Indexed OCR Text
Pages 221-240
وقوت الصلاة
٢٢٠
وحكى السيرافى أن بعض النحاة قال: إن سيبويه يرى الباب فى الرباعى مما يجوز فيه
التعجب والمفاضلة بأفعل، فيقال: ما أيسر زيدًا من اليسار، وما أعدمه من العدم، وما
أسرفه من السرف، وما أفرط جهله وزيد أفلس من عمرو، وقال ذو الرمة فى أضيع:
سقى بهما ساق ولما تبللا
وماشية خرقاء واهية الكلا
تعرفت ربعا أو تذكرت منزلا
بأضيع من عينيك للماء كلما
ويحتمل أن تكون اللام فى قوله: ((لما سواها أضيع)) بمعنى فى كقوله تعالى: ﴿يوم
يجمعکم لیوم الجمع﴾ [التغابن: ٩]، معناه فى يوم الجمع، حكاه ابن النحاس، ويكون
معنى ذلك أنه ضائع فى تركه للصلاة وأنه أضيع فى غيره لأنه لا ينتفع بعمله.
فصل: وقوله: ((ثم كتب أن صلوا الظهر إذا فاء الفىء ذراعًا))، الفىء، هو الظل
الذى تفىء عنه الشمس بعد الزوال، أى ترجع. قال الله تعالى: ﴿حتى تفىء إلى أمر
الله﴾ [الحجرات: ٩]، أى ترجع، فما كان قبل الزوال من الظل، فليس بفىء.
وقوله: ((ذراعًا))، يعنى ربع القامة، وإنما أطلق عليه اسم الذراع لأنه أكثر ما يقدر به
لأن الإنسان لا يعدم التقدير به ولا يحتاج فيه إلى أمارة فى العمل، ووجه العمل فى ذلك
أن يقام قائم على أى قدر كان، ويدار حوله دوائر يكون مركزها كله موضع قيام القائم
ثم ترقب الشمس، فما دام الظل ينقص فهو فى أول النهار ولم يدخل بعد وقت الظهر،
وكذلك إذا وقف الظل، فإذا أخذ فى الزيادة فقد زالت الشمس، وهو أول وقت
الظهر، ثم ينظر إلى زيادة الظل فى تلك الدوائر، فإذا زاد بمقدار ربع القائم على الظل
الذى وقعت عليه الزيادة فقد فاء الفىء ذراعا، وهو الوقت الذى أمر عمر بن الخطاب
رضى الله عنه أن تقام فيه صلاة الجماعة.
وقوله: ((إلى أن يصير ظل أحدكم مثله)) يعنى إلى أن يتم الفىء مثل كل قائم أو إلى
أن يتم الظل الذى زاد بعد تنافى نقصان الظل مثل كل قائم، وإنما مثل بالإنسان لأنه لا
يعدم التقدير به، وإذا صار فىء كل إنسان فهو آخر وقت الظهر عنده، وهو بعينه أول
وقت العصر، فإذا زاد على ذلك زيادة بينة، فقد خرج وقت الظهر وانفرد وقت العصر.
فصل: قوله: ((والشمس مرتفعة بيضاء نقية)) لم يذكر القعنبى ولا سويد بن سعيد
ولا أبو مصعب: مرتفعة، ونقاؤها أن لا يشوب بياضها صفرة وبياضها وصفرتها، إنما
يعتبران فى الأرض والجدار لا فى عين الشمس، حكاه ابن نافع فى المبسوط عن مالك،
وهذه كلها حدود للوقت يقرب بعضها من بعض، وفى قوله: ((والشمس مرتفعة بيضاء
نقية))، إخبار بجميع الوقت.
............. ٢٢١
وقوت الصلاة .
فصل: وقوله: ((قدر ما يسير الركب فرسخين للبطىء وثلاثة فراسخ للجاد
السريع))، وقد قيل إن ذاك شك من المحدث، ويحتمل أن يريد فرسخين فى الشتاء
وثلاثة فراسخ فى الصيف لطوال النهار، والأظهر فى ذلك أنه بمعنى الحزر والتقدير، كما
يقال هذا الوعاء يسع أردبين أو ثلاثة، أى أن تقديره يترجح بين الأردبين والثلاثة، وقد
تيقن أنه لا يصح أن يسع أقل من أردبين ولا يسع أكثر من ثلاثة، وكذلك تقول من دار
فلان إلى دار فلان أربعة أميال أو خمسة، بمعنى أنه يعلم أنه ليس بينهما ما أقل من أربعة
أميال ولا أكثر من خمسة، وتقديره يترجح بين الأربعة والخمسة.
مسألة: والفرسخ ثلاثة أميال، والميل عشرة غلاء، والغلوة مائتا ذراع، ففى الميل ألف
باع، وهی الف ذراع. قاله ابن حبيب.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: ومعنى ذلك عندى أبواع الدواب، وأما باع
الإنسان وهو طويل ذراعيه وعرض صدره فأربعة أذرع، وهو القامة.
فصل: قوله: ((قبل غروب الشمس)). رواه يحيى بن يحيى، وتابعه على ذلك مطرف
من رواية ابن حبيب عنه، ولم يذكره ابن القاسم ولا ابن بكير ولا سويد ولا أبو
مصعب.
واختلف أصحابنا فى الوقت الذى يمشى الراكب قبله فرسخين أو ثلاثة، قال
سحنون: إن ذلك إلى الاصفرار. وقال ابن حبيب: إلى غروب الشمس، وهو الأظهر
لموافقته لرواية يحيى ومطرف، لأن وقت العصر لا يتسع لمشى الراكب من أوله فرسخين
أو ثلاثة إلى اصفرار الشمس.
فصل: وقوله: ((والمغرب إذا غربت الشمس))، يعنى بعد غروب الشمس، والعشاء
إذا غاب الشفق يعنى الحمرة فى أفق المغرب، فهو أول وقت العشاء.
وقوله: ((إلى ثلث الليل))، يعنى أن ذلك آخر الوقت المختار لهذه الصلاة عنده.
وقوله: «فمن نام فلا نامت عينه)» يحتمل أن يريد به المنع من النوم قبل صلاة العشاء
على ما يأتى بعد هذا، ويحتمل أن يريد فمن غفل عن فعل الصلاة فى وقته مع سعته فلا
نامت عينه، دعاء عليه بما يسهره ويمنعه من النوم. والعرب تستعمل مثل هذا فى
ألفاظها، تقول: نامت عينك، إذا دعت لك بالسعة والرفاهية وصلاح الحال وخلو
البال، وتكراره ثلاث مرات يحتمل أن يكون أراد الاقتداء بالنبى ﴿ فيما روى عنه أنه
كان إذا قال شيئًا كرره ثلاثًا، ويحتمل أن يريد بذلك التأكيد والإبلاغ.
٢٢٢
وقوت الصلاة
فصل: وقوله: ((والصبح والنجوم بادية مشتبكة))، يريد بذلك آخر ما تكون بادية
مشتبكة، لأن هذه حالها من أول الليل، ويحتمل أن يريد: والنجوم بادية مشتبكة مع
الإصباح بعد لم يغيرها عن حالها فى ليلها من الظهور والاشتباك، إذا ثبت ذلك، فإنه
يتعلق بقوله: ((أن صلوا الظهر إذا فاء الفىء ذراعا إلى أن يصير ظل أحدكم مثله)) أربع
مسائل:
إحداها: أول وقت الظهر وقت الزوال، ولا خلاف فى ذلك.
الثانية: أنه يستحب تأخير صلاة الظهر فى مساجد الجماعة إلى أن يفىء الفىء
ذراعًا. قال ابن حبيب: وذلك فى مساجد الجماعة، وأما الرجل فى خاصة نفسه، فأول
الوقت أفضل. وحكى القاضى أبو محمد أن ذلك للفذ. وقال الشافعى: إن أداءها على
كل وجه أول الوقت أفضل. وقال أبو حنيفة: إن آخر الوقت أفضل.
والدليل لنا على الشافعى حديث عمر بن الخطاب: ((أن صلوا الظهر إذا فاء الفىء
ذراعًا)) وإنما خاطب بذلك عماله وأمراءه الذين يقيمون الصلاة فى مساجد الجماعة،
ومحال أن يأمرهم بأن يتعدوا بالصلاة أفضل أوقاتها.
ومن جهة المعنى أنه لا خلاف أنه لا يؤذن لها إلا فى أول وقتها، وهى صلاة ترد
على الناس غير متأهبين بل تجدهم نياما غافلين فى أغلب الأحوال، فلو صلى الإمام
عقيب الأذان لفاتت أكثر الناس، فاستحب تأخيرها إلى أن يفىء الفىء ذراعا، فيدرك
من يحتاج الغسل الصلاة، ويدركها من كان نائما بعد أن يستيقظ ويتوضأ ويروح إليها.
الثالثة: أن آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شىء مثله.
وبه قال الشافعى، وقال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر أن يصير كل شىء مثليه،
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما كتب به عمر إلى عماله: أن صلوا الظهر إذا
فاء الفىء ذراعا إلى أن يصير ظل أحدكم مثله، وهذا مما كتب به إلى الأمصار وأخذ به
عماله ولم ينكر ذلك عليه أحد، فثبت أنه إجماع.
الرابعة: أن آخر وقت الظهر إذا كملت القامة على ما قدمناه وهو بنفسه أول وقت
العصر، فيقع الاشتراك بين الوقتين ما دام ظل كل شىء مثله، فإذا تبينت الزيادة خرج
وقت الظهر وانفرد وقت العصر، هذا الذى حكاه أشهب عن مالك فى المجموعة،
وقاله أبو محمد بن نصر، وهو الصواب إن شاء الله، ووافقنا أبو حنيفة فى الاشتراك،
وخالفنا فى وقته، فعنده أن وقت الاشتراك إذا كان ظل كل شىء مثلیه.
٠٠٠ ٢٢٣
....
....
وقوت الصلاة
ونفى الشافعى الاشتراك جملة، فقال: إن آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شىء
مثله وأنه يليه وقت العصر بغير فصل. وقال ابن حبيب: آخر وقت الظهر مقدار ما
يصلى الظهر، فيتم صلاته قبل تمام القامة، وأول وقت العصر تمام القامة. قال الشيخ أبو
محمد: هذا خلاف قول مالك، رحمه الله.
والدليل على صحة ما نقوله ما رواه أحمد بن زهير، أنبأنا أحمد بن الحاج، أنبأنا
الفضل بن موسى، عن محمد بن عمرو بن علقمة الليثى، عن أبى هريرة قال: قال رسول
الله : ((هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم) فصلى له صلاة الصبح حين طلع الفجر، ثم
صلى له الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى له العصر حين كان ظل الشىء مثله، ثم
صلى المغرب لوقت واحد حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين
ذهبت ساعة من الليل، ثم قال له: ((الصلاة ما بين صلاتك بالأمس وصلاتك اليوم)).
فصل: وقوله: ((والعصر والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو
ثلاثة قبل غروب الشمس)» يتعلق به أيضًا أربع مسائل:
إحداها: أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شىء مثله، وقد تقدم الكلام فيه أنه
ثبت أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شىء مثله.
الثانية: أن أول وقتها مشترك، وقد تقدم.
الثالثة: أن أداءها فى مساجد الجماعات وغيرها فى أول وقتها أفضل، هذا قول
جمهور أصحابنا. وقال أشهب: وأحب إلينا أن يزاد على القامة ذراع لاسيما فى شدة
الحر. وقال ابن حبيب: ويستحب تقديمها يوم الجمعة أكثر من تقديمها فى سائر الأيام
رفقًا بالناس بتعجيل إيابهم إلى منازلهم. وقال أبو حنيفة بالتأخير فى ذلك كله.
والدليل على قول الجمهور أن وقتها يأتى على الناس فى الأغلب وهم متأهبون
للصلاة، رواه فى المبسوط ابن وهب عن مالك.
الرابعة: أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شىء مثليه، رواه عن مالك، عبدالله بن
عبدالحكم، وبه قال الشافعى. وروى ابن القاسم عن مالك، أنه لا يعرف ذلك، وأن
العصر تصلى ما دامت الشمس بيضاء نقية لم يدخلها صفرة، وبه قال أبو حنيفة.
وجه رواية ابن القاسم حديث عبدالله بن عمر، عن النبى 4 أنه قال: ((إن وقت
العصر ما لم تصفر الشمس»، وهذا نص.
٢٢٤
وقوت الصلاة
ووجه رواية ابن عبدالحكم خبر أبى هريرة المتقدم، وفيه أنه صلى العصر فى اليوم
الثانى حين صار ظل كل شىء مثليه. ومن جهة القياس أن هذه صلاة حدّ أول وقتها
بالظل، فوجب أن يحد آخرها به كالظهر.
فصل: وقوله: ((والمغرب إذا غربت الشمس))، يتعلق به خمس مسائل:
إحداها: أن اسمها المختص بها المغرب يدل على ذلك الحديث الذى أخرجه
البخارى من حديث عبدالله المزنى أن النبى ! قال: ((لا يغلبنكم الأعراب على اسم
صلاتكم المغرب)). قال: وتقول الأعراب هى العشاء.
الثانية: أن أول وقت المغرب غروب الشمس. والدليل على ذلك ما تقدم من حديث
أبى هريرة.
الثالثة: معرفة آخر وقتها، وقد اختلف فى ذلك قول مالك، فروى عنه فى الموطأ أن
آخر وقت المغرب إذا غاب الشفق، وروى عنه فى المدونة ما يقتضى ذلك، وبه قال أبو
حنيفة، وقال محمد بن مسلمة: إن أول وقتها غروب الشمس، ومن شاء تأخيرها إلى
مغيب الشفق، فذلك له وغيره أحسن منه، والذى حكاه عن مالك أصحابنا العراقيون
أنه ليس لها إلا وقت واحد، وبه قال ابن المواز والشافعى.
والدليل على أن آخر وقتها مغيب الشفق ما روى مسلم فى حديث عبدالله بن
عمرو أن النبى ﴿﴾ قال: ((وقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق)).
الرابعة: أن آخر وقت المغرب هو أول وقت العشاء وإن اشتركا كاشتراك الظهر
والعصر، ولذلك جاز الجمع بينهما، وسنبينه إن شاء الله تعالى.
الخامسة: أنه يستحب أداء المغرب فى أول وقتها، ولا خلاف فى ذلك بين أهل
السنة. ووجه ذلك أنها تصادف الناس متأهبين لها منتظرين أداءها كصلاة الجمعة.
ووجه آخر، وهو أن فى ذلك رفقًا بالصائم الذى شرع له تعجيل فطره بعد أداء صلاته.
فصل: وقوله فى الخبر: ((والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل))، يقتضى أربع
مسائل:
إحداها: أن اسمها فى الشرع العشاء، وسیرد بيان ذلك.
الثانية: بيان معنى الشفق، والذى حكاه أصحابنا عن مالك وقاله فى موطئه أن
الشفق الحمرة تكون فى المغرب من بقايا شعاع الشمس، وبه قال الشافعى. وحكى
......... ٢٢٥
وقوت الصلاة .
الداودى أن ابن القاسم قال عن مالك فى السماع: إن البياض عندى أبين، قال: وكأنه
فى هذا القول يريد الاحتياط، وهو مذهب أبى حنيفة.
واستدل أصحابنا على صحة ما ذهب إليه مالك، رحمه الله، من أن الشفق الذى حدّ
به أول وقت صلاة العشاء هو الحمرة بما رواه أبو داود: أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو
عوانة، عن أبى بشر، عن بشير بن أبى ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير
قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة، صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله
يصليها لسقوط القمر الثالثة.
وقد ذكر أبو عبدالرحمن هذا الحديث وضعفه، قيل له حبيب هو مضطرب، فقال:
إن شعبة يضعف هذا الحديث، قيل له: لعله من قبل أبى بشر أو حبيب، فقال: أبو بشر
لا علة فیه، وقد أدخل بین حبیب والنعمان رجلاً ليس بالمشهور.
قال أصحابنا فى احتجاجهم: فإذا ثبت ذلك، فوجه الاستدلال من الخبر أنه قال: إن
النبى 8 كان يصلى العشاء لسقوط القمر لثالثة، وذلك يكون عنده مغيب الحمرة.
وأما الحمرة فإنها تبقى بعد ذلك بزمان طويل.
وقد أخرج أبو عبدالرحمن هذا الحديث فى مصنفه، وجعله موافقًا لقول من يقول إن
شفق الصلاة هو البياض، لأن سقوط القمر لثالثة من الشهر [لا يكون(١)] إلا عند مغيب
البياض.
ودليلنا من جهة المعنى أنه إذا كانت الحمرة تسمى شفقًا، والبياض يسمى شفقًا،
وعلى حكم من الأحكام على مغيب الشفق على الإطلاق تعلق ذلك بأولها، لأنه قد
غاب ما يسمى شفقًا. ودليلنا من جهة القياس أن هذه ثلاثة أنوار متتابعة مارة بالأفق،
فوجب أن تتعلق أحكام الصلاة بأوسطها كالطوالع.
الثالثة: أن خروج وقت العشاء انقضاء الثلث الأول من الليل، وبه قال الشافعى،
وقال ابن حبيب: انقضاء النصف الأول من الليل، وبه قال أبو حنيفة.
والدليل على القول الأول ما روى عن عائشة أنها قالت: أعتم رسول الله
بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة نام النساء والصبيان، فخرج فقال: ((ما ينتظرها من أهل
الأرض غيركم))، قال: ولا يُصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب
الشفق إلى ثلث الليل الأول.
(١) ما بين المعقوفتين غير موجود بالأصل، وأضفناه لاستقامة المعنى المحقق.
٢٢٦
وقوت الصلاة
الرابعة: أن الإتيان بصلاة العشاء فى أول وقتها عند مغيب الشفق وبعد ذلك قليلاً
أفضل، وهو الذى رواه ابن القاسم عن مالك، وكره تأخيرها إلى ثلث الليل، وبه قال
الشافعى. وروی العراقیون من أصحابنا عن مالك، أن تأخيرها أفضل، وبه قال أبو
حنيفة.
وجه القول الأول، على ما ذكرناه قبل هذا من الأدلة على أن الصلاة فى أول الوقت
أفضل، فیغنی عن إعادته.
ووجه القول الثانى، حديث أم كلثوم بنت أبى بكر، عن عائشة: أعتم النبى
حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد، خرج، فصلى، فقال: ((إنه لوقتها لولا أن
أشق على أمتى))، وهذا ليس ببين لأن النبى ﴿3﴾ قد رأى الفضل فى التخفيف. وقد قال
ابن حبيب: إنه يستحب تأخيرها فى الشتاء شيئًا، وهذا لطول الليل، وهذا وجه حسن
لأنه ليس فى ذلك مشقة على الأمة، ويستحب تأخيرها فى رمضان أكثر من ذلك شيئًا
توسعة على الناس فى إفطارهم، وهذ أيضًا وجه صحيح لما فيه من الرفق بالناس.
فصل: وقوله: ((فمن نام فلا نامت عينه))، يريد من نام قبل صلاة العشاء لأن النوم
قبلها ممنوع منه لما روى أبو هريرة: أن رسول الله ﴾ كان يكره النوم قبل العشاء
والحديث بعدها.
٦ - مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أَبِى
· مُوسَى الأَشْعَرِى: أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ(١) وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَفِيَّةٌ
"َبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا صُفْرَةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَأَخْرِ الْعِشَاءُ مَا لَمْ تَنَمْ، وَصَلٌ
الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ، وَاقْرَأُ فِيهَا بِسُورَيْنِ طَوِلْتَمْنِ مِنَ الْمُفَصَّلِ (٢).
الشرح: قوله: ((أن صل الظهر إذا زاغت الشمس»، ظاهره مخالف لظاهر كتابه إلى
عماله المتقدم ذكره فى قوله: ((أن صلوا الظهر إذا فاء الفىء ذراعًا))، ويحتمل أن يكون
كتب إلى أبى موسى الأشعرى بذلك فى خاصة نفسه فى غير وقت إمارته لأن صلاة
الفَذَ فى أول الوقت أفضل، ويحتمل أن يريد بذلك الجمعة.
٦ - أخرجه البخارى عن أنس بكتاب الصلاة، باب وقت العصر ٢٣١/١. ومسلم بكتاب المساجد
- ٤٣٤/١ عن أنس. وذكره بالكنز ٤٣/٨ برقم ٢١٧٨٣. وعزاه لعبدالرزاق فى المصنف، عن
أنس وعزاه للبخاری، ومسلم، وأبی عوانة، عن أنس.
(١) زاغت الشمس: أى مالت الشمس.
(٢) المفصل: ابتداء من الحجرات حتى آخر المصحف . -
.
٠٠ ٢٢٧
....
وقوت الصلاة .
وقوله: ((والعصر والشمس بيضاء نقية ما لم تدخلها صفرة)) تحديد لآخر وقتها.
وقوله: ((وأخر العشاء ما لم تنم))، يحتمل أن يكون أمره بذلك فى خاصة نفسه على
ما اختاره ابن حبيب فى قوله: إن الإنسان فى خاصة نفسه يستحب له أن يبطئ بها بعد
وقت الصلاة فى المساجد ما لم يخف النوم.
ويحتمل أن يكون قد علم من حاله المبادرة بالنوم فى أول الليل حرصًا على التهجد
فى آخره، فأمره بتأخير العشاء ليدركها معه العمال وأهل الأشغال ما لم ينم قبلها فى
الوقت الذى جرت عادته بالنوم فيه.
فصل: وقوله: ((واقرأ فى الصبح بسورتين طويلتين من المفصل))، يريد بعد قراءة أم
القرآن، ولم يحتج إلى ذكرها لما علم أنه تقرر عندهم أنه لا يجزئ صلاة إلا بها، وسنبين
ذلك بعد هذا، وإنما أمره أن يقرأ فى كل ركعة بسورة من طوال المفصل، لأن صلاة
الصبح أطول الصلاة قراءة، وطوال المفصل فيها عدل، لأن فى ذلك أخذا بحظ من
التطويل، ولا يخلو ذلك من الرفق بالناس، وأما الرجل فى خاصة نفسه فليطول ما شاء،
وإنما سمى المفصل لكثرة انفصال سوره، وقيل سمى بذلك لثبوت أحكامه، وقلة
المنسوخ فيه ولذلك سمى المحكم.
٧ - مَالِك، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَحَبَ إِلَى أَبِى
مُوسَى الأَشْعَرِىِّ أَنْ صَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلاثَةً
فَرَّاسِخَ، وَأَنْ صَلِّ الْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللّيْلِ، فَإِنْ أَخْرْتَ، فَإِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ(١).
الشرح: قوله: ((أن صل العصر والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب ثلاثة
فراسخ)»، الكلام فيه على نحو ما تقدم، غير أنه قال هاهنا: ثلاثة فراسخ بغير شك، وهذا
يقتضى أحد أمرين، إما أن يكون الراوى لهذا الحديث لم يحفظ الزيادة، إذا قلنا أن ((أو))
فى الحديث لغير الشك من راويه، وإما ان يكون الراوى لهذا الحديث لم يشك وتيقن
أنها ثلاثة فراسخ، ووقع الشك فى الحديث الأول من راويه.
٧ - الحديث فى الموطا برقم ٧. وراجع تخريج الحديث رقم ٥.
(١) ولا تكن من الغافلين: أى عن الصلاة. وقال السيوطى: شاهده من المرفوع ما أخرجه
الحاكم وصححه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((من حافظ على هؤلاء الصلوات
المكتوبات لم يكتب من الغافلين».
٢٢٨
وقوت الصلاة
فصل: وقوله: ((وأن صل العشاء ما بينك وبين ثلث الليل))، كلام مجمل فى أول
الوقت، ووجهه أن تقول له افعل هذا ما بين وقتك هذا وبين انقضاء وقت كذا، لما علم
أن المكتوب إليه عالم بأول الوقت قام ذلك عنده مقام كونه فيه مقام تحديد أوله،
فيكون معنى قوله: ((ما بينك وبين ثلث الليل))، ما بينك إذا كنت فى الوقت، وما بين
ثلث الليل.
وقوله بعد ذلك: «فإن أخرت فإلى شطر الليل»، يعنى أخرت لضرورة مانعة من
الصلاة فى الوقت المتقدم، فصل ما بين ذلك وبين شطر الليل، وإن كانت أفضل.
والضرورة لا تؤقت إذ ليست باختيار الفاعل إلا أن ذلك على معنى المبالغة فى الاجتهاد
والإتيان بأكثر ما يقدر عليه من ذلك، كما تقول إن منعتك الضرورة من الصلاة قائمًا
فصل قاعدًا، وقد تكون الضرورة تمنعه من القعود إلا أن يفعل مما كلفه الله أكثر ما يقدر
عليه.
ويحتمل أيضًا أن يكون عرف من مذهب أبى موسى الأشعرى أن وقت صلاة العشاء
إلى نصف الليل، وما هو مما يسوغ فيه الاجتهاد، فأمره عمر رضى الله عنه بالصواب،
ثم قال له بعد ذلك: ((فإن أخرت)) عن ذلك بما تعتقده من جواز التأخير ((فإلى شطر
الليل)».
فصل: وقوله بعد ذلك: ((ولا تكن من الغافلين))، رأيت بعض المفسرين حكى عن
أبى عمر الإشبيلى، رحمه الله، أن معناه لا تكن من الغافلين بتأخيرها عن نصف الليل،
وهو كلام صحيح، ويحتمل أيضًا أن يريد ولا تتخذ تأخير الصلاة إلى شطر الليل عادة،
فتكن من الغافلين، وإن جاز أن يفعل ذلك فى النادر إما لضرورة، وإما لحال يقتضى
ذلك مما يعتقده من جواز التأخير إلى ذلك الوقت وغيره.
٨ - مَالِك، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِىِّ
﴿ أَنّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا أُخْبِرُكَ: صَلِّ الظُّهْرَ
٨ - الحديث فى الموطا برقم ٨. وأخرج نحوه السهمى، عن معاذ مرفوعا فى تاريخ جرجان ٢٤٧.
قال ابن عبدالبر: هذا الحديث موقوف فى الموطأ عند جماعة رواته والمواقيت لا تؤاخذ بالرأى
ولا تدرك إلا بالتوقيف. وقال: وقد روى عن أبى هريرة حديث المواقيت مرفوعًا بأتم من هذا
أخرجه النسائي بسند صحيح، إلا أنه إنما اقتصر فيه على ذكر أواخر الأوقات المستحبة دون
أوائلها وجعل للمغرب وقتًا واحدًا. وقد روى عن أبى هريرة مرفوعًا كلامًا بذكر أوائل
الأوقات وأواخرها. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢٠، والتمهید حدیث ثانی لیزید بن زياد).
٢٢٩٠٠
وقوت الصلاة .
إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَكَ، وَالْعَصْرَ إِذَا كَانَ ظِلُّكَ مِثْلَيْكَ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ،
وَالْعِشَاءَ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلِّ الصُّبْحَ بِغَبَشٍ(١) يَعْنِى الْقَلَسَ.
الشرح: يحتمل أن يكون سؤاله عن آخر الوقت، ولذلك أجاب أبو هريرة عنه، ولو
سأله عن جميع وقت الصلاة لکان جوابه بتحديد جمیعه.
وقول أبى هريرة: ((صل الظهر إذا كان ظلك مثلك، والعصر إذا كان ظلك مثليك»
معناه: فتكون قد أدركت وقت الاختيار، لأن ما ذكره ليس بجميع الوقت وإنما هو
آخره، ويحتمل أن يكون أبو هريرة اعتقد حينئذ أن ذلك أفضل وقت الصلاتين والأول
أبین، إن شاء الله.
فصل: قوله: ((والمغرب إذا غربت الشمس))، يحتمل أمرين: أن يعتقد أن لا وقت
للمغرب غير ذلك، ويحتمل أن ينكر تأخير الصلاة عنه وإن اعتقد أن وقتها ممتد بعده،
وقد تقدم القول فى ذلك.
وقوله: ((وصل الصبح بغبش))، الغبش بقايا ظلمة الليل، وهو الغلس، وهذا على
معنى تفضيل الصلاة فى ذلك الوقت، وقد تقدم ذكره.
٩ - مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ:
كُنّ نُصَلّى الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإنْسَانُ إِلَى يَنِى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ(١) فَيَجِدُهُمْ يُصَلُونَ
الْعَصْرَ (٢).
(١) يغيش: بفتح الغين المعجمة، والباء الموحدة وشين معجمة كذا فى رواية يحيى بن يحيى،
وزاد يعنى الغلس، وفى رواية يحيى بن بكير والقعنبى وسويد: بغلس. وقال الخطابى: والغبش
بالياء والشين المعجمة قيل الغبس بالسين المهملة وبعده الغلس باللام وهى كلها فى آخر الليل
ویکون الغبش أول الليل. انظر: (تنوير الحوالك صـ ١٧، ١٨، ٢٠).
٩ - أخرجه البخارى كتاب مواقيت الصلاة برقم ٥٤٨، ٥٥٠، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة
برقم ٧٣٢٩. ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٦٢١. والنسائى برقم ٥٠٦. وأبو
داود كتاب الصلاة برقم ٤٠٤. والدارمى كتاب الصلاة ١٢٠٨.
قال ابن عبدالبر: هذا يدخل عندهم فى المسند، فقال: كنا نصلى العصر مع النبى {$. وأخرجه
النسائى من طريق ابن المبارك عن مالك.
(١) بنى عمرو بن عوف: قال النووى: قال العلماء: كانت منازلهم على ميلين من المدينة.
(٢) قال النووى: كانت صلاتهم فى وسط الوقت ولعل تأخيرهم لكونهم أهل أعمال فى=
. وقوت الصلاة
٢٣٠
الشرح: قوله: ((كنا نصلى العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بنى عمرو بن عوف
فيجدهم يصلون العصر))، يقتضى أن صلاتهم العصر كانت فى أول الوقت، ولذلك
كان يخرج الإنسان بعد صلاتهم إلى بنى عمرو بن عوف فيجدهم يصلون، ولا يقال
هذا إلا فیما یکثر ویتکرر، ولا يجوز أن يكون المصلون فى بنى عمرو بن عوف يصلون
بعد انقضاء الوقت، وإنما كانوا يصلون فى الوقت، ولعلهم كانوا يثابرون على ذلك
لأنهم كانوا عمالاً فى الحوائط، فيتأهبون للصلاة بعد تمام العمل، فتتأخر بذلك صلاتهم
عن أول الوقت إلى وسطه، فكان من صلى فى أول الوقت يأتيهم بعد انقضاء صلانه
فیجدهم يصلون.
١٠ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّى الْعَصْرَ
ثُمَّ يَذْهَبُ الذّاهِبُ(١) إِلَى قُبَاءٍ(٢) فَيَأْتِهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
=حروثهم وزروعهم وحوايطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة، ثم اجتمعوا إليها
فتتأخر صلاتهم لهذا المعنى. انظر: (تنوير الحوالك صـ٢٠).
١٠ - أخرجه البخارى كتاب مواقيت الصلاة برقم ٥٤٨. ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة
برقم ٦٢١. والتسائی برقم ٥٠٦.
قال ابن عبد البر: هكذا هو فى الموطأ ليس فيه ذكر النبى 8®، ورواه عبدالله بن نافع وابن
وهب فى رواية يونس بن عبدالأعلى عنه، وخالد بن مخلد، وأبو عامر العقدى كلهم عن
مالك، عن الزهرى، عن أنس، أن رسول الله 8# كان يصلى العصر ثم يذهب الذاهب
الحديث، وكذلك رواه عبدالله بن المبارك عن مالك، عن الزهرى وإسحاق بن عبدالله بن أبى
طلحة جميعًا، عن أنس أن رسول الله # كان يصلى العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، قال
أحدهم: فيأتيهم وهم يصلون، وقال الآخر: فيأتيهم والشمس مرتفعة، ورواه أيضًا كذلك
الزهرى وعند مسلم وأبى داود والنسائى وابن ماجه من طريق الليث عن الزهرى. وعند
الدارقطنى من طريق إبراهيم بن أبى عبلة عن الزهرى. ورواية ابن المبارك التى أوردها ابن
عبدالبر أخرجها الدارقطنى فى سننه. وقال فى غرائب مالك: لم يسنده عن مالك عن إسحاق
غير ابن المبارك. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢٠، ٢١).
(١) ثم يذاهب الذاهب: قال الحافظ ابن حجر: أراد نفسه لما أخرجه النسائى والطحاوى من
طريق أبى الأبيض عن أنس قال: كان رسول الله # يصلى بنا والشمس بيضاء محلقة، ثم
ارجع إلى قومی فی ناحية المدينة فأقول لهم: قوموا فصلوا فإن رسول الله ے قد صلى. قلت:
بل أعم من ذلك لما أخرجه الدارقطنى والطبرانى من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس
قال: كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله 8 دار أبى لبابة بن عبد المنذر وأهله بقباء
وأبو عبس بن حبیر ومسکنه فی بنی حارثة فکانا یصلیان مع رسول الله لا ثم يأتيان قومهما
لتعجيل رسول الله 8# بها. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢١).
٢٣١٠٠
وقوت الصلاة
الشرح: قوله: ((كنا نصلى العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس
مرتفعة))، توكيد للحديث الأول ومبين أن صلاتهم كانت فى أول الوقت، وأن الذاهب
بعد ذلك إلى قباء وهو من أدنى من العوالى - بينه وبين المدينة نحو الميلين أو دون -
يأتيها والشمس مرتفعة.
وحكى أبو المطرف القنازعى، عن أحمد بن خالد أنه قال: لم يتابع على قوله: ثم
يذهب الذاهب إلى قباء. ورواه الليث، عن الزهرى، عن أنس، فقال فيه: ((ثم يذهب
(٢) قباء: قال النووى: يمد ويقصر ويصرف ولا يصرف، ويذكر ويؤنث. والأفصح فيه
التذكير والصرف والمد، وهو على ثلاثة أميال من المدينة. وقال النسائى: لم يتابع مالك على
قوله: إلى قباء: والمعروف إلى العوالى، وقال الدارقطنى: رواه إبراهيم بن أبى عبلة عن الزهرى.
فقال: إلى العوالى، قال: وكذلك رواه صالح بن كيسان، ويحيى بن سعيد الأنصارى وعقيل
ومعمر ويونس والليث وعمرو بن الحارث وشعيب بن أبى حمزة وابن أبى ذؤيب وابن أخى
الزهرى وعبدالرحمن بن إسحاق ومعقل بن عبيدالله وعبيد الله بن أبى زياد الرصافى والنعمان
ابن راشد والزبيدى وغيرهم عن الزهرى عن أنس. وقال ابن عبدالبر: الذى قاله جماعة
أصحاب ابن شهاب عنه: يذهب الذاهب إلى العوالى، وهو الصواب عند أصحاب الحديث،
وقول مالك عندهم إلى قباء وهم لا شك فيه، ولم يتابعه أحد عليه فى حديث ابن شهاب
هذا، إلا أن المعنى متقارب فى ذلك على سعة الوقت لأنّ العوالى مختلفة المسافة فأقربها إلى
المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها ما يكون على ثمانية أميال أو عشرة، ومثل هذا هى
المسافة بين قباء والمدينة. وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك فقال فيه: إلى العوالى، كما قال
سائر أصحاب ابن شهاب ثم أسنده من طريقه. وقال: هكذا رواه خالد بن مخلد عن مالك.
وسائر رواة الموطأ قالوا: قباء. وقال القاضى عياض: مالك أعلم ببلدته وأمكنتها من غيره، وهو
أثبت فى ابن شهاب ممن سواه. وقد رواه بعضهم عن مالك: إلى العوالى، كما قالت الجماعة.
ورواه ابن أبي ذؤيب عن الزهرى، فقال: إلى قباء، كما قال مالك. وقال الحافظ ابن حجر:
نسبة الوهم فيه إلى مالك منتقد، فإنه إن کان وهما احتمل أن یکون منه، وأن یکون من
الزهرى حين حدث به مالكًا، فإن الباجى نقل عن الدارقطنى أن ابن أبى ذؤيب رواه عن
الزهرى: إلى قباء، وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك، فقال فيه: إلى العوالى، كما قال الجماعة
فقد اختلف فيه على مالك وتوبع عن الزهرى بخلاف ما حزم به ابن عبدالبر. قال: وقوله
الصواب عند أهل الحديث: العوالى، صحيح من حيث اللفظ وأما المعنى فمتقارب لأن قباء من
العوالى وليست العوالى كل قباء، فإنها عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجد
قال: ولعل مالكًا لما رأى فى رواية الزهرى إجمالا حملها على الرواية المفسرة وهى روايته عن
إسحاق حيث قال فيها: لم يخرج الإنسان إلى بنى عمرو بن عوف وهم أهل قباء، فبنى مالك
على أن القصة واحدة لأنهما جميعًا حدثاه عن أنس. انتهى. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢١).
. وقوت الصلاة
٢٣٢
الذاهب إلى العوالى))، والعوالى فى طرف المدينة، وقباء على فرسخ من المدينة، فلهذا لم
يتابع مالك عليه لأن قوله يدل على أن العصر كانت تصلى أول وقتها، وكلام أحمد بن
خالد يحتاج إلى تأمل، أن الليث إذا خالف مالكًا فى الزهرى قضى لمالك، لأنه أوثق
أصحاب الزهرى وأحفظهم، وليس الليث من متقدمى أصحاب الزهرى.
وقوله: ((إن العوالى فى طرف المدينة))، ليس بصحيح، إذ قباء من العوالى، وهى من
أدنى العوالى إلى المدينة، ومالك أعلم الناس بهذا لأنها بلدته ومنشؤه، فكيف يقرن به
الليث فى علم ذلك، وهو من أهل مصر، وإنما دخل المدينة دخول المسافر، ولم يطل
فيها مقامه، وكثير من حديث الزهرى كما يرويه عن عقيل عنه، وقال: قال مالك فى
كتاب الصلاة الثانى من المدونة: إن العوالى من المدينة على ثلاثة أميال، فكيف يصح أن
يقال إن العوالى فى طرف المدينة، وإن قباء أبعد منها.
وقد روى البخارى: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهرى، أخبرنى أنس بن
مالك قال: ((كان رسول الله ﴿َّه يصلى العصر، والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب
إلى العوالى فيأتهم والشمس مرتفعة)). وبعض العوالى من المدينة على أربعة أميال ونحوها.
وقوله: وإنما لم يتابع مالك على ذلك؛ لأن روايته تقتضى أن العصر كانت تصلى
قبل وقتها، كلام فيه نظر؛ لأن من صلى العصر فى أول وقتها يمشى الفرسخ وأكثر قبل
أن ينقضى الوقت، وليس الوقت من الضيق على ما ذكره.
ويدل على ذلك قول عمر بن الخطاب فى وقت العصر: قدر ما يسير الراكب ثلاثة
فراسخ. وقد قال سحنون: إن ذلك إلى اصفرار الشمس، فلا وجه لاعتراضهم على
رواية مالك بهذا، ولا فرق بينها وبين رواية الليث إلا اللفظ، بل رواية مالك أشد
تحقيقًا . .
وقولهم: إن هذه الرواية انفرد بها مالك، ليس بصحيح، وقد تابعه على ذلك ابن
أبى ذئب من رواة الشافعى، عن أبى صفوان، عن عبدالله بن سعيد بن عبدالملك بن
مروان، عن ابن أبى ذئب، عن الزهرى، عن أنس، فقال فيه: ((فيذهب الذاهب إلى.
قباء» كما قال مالك.
قال القاضى أبو الوليد رضى الله عنه: أخبرنا بذلك الشيخ الحافظ أبو ذر، فقال:
أنبأنا بذلك أبو الحسن الدارقطنى، رحمه الله.
٢٣٣
وقوت الصلاة
١١ - مَالِك، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا
أَدْرَكْتُ النّاسَ إِلا وَهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِعَشِىٌّ(١).
الشرح: الظاهر من قوله: ((ما أدركت الناس)) أنه يريد الصحابة، لأنه أدرك منهم
جماعة. وأيضًا فإنه قصد الاحتجاج بفعلهم وتصحيح ما ذهب إليه بنقل مثله عنهم،
وقد أخبر أنه أدركهم يصلون الظهر بعشى، وإنما ذلك على معنى الإبراد فى الصيف
ووقت الحر، وسیأتی بیانه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
ويحتمل أن يكون أراد بذلك الإنكار على من أنكر تأخيرها عن وقت الزوال ممن
يرى ذلك، فأخبر أنه لم يدرك الناس إلا وهم يصلونها جماعة بعد أن يفىء الفىء
ذراعًا، وإذا فاء الفىء ذراعًا فهو أول العشى.
*
*
وقت الجمعة
١٢ - مَالِك، عَنْ عَمِّهِ أَبِى سُهَيْلٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَرَى
طِنْفِسَةٌ(١) لِعَقِيلِ بْنِ أَبِى طَالِبٍ يَوْمَ الْحُمُعَةِ تُطْرَحُ إِلَى حِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِىِّ، فَإِذَا
غَشِىَ الطّفِسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْحِدَارِ، خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَلَّى الْحُمُعَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: ثُمَّ نَرْجِعُ بَعْدَ صَلاةِ الْحُمُعَةِ فَقِيلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ.
الشرح: قول مالك بن أبى عامر: ((كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبى طالب يوم
الجمعة))، الطنافس هى البسط كلها، واحدتها طنفسة. كذلك روينا بالكسر، ووقع فى
کتابی مقيدًا طنفسة بالكسر، وطنفسة بالضم.
١١ - الحديث فى الموطأ برقم ١١.
(١) يصلون الظهر بعشى: قال فى الاستذكار: قال مالك: يريد الإبراد بالظهر. وفى النهاية
والمطالع: العشى ما بعد الزوال إلى الغروب، وقيل: إلى الصباح.
١٢ - الحديث فى الموطأ برقم ١٢.
(١) الطنفسة: يكسر الطاء والفاء وبضمها وبكسر الطاء وفتح الفاء البساط الذى له حمل رقيق
ذكره فى النهاية. وقال فى المطالع: الأفصح كسر الطاء وفتح الفاء، ويجوز ضمهما وكسرهما.
وحكى أبو حاتم فتح الطاء مع كسر الفاء. وقال أبو على القالى: بفتح الفاء لا غير وهى
بساط صغير. وقيل حصير من سعف أو دوم عرضه ذراع. وقيل: قدر الذراع. انتهى. انظر:
(تنوير الحوالك صـ ٢٢).
٢٣٤
وقوت الصلاة
وقال أبو على: الطنفسة بالفتح وعرض الطنفسة الغالب منها، والأكثر من جنسها
ذراعًا، وإنما كانت تطرح يجلس عليها عقيل بن أبى طالب ويصلى عليها الجمعة.
ويحتمل أن يكون سجوده على الحصب، وجلوسه وقيامه على الطنفسة.
وقد روى فى العتبية عن مالك أنه رأى عبدالله بن الحسن بعد أن کبر یصلى على
طنفسة فى المسجد يقوم عليها ويسجد ويضع يديه على الحصب. ومعنى ذلك أن
السجود على الطنافس مكروه عند مالك، وكذلك كل ما ليس من نبات الأرض باقيًا
على صفته الأصلية، فإنه يكره السجود عليه، إلا أن يكون من ضرورة شدة حر أو
برد، وهذا الجدار وإن كان غريبًا فليس بحقيقة الغرب؛ لأن قبلة مسجد النبى
ليست إلى وسط الجنوب وانحرافها إلى المشرق كثير، فجداره الغربى الذى يكون له
الظل قبل الزوال، ولكنه لا يمتد الذراعين ونحوهما بقدر الطنفسة إلا بعد الزوال، وإنما
يقع التحديد بذلك عند من عاين الموضع أو عرف السعة ومقدار ارتفاع الحائط. وقال
الداودى: إنما ذلك فى الشتاء لامتداد الظل وانحراف الجدار، فيكون له ظل قبل الفىء.
ويحتمل أن يكون هذا الحائط قد غُيرٌ عما كان عليه فى زمن النبى ﴿43 برفع ووضع
رف عليه، فإن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد زاد فى المسجد، وما رواه البخارى،
قال: حدثنا يحيى بن يعلى المحاربى، حدثنى أبى، قال: حدثنا إياس بن أبى سلمة بن
الأكوع، حدثنى أبى، وكان من أصحاب الشجرة، قال: كنا نصلى مع النبى ﴿4 فى
الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه، فيحتمل أن تكون الحيطان فى ذلك.
الوقت ليس لها علو ولا رف تقتضى الظل فى أول الزوال، أو يكون خبر ابن أبى
سلمة، عن حيطان معتدلة إلى الجنوب من دور المدينة وغيرها.
وروى ابن زياد عن مالك معنى ذلك أنهم كانوا ينصرفون وليس للحيطان ظل
ممدود وقد زاغت الشمس.
فصل: وقوله: ((فإذا غشى الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلى
الجمعة)). يعنى أن وقت خروج عمر بن الخطاب إلى صلاة الجمعة هو إذا غشى
الطنفسة كلها ظل الجدار على هيئته التى كان، وإن جاز أن يكون ظله قد غشى
بعضها قبل خروج عمر. وقيل: وقت الصلاة الزوال.
وقوله: ((فصلى الجمعة)). قال اللحيانى: يقال الجمعة، والجمعة يريد أنه خطب ثم
صلى، لكنه اقتصر على علم السامع بالأمر المعتاد المشروع فى ذلك.
٢٣٥٠
وقوت الصلاة
مسألة: وأما بسط الطنفسة فى المسجد، فقد روى ابن حبيب عن مالك أنه لا بأس
أن يتوقى برد الأرض والحصباء بالحصر والمصليات فى المساجد، يريد بالمصليات
الطنافس، وكره أن يجلس فيه على فراش أو يتكئ فيه على وساد، ومعنى أن الجلوس
على الفراش والاتكاء على الوساد ينافى التواضع المشروع فى المساجد، والله أعلم.
فصل: وقوله: ((ثم نرجع فنقيل قائلة الضحاء)) بفتح الضاد، والمدحر الشمس،
والضحى بالضم والقصر ارتفاعها عند طلوعها، قال ذلك أبو عبدالملك القطان. وقال
أبو على فى الممدود والمقصور: وبعض اللغويين يجعل الضحى والضحاء، مثل النعماء
والنعمى، وبعضهم يجعل الضحى من حين طلوع الشمس إلى أن يرتفع النهار وتبيض
الشمس جدًا ثم يعود بعد ذلك الضحاء إلى قريب من نصف النهار.
وبعضهم يجعل الضحى حين تطلع الشمس، والضحاء إذا ارتفعت، وإنما يعنى بذلك
فى الحديث أنهم كانوا يرجعون بعد صلاة الظهر فيدركون ما فاتهم من راحة قائلة
الضحاء بالتهجير إلى صلاة الجمعة لأن سنتها أن يهجر إليها قبل وقتها، وأن تصلى فى
أول وقتها لأن فى تعجيلها إدخال الراحة على الناس بسرعة رجوعهم إلى منازلهم.
مسألة: وأول وقت الجمعة زوال الشمس، وآخر وقتها عند ابن القاسم وأشهب
ومطرف آخر وقت الظهر على حسب انقسامه فى الضرورة والاختيار. وآخر وقتها
عند ابن عبدالحكم وابن الماجشون وأصبغ، إلى صلاة العصر.
ووجه ما قاله ابن القاسم أن الجمعة بدل من الظهر، فوجب أن يكون وقتها كوقتها.
ووجه ما قاله ابن الماجشون أن الجمعة من شرطها الجماعة، وهى مبنية على الاختيار
والفضيلة، فلا يجوز أن يؤتى بها فى وقت الضرورة، لأن ذلك يخرجها عن موضعها.
١٣- مَالِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْتِى الْمَازِنِىِّ، عَنِ ابْنِ أَبِى سَلِيطٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ
عَفّانَ صَلَّى الْحُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ وَصَلَّى الْعَصْرَ بِمَلٍ(١).
قَالَ مَالِك: وَذَلِكَ لِلْتَّهْجِيرِ وَسُرْعَةِ السَّيْرِ.
الشرح: قوله: ((أن عثمان بن عفان رضى الله عنه صلى الجمعة بالمدينة وصلى
١٣ - الحديث فى الموطأ برقم ١٣.
(١) بملل: يفتح الميم ولامين بوزن جمل موضع بين مكة والمدينة على تسعة عشر ميلا من
المدينة كذا فى النهاية. وقال بعضهم: على ثمانية عشر ميلا. وقال ابن وضاح: على اثنين
وعشرین میلا حكاهما ابن رشيق. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢٢).
وقوت الصلاة
.......
..
٢٣٦
العصر بمال))، يقتضى أنه صلى الجمعة فى أول وقتها لأنه قد علم من حال عثمان أنه
إنما صلى العصر فى وقتها المختار، ولولا ذلك لم يفد قوله تعجيل الجمعة. وقال ابن
حبيب وعيسى بن دينار: بين المدينة وملل ثمانية عشر ميلا، وفسر ذلك مالك بقوله:
((وذلك للتهجير وسرعة السير)» يعنى إدراكه صلاة العصر فى وقتها ملل.
من أدرك ركعة من الصلاة
١٤ - مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ)(١).
١٤ - أخرجه البخارى كتاب الغسل برقم ٢٥٤. وكتاب مواقيت الصلاة برقم ٥٥٦، ٥٧٩،
٥٨٠، وكتاب الجمعة برقم ١٠١٢. ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٦٠٧.
والترمذى كتاب الصلاة برقم ١٧١. والنسائى كتاب المواقيت برقم ٥١٤، ٥١٥، ٥١٧،
وكتاب المساجد برقم ٦٩٩. وأبو داود كتاب الصلاة برقم ٤١٢، ٨٩٣، ١١٢١. وابن
ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة برقم ١١٢٢. وأحمد بالمسند برقم ٧١٧٥، ٧٢٤٢،
٧٤٠٨، ٧٤٨٥، ٧٥٤٠، ٧٦٩٠، ٧٧٠٧، ٧٩٩٥، ٠٨٣٦٥ والبيهقى فى السنن الكبرى
٢٠٢/٣ كتاب الجمعة، باب من أدرك ركعة من الجمعة، عن أبى هريرة. والبغوى فى شرح
السنة ٢٤٩/٢ كتاب الصلاة، باب من أدرك شيئا من الوقت، عن أبى هريرة. وعبدالرزاق فى
المصنف ٢٨١/٢ كتاب الصلاة، باب من أدرك ركعة أو سجدة برقم ٣٣٦٩ عن أبى هريرة.
(١) قال ابن عبدالبر: لا أعلم اختلافًا فى إسناد هذا الحديث، ولا فى لفظه عند رواة الموطأ،
عن مالك. وكذلك رواه سائر أصحاب ابن شهاب،، إلا أن ابن عيينة رواه عن الزهرى، عن
أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله 8#: ((من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك)، لم
يقل: ((الصلاة)). والمعنى المراد فى ذلك واحد. وقد روى نافع بن زيد، عن ابن الهاد، عن
عبدالوهاب بن أبى بكر، عن ابن شهاب، عن أبى سلمة بن عبدالرحمن، عن أبى هريرة: أن
رسول اللـه * قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وفضلها)، وهذه لفظة لم
يقلها أحد عن ابن شهاب غير عبدالوهاب هذا، وليس بحجة على من خالفه فيها من أصحاب
ابن شهاب، على أن الليث بن سعد قد روى هذا الحديث عن ابن الهاد، عن ابن شهاب، لم
يذكر فى إستاده عبدالوهاب، ولا جاء بهذه اللفظة أعنى قوله: و((فضلها)). وقد روى عمار بن
مطر، عن مالك، عن الزهرى، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﴿: (ومن
أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ووقتها)). وهذا لم يقله عن مالك أحد غير عمار بن
مطر، وليس ممن يحتج به فيما خولف فيه.
=
٢٣٧
وقوت الصلاة
الشرح: قوله : ((فقد أدرك الصلاة))، لا يجوز أن يريد أنه قد أدرك جميعها
بالفعل، وإنما المراد أنه أدرك حكمها، مثل أن يدرك ركعة من صلاة الإمام فيكون
مدركًا لصلاة الجماعة، وإن صلى من صلاته ركعة فى الوقت فيكون مدركًا لوقتها،
وإن صلى بعض صلاته بعد وقتها، وليس ذلك أن فضيلة الإدراكين واحدة لأن من
أدرك الصلاة من أولها إلى آخرها أتم فضيلة من الذى أدرك الإمام قبل أن يرفع رأسه
من آخر ر کعة منها.
وكذلك من صلى جميع صلاته فى وقتها أتم فضيلة ممن أدرك ركعة منها فى وقتها،
إلا أنهما اتفقا فى حكم الأداء والجماعة، فإذا ثبت ذلك، فإن الإدراك فى الوقت
والجماعة يختلف، فلا يكون مدركًا للركعة فى الوقت إلا أن يدرك منها مقدار ما يكبر
فيه للإحرام، ويقرأ بعد ذلك بأم القرآن، ثم يركع فيطمئن راكعًا ثم يرفع رأسه فيطمئن
= وقد أخبرنا محمد بن عمروس، حدثنا على بن عمر الحافظ، حدثنا إبراهيم بن جماد، حدثنا
يعقوب بن إسحاق القلزمى، حدثنا أبو على الحنفى، حدثنا مالك، عن الزهرى، عن أبى
سلمة، عن أبى هريرة، عن النبى و # قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الفضل)، لم
يقله غير الحنفى، عن مالك، والله أعلم. ولم يتابع عليه، وهو أبو على بن عبيدالله بن
عبدالمجيد الحنفى.
وقال أبو عمر: أما قوله فى هذا الحديث: ((فقد أدرك الصلاة، فإنه قد اختلف فى معناه فقالت
طائفة من أهل العلم: أراد بقوله ذلك: أنه أدرك وقتها.
وحكى أبو عبدالله أحمد بن محمد بن سعد الداودى فى كتابه الموجز عن داود بن على
وأصحابه، قالوا: إذا أدرك الرجل من الظهر أو العصر ركعة وقام يصلى الركعات الثلاث فقد
أدرك الوقت فى جماعة وثوابه على الله عز وجل.
قال ابن عبدالبر: هؤلاء قوم جعلوا قول رسول اللـه 38: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك
الصلاة فى معنى قوله {8#: ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك
العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح،، فليس كما
ظنوا، لأنهما حديثان، لكل واحد منهما معنى. وقال آخرون: من أدرك ركعة من الصلاة فقد
أدرك فضل الجماعة، لأن صلاته صلاة جماعة فى فضلها وحكمها، واستدلوا من أصولهم على
ذلك بأنه لا يعيد فى جماعة من أدرك ركعة من صلاة الجماعة. وقال آخرون: معنى هذا ..
الحديث أن مدرك ركعة من الصلاة، مدرك لحكمها، وهو كمن أدرك جميعها فيما يفوته من
سهو الإمام وسجوده لسهوه، ولو أدرك الركعة مسافر من صلاة مقيم، لزمه حكم صلاة
المقيم، وكان عليه الإتمام ونحو هذا من حكم الصلاة. انظر: (التمهيد كتاب وقوت الصلاة
حدیث أول لابن شهاب عن أبى سلمة).
وقوت الصلاة
٢٣٨
قائمًا، ثم يسجد فيطمئن ساجدًا، ثم يجلس فيطمئن جالسًا، ثم يسجد فيطمئن ساجدًا،
ثم يقوم، فهذا أقل ما يكون به مدركًا لحكم الوقت. حكاه القاضى أبو محمد
عبدالوهاب.
وأما إدراكه صلاة الإمام، فهو أن يكبر لإحرامه قائمًا، ثم يمكن يديه من ركبتيه
راكعًا قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع. قاله ابن القاسم عن مالك، لأن الإمام
يحمل عنه القراءة والقيام لها ولا يحمل عنه تكبيرة الإحرام ولا القيام بسببها على ما قاله
ابن المواز، لأن الإحرام عقد الصلاة وموضع النية، فلابد له من الإتيان بما لا يحمله عنه
الإمام قبل رفع رأسه من الر کوع الذى هو تمام ر کوعها.
يبين ذلك أنه لا خلاف أن للمأموم الدخول مع الإمام ما لم يرفع، والاعتداد بما
يعمله معه من الصلاة وأنه لا يعتد بما يعمله معه إذا دخل فى الصلاة بعد الركوع،
فوجب أن يكون ذلك آخر عمل الركوع، ولذلك جاز للمأموم إذا أدرك الإمام راكعًا
وخاف أن يرفع رأسه من ركوعه قبل أن يدرك هو الصف أن يدخل فى الصلاة ويركع
ويدب بعد ذلك حتى يصل إلى الصف فثبت أن إدراك الإمام يحصل بما يخاف أن يفوت
به وهو رفع الرأس من الركوع.
١٥ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: إِذَا فَاتَّئُكَ
الرَّكْعَةُ فَقَدْ فَاتَتْكَ السَّحْدَةُ.
الشرح: قوله: ((إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة))، یعنی أنه یفوت الاعتداد .
بها، لأن إدراكها من جهة الفعل مشاهد، ولا خلاف بين الأمة أن من أدرك سجدة من
صلاة الإمام، فإنه لا يعتد بها وإنما يعتد بها إذا أدرك الركعة.
١٦ - مَالِكِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَا يَقُولانِ مَنْ أَدْرَكَ
الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ(١).
١٥ - أخرجه بمعناه أحمد ٣١٨/٢ عن أبى هريرة. وذكره الزيلعى فى نصب الراية ٢٠٠/٢ كتاب
الصلاة، وعزاه لمسلم، عن أبى هريرة.
١٦ - الحديث فى الموطأ برقم ١٦.
۔
(١) قال ابن عبد البر فى التمهيد (١٣٣/١): ذكر ابن أبى شيبة، عن يحيى بن آدم قال:
حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن هبيرة، عن على، رضى الله عنه، قال: لا يعتد بالسجود
إذا لم يدرك الركوع، قال: وحدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن أبى
الأحوص، وهبيرة، عن عبدالله قال: إذا لم يدرك الركوع فلا يعتد بالسجود.
٢٣٩٠٠
وقوت الصلاة
الشرح: قولهما: ((من أدرك الركعة، فقد أدرك السجدة))، يريد أن بإدراك
السجدة الاعتداد بها، وهذا إنما يكون فى صلاة الجماعة، فمن أدرك الركعة من صلاة
الإمام، فإنه يعتد بالسجدة التى بعدها ولا يصح مثل هذا فى الوقت، فإنه يدرك الركعة
فى الوقت من لا يدرك السجدة.
١٧ - مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةٌ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ
السَّحْدَةَ، وَمَنْ فَاتَّهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ(١).
الشرح: معنى ذلك أن من أدرك الركعة فقد أدرك الاعتداد بالسجدة وليست
فضيلة من أدرك الركعة قراءة كفضيلة من أدرك القراءة من أولها، وأشار من ذلك إلى
فضيلة حضور قراءة أم القرآن، لأنها أعظم فضيلة من قراءة الركعة.
وقد قال ابن وضاح والداودى: إن تلك الفضيلة قول المأموم: آمين، عند قول
الإمام: ولا الضالين، لما روى عن أبى هريرة أنه قال للإمام: لا تسبقنى بآمين، فثبت
بذلك أن لإدراك هذا الموضع من القراءة مزية على غيره، إلا أن ظاهر قوله هاهنا
يقتضى أن الفضيلة التى أدرك إنما هى بجميع قراءة أم القرآن لأن حضور قراءة جميعها
فضيلة، يدخل فيها فضيلة إدراك آمين وغيرها.
وفى هذا الأثر معنى آخر، وهو أن من جاء فوجد الإمام راكعًا كبر وركع ولم يقرأ.
بأم القرآن، ويتبع الإمام بعد رفع رأسه من الركوع ولذلك وصفه بأنه قد فاته قراءة أم
القرآن ولو كان من حكمه أن يقرأ بأم القرآن قبل اتباع الإمام لما وصف بفوات ذلك
كما لا يوصف بفوات تكبيرة الإحرام.
ما جاء فى دلوك الشمس وغسق الليل
١٨ - مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا.
١٧ - الحديث فى الموطأ برقم ١٧.
(١) ((فاته خيرٌ كثير)): قال ابن وضاح وغيره ذلك لموضع التأمين وما يترتب عليه من غفران ما
تقدم من ذنبه. انظر: (تنوير الحوالك صـ ٢٣).
١٨ - الحديث فى الموطأ برقم ١٨. عزاه السيوطى فى تنوير الحوالك لابن مروديه فى تفسيره من
طريق الزهرى عن سالم عن ابن عمر مرفوعًا.