء.
ووجه الرواية الثانية أن هذا مما لا يعرى من اللذة فى الأغلب، فإذا كان ذلك المعلوم
منه حمل نادره على حكم الغالب، كالجماع للذة لما كان لا يفعل إلا للذة وكان ذلك
بابه حمل الإكراه فيه على الاختيار فى وجوب الطهارة.
العمل فى غسل الجنابة
٩٦ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زوج النبى ﴿ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ ﴿ا، كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسْلِ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ
لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِى الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ
٩٤ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٢.
٩٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨١.
٩٦ - أخرجه البخارى كتاب الغسل برقم ٢٤٨. ومسلم كتاب الحيض برقم ٣١٦، ٣٢١.
والترمذى كتاب الطهارة برقم ٩٧. والنسائى برقم ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٤٥ ٢٤٦، ٢٤٨، ٢٤٩.
وأبو داود كتاب الصوم برقم ٢٤٦٧، ٢٤٦٩. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، برقم
٥٤٧. وأحمد بالمسند برقم ٢٣٧٣٦، ٢٤٥٨٠، ٢٤٨٤١، ٢٤٨٥١، ٢٤٨٦١، ٢٥٦٠٩.
والدارمى كتاب الطهارة برقم ٧٤٨. والبغوى بشرح السنة ١٠/٢ عن عائشة فى كتاب
الطهارة، باب كيفية الغسل. وعبدالرزاق بالمصنف برقم ٩٩٩ عن عائشة.
الطهارة
......
٣٩٢
ثَلاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى حِلْدِهِ كُلِّهِ(١).
الشرح: قوله: ((بدأ فغسل يديه))، يحتمل أن يكون ذلك لما أصابها من منى أو غيره
من التحات، فيكون ذلك واجبًا على ما سنذكره بعد هذا، ويحتمل أن يكون لقيامه من
نومه أو لبعد عهده بغسلهما، فيكون ذلك مستحبًا على ما تقدم ذكره.
فصل: وقوله: ((ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة))، يريد الوضوء المشروع، وقد تقدم
ذكر وصفنا له ومن جملته غسل الرجلين.
وقد اختلف أصحابنا فى تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل أو تقديم ذلك فى
جملة الوضوء فى ابتداء الغسل، فروى على بن زياد عن مالك: يتم وضوءه فى أول
غسله، وليس الغسل على تأخير غسل الرجلين.
وروى ابن وهب عن مالك فى المبسوط: ومن أحب أن يؤخر غسل رجليه حتى
يفرغ من غسله فيغسلها، فذلك واسع.
وجه القول الأول حديث عائشة هذا أنه يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، وذلك يقتضى
غسل رجليه كما يقتضى غسل وجهه ويديه.
ووجه القول الثانى حديث ميمونة فى وصف غسل النبى ﴿﴿ قالت: توضأ رسول
الله ﴿لل وضوءه للصلاة وأخر غسل رجليه، وغسل فرجه، وما أصابه من الأذى، ثم
أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما، هذا غسله من الجنابة.
ومن جهة المعنى أنه لما افتتح غسله بوجهه الذى هو أول أعضاء الوضوء ختمه
برجليه التى هى آخر أعضاء الوضوء ليكون سائر الجسد تبعًا لأعضاء الوضوء، فإن قلنا
(١) قال ابن عبدالبر: وفى هذا الحديث كيفية غسل المغتسل من الجنابة، وهو من أحسن
حديث روى فى ذلك، وفيه فرض وسنة، فأما الوضوء قبل الاغتسال من الجنابة ثبت ذلك عن
رسول الله - أنه كذلك كان يفعل، إلا أن المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع جسده
ورأسه ويديه ورجليه وسائر بدنه بالماء وأسبغ ذلك وأکمله بالغسل ومرور یدیه فقد أدی ما
عليه إذا قصد الغسل ونواه وتم غسله؛ لأن الله عز وجل إنما فرض على الجنب الغسل دون
الوضوء بقوله عز وجل: ﴿ولا جنبا إلا عابری سبیل حتى تغتسلوا﴾ وقوله: ﴿وإن كنتم جنبا
فاطهروا﴾ وهذا إجماع لا خلاف فيه بين العلماء، إلا أنهم مجمعون أيضا على استحباب
الوضوء قبل الغسل للجنب، تأسيا برسول الله ﴿؛ ولأنه أعْوَنُ على الغسل وأهذب فيه، وأما
بعد الغسل فلا. انظر: (التمهيد، حديث أول لهشام بن عروة، باب العمل فى غسل الجنابة).
٣٩٣
الطهارة .
برواية على بن زياد، فعندى أن عليه أن يمسح رأسه قبل غسل رجليه، ثم يغسل رجليه
ثم يستأنف تخليل شعر لحيته، وتخليل شعر رأسه، وهو عندى معنى قول ابن حبيب:
يتوضأ وضوءه للصلاة كاملاً. وروى ابن القاسم عن مالك فى المدونة: يتوضأ الجنب
قبل غسله.
وإن قلنا برواية ابن وهب، فإنه إذا غسل وجهه خلل أصول شعر لحيته ثم غسل يديه
ثم غرف ما يخلل به أصول شعر رأسه، ثم يفيض الماء على سائر جسده.
فرع: وإذا قلنا برواية على بن زياد، فقدم وضوءه وأخر غسل رجليه، فقد روى
على عن مالك، أنه يعيد الوضوء عند الفراغ من الغسل. ورواه ابن القاسم عن مالك
فى المبسوط. ووجهه أنه راعى الموالاة فى الوضوء، والإتيان به على هيئته وصورته.
فصل: وقوله: ((ثم يدخل أصابعه فى الماء فيخلل بها أصول شعره))، فى ذلك أغراض
مقصودة، أحدها: تسهيل إيصال الماء إلى البشرة وأصول الشعر، وهذا مذكور فى
المختصر والواضحة. والثانى: مباشرة الشعر باليد على أكثر ما يمكن لما يلزم من إمرار
اليد على جميع الجسد، وقد أشار إليه مالك من رواية على بن زياد عنه فى المجموعة.
مسألة: وهذا حكم شعر اللحية فى التخليل فى الطهارة. وقد اختلفت الرواية فى
ذلك عن مالك، فروى ابن القاسم عنه: ليس على المغتسل من الجنابة تخليل لحيته.
وروی عنه أشهب: أن ذلك علیه.
وجه رواية ابن القاسم أن الفرض قد انتقل إلى الشعر النابت على البشرة، فوجب أن
يسقط حكم إيصال الماء إلى البشرة بإمرار اليد عليها.
ووجه قول أشهب، قول عائشة فى هذا الحديث: ثم يدخل أصابعه فى الماء، فيخلل
بها أصول شعره.
ومن جهة المعنى أن استيعاب جميع الجسد فى الغسل واجب والبشرة التى تحت
اللحية من جملته، فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها بالبلل، وإنما انتقل الفرض إلى
الشعر فى الطهارة الصغرى؛ لأنها مبنية على التخفيف ونيابة الأبدال فيها من غير
ضرورة، ولذلك جاز فيها المسح على الخفين ولم يجزئ فى الغسل.
فصل: وقوله: ((ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات))، يحتمل أن يكون على ما شرع
فى الطهارة من التكرار، ويحتمل أن يكون لتمام الطهارة؛ لأن الغرفة لا تجزى فى
استيعاب ما يحتاج إليه من غسل رأسه.
الطهارة
٣٩٤
فرع: قال القاضى أبو محمد: ويتخرج فى تخليل شعر الرأس روايتان، على رواية ابن
القاسم، أن ذلك جائز، وعلى رواية أشهب، لا يجوز.
وقال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: وعندى فى هذا نظر؛ لأن بشرة الرأس
ممسوحة فى الوضوء، مغسولة فى الغسل، فلذلك اختلف حکم شعرها، وليس كذلك
بشرة الوجه، فإنها مغسولة فى الحالتين، فيحتمل أن يكون الشعر النابت عليها واحدًا
فی الحالین، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((ثم يفيض الماء على جلده كله))، إفاضة الماء على الجلد يكون بإرسال
الماء باليد على الجسم، وقد يكون إمرار اليد مع الماء معينًا فى الإفاضة، وقد يجوز خلو
الإفاضة من ذلك إلا أنه لما جمع على أن الجلد لابد من استيعابه بالإفاضة، وعلمنا أن من
الجسد مغابن ومواضع لا يصل إليها الماء بإرساله من أعلى الجسد حتى يوصل إليها
باليد، دلنا ذلك على أن إمرار اليد، معتبر مع الإفاضة فى جميع الجسد للإجماع على أن
حكم الجسد متساو فى الغسل. وهذا مذهب مالك أنه لا تصح الطهارة إلا بإمرار اليد
علی جمیع البدن.
وقال أبو حنيفة والشافعى: ليس إمرار اليد على الجسد شرطًا فى صحة الطهارة، وبه
قال محمد بن عبدالحکم و أبو الفرج من أصحابنا.
والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابرى سبيل حتى
تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣]، وجه الاستدلال من الآية أنه نهى عن الصلاة إلا بالاغتسال
والاغتسال معنى مفعول، فمعلوم أنه زائد على إفاضة الماء والغمس فى الماء، فلذلك
فرقت العرب بين قولهم: غسلت الثوب، وقولهم: أفضت عليه الماء، وغمسته فى الماء.
ودليلنا من جهة القياس أن هذا أحد نوعى الطهارة، فلزم فيها إمرار اليد مع الماء
کالمسح.
فرع: إذا ثبت ذلك، فمن لم يستطع إمرار يده على جميع جسده، فقد قال سحنون:
يجعل من يلى ذلك منه أو يعالجه بخرقة. وفى الواضحة: أنه يمر يده على ما يدركه من
جسده ثم يفيض الماء حتى يعم ما لم تبلغه يداه.
وللقاضى أبى الحسن فى ذلك قولان، أحدهما: أنه إذا لم يجد ثوبًا يمره على جسده،
ولم يجد من يتناول ذلك منه أجزاه إفاضة الماء للضرورة. والقول الثانى: أنه إن كان
الذى لا يناله من جسده كثيرًا فعليه أن يأتى يمن يلى ذلك منه، وإن كان يسيرًا لا بال
له، فهو معفو عنه كالعمل اليسير فى الصلاة.
٣٩٥٠٠
الطهارة .
٩٧ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ (١) مِنَ الْجَنَّابَةِ(٢).
الشرح: قولها: ((كان يغتسل من إناء هو الفرق))، يحتمل معنيين، أحدهما: أنه كان
يغتسل من هذا الإناء، وإن استعمل اليسير من مائه، ويبقى أكثره، أو استعمل جميع ما
فيه وزيادة معه، فيتناول ذلك إباحة الوضوء بذلك الإناء.
وقد أجمع الفقهاء على جواز الوضوء بكل إناء طاهر، ليس فيه من ذهب ولا فضة
إلا ما يروى عن ابن عمر أنه كان يمنع الوضوء من إناء الشبه ونحا به ناحية الذهب. وقد
روى أن الإناء الذى أشارت إليه عائشة أنه كان من شبه.
والمعنى الثانى أنه يحتمل أن يريد أنه كان يستعمل غسله ملء ذلك الإناء المسمى
بالفرق، فتقصد بذلك الإخبار عن مقدار ما كان يستعمله غالبًا من الماء، وإن لم يكن
فيه إخبار عن أقل ما يجزى عن ذلك.
وقد روى عن النبى ﴿﴿ أنه كان يتوضأ بالمد ويتطهر بالصاع، وهذا أيضًا ليس فيه
تحديد لأقل ما يستعمل فى الوضوء والغسل، ومن اغتسل أو توضأ بأقل من ذلك أجزأه،
هذا هو المشهور من المذهب.
٩٧ - أخرجه البخارى كتاب الغسل برقم ٢٥٠. ومسلم كتاب الحيض برقم ٣١٩. والنسائى
كتاب الطهارة برقم ٢٢٨، وكتاب الغسل والتيمم برقم ٤١٠. وأبو داود كتاب الطهارة برقم
٢٣٨. وأحمد بالمسند برقم ٢٣٥٦٩، ٢٥١٠٦. والدارمى برقم ٧٥٠. والبيهقى بالسنن
١٩٣/١ عن عائشة ١٩٤. وابن أبى شيبة ٦٥/١ عن عائشة. وذكره بالكنز برقم ٢٧٥١٠
وعزاه لعبدالرزاق بالمصنف، وابن أبى شيبة، وسعيد بن منصور.
(١) الفرق: إناء يسع قدر ثلاثة أصع.
وقال السيوطى فى تنوير الحوالك: الفرق: بفتح الراء على الأفصح الأشهر وحكى إسكانه
ونقل أبو عبيد الاتفاق على أنه ثلاثة آصع، وأنه ستة عشر رطلا، وقال الأزهرى: الفرق فى
كلام العرب بالفتح والمحدثون يسكنونه. وفى النهاية لابن الأثير: الفرق بالتحريك مكيال
يسع ستة عشر رطلا وهى اثنا عشر مدًا وثلاثة آصع فأما الفرق بالسكون فمائة وعشرون
رطلا. وقال الحافظ ابن حجر: وهو غريب. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٥١).
(٢) قال ابن عبدالبر: هكذا قال مالك فى هذا الحديث، وتابعه ابن عيينة والليث بن سعد،
على إسناده ومتنه، إلا أنهما زادا فيه: ((وكنت اغتسل أنا ورسول الله ﴿ من إناء واحد)) وهذا
اللفظ عند مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وروى هذا الحديث عن ابن شهاب
معمر، وابن جريج بمثل إسناد مالك، إلا أنهما قالا: «كنت أغتسل أنا ورسول الله {8} من إناء
واحد، هو الفرق)». انظر: (التمهيد، حديث ثان لابن شهاب عن عروة).
٣٩٦
• الطهارة
....
قال الشيخ أبو إسحاق: لا يجزى فى الغسل أقل من صاع، ولا فى الوضوء أقل من
مد. وفى العتبية من رواية عيسى، عن ابن القاسم، عن مالك قال: رأيت عياش بن
عبدالله بن معبد، وكان فاضلاً يتوضأ بثلث مد هشام، ويفضل له منه، ويصلى بالناس،
فأعجب مالكًا، وثلث المدبعد هشام دون الرطل. وقال ابن نافع الفرق: ثلاثة آصع
بصاع النبى
وروى يحيى الفرق بتسكين الراء، وروى غيره الفرق بتحريكها وهو الصحيح،
والفرق ثلاثة آصع، قاله عيسى عن ابن كنانة.
٩٨ - مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرٌ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْحَنَابَةِ، بَدَّأَ
فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَفَسَلَهَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ
وَجْهَهُ، وَنَضَحَ فِى عَيْنَيْهِ (١)، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَىِ، ثُمَّ الْيُسْرَى، ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ
اغْتَسَلَ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ.
الشرح: قوله: ((كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ، فأفرغ على يده اليمنى، فغسلها))،
لما ذكرناه من غسل اليد قبل إدخالها فى الإناء، ويكفى غسل اليمنى فى هذا الموضع
على قول أشهب ليمكنه غرف الماء بها، ولا معنى لغسل اليد اليسرى معها؛ لأنه يغسل
بها فرجه، بعد ذلك فيباشر النجاسة ولا يباشر شيئًا من ذلك بيمناه، فلذلك غسلها
ليتناول بها الماء.
فصل: وقوله: ((ثم غسل فرجه))، بدأ بغسل فرجة قبل وضوئه لما فيه من إزالة نجاسة،
إن كانت عليه وإنما تكون طهارة الحدث بعد إزالة النجاسة وتطهير الأعضاء منها؛ ولأن
فى غسل الفرج من الذكر يجب أن يقدم ذلك قبل الوضوء؛ لأن مس الذكر بعد الوضوء
ناقض للطهارة عند جماعة من الفقهاء، ومما يجب التوقى منه عند سائرهم للخلاف فى
ذلك.
فرع: فإذا قلنا إنه يؤثر فى الطهارة الصغرى دون الكبرى؛ لأنه إذا غسل ذكره فى
جنابته، فإنه يقضى بذلك من غسله، وإن کان ماسًا له.
٩٨ - الحديث فى الموطأ برقم ٩٨. البيهقى فى السنن الكبرى ١٧٧/١.
(١) ونضخ فى عينه: قال ابن عبدالبر: لم يتابع ابن عمر على النضح فى العين أحد، قال: وله
شدائد حمله عليها الورع، قال: وفى أكثر الموطآت سئل مالك عن ذلك، فقال: ليس عليه
العمل. انظر: (تنوير الحوالك صـ٥١).
٣٩٧٠٠
...
الطهارة
فصل: وقوله: ((ثم مضمض واستنثر))، يريد أنه لما كان غسل يده ليتناول الماء ثم
غسل فرجه لإزالة النجاسة منه لتقدم غسله على وضوئه، ثم بدأ بالوضوء ليفتتح به
غسله على ما تقدم.
فصل: وقوله: ((ثم غسل وجهه ونضح الماء فى عينيه))، كان عبدالله بن عمر ينضح
الماء فى عينيه فى طهارته على معنى المبالغة لا على معنى الوجوب. وروى عن مالك أنه
قال: ليس العمل على حديث ابن عمر فى نضح العينين، يريد أنه لا يرى فعل ذلك لئلا
يلحق بالسنن.
وأما المضمضة والاستنشاق فهما سنتان فى الغسل، وهو الذى ذهب إليه مالك أن
المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبين فى غسل الجنابة، وبه قال الشافعى، وقال أبو
حنيفة: هما واجبان فيه.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ومن قال بقوله أن هذه طهارة تتعلق بالبدن،
فلم يجب فيها إيصال الماء إلى داخل الفم والأنف من غير نجاسة كغسل الميت.
فصل: وقوله: ((ثم غسل يده اليمنى ثم غسل يده اليسرى))، إخبار عن استعماله
التیمن فى غسله والترتيب فيها، ولا خلاف أن هذا الترتیب مستحب ولیس بمستحق،
والله أعلم.
٩٩ - مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ سُئِلَتْ عَنْ غُسْلِ الْمَرْأَةِ مِنَ الْحَنَّابَةِ، فَقَالَتْ:
لِتَحْفِنْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلاثَ حَقَّنَاتٍ مِنَ الْمَاءِ، وَلْتَضْفَتْ(١) رَأُسَهَا بِيَدَيْهَا.
الشرح: سؤالها عن غسل المرأة من الجنابة خاصة؛ لأنه أمر متكرر، وليس عليها
نقض رأسها، وأما الحيض فقليل، ولابد لها من نقض رأسها إلى تلك المدة فى الأغلب
إلا أن صفة الغسل منهما واحدة.
وقولها: ((لتحفن على رأسها ثلاث حفنات))، قصدت إلى الأهم على السائلة فيما
علمت من حالها، فأجابتها عنه، بأنه يكفيها نقض رأسها أن تحفن عليه ثلاث حفنات
من الماء وتضغثها بيدها ليداخله الماء ويصل إلى بشرة الرأس؛ لأن الفرض فى الغسل
استيعاب البشرة بالغسل.
٩٩ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٥.
(١) لتضغث: بإعجام الضاد والغين ومثلثة. وقال فى النهاية: الضغث معالجة شعر الرأس باليد
عند الغسل كأنها تخلط بعضه ببعض ليدخل فيه الغسول والماء. انظر: (تنوير الحوالك صـ٥١).
٣٩٨
الطهارة
واجب الغسل إذا التقى الختانان
١٠٠ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَّيَّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ(١)
فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ.
الشرح: قوله: ((إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل))، يريد ختان الفرج وختان
الذكر، ولا يتماسان إلا بالإيلاج، قاله ابن حبيب، ورواه عن مطرف وابن الماجشون
عن مالك، وهو موجب للغسل عند مالك والشافعى وأبى حنيفة.
وقد اختلف فى ذلك الصحابة اختلافًا كثيرًا، ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن
النبى ﴿﴿ فى الغسل منه، وقال داود: لا يجب بذلك الغسل، وقد أخرج البخارى
ومسلم حديث أبى هريرة عن النبى 18: ((إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها، فقد
وجب الغسل)). وفی حدیث مسلم: ((وإن لم ينزل)).
ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى يتعلق بالجماع، فوجب أن يتعلق بالتقاء الختانين
کالحد والمھر.
١٠١ - مَالِكِ، عَنْ أَبِى النّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنٍ عَوْفٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﴿، مَا يُوجِبُ الْغُسلَ؟
فَقَالَتْ: هَلْ تَدْرِى مَا مَثَلُكَ يَا أَبَا سَلَمَةَ؟ مَثَلُ الْفَرُِّجِ، يَسْمَعُ الدِّيْكَةَ تَصْرُخُ،
فَيَصْرُعُ مَعَهَا، إِذَا حَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ(١).
١٠٠ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٨٦. وأخرجه الترمذى كتاب الطهارة حديث رقم
٠١٠٢
(١) قال أهل اللغة: ختان المرأة إنما يسمى خفاضًا، فذكره هنا بلفظ ختان للمشاكلة. انظر:
(تنوير الحوالك صـ ٥٢).
١٠١ - أخرجه الترمذى كتاب الطهارة برقم ١٠١. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٦٠٨،
وأحمد بالمسند برقم ٢٠٥٨٤، ٢٤٧٥٣، ٢٥٧٥٧.
(١) قال ابن عبدالبر: على هذا القول جمهور أهل الفتوى بالحجاز والعراق والشام ومصر،
وإليه ذهب مالك والشافعى وأبو حنيفة وأصحابهم والليث بن سعد والأوزاعى والثورى وأحمد
ابن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبرى واختلف أصحاب داود فى هذا المسألة،
فبعضهم قال بما عليه الفقهاء والجمهور على ما وصفنا من إيجاب الغسل بمجاوزة الختان=
...... ٣٩٩
الطهارة
الشرح: سؤاله عما يوجب الغسل عام، غير أنها فهمت عنه أنه سأل عن معنى
الجماع، ولذلك لم تجبه عن جميع ما يوجب الغسل، وإنما جاوبته على ما يوجب الغسل
بمعنى الوطء.
فصل: وقولها: ((هل تدرى ما مثلك يا أبا سلمة، مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ
فيصرخ معها))، يحتمل معنيين أحدهما: أن أبا سلمة كان فى زمان الصبا، وقبل أن يبلغ
حد الجماع يسئل عن مسائل الجماع ويتكلم فيها، وهو لا يعرفها إلا بالسماع من غيره
كالفروج الذى يسمع الديكة التى بلغت حد الصراخ تصرخ، فيصرخ معها، وإن لم
يباغ ذلك الحد، والثانى: أن أبا سلمة كان صبيًا لم يبلغ مبلغ الكلام فى العلم، إلا أنه
كان يسمع الرجال والكهول يتكلمون فى العلم، فيتكلم معهم.
١٠٢ - مَالِك، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا مُوسَى
الأَشْعَرِىَّ أَتَى عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِىِّ ﴿ا، فَقَالَ لَهَا: لَقَدْ شَقَّ عَلَىَّ اخْتِلافُ أَصْحَابِ
النّبِىِّ ﴿ فِى أَمْرٍ، إِّى لأَعْظِمُ أَنْ أَسْتَقْبِلَكِ بِهِ. فَقَالَتْ: مَا هُوَ؟ مَا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ
أُمَّكَ فَسَلْنِى عَنْهُ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ وَلا يُنْزِلُ؟ فَقَالَتْ: إِذَا جَاوَزَ
الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَحَبَ الْغُسْلُ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ: لا أَسْأَلُ عَنْ هَذَا
أَحَدًا بَعْدَكِ أَبَدًا(١).
=الختان، ومنهم من قال: لا غسل عليه إلا بإنزال الماء الدافق، وجعل فى الإكسال الوضوء؛
واحتج من ذهب هذا المذهب بما حدثنا سعيد بن نصر، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال:
حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى القطان، عن هشام بن عروة، قال:
أخبرنى أبى، قال: أخبرنى أبو أيوب الأنصارى، قال: أخبرنى أبى بن كعب، قال: ((يارسول
الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل، قال: يغسل ما مس المرأة ثم يتوضأ ويصلى)). وذكره
البخارى عن مسدد بإسناده مثله سواء. انظر: (التمهيد، باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين).
١٠٢ - أخرجه مسلم كتاب الحيض برقم ٣٤٩. والترمذى كتاب الطهارة برقم ١٠١. وابن ماجه
كتاب الطهارة وسننها برقم ٦٠٨. وأحمد بالمسند برقم ٢٤١٣٤، ٢٥٧٥٧.
(١) قال ابن عبدالبر: هكذا هذا الحديث موقوفًا فى الموطأ عند جماعة الرواة، وقد روى عن
أبى قرة عن مالك مرفوعًا ما حدثناه خلف بن القاسم، حدثنا أبو الحسن على بن محمد بن
أحمد المقدسی منی فی مسجد الخیف إملاء من حفظه، قال: حدثنا أبوسعيد الخدری، حدثنا
علی بن زیاد اللخمى، حدثنا أبو قرة، قال: ذکر مالك بن أنس، عن یحیی بن سعید، عن سعيد
ابن المسيب، عن أبى موسى، عن عائشة، أن النبى / قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل))=