Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤٠
· الطهارة
...
ثلاثة أحجار ليخرج من الخلاف. ويحمل حديث سلمان على الندب أو على أنه قصد
إلى ذكر ما لا يقع الإنقاء غالبًا بأقل منه.
وإن قلنا بقول أبى إسحاق وأبى الفرج، فقد قال أبو إسحاق: لا يجزيه حجر له ثلاثة
حروف، وحكمه حكم الحجر الواحد خلافًا للشافعى فى قوله: يجزئ. ووجه قوله أنه
حجر لا يجزئ فى الجمار عن ثلاثة أحجار، فلم يجز فى الاستجمار عنها، كأنه ليس له
إلا حرف واحد.
مسألة: ومن بال أو تغوط، فإنه لا يجزيه على قول من يعتبر العدد أقل من ستة
أحجار، ثلاثة أحجار لكل مخرج مع الإنقاء، فإن لم يوجد الإنقاء بثلاثة أحجار، فلا
خلاف فى أنه لابد من الزيادة عليها حتى يوجد الإنقاء.
مسألة: وصفة الاستجمار أن يبدأ بمخرج البول، فيمسجه حتى يجف أثر البول منه،
والبداءة بما فضل لئلا يقطر على يده منه ثم يمسح مخرج الغائط، وصفة ذلك على قول
أكثر بعض العلماء أن يعم بكل حجر موضع النجو.
وقال الأخفش: يأخذ ثلاثة أحجار، فيمسح بأحدها إحدى الصفحتين، ويمسح
بالثانى الثانية، ويمسح بالثالث عليهما، والأول أظهر وأحوط، والله أعلم.
مسألة: ومن استجمر فلبس ثوبًا، فعرق فيه، فأصاب موضع الاستنجاء، فقد قال
القاضى أبو الحسن: ينجسه. ووجه ذلك أنه إذا وصل أثر النحو إلى موضع من الجسد
غير المخرج، فإنه لا يطهره إلا الماء، فكذلك إذا نال الثوب، وتعلق به مثل ذلك الأثر
فإنه لا يطهره إلا الماء.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: والذى عندى أنه لا ينجس ولا يتعلق به
شىء بعد الإنقاء، وهذا مما لا يمكن الاحتراز منه وتلحق به المشقة كموضع النجو.
مسألة: ومن نسى الاستجمار وصلى، فقد روى أشهب عن مالك: أرجو أن لا
تكون عليه الإعادة. قال الشيخ أبو محمد: أراه يريد إذا مسح. وقال محمد بن مسلمة فى
المبسوط: من تغوط أو بال فلم يغسله، ولم يمسح حتى صلى يعيد فى الوقت؛ لأنه
کسائر الجسد، إلا أنه يجزئ فيه المسح بالأحجار، ولا جزئ فى سائر الجسد.
٥٦ - مَالِك، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ
٥٦ - أخرجه البخارى كتاب المساقاة برقم ٢٣٦٧. ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٤٦. والنسائى=
٣٤١٠٠٠
الطهارة
اللَّهِ وَ﴾، خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ، فَقَالَ: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ
اللَّهُ، بِكُمْ لاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّى قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا
بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: ((بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِى، وَإِخْوَانْنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدٌ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ (١)
عَلَى الْحَوْضِ)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِى بَعْدَكَ مِنْ أُمَِّكَ؟ قَالَ:
(أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرِّ مُحَجَّلَةٌ، فِى خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟»
قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَخَلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ،
وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَلا يُذَادَّ(٢) رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى، كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالَّ،
أُنَادِهِمْ أَلَا هُلُمَّ، أَلا هَلُمَّ أَا هَلُمَّ». فَيَقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: ((فَسُحْقًا،
فَسُحْقًا، فَسُحْقًّا).
** خرج إلى المقبرة))، يقتضى إباحة زيارة القبور؛
الشرح: قوله: ((إن رسول الله
لأن ظاهر قوله: ((خرج إلى المقبرة))، يقتضى قصد إليها.
فصل: وقوله: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين)، يعنى بذلك المقبرة، إلا أن قوله:
((عليكم))، يدل على أن المراد بالسلام أهلها فكأنه قال: السلام عليكم أهل دار قوم
مؤمنين، ويحتمل أن يحيوا فيسمعوا سلامه، ويحتمل أن يسلم عليهم مع كونهم أمواتًا،
وهو أظهر؛ لامتثال أمته بعده لذلك.
فصل: وقوله: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون))، يحتمل معانى، أحدها: أنه مأمور
بأنه لا يقول أفعل غدًا شيئًا، إلا أن يقول: إن شاء الله، فعلى ذلك قال: ((وإنا إن شاء
= كتاب الطهارة برقم ١٥٠. وأبو داود كتاب الجنائز برقم ٣٢٣٧. وابن ماجه كتاب الزهد
برقم ٤٣٠٦. وأحمد فى المسند برقم ٧٩٣٣، ٨٦٦١، ٩٠٣٧. والبيهقى فى السنن الكبرى
٧٨/٤ عن أبى هريرة، ٧٩/٤ عن عائشة. والبغوى فى شرح السنة ٤٧١/٥ عن عائشة.
والبيهقى فى الدلائل ٥٣٧/٦ عن أبى هريرة.
(١) الفرط: السابق والمتقدم.
(٢) فلا يذادن: قال ابن عبدالبر: كذا رواه يحيى وتابعه مطرف وابن نافع على النهى، أى لا
يفعلن أحد فعلا يذاد به عن حوضى، ورواه أبو مصعب: فليذادن، وتابعه ابن القاسم وابن
وهب وأكثر رواة الموطأ بلام التأ کید علی الإخبار، أی لیکونن لا محالة من یذاد عن حوضی،
أى يطرد عنه وذاله الأولى معجمة، والثانية مهملة، ومنه قوله تعالى: ﴿امرأتين تذودان﴾. انظر:
(تنوير الحوالك صـ ٣٩).
الطهارة
٣٤٢
الله بكم لاحقون))، ويحتمل أن يقول ذلك مع القطع على اللحاق، كقوله تعالى:
﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧].
ويحتمل أن يقول ذلك غير قاطع على اللحاق بهم إذ وصفهم بأنهم مؤمنون على
الظاهر من حالهم، فيكون معنى ذلك إن شاء الله أن يرحمكم ويتفضل عليكم، وقد
کان النبی ®﴾ لا يدرى ما يفعل به ولا بأحد من أمته.
وقد قال ﴿﴿ فى حديث عثمان بن مظعون: ((أما هو وقد جاءه اليقين، والله إنى
لأرجو له الخير، وما أدرى والله وإنى رسول الله ما يفعل بى))، ثم أعلم بعد ذلك
بما أعد له، وما تفضل به عليه وعلى كثير من أصحابه.
وروى الداودى أن معنى قوله: ((إن شاء الله)) كما شاء الله. وقال أبو القاسم
الجوهرى: معناه لا نبدل ولا نغير، نموت على ما متم عليه إن شاء الله تعالى، وهو قول
محتمل.
فصل: وقوله: ﴿): ((وددت أنى قد رأيت أخواننا)) تمن منه ﴿﴿ لرؤية من يأتى بعده
من أمته، وقد علم أنه لا يراهم إلا بعد الموت، وقد قال : ((لا يتمنين أحدكم الموت،
إما محسنًا فعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب))، وإنما معنى ذلك أن لا يعلق التمنى
بالموت، وإنما تعليقه بما يرضاه الإنسان بعد الموت، فإنه جائز كما يجوز للإنسان أن يعلقه
بدخول الجنة.
فصل: وقوله : ((إخواننا))، لقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠]،
فقالوا، يعنى أصحابه: ((ألسنا بإخوانك))، فقال: ((بل أنتم أصحابي))، يريد أن لهم مزية
على إخوانه واختصاصًا لصحبته، ولم ينف بذلك أن يكونوا إخوانه، وإنما منع أن يسموا
بذلك؛ لأن التسمية بذلك إنما هى على سبيل الثناء على المسمى والمدح والترفيع من
حاله، فيجب أن يسمى بأرفع حالاته، ويوصف بأفضل صفاته، وللصحابة بصحبة النبى
اللّ درجة لا يلحقهم فيها أحد، فيجب أن يوصفوا بها، والذين لم يكونوا أتوا بعد من
أنه ليست لهم درجة الصحبة، فلذلك وصفهم بأنهم إخوانه، جعلنا الله منهم برحمته.
فصل: وقوله: ((وأنا فرطهم على الحوض))، يريد أنه يتقدمهم إليه، ويجدونه عنده،
رواه حبيب عن مالك يقال: فرطت القوم إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيئ الماء
والرشاء، وافترط فلان ابنا له، أی تقدمه ابن.
فصل: وقولهم: ((كيف تعرف من يأتى بعدك من أمتك))، يعنون أنه لم يرهم فى
٣٤٣
الطهارة
..
الدنيا، فبأى شىء يعرفهم فى الآخرة، فقال : ((أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة
فى خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله))، يريد ﴿﴿ أنه يعرفهم بسيماهم كما يعرف ذوا
الخيل الغر المحجلة خيله فى حملة خيل دهم بهم، والغرة بياض فى وجه الفرس.
والتحجيل بياض فى يديه ورجليه، وهذه سيماء ظاهرة لا يمكن تغييرها ولا خفاؤها،
ثم قال : ((فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء))، وهذا مما يدل على
أن سائر الأمم لا تكون على هذه الصفة، ولذلك يعرف الغر المحجلين منهم.
وقد ذهب قوم بهذا الحديث إلى أن سائر الأمم كانت لا تتوضأ، وأن الوضوء
اختصت به أمة محمد ﴿﴾، ولذلك يعرف أمته بآثار الوضوء، وهذا وجه محتمل.
ويحتمل أن يكون سائر الأمم كانت تتوضأ وضوءنا هذا أو غيره، ولا يأتون يوم
القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فيكون ما جعل لأمة محمد ﴿﴿ من الغرة، والتحجيل
فضيلة خصت بها.
فصل: وقوله: ((فلا يذادن)) هكذا رواه يحيى، وتابعه عليه مطرف. وروى أبو
مصعب ((فليذادن))، وتابعه ابن القاسم وابن وهب وأكثر رواة الموطأ.
قال ابن وضاح: معنى ((فلا يذادن)) لا يفعلن رجل فعلاً يذاد به عن حوضى كما
يذاد البعير الضال، يريد الذى لا رب له فيسقيه. قال ابن وهب: معناه يطردن.
وقوله ﴿﴿: ((ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم)، يحتمل هذا أن المنافقين والمرتدين وكل من
توضأ منهم مسلمًا فإنه يحشر بالغرة والتحجيل من أثر الوضوء، ولذلك يدعوهم النبى
﴿)، ولو لم يكن سيماهم سيما المسلمين لما دعاهم ويعرف أنهم ليسوا ممن يرد حوضه،
وإنما يدعوهم لما يرى بهم من سيما أمته، فإذا علم أنهم بدلوا بعده قال: ((فسحقًا)) أى
بعدًا لهم، قيل: معنى بدلوا غيروا سنتك، ويحتمل أن يكون ذلك لمن رأى النبى
فبدل بعده من أهل الردة، ويحتمل أن يكونوا ممن يأتى بعده إلى يوم القيامة.
وقال الداودى: أنه ليس هذا مما يختم به للمذادين عنه بدخول النار؛ لأنه يحتمل أن
يذادوا وقتًا فتلحقهم شدة، ثم يتوفاهم الله برحمته، ويقول لهم النبى ﴿لَ﴾: ((سحقًا)، ثم
يشفع فيهم، وهذا بدل من قوله، على أنه جوز ذلك على أهل الكبائر من المؤمنين.
٥٧ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ حُمْرَانَ(١)، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ
٥٧ - أخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ١٦٠. ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٢٦، ٢٢٩. وأبو=
. الطهارة
٣٤٤
عَفَانَ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ(٢)، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَآذَنَهُ بِصَلاةٍ
الْعَصْرِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لأَحَدَّثَنْكُمْ حَدِيثًا، لَوْلا أَنَّهُ فِى كِتَابِ
اللّه(١٢) مَا حَدَّثَّكُمُّوهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: (مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ،
فَيَحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصِّلِّى الصَّلاةَ، إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ الأُخْرَى حَتّى
يُصَلِّیَهَا)).
=داود كتاب الطهارة برقم ١٠٦. وأحمد بالمسند برقم ٤٠٨، ٤٦١، ٤٧٤، ٤٨٠. والدارمى
كتاب الطهارة برقم ٦٩٣. والنسائى ٩١/١ عن عثمان فى كتاب الطهارة، باب فرض
الوضوء. والبغوى بشرح السنة ٣٢٥/١ عن عثمان فى كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء.
وذكره فى كنز العمال برقم ١٨٩٣٩ وعزاه للنسائى، والهيثمى فى موارد الظمأن، عن
عثمان.
(١) قال ابن عبدالبر: حمران مولى عثمان هو حمران بن أعين بن خالد بن عبد عمرو بن عقيل
ابن كعب بن سعد بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط، وهو ابن عم
صهيب بن سنان، يلتقى هو وصهيب فى خالد بن عبد عمرو، وكان حمران من سبى عين
التمر، وهو أول سبى، دخل المدينة فى خلافة أبى بكر الصديق، سباه خالد بن الوليد، فرآه
غلامًا أحمر مختونًا كيسًا، فتوجه به إلى عثمان - رضى الله عنه - فأعتقه، ودار حمران بالبصرة
مشرفة على رحبة المسجد الجامع، وكان عثمان أقطعه إياها وأقطعه أيضًا أرضًا على فراسخ
من الأيلة فيما يلى البحر. ذكر ذلك أهل السير والعلم بالخبر، قالوا: وكان حمران أحد العلماء
الأجلة أهل الوداعة والرأى والشرف بولائه ونسبه، وهو أحد الشاهدين على الوليد بن عقبة
بشرب الخمر، فجلده بشهادته علىّ، جعل ذلك إليه عثمان، وتولى ضرب الوليد بيده عبدالله
ابن جعفر بأمر عَلِىّ له بذلك، وكان جلده له أربعين جلدة. انظر: (التمهيد، حديث تاسع
وعشرون لهشام بن عروة).
(٢) المقاعد: قيل دكاكين حول دار عثمان، وقيل الدرج، وقيل موضع قرب المسجد، قال
القاضى عياض: ولفظها يقتضى أنها مواضع جرت العادة بالقعود فيها. انظر: (تنوير الحوالك
صـ ٤٠).
(٣) قال ابن عبدالبر: أما قوله: لولا أن فى كتاب الله، فاختلف فى هذا اللفظة، فطائفة
روت: ((لولا أنه فى كتاب الله))، بالنون وهاء الضمير، وطائفة روت: «لولا آية فى كتاب
الله)»، بالياء وتاء التأنيث، وقد روى عن عروة أن الآية قوله: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من
البينات والهدى﴾ الآية، وروى آخرون كما قال مالك: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾
الآية، وعلى هذا المعنى ينبغى أن تكون الرواية: ((لولا أنه))، بالنون وهاء الضمير، والله أعلم.
وقول مالك أراه يريد هذه الآية يحتمل الوجهين جميعًا أيضًا. انظر: (التمهيد، حديث تاسع
وعشرون لهشام بن عروة).
٣٤٥
بحتى: قَالَ مَالِك: أُرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزْلَفًا
، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِيْنَ الَسَّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
ح: قوله: ((أن عثمان بن عفان جلس على المقاعد))، وهو موضع عند باب
المدینة. وقال ابن حبيب: قال مالك: المقاعد، الد کا کین عند دار عثمان.
الداودى: هو المدرج، فجاءه المؤذن فآذنه بصلاة العصر، يريد أن المؤذن كان
حتماع الناس بعد الأذان لشغله بأمور الناس.
: وقوله رضى الله عنه: ((لولا أنه فى كتاب الله ما حدثتمكوه)) هكذا رواه
، یحیی، ویحیی بن بکیر. وروى أبو مصعب: لولا آیة فی کتاب الله ما
وه، ثم ذكر مالك ما اعتقد أنه يريد بذلك، فقال: أراه يريد هذه الآية: ﴿إِن
، يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]، وعلى هذا التأويل تصح رواية يحيى ورواية
، فيكون معنى قوله: ((لولا أنه فى كتاب الله))، لولا أن معنى ما أورده عليكم
ـ، الله ما أخبرتكم به لئلا تتكلوا، ويكون معنى قول أبى مصعب لولا آية فى
له تتضمن معنى هذا الحديث لما أخبرتكم به لئلا تتكلوا.
ى عروة بن الزبير أنه قال: يريد قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من
والهدى﴾ [البقرة: ١٥٩]، فعلى هذا التأويل لا تصح رواية يحيى، وإنما يجب أن
_واية الصحيحة: لولا آية من كتاب الله، ما روى أبو مصعب ومن تابعه،
لك لولا آية فى كتاب الله تمنع من كتمان شىء من العلم لما أخبرتكم.
: وقوله: ﴿19: ((ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه))، يعنى يأتى على أكمل
والفضائل، وتقدیره فیحسن فى وضوئه.
،: ((إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها))، ومعنى هذا، والله
، ثواب ما فعله من الوضوء الذى أحسن فيه، والصلاة بعده أكثر من آثم ما
، المعاصى بين الصلاتين. ولذلك قال مالك، رحمه الله: أراه يريد هذه الآية:
صلاة طرفى النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود:
- مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ترجه النسائى كتاب الطهارة برقم ١٠٣. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها برقم ٢٨٢.
حمد بالمسند برقم ١٨٥٨٥. والحاكم ١٢٩/١ عن الصنابحى.
الطهارة
٣٤٦.
الصُّابِحِىّ(١)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ، فَتَمَضْمَضَ،
خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَحَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ
خَرَحَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدِيِّهِ
خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارٍ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ
خَرَحَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتّى تَخْرُجَ مِنْ أُذْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِحْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا
مِنْ رِجْلَيْهِ، حَتّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِحْلَيْهٍ). قَالَ: ((ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى
الْمَسْجِدِ، وَصَلَاتُهُ نَافِلَةٌ لَهُ)(٢).
الشرح: قوله: ((إذا توضأ العبد المؤمن، فمضمض، خرجت الخطايا من فيه))، يحتمل
أن يكون معنى ذلك أن فيما يفعله من المضمضة كفارة لما يخص الفم من الخطايا، فعبر
عن ذلك بخروجها منه، ويحتمل أن يكون معنى ذلك أن يعفو تعالى عن عقاب ذلك
العضو بالذنوب التى اكتسبها الإنسان، وإن لم يختص بذلك العضو.
فصل: وقوله: ((فإذا غسل وجهه، خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت
أشفار عينيه)) جعل العينين مخرجًا لخطايا الوجه دون الفم والأنف؛ لأن الفم والأنف
يختصان بطهارة مشروعة فى الوضوء دون العينين.
فصل: وقوله: «فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه)» دليل
علی أن الأذنین من الرأس؛ لأنه جعلهما مخرجًا خطاياه کما جعل العینین مخرجًا لخطايا
الوجه، والأظفار مخرجًا لخطايا اليدين والرجلين، إلا أنهما ينفردان لأخذ الماء لهما كما
ينفرد الفم والأنف على الوجه.
(١) عبدالله الصنابحى: قال ابن عبدالبر: سئل معين عن أحاديث الصنابحى عن النبى 8 %،
فقال: مرسلة، ليس له صحبة، وإنما هو من كبار التابعين وليس هو عبدالله وإنما هو أبو
عبيدالله واسمه عبدالرحمن بن عسيلة. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٤١).
(٢) قال ابن عبدالبر: وفى هذا الحديث من الفقه: أن الوضوء سنة مسنونة ومفروضة جاء فيه
مجيئًا واحدًا، وأن من شرط المؤمن، وما ينبغى له إذا أراد الصلاة: أن يأتى بما ذكر فى هذا
الحديث لا يقصر عن شىء منه، فإن قصر عن شىء منه كان للمفترض حينئذ حكم،
وللمسنون حكم، إلا أن العلماء أجمعوا على أن غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرجلين
إلى الكعبين، ومسح الرأس فرض ذلك كله، لأمر الله به فى كتابه المسلم عند قيامه إلى الصلاة
إذا لم يكن متوضئًا، لا خلاف علمته فى شىء من ذلك إلا فى مسح الرحلين وغسلهما.
واختلفوا فى المضمضة والاستنثار فقالت طائفة: ذلك فرض، وقال آخرون: ذلك سنة، وقال
بعضهم: المضمضة سنة، والاستئثار فرض. انظر: (التمهيد، حديث تاسع لزيد بن أسلم).
٣٤٧٠٠
الطهارة .
والفرق بين الأذنين والفم والأنف فى أنه جعل الأذنين مخرجًا لخطايا الرأس مع
إفرادهما بالماء، ولم يجعل الفم والأنف مخرجًا لخطايا الوجه؛ لأن الفم والأنف مقدمان
على الوجه، فلم يكن لهما حكم التبع وخرجت خطاياهما منهما قبل خروجها من
الوجه، والأذنان مؤخران على الرأس، فكان لهما حكم التبع، وخرجت خطاياهما
منهما قبل خروجهما من الوجه والأذنان مؤخران على الرأس، فكان لهما حكم التبع،
فتخرج خطايا الرأس منهما.
فصل: قوله: ((ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة))، يحتمل أن يريد أن الوضوء
يكفر ذنوبه كلها ويطهر أعضاءه كلها من الخطايا، وذلك يوجب طهارة جميع جسده
من الحدث ثم يكون مشيه إلى المسجد وصلاته، وإن كانت فريضة نافلة له، يريد زيادة
له من الأجر على ما يكفر به ذنوبه، والنافلة فى كلام العرب الزيادة، ولذلك قال فى
حديث عثمان: إن صلاته بعد وضوئه، تكفر عنه مستقبل ذنوبه، ومستقبل ذنوبه إلى
الصلاة التى تليها؛ لأن بوضوئه خاصة يكفر عنه ماضى ذنوبه على ما جاء فى هذا
الحديث، والله أعلم وأحكم.
٥٩ - مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
قَالَ: (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ
خَطِئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَّيْهِ، خَرَجَتْ مِنْ
يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاءُ(١) مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِحْلَيْهِ
خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا
مِنَ الذّنُوبِ)).
٥٩ - أخرجه البخارى كتاب الأذان برقم ٧٥٤. ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٤٤. والترمذى
كتاب الطهارة برقم ٢، وأحمد بالمسند برقم ٧٩٦٠. والدارمى كتاب الطهارة برقم ٧١٨.
والبيهقى بالسنن الكبرى ٨١/١ عن أبى هريرة فى كتاب الطهارة، باب فضيلة الوضوء. وابن
خزيمة برقم ٥/٤ عن أبى هريرة فى كتاب الوضوء، باب ذكر حط الخطايا بالوضوء. والبغوى
بشرح السنة ٣٢٢/١ عن أبى هريرة فى كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء.
(١) قال ابن عبدالبر: هكذا هو فى الموطأ فى هذا الحديث: ((بطشتها يداه))، ليحيى وغيره
جماعة، بتثنية الضمير المتصل بالفعل، وهو ضمير الخطيئة، والخطيئة المفردة، وليس بالجيد؛ لأن
التثنية إنما هى لليدين لا للخطيئة، ويقال إنه فى رواية ابن وهب عن مالك كذلك أيضًا. انظر:
(التمهید حدیث سادس لسهيل).
٣٤٨
.. الطهارة
.....
الشرح: قوله: ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن))، تخصيص له بهذا الحكم؛ لأن
الوضوء لا يكفر مع الكفر ذنبًا، والظاهر أن هذا اللفظ شك من الراوى.
وقوله: ((خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه)»، يدل على ما قلناه فى
الحديث قبل هذا الحديث، من أن معنى خروج الخطايا من العضو تكفير ما اختص به
من الخطايا.
وقوله: ((مع الماء أو مع آخر قطر الماء أو نحو هذا))، الشك من الراوى مع تقارب
المعنى.
فصل: وقوله: ((حتى يخرج نقيًا من الذنوب من أعضاء الطهارة تكمل الطهارة لسائر
الجسد منها))، وهكذا روى هذا الحديث رواة الموطأ غير ابن وهب، فإنه زاد فيه ذكر
الرأس والرجلين، ورواه الوليد بن مسلم، فلم يذكر غير الوجه، والله أعلم.
٦٠ - مَالِك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنْهُ
قَالَ: رَّأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿، وَحَانَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ وَضُوءًا فَلَمْ
يَجِدُوهُ، فَأَتِىَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ بِوَضُوءٍ فِى إِنَاءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِى ذَلِكَ الْإِنَاءِ
يَدَهُ، ثُمَّ أَمَرَ النّاسَ يَتَوَضَّفُونَ مِنَّهُ، قَالَ أَنَسَّ: قُرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ،
فَتَوَضَّأَ النّاسُ حَتَّى تَوَضَُّوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ (١).
الشرح: قوله: ((فالتمس الناس وضوءًا))، الوضوء اسم للماء الذى يتوضأ به، ولذلك
ا بوضوء فى إناء، فوضع فى ذلك الإناء يده، ثم أمر الناس أن
قال: فأتى رسول الله
٦٠ - أخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم ١٦٩. ومسلم كتاب الفضائل برقم ٢٢٧٩. والترمذى
كتاب المناقب برقم ٣٥٦٤. والنسائى كتاب الطهارة برقم ٧٦، ٧٨. وأحمد بالمسند برقم
١١٩٣٩، ١٢٠٨٨، ١٢٣١٦، ١٢٨٣٢، ٠١٣٦٦٧
(١) قال ابن عبدالبر: فى هذا الحديث تسمية الشىء باسم ما قرب منه، وذلك أنه سمى الماء
وضوءًا، لأنه يقوم به الوضوء، ألا ترى إلى قوله: ((فأتى رسول اللـه 8 بوضوء فى إناء)»، بفتح
الواو فعل المتوضئ، ومصدر فعله، وبضمها الماء. وفيه إباحة الوضوء من إناء واحد للجماعة،
يغترفون منه فى حين واحد، وفيه أنه لا بأس بفضل وضوء الرجل المسلم يتوضأ به، وهذا كله
فى فضل طهور الرجال، إجماع من العلماء، والحمدلله. وفيه العلم العظيم؛ من أعلام نبوته $
وهو نبع الماء من بين أصابعه، وكم له من هذه، صلوات الله وسلامه ورضوانه عليه. انظر:
(التمهيد حديث ثان لإسحاق عن أنس مسند).
٣٤٩
....
الطهارة .
يتوضئوا، وهذا إنما يكون بوحى يعلم به أنه وضع يده فى الإناء تبع الماء حتى يعم
أصحابه الوضوء، وهذا من أعظم المعجزات وأبين الدلالات على صدقه ونبوته، وعلى
أن ما جاء به من عند الله وحى؛ لأن إخراج الماء من بين أصابعه وخلقه هناك لا يقدر
عليه إلا الله تبارك وتعالى القادر على كل شىء، والمصدق لرسالة نبيه، وقد روى حميد
عن أنس أن الإناء كان مخضبًا صغر عن أن يضع فيه يده وتوضأ منه ثمانون رجلاً
وأزيد.
٦١ - مَالِك، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِىِّ الْمُحْمِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ:
مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الصَّلاةِ، فَإِنَّهُ فِى صَلاةٍ مَا دَامَ يَعْمِدُ
إِلَى الصَّلاةِ، وَأَنْهُ يُكْتَبُ لَهُ بِإِحْدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ، وَيُمْحَى عَبْهُ بِالأُخْرَى سَيَِّةٌ،
فَإِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ الإِقَامَةَ فَلا يَسْعَ(١)، فَإِنَّ أَعْظَمَكُمْ أَجْرًا أَبْعَدُكُمْ دَارًا، قَالُوا: لِمَ يَا
أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: مِنْ أَجْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا.
الشرح: قوله: ((ثم خرج عامدًا إلى الصلاة))، يريد أن يقصدها دون غيرها، فإنه فى
صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة، يريد أن أجره أجر المصلى ما دام يقصد إلى الصلاة.
وقوله: «فإنه تكتب له ياحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة))، يحتمل أن
يريد بذلك أن لخطاه حكمين، فيكتب له ببعضها الحسنات، وتمحى عنه ببعضها
السيئات، وأن حكم الحسنات غير حكم محو السيئات، وهذا ظاهر اللفظ، ولذلك فرق
بینهما، وقد ذکر قوم ان معنی ذلك واحد، وأن کتب الحسنات هو بعينه محو السيئات.
فصل: وقوله: ((فإذا سمع أحدكم الإقامة، فلا يسع، فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم
دارًا))، قال مالك: لا يحب ولا بأس أن يسرع فى مشيه. وقال ابن القاسم: لا يجرى،
والسعى فى الحديث هو الإسراع فى إتيان الصلاة حتى يخرج بذلك عن حد المشى،
٦١ - ذكره فى الكنز ٥٧١/٧ برقم ٢٠٣٠٦ وعزاه لابن جرير، والبيهقى فى شعب الإيمان، عن
أبى هريرة.
قال ابن عبدالبر: هكذا هذا الحديث موقوف فى الموطأ، لم يتجاوز به أبا هريرة، ولم يختلف
على مالك فى ذلك، ومعناه يتصل ويستند إلى النبى 8/ من طرق صحاح من غير حديث نعيم
عن أبى هريرة، من حديث أبى سعيد الخدرى وغيره، عن النبى 8/؛ والأسانيد فيه صحاح
كلها، ومثله أيضا لا يقال بالرأى. انظر: (التمهيد، حديث رابع لنعيم، موقوف).
(١) لا يسع: أى لا يسرع ولا يعجل فى مشيته.
.. الطهارة
......
٣٥٠
ومنع من ذلك لوجهين، أحدهما: أنه تقل به الخطا وكثرة الخطا مرغب فيها مرجو منها
ما تقدم من كتب الحسنات ومحو السيئات، ولذلك قال: ((وإن أعظمكم أجرًا أبعدكم
دارًا))، وفسرت أنا ذلك من أجل كثرة الخطا. والوجه الثانى: أنه يخرج عن الوقار
المشروع فى إتيان الصلاة.
٦٢ - مَالِكِ، عَنْ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُسْأَلُ عَنِ
الْوُضُوءِ مِنَ الْغَائِطِ بِالْمَاءِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّمَا ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ.
الشرح: قال ابن نافع: يريد سعيد بن المسيب أن الاستنجاء بالحجارة يجزى الرجل،
وإنما يكون الاستنجاء بالماء للنساء.
قال القاضى أبو الوليد، رضى الله عنه: يحتمل عندى وجهين، أحدهما أن يكون
سعيد بن المسيب أراد أن ذلك حكم من أحكام النساء من جهة العادة والعمل، وأن
عمل الرجال الاستجمار.
ويحتمل أن يريد بذلك عيب الاستنجاء بالماء كما قال : ((إنما التصفيق للنساء)،
وهذا لا يراه مالك ولا أكثر أهل العلم، والاستنجاء عندهم بالماء أفضل، وجميع الفقهاء
على أن الاستنجاء يجزى مع وجود الماء، وقال ابن حبيب: ليس الاستجمار يجزى إلا مع
عدم الماء. ولعله أراد بذلك وجه الاستحباب وإلا فهو خلاف الإجماع فيما علمناه.
٦٣ - مَالِك، عَنْ أَبِى الِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿﴾
٦٢ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٦.
٦٣ - أخرجه البخارى كتاب الوضوء برقم (١٧٢ ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٧٩. والترمذى
كتاب الطهارة برقم ٨٤. والنسائى كتاب المياه برقم ٣٣٥، ٣٣٨، ٣٣٩. وأبو داود كتاب
الطهارة برقم ٧١، ٧٣. وأحمد بالمسند برقم ٧٣٠٠، ٧٣٩٨، ٧٥٤٩، ٧٦١٦، ٢٧٣٦٥،
٨٥٠٨، ٢٧٥٦٩. والبيهقى بالسنن الكبرى ١٨/١ عن أبى هريرة فى كتاب الطهارة، باب
منع الانتفاع بجلد الكلب. وعبدالرزاق بالمصنف برقم ٣٣٥ عن أبى هريرة جـ ٩٧/١.
والطبرانى فى الأوسط، عن أبى هريرة برقم ٣٧٣١ جـ ٤٣٦/٤. والبغوى بشرح السنة ٧٤/٢
عن أبى هريرة. والخطيب فى تاريخه ٣٦/٤ عن ابن عمر. وابن أبى شبية بالمصنف ١٧٣/١
عن أبى هريرة. والطبرانى فى الكبير ٣٦٥/١٢ عن ابن عمر. والحميدى بالمسند برقم ٩٦٧
عن أبى هريرة. وأبو عوانة بالمسند ٢٠٧/١ عن أبى هريرة. وابن ماجه برقم ٣٦٣ عن أبى
هريرة جـ ١٣٠/١. وابن خزيمة برقم ٩٨ عن أبى هريرة. والطبرانى بالكبير ٢٢٦/١١ عن ابن
عباس.
٣٥١
الطهارة .
قَالَ: ((إِذَا شَرِبَ الْكُلْبُ(١) فِى إِنَاءٍ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ(٢)).
الشرح: اختلف قول مالك، رحمه الله، فى أمر النبى ﴿4 بغسل الإناء من ولوغ
الكلب، فمرة حمله على الوجوب، ومرة حمله على الندب.
فوجه الوجوب أمره ﴿﴿ بغسله، والأمر يقتضى الوجوب. ووجه الندب أنه حيوان،
فلم يجب غسل الإناء من ولوغه، أصل ذلك الحيوان.
مسألة: واختلف قول مالك فى الكلب الذى يجب غسل الإناء من ولوغه، فروى عنه
ابن أبى الجهم روايتين، إحداهما: أنه فى الكلب المنهى عن اتخاذه. والثانية: أنه فى جميع
الكلاب.
وجه الرواية الأولى أن الأمر بذلك إنما كان على وجه التغليظ، والمنع من اتخاذها،
وذلك يختص بالمنھی عنه لا بالمباح.
(١) قال ابن عبدالبر: هكذا الحديث فى الموطأ بهذا الإسناد عند جميع رواته، فيما علمت.
ورواه يعقوب بن الوليد، عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة، وليس محفوظ
لمالك بهذا الإسناد.
حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن هارون الأنماطى مكة، حدثنا عبدالله
ابن محمد بن عبدالعزيز، حدثنا حدى، حدثنا يعقوب بن الوليد، حدثنا مالك، عن سهيل بن
أبى صالح، عن أبيه عن أبى هريرة، عن النبى {/ قال: «إذا ولغ الكلب فى الإناء غسل سبع
مرات)). هذا عندى خطأ فى الإسناد لا شك فيه، والله أعلم.
حدثنى خلف بن قاسم، حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العسكرى، حدثنا الربيع بن سليمان،
والمزنى، قالا: حدثنا محمد بن إدريس الشافعى، قال: أخبرنا مالك، عن أبى الزناد، عن
الأعرج، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﴿: ((إذا شرب الكلب فى إناء أحدكم فليغسله
سبع مرات)). وهكذا يقول مالك فى هذا الحديث: ((إذا شرب الكلب))، وغيره من رواة
حديث أبى هريرة هذا - بهذا الإسناد وبغيره - على تواتر طرقه وكثرتها عن أبى هريرة
وغيره، كلهم يقول: ((إذا ولغ الكلب)»، ولا يقولون: ((شرب الكلب))، وهو الذى يعرفه أهل
للغة.
(٢) قال ابن عبدالبر: وأما قوله فى الحديث: ((فليغسله سبع مرات)) ولم يزد، ولا ذكر التراب
فى أخراهن ولا أولاهن؛ فكذلك رواه الأعرج، وأبو صالح، وأبو رزين، وثابت الأحنف،
وهمام بن منبه، وعبدالرحمن أبو السرى، وعبيد بن حنين، وثابت بن عياض مولى عبدالرحمن
ابن زيد، وأبو سلمة، كلهم رووه عن أبى هريرة، ولم يذكروا التراب. انظر: (التمهيد،
حدیث خامس وعشرون لأبى الزناد).
٣٥٢
الطهارة
ووجه الرواية الثانية عموم الخبر ولم يخص كلبًا دون كلب.
ومن جهة المعنى أنه إذا وجب غسل الإناء من ولوغها لم يتخذ منها إلا ما تدعو
الضرورة إليه والحاجة الو كيدة.
مسألة: ولم يختلف قول مالك فى أن إناء الماء يغسل من ولوغ الكلب. واختلف
قوله فى غسل إناء الطعام، فروى عنه ابن القاسم نفى غسله، وروى عنه ابن وهب
وغيره، إثبات غسله.
وجه رواية ابن القاسم أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب إنما كان على وجه
التغليظ فى اتخاذ الكلب، وإنما يحصل ذلك بغسل إناء الماء؛ لأنه هو الذى يمكن أن تصل
إليه الكلاب، وأما إناء الطعام فلا تصل إليه لقلته وكثرة التوقی فيه.
ووجه الرواية الثانية، أن هذا إناء ولغ فيه كلب، فشرع غسله كإناء الماء.
فصل: وقوله: ((فليغسله سبع مرات)، يقتضى اعتبار العدد، وقال أبو حنيفة: لا يعتبر
فى ذلك العدد.
والدليل على ما نقوله الحديث المذكور، وفيه أمره بغسل الإناء سبع مرات، والأمر
يقتضى الوجوب.
مسألة: وغسل الإناء من ولوغ الكلب عبادة لا لنجاسة. وذهب ابن الماجشون إلى
أنه للنجاسة وللشك فى النجاسة. وقال أبو حنيفة والشافعي: إنه يغسل للنجاسة.
والدليل على ما نقوله أن هذا حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فكان طاهرًا
کالأنعام.
٦٤ - مَالِك(١)، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((اسْتَقِيمُوا (٢) وَلَنْ تُحْصُوا،
٦٤ - أخرجه ابن ماجه عن ثوبان برقم ٢٧٧، ١٠٠/١، فى كتاب الطهارة ٢، باب لا يقبل الله
صلاة بلا طهور. أحمد، عن ثوبان فى مسنده ٢٧٧/٥. البيهقى فى السنن الكبرى، عن ثوبان
٠٤٥٧٨٢/١ الحاكم فى المستدرك، عن ثوبان، وعن جابر ١٠٣/١. الطبرانى فى الكبير
١٣/٨ برقم ٧٠١٥ عن ثوبان. ابن المبارك فى الزهد ٣٦٧ برقم ١٠٤٠ عن ثوبان.
(١) قال السيوطى: قال ابن عبد البر: هذا الحديث يتصل مسندًا من حديث ثوبان وعبدالله بن
عمرو من طرق صحاح. قلت: حديث ثوبان أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه
بلفظ الموطأ إلا أن فيه: ((واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة»، وحديث ابن عمر وأخرجه ابن
ماجه، والبيهقى فى سننه وفيه: ((واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة)). وأخرج ابن ماجه-
٣٥٣
الطهارة ..
وَاعْمُلُوا، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةُ، وَلا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ)).
الشرح: قوله: ((استقيموا ولن تحصوا))، قال ابن نافع: معناه، ولن تحصوا الأعمال
الصالحات، ولا يمكنكم الاستقامة فی کل شیء.
قال القاضى أبو الوليد، رضی الله عنه: معناه عندی لا یمکنکم استيعاب أعمال البر
من قوله تعالى: ﴿والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال
مطرف: معناه، ولن تحصوا مالكم من الأجر إن استقمتم.
فصل: وقوله: ﴿): ((واعملوا وخير أعمالكم الصلاة))، يريد أنها أكثر أعمالكم
أجرًا، وقد روى عن عبدالله بن مسعود أنه سأل رسول الله ﴾، أى الأعمال أفضل؟
فقال: الصلاة.
فصل: وقوله: ((ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن))، يريد والله أعلم، أنه لا يديم
فعله بالمكاره وغيرها منافق ولا يواظب على ذلك إلا مؤمن.
*
ما جاء فى المسح بالرأس والأذنين
٦٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِإِصْبُعَيْهِ لأَذْنَيْهِ.
الشرح: وقال عیسی بن دینار: معناه أنه کان یقبض أصابعه من كلتی یدیه ويمد
إصبعيه اللتين تليان الإبهامين إصبعا من كل يد، ثم يمسح بهما أذنيه من داخل وخارج.
قال: وهو حسن من الفعل، وهذا الذى قاله عيسى محتمل، وهو حسن فى صفته تناول
الماء لمسح الأذنين.
وأما تناوله للغسل، ففى العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك، يدخل يديه جميعًا فى
الإناء، فيأخذ بهما الماء.
-أيضًا عن أبى أمامة يرفع الحديث قال: ((استقيموا ونعما إن استقيم وخير أعمالكم الصلاة))
الحديث. وأخرجه ابن عبدالبر من وجه آخر عن ثوبان مرفوعًا: «سددوا وقاربوا واعملوا وخير
أعمالكم الصلاة، الحديث. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٤٣، ٤٤).
(٢) قوله: ((استقيموا)، أى لا تزيغوا وتميلوا عما سن لكم وفرض عليكم، فقد تركتم على
الواضحة ليلها كنهارها ليتكم تطيقون ذلك. انظر: (التمهيد، حديث تاسع وعشرون من
البلاغات).
٦٥ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٥٩.
٣٥٤
.. الطهارة
وفى المبسوط من رواية ابن وهب عن مالك فى مسح الرأس: يتناول الماء بيمناه
ويفرغه على يسراه. وكذلك قال عيسى بن دينار فى جميع الوضوء، ومعنى ذلك أن
يأخذ الماء بيمناه ثم يجعل بعضه فى يسراه، فينقله بهما إلى وجهه، وخير ابن حبيب بين
الأمرين، وبه قال الشيخ أبو محمد، والقاضى أبو محمد.
وجه رواية ابن القاسم أن الطهارة مبنية على أنه متى كان الغسل باليدين كان تناول
الماء بهما، ومتى كان باليمنى خاصة كان تناول الماء بها، وتحريره أن هذا عمل من
أعمال الطهارة للوجه، فكان حکمه أن يكون بالیدین کإمرارهما مع الماء.
ووجه رواية ابن وهب حديث ابن عباس أنه توضأ أخذ غرفة من ماء فجعل بها
هكذا أضافها إلى يده الأخرى ثم غسل بها وجهه، ثم قال: هكذا رأيت النبى
يتوضأ.
ومن جهة المعنى أن هذا تناول الماء للطهارة، فوجب أن يختص باليمنى، أصله إذا
غرف بيمناه ليغسل يسراه. ووجه التخيير تساوى الدليلين، وهكذا الكلام إنما هو فى
غسل الوجه ومسح الرأس، وأما غسل اليدين والرجلين، فلا يتهيأ إلا أن يغرفى الماء
بالیمنی ويغسل باليسرى غير غسل يده اليسرى، فإنه يعرف باليمنى، فيفرغ بها على
الیسری ثم يغسل باليمنى.
فصل: والذى يقتضيه الحديث تجديد الماء للأذنين، ويحتمل أن يكون عبدالله بن عمر
كان يأخذ الماء بإصبعين من كل يد، فيمسح بهما أذنيه، وهو أشبه بحديث عبدالله بن
عمر، ونحو ما روى عن عبدالله بن عباس: أن باطن الأذنين يمسح بالسبابة، وظاهرهما
بالإبهام، وهذه طهارة الأذنين عند مالك وأبى حنيفة والشافعى وجمهور الفقهاء. وقال
الزهرى: يغسلان مع الوجه. وقال الشافعى: يغسل باطنهما مع الوجه، وظاهرهما مع
الرأس.
وقد روى عن ابن عباس فى صفة وضوء النبى 18: ثم يمسح رأسه وأذنيه ظاهرهما
بالسبابتین، وباطنهما بإبهاميه.
مسألة: وصفة مسحهما أن يمسح ظاهرهما وباطنهما. قال مالك فى المختصر:
يدخل إصبعيه فى صماخیه، لا يتبع غضونهما.
فرع: إذا ثبت ذلك، فهل يمسحان فرضًا أو نفلاً؟، ذهب محمد بن مسلمة وأبو بكر
الأبهرى إلى أنهما يمسحان فرضًا، وذهب سائر أصحابنا إلى أنهما يمسحان نفلاً، وهو
الظاهر من مذهب مالك، رحمه الله.
٣٥٥
الطهارة
وجه القول الأول أنهما عضوان جعلا فى الشرع مخرجًا لخطايا عضو، فكان
حكمهما فى الوضوء حكمه كالعين مع الوجه والأظفار مع اليدين والرجلين.
ووجه القول الثانى أنهما عضوان سن لهما تجديد الماء، فلم يكونا مع الرأس كسائر
الأعضاء.
فصل: وقوله: ((و کان يأخذ الماء یاصبعیه لأذنيه»، ظاهره أنه يتناول پإصبعيه،
ويقتضى استئناف الماء لهما، ولذلك أخذ الماء لهما دون غيرهما من الأعضاء، وهذا هو
الظاهر من المذهب، وقد قال مالك فى المختصر: يستحب تجديد الماء لهما. وقال ابن
حبيب: من لم يجدد لهما ماء، فهو بمنزلة من لم يمسحهما.
وقال محمد بن مسلمة: إن شاء جدد لهما الماء، وإن شاء مسحهما بما فضل بيده من
مسح رأسه. وأبو حنيفة يقول: لا يستأنف لهما الماء.
ودليلنا على استئناف الماء لهما أن المغسولات نفلاً لما انفصلت من المغسولات فرضًا،
فكذلك الممسوحات نفلاً يجب أن تنفصل عن الممسوحات فرضًا. وأما قول محمد بن
مسلمة: إن شاء مسحهما بما فضل بيده من مسح رأسه، فمبنى على أنهما موضع من
الرأس، فحكمهما حكمه فى تحديد الماء، غير أنهما آخر العضو، فيختم مسحه
بمسحهما.
٦٦ - مَالِك، أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ الأنْصَارِىَّ، سُئِلَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى
الْعِمَامَةِ، فَقَالَ: لا، خَتَّى يُمْسَحَ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ.
الشرح: قوله: ((سئل عن المسح على العمامة، قال: لا حتى يمسح الشعر بالماء»،
يقتضى أن المسح على العمامة لا يجزى، وبه قال جمهور العلماء. وقال أحمد وداود:
يجزى المسح على عمائم العرب.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: ٦]، والأمر يقتضى الوجوب،
فمن مسح على العمامة لم يمسح رأسه، ولا امتثل الأمر. ودليلنا من جهة القياس أن هذا
عضو مفترض مسحه، فوجب أن لا يجزئ المسح على حائل دونه مع السلامة كالوجه
فی التيمم.
فصل: وقوله: ((حتى يمسح الشعر بالماء))، يقتضى مسح جميعه؛ لأن لفظ يمسح الشعر
٦٦ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٠.
.. الطهارة
.....
٣٥٦
بالماء، يقتضى أن المسح لا يكون إلا بما فى يديه، ولو مسحه بما على رأسه من بلل أو
غيره لم يجزه، قاله ابن القاسم. ووجهه أنه لم يمسح رأسه بالماء، وإنما مسح شعرًا مبلولاً
بید جافة.
ولو مسحه بما فضل علی یدیه من بلل ذراعیه، فقد قال مالك: من مسح رأسه ببلل
ذراعيه أو لحيته وصلى، أعاد الوضوء والصلاة، وإن ذهب الوقت، وليس هذا يمسح.
وقال ابن الماجشون: إن کان بحضرته ماء، فلا يمسحه بما ذکر من البلل، فإن لم يكن
بحضرته ماء، فليمسح به، وبه قال عطاء.
فقول مالك يحتمل أن يكون موافقًا لقول أصبغ: إن الماء المستعمل فى الوضوء لا
يرفع الحدث، ويحتمل أن يريد أن ما تعلق باليدين من البلل عن غسل الذراعين أو بلل
اللحية يسير لا يتأتى المسح به، وهو الأظهر لقوله، وليس هذا مسح ولو كان من الكثرة
بحيث يمكن أن يمسح به لكان حكمه حكم الماء المستعمل، وهو معنى قول ابن
الماجشون، والله أعلم وأحكم.
٦٧ - مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبْرِ كَانَ يَنْزِعُ الْعِمَامَةَ،
وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ.
٦٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ رَأَى صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِى عُبَيْدٍ، امْرَأَةَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ،
تَنْزِعُ حِمَارَهَا، وَتَمْسَحُ عَلَّى رَأْسِهَا بِالْمَاءِ، وَنَافِعٌ يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ.
وسُئِلَّ مَالِك عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ؟ فَقَالَ: لا يَنْبَغِى أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ
وَلَا الْمَرَّةُ عَلَى عِمَامَةٍ وَلا خِمَارٍ وَلْيُمْسَحَا عَلَى رُءُوسِهِمَا.
الشرح: هذا على نحو ما تقدم من حديث جابر أنه يجب مباشرة الشعر بالماء ولا
يجزئ المسح على حائل دون الرأس، وأن حكم المرأة فى ذلك حكم الرجل.
فصل: وقوله: ((ونافع يومئذ صغير))، يريد أنه كان وقت رآها تفعل ذلك صغيرًا
سنه، بحيث لا تحجب منه، ويجوز أن يطلع على مثل هذا من حال صفية بنت أبى عبيد،
وذلك أن للمرأة ثلاثة أحوال، حال صغر وهى حال لا تؤمر فيها بالاستتار، ثم حال
٦٧ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦١. وأخرجه أبو داود ٣٦/١ برقم ١٤٧ عن أنس.
٦٨ - ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار برقم ٦٢.
٣٥٧٠٠٠
الطهارة
شباب وهى حال تؤمر فيها بالاستتار، ثم حال هرم وهى حال تؤمر فيها ببعض
الاستتار، وسيأتى بيان ذلك كله إن شاء الله.
وسُئِلَ مَالِك عَنْ رَحُلٍ تَوَضَّأَ، فَنَسِىَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ، حَتَّى حَفَّ وَضُوءُهُ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى يُعِيدَ الصَّلاةَ.
الشرح: ومعنى ذلك أن من توضأ ونسى مسح رأسه، فلا يخلو أن يذكر ذلك
بحضرة الوضوء أو ما يقارب من ذلك أو بعد مدة طويلة، فإن ذكر ذلك بحضرة الوضوء
أو قربه مسح رأسه وما بعده ليحصل الترتيب المشروع فى الطهارة، وإن كان ما نسى
مغسولاً كرر فيه الغسل على حسب ما كان يفعله فى نفس الطهارة، ولا يكرر الغسل
فيما يأتى بعده لمعنى الترتيب. روى ذلك عن الشيخ أبى عمران.
مسألة: إذا ثبت ذلك، فإن تفريق الوضوء لغير عذر يبطله على المشهور من المذهب.
وقال محمد بن عبدالحكم: لا يبطله، وقد تأوله غيره من أصحابنا على المذهب، وبه قال
أبو حنيفة والشافعى.
وجه القول الأول أن هذه عبادة يبطلها الحدث الأصغر، فكانت الموالاة شرطًا فى
صحتها كالصلاة والطواف.
ووجه القول الثانى أن هذه طهارة، فلم يكن من شرطها الموالاة كطهارة النجاسة.
مسألة: وأما تفريق الطهارة لعذر، فعلى ضربين، أحدهما: النسيان، والثانى: العجز
عن قدر الكفاية.
فأما النسيان، فلا يفسد الطهارة عند مالك وابن القاسم على ما تقدم، سواء كان ما
أخر مغسولاً أو ممسوحًا، طال ذلك أو لم يطل. وروى عن مالك مطرف وابن
الماجشون أن ذلك فى الممسوح والمسنون من المغسول، قال أبو زيد فى ثمانيته: إذا كان
الممسوح رأسًا دون خف. وأما المغسول من المفروض، فإن تأخيره يفسد الطهارة بأى
وجه أخره من نسيان أو غيره.
وجه الرواية الأولى أن المغسول أحد نوعى الطهارة، فلم يفسدها تأخيره ناسيًا
كالممسوح. وأنكر حبيب بن الربيع الرواية الثانية عن مالك، على ابن حبيب، وقال:
هى سهو على من نقلها. وقد تابع ابن حبيب على هذه الرواية أبو زيد، وهو قول محمد
ابن مسلمة، واحتج لها بأن شأن المسح أخف.
٣٥٨
الطهارة
مسألة: وأما عجز الماء عن قدر الكفاية، فإنه يبطل الوضوء تفريقه له من أجله إذا
طال ولا يبطله فيما قرب. وروى ابن وهب عن مالك، أنه يبنى فى عجز الماء عن قدر
الكفاية، وإن جف، وفى الطول المعتبر على رواية ابن القاسم قولان، أحدهما: يبنى ما
لم يجف، والثانى: الرجوع فى ذلك إلى اجتهاد المتطهر دون الجفوف، كالعمل فى
.. الصلاة، والله أعلم.
د
ما جاء فى المسح على الخفين
٦٩ - مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ
تُعْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ(١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ(١) فِى
٦٩ - أخرجه البخارى كتاب اللباس برقم ٥٧٩٨. ومسلم كتاب الطهارة برقم ٢٧٤. والترمذى
كتاب الطهارة برقم ٩٠، ٩١. والنسائى برقم ٧٩، ٨٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥. وابن ماجه
كتاب الطهارة وسننها برقم ٣٨٩، ٥٥٠. وأحمد بالمسند برقم ١٧٦٦٨، ١٧٦٩١،
١٧٦٩٩، ١٧٧١٠، ١٧٧١٧، ١٧٧٥٥. البيهقى فى السنن الكبرى ٢٩٦/٢ عن المغيرة.
والبغوى فى شرح السنة ٤٥٦/١ عن المغيرة.
(١) قال ابن عبدالبر: وهكذا قال مالك فى هذا الحديث عن عباد بن زياد، وهو من ولد
المغيرة ابن شعبة، لم يختلف رواة الموطأ عنه فى ذلك. وهو وهم وغلط منه، ولم يتابعه أحد من
رواة ابن شهاب، ولا غيرهم عليه، وليس هو من ولد المغيرة بن شعبة عند جميعهم. وزاد يحيى
ابن يحيى فى ذلك أيضا شيئا لم يقله أحد من رواة الموطأ، وذلك أنه قال فيه: ((عن أبيه المغيرة
ابن شعبة))، ولم يقل أحد فيما علمت فى إستاد هذا الحديث: ((عن أبيه المغيرة))، غير يحيى بن
يحيى، وسائر رواة الموطأ عن مالك يقولون: ((عن ابن شهاب عن عباد بن زياد، وهو من ولد
المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة))، لا يقولون: ((عن أبيه المغيرة)) كما قال يحيى، ولم يتابعه
واحد منهم على ذلك. كتبت هذا وأنا أظن أن يحيى بن يحيى وهم فى قوله: ((عن أبيه»، حتى
وجدته لعبدالرحمن بن مهدى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد، من ولد المغيرة
این شعبة، عن أبيه کما قال یحیی، ذکره أحمد بن حنبل وغيره عن ابن مهدی، وقد ذکرناه.
وذكر الدارقطنى أن سعد بن عبدالحميد بن جعفر قال فيه: ((عن أبيه»، کما قال یحیی، قال:
((وهو وهم)). قال: ورواه روح بن عبادة، عن مالك، عن الزهرى، عن عباد بن زياد، عن رجل
من ولد المغيرة، عن المغيرة، قال: فإن كان روح حفظ فقد أتى بالصواب؛ لأن الزهرى يرويه
عن عباد عن المغيرة. وإسناد هذا الحديث من رواية مالك فى الموطأ وغيره إسناد ليس بالقائم؛
لأنه إنما يرويه ابن شهاب عن عباد بن زياد عن عروة وحمزة ابنى المغيرة بن شعبة، عن أبيه
المغيرة بن شعبة. وربما حدث به ابن شهاب عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن أبيه-
٣٥٩
............
الطهارة
..
غَزْوَةٍ ثَبُوكَ(٢). قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴾، فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ
الْمَاءَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّىْ حُنَِّهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ
كُمَّىِ الْحُبَّةِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْحُبَّةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى
الْخُفْيْنِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ ﴿)، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ، وَقَدْ صَلّى بِهِمْ
رَكْعَةٌ، فَصِّلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الرَّكْعَةَ الْتِى بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ، فَفَزِعَ النّاسُ، فَلَمَّا قَضَى
رَسُولُ اللّهِ ﴿ّ صَلَهُ قَالَ: ((أَحْسَنتُمْ).
الشرح: قوله: ((إن رسول الله ( ذهب لحاجته فى غزوة تبوك))، إخبار بأن أحكام
هذا الخبر متعلقة بالسفر.
وقوله: ((فذهبت معه بماء))، يريد أنه ذهب معه إلى بعض طريقه؛ لأنه لابد أن يبعد
عنه أو يتوار لقضاء حاجة. وقد روى عنه هذا الحديث من غير هذا الطريق.
فصل: وقوله: ((فجاء رسول الله ۶﴾، فسكبت عليه الماء، فغسل وجهه)، أخبر
المغيرة عن المفروض فى الوضوء، وترك ذكر غير ذلك من مسنونه؛ لأنه هو القصد.
فصل: وقوله: ((ثم ذهب يخرج يديه من كمى جبته فلم يستطع من ضيق الجبة))،
يريد أنه لم يستطيع أن يخرجهما إلى المرفقين. وأما الكفان، فإنهما كانا خارجين، وبهما
غسل وجهه، وأخرجهما من تحت الجبة؛ لأنه كان عليه إزار يستره.
فصل: وقوله: ((ومسح برأسه ومسح على الخفين))، المسح على الرأس أصل فى
الطهارة، والمسح على الخفين بدل، وهو مما يستحب به الصلاة فى الجملة، وبه قال
جمهور الفقهاء.
«ولا يذكر حمزة بن المغيرة. وربما جمع حمزة وعروة ابنى المغيرة فى هذا الحديث عن أبيهما
المغيرة. ورواية مالك لهذا الحديث عن ابن شهاب عن عباد بن زياد عن المغيرة مقطوعة، وعباد
ابن زياد لم ير المغيرة، ولم يسمع منه شيئا. انظر: (التمهيد، باب المسح على الخفين، ابن
شهاب عن عباد بن زیاد حدیث واحد).
(١) ذهب لحاجته فى غزوة تبوك: زاد مسلم وأبو داود: قبل الفجر.
(٢) تبوك: كانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة فى رحب وهى آخر غزواته {8# بنفسه،
وهى من أطراف الشام المقاربة للمدينة. قيل سميت بذلك لأنه 8# رأى قومًا من أصحابه
يبوكون عين تبوك، أى يدخلون فيها القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: ما زلتم تيبوكونها
بو كا. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٤٥).