Indexed OCR Text
Pages 41-60
أصح الموطآت وأشهرها قال الإمام الشنقيطى: وأشهر الموطآت ذكرا إذا كان بالصحة منها أحرى موطأ الإمام يحيى الليثى من كان فى العزم شبيه الليث فهو الذى شرحه النقاد وانتفعت بدره العباد فكلها عمـا حـواه منبئه وبلغت شروحه نحو المائه قال القاضى عياض فى المدارك: لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم؛ اعتناء الناس بالموطأ. شروح الموطأ فممن شرحه: ابن عبد البر فى التمهيد، والاستذكار، وأبو الوليد بن الصفار، وسماه الموعب. والقاضى محمد بن سليمان بن خليفة، وأبو بكر بن سابق الصقلى، وسماه المالك. وابن أبى صفرة، والقاضى أبو عبدالله بن الحاج، وأبو الوليد بن العواد، وأبو محمد بن السميد البطليوسى النحوى، وسماه المقتبس، وأبو القاسم بن الحذاء الكاتب، وأبو الحسن الأشبيلى، وابن شراحيل، وأبو عمر الطلمنكى، والقاضى أبو بكر بن العربى، وسماه القبس، وعاصم النحوى، ويحيى بن مزين وسماه المستقصية، ومحمد بن أبى زمنين، وسماه المعرب، وأبو الوليد الباجى، وله ثلاثة شروح: ((المنتقى)) وهو الكتاب الذى بين أيدينا الآن، والإيماء، والاستيفاء. ٤١ مقدمة التحقيق شرح غريبه وممن ألف فى شرح غريبه: البرقى، وأحمد بن عمران الأخفش، وأبو القاسم العثمانى المصرى. فى رجاله وممن ألف فى رجاله: القاضى أبو عبدالله بن الحذاء، وأبو عبدالله مفزع، والبرقى، وأبو عمر الطلمنكى. مسنده وألف مسند الموطأ: قاسم بن أصبغ. وأبو القاسم الجوهرى. وأبو الحسن القابسى، فى كتابه الملخص، وأبو ذر الهروى، وأبو الحسن على بن حبيب السلجماسى، والمطرز، وأحمد بن بهزاء الفارسى، والقاضى ابن مقرع، وابن الأعرابى، وأبو بكر أحمد بن سعيد بن موضح الإخميمى. شواهده: وألف القاضى إسماعيل شواهد الموطأ. اختلاف الموطآت: وألف أبو الحسن الدارقطنى كتاب اختلاف الموطآت، وكذا القاضى أبو الوليد الباجى أيضًا. وألف مسند الموطأ رواية القعنبى أبو عمرو الطليطلى، وإبراهيم بن نصر السرقسطى. ولابن جوصا جمع الموطأ من رواية ابن وهب، وابن القاسم. ولأبى الحسن بن أبى طالب كتاب موطأ الموطأ. ولأبى بكر بن ثابت الخطيب، كتاب أطراف الموطأ. ولابن عبدالبر، كتاب التقصى فى مسند حديث الموطأ، ومرسله. ولأبى عبدالله بن عيشون الطليطلى، توجيه الموطأ. ولحازم بن محمد بن جازم، السافر عن آثار الموطأ. مقدمة التحقيق .... ٤٢ ولأبى محمد بن يربوع، كتاب فى الكلام على أسانيده سماه: تاج الحلية، وسراج البغية ا.هـ. ما عليه العمل فى الموطأ صلى الله على سيدنا محمد وعلى أهله، عونك اللهم. قال أبو عمر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمرى الحافظ رضى الله عنه: الحمد لله الأول والآخر، الظاهر الباطن، القادر، القاهر، شكرًا على تفضله وهدايته، وفزعًا إلى توفيقه وكفايته، ووسيلة إلى حفظه ورعايته، ورغبة فى المزيد من كريم آلائه وجميل بلائه، وحمدًا على نعمه التى عظم خطرها عن الجزاء وجل عددها عن الإحصاء. وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء وعلى آله أجمعين وسلم تسليمًا. أما بعد، فإنى رأيت كل من قصد إلى تخريج ما فى موطأ مالك بن أنس، رحمه الله، من حديث رسول الله ﴿3﴾ قصد بزعمه إلى المسند، وأضرب عن المنقطع والمرسل، وتأملت ذلك فى كل ما انتهى إلى مما جمع فى سائر البلدان، وألف على اختلاف الأزمان، فلم أر جامعيه وقفوا عندما شرطوه، ولا سلم لهم فى ذلك ما أملوه، بل أدخلوا من المنقطع شيئا فى باب المتصل، وأتوا بالمرسل مع المسند. وكل من يتفقه منهم لمالك وينتحله، إذا سألت من شئت منهم عن مراسيل «الموطأ»، قالوا: صحاح لا يسوغ لأحد الطعن فيها، لثقة ناقليها، وأمانة مرسليها، وصدقوا فيما قالوه من ذلك، لكنها جملة ينقضها تفسيرهم بإضرابهم عن المرسل والمقطوع. وأصل مذهب مالك، رحمه الله، والذى عليه جماعة أصحابنا المالكيين: أن مرسل الثقة تجب به الحجة ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء. وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر فى جميع الأمصار - فيما علمت - على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو .... مقدمة التحقيق إجماع، على هذا جميع الفقهاء فى كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافًا. وقد أجمع المسلمون على جواز قبول الواحد السائل المستفتى لما يخبره به العالم الواحد إذا استفتاه فيما لا يعلمه، وقبول خبر الواحد العدل فيما يخبر به مثله، وقد ذكر الحجة عليهم فى ردهم أخبار الآحاد جماعة من أئمة الجماعة وعلماء المسلمين. وقد أفردت لذلك كتابا موعبًا كافيًا(١)، والحمد لله. ولأئمة فقهاء الأمصار فى إنفاذ الحكم بخبر الواحد العدل مذاهب متقاربة، بعد إجماعهم على ما ذكرت لك من قبوله وإيجاب العمل به دون القطع على مغيبه، فجملة مذهب مالك فى ذلك إيجاب العمل بمسنده ومرسله ما لم يعترضه العمل الظاهر ببلده، ولا يبالى فى ذلك من خالفه فى سائر الأمصار، ألا ترى إلى إيجابه العمل بحديث التفليس، وحديث المصراة، وحديث أبى القعيس فى لبن الفحل؟ وقد خالفه فى ذلك بالمدينة وغيرها جماعة من العلماء، وكذلك المرسل عنده سواء)، ألا تراه يرسل حديث الشفعة ويعمل به، ويرسل حديث اليمين مع الشاهد ويوجب القول به، ويرسل حديث ناقة البراء بن عازب فى جنايات المواشى ويرى العمل به، ولا يرى العمل بحديث خيار المتبايعين، ولا بنجاسة ولوغ الكلب، ولم يدر ما حقيقة ذلك كله لما اعترضهما عنده من العمل، ولتلخيص القول فى ذلك موضع غير هذا. وقالت طائفة من أصحابنا: مراسيل الثقات أولى من المسندات، واعتلوا بأن من أسند لك فقد أحالك على البحث عن أحوال من سماه لك، ومن أرسل من الأئمة حديثًا مع علمه ودينه وثقته، فقد قطع لك على صحته، وكفاك النظر. وقالت منهم طائفة أخرى: لسنا نقول: إن المرسل أولى من المسند، ولكنهما سواء فى وجوب الحجة والاستعمال، واعتلوا بأن السلف - رضوان الله عليهم - أرسلوا، ووصلوا، وأسندوا، فلم يعب واحد منهم على صاحبه شيئاً من ذلك، بل كل من (١) هو كتاب الشواهد فى إثبات خبر الواحد لابن عبد البر. .. ٤٥ مقدمة التحقيق أسند لم يخل من الإرسال، ولو لم يكن ذلك كله عندهم دينًا وحقًا، ما اعتمدوا عليه، لأنا وجدنا التابعين إذا سئلوا عن شىء من العلم، وكان عندهم فى ذلك شىء عن نبيهم ﴿﴿ أو عن أصحابه رضى الله عنهم، قالوا: قال رسول الله ﴾: كذا. وقال عمر: كذا، ولو كان ذلك لا يوجب عملاً، ولا يعد علمًا عندهم، لما قنع به العالم من نفسه، ولا رضی به منه السائل. وممن كان يذهب إلى هذا القول من أصحابنا: أبو الفرج عمرو بن محمد المالكى، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح الأبهرى، وهو قول أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى. وزعم الطبرى أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، كأنه يعنى أن الشافعى أول من أبى قبول المرسل. وقالت طائفة أخرى من أصحابنا: لسنا نقول: إن المسند الذى اتفقت جماعة أهل الفقه والأثر فى سائر الأمصار - وهم الجماعة - على قبوله والاحتجاج به واستعماله، كالمرسل الذى اختلف فى الحكم به وقبوله فى كل أحواله. بل نقول: إن للمسند مزية فضل لموضع الاتفاق، وسكون النفس إلى كثرة القائلين به، وإن كان المرسل يجب أيضا العمل به، وشبه ذلك من مذهبه بالشهود يكون بعضهم أفضل حالاً من بعض وأقعد وأتم معرفة أكثر عددًا، وإن كان البعض عدلين جائزى الشهادة، وكلا الوجهين يوجب العمل ولا يقطع العذر. وممن كان يقول هذا: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خواز بنداد البصرى المالكى. وأما أبو حنيفة وأصحابه، فإنهم يقبلون المرسل ولا يردونه إلا بما يردون به المسند من التأويل والاعتلال على أصولهم فى ذلك. وقال سائر أهل الفقه، وجماعة أصحاب الحديث فى كل الأمصار، فيما علمت: مقدمة التحقيق ٤٦ الانقطاع فى الأثر علة تمنع من وجوب العمل به، وسواء عارضه خبر متصل أم لا، وقالوا: إذا اتصل خبر وعارضه خبر منقطع لم يعرج على المنقطع مع المتصل وكان المصير إلى المتصل دونه. وحجتهم فى رد المراسيل: ما أجمع عليه العلماء من الحاجة إلى عدالة المخبر، وأنه لابد من علم ذلك، فإذا حكى التابعى عمن لم يلقه لم يكن بد من معرفة الواسطة، إذ قد صح أن التابعين، أو كثيرا منهم رووا عن الضعيف وغير الضعيف، فهذه النكتة عندهم فى رد المرسل، لأن مرسله يمكن أن يكون سمعه ممن يجوز قبول نقله، وممن لا يجوز، ولابد من معرفة عدالة الناقل، فبطل لذلك الخبر المرسل للجهل بالواسطة. قالوا: ولو جاز قبول المراسيل، لجاز قبول خبر مالك والشافعى والأوزاعى ومثلهم، إذا ذكروا خبرا عن النبى ﴾، ولو جاز ذلك فيهم، لجاز فيمن بعدهم إلى عصرنا، وبطل المعنى الذى عليه مدار الخبر. ومن حجتهم أيضا فى ذلك: أن الشهادة على الشهادة قد أجمع المسلمون أنه لا يجوز فيها إلا الاتصال والمشاهدة، فكذلك الخبر، يحتاج من الاتصال والمشاهدة إلى مثل ما تحتاج إليه الشهادة، إذ هو باب فی إيجاب الحكم واحد. هذا كله قول الشافعى وأصحابه وأهل الحديث، ولهم فى ذلك من الكلام ما يطول ذكره. وأما أصحابنا، فكلهم مذهبه فى الأصل استعمال المرسل مع المسند، كما يوجب الجميع استعمال المسند، ولا يردون بالمسند المرسل، كما لا يردون الخبرين المتصلين، ما وجدوا إلى استعمالهما سبيلا، وما ردوا به المرسل من حجة، بتأويل أو عمل مستفيض أو غير ذلك من أصولهم، فهم يردون به المسند سواء، لا فرق بينهما عندهم. قال أبو عمر: هذا أصل المذهب، ثم إنى تأملت كتب المناظرين، والمختلفين من المتفقهين، وأصحاب الأثر من أصحابنا وغيرهم، فلم أر أحدًا منهم يقنع من خصمه، إذا احتج عليه، بمرسل، ولا يقبل منه فى ذلك خبرًا مقطوعًا، وكلهم، ٤٧ مقدمة التحقيق عند تحصيل المناظرة، يطالب خصمه بالاتصال فى الإخبار. والله المستعان. وإنما ذلك، لأن التنازع إنما يكون بين من يقبل المرسل وبين من لا يقبله، فإن احتج به من یقبله علی من لا يقبله، قال له: هات حجة غيره، فإن الكلام بینی وبينك فی أصل هذا ونحن لا نقبله، وإن احتج من لا يقبله علی من یقبله، کان من حجته: كيف تحتج علىّ بما ليس حجة عندك، ونحو هذا. ولم نشاهد نحن مناظرة بين مالكى يقبله، وبين حنفى يذهب فى ذلك مذهبه، ويلزم على أصل مذهبهما فى ذلك قبول كل واحد منهما من صاحبه المرسل إذا أرسله ثقة عدل رضًا، ما لم يعترضه من الأصول ما يدفعه. وبالله التوفيق. واختلف أصحابنا وغيرهم فى خبر الواحد العدل هل يوجب العلم والعمل جميعًا، أم يوجب العمل دون العلم؟ والذى عليه أكثر أهل العلم منهم: أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعى وجمهور أهل الفقه والنظر، ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به على الله، وقطع العذر مجيئه مجيئًا لا خلاف فيه. وقال قوم كثير من أهل الأثر، وبعض أهل النظر: إنه يوجب العلم الظاهر والعمل جميعًا، منهم الحسين الكرابيسى وغيره وذكر ابن خواز بنداد أن هذا القول يخرج على مذهب مالك. قال أبو عمر: الذى نقول به: إنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهدين والأربعة سواء، وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر، وكلهم يدين بخبر الواحد العدل فى الاعتقادات، ويعادى ويوالى عليها، ويجعلها شرعًا ودينا فى معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة، ولهم فى الأحكام ما ذكرنا. وبالله توفيقنا. ولما أجمع أصحابنا على ما ذكرنا فى المسند والمرسل، واتفق سائر العلماء على ما وصفنا، رأيت أن أجمع فى كتابى هذا كل ما تضمنه موطأ مالك بن أنس رحمه الله فى رواية يحيى بن يحيى الليثى الأندلسى عنه، من حديث رسول الله مسنده، ومقطوعه، ومرسله، وكل ما يمكن إضافته إليه، صلوات الله وسلامه عليه. ٤٨ .. مقدمة التحقيق ... ورتبت ذلك مراتب قدمت فيها المتصل، ثم ما جرى مجراه مما اختلف فى اتصاله، ثم المنقطع والمرسل. وجعلته على حروف المعجم فى أسماء شيوخ مالك، رحمهم الله. ليكون أقرب للمتناول. ووصلت كل مقطوع جاء متصلاً من غير رواية مالك، وكل مرسل جاء مسندًا من غير طريقه - رحمة الله عليه - فيما بلغنى علمه، وصح بروايتى جمعه، ليرى الناظر فى كتابنا هذا موقع آثار الموطأ من الاشتهار والصحة. واعتمدت فى ذلك على نقل الأئمة، وما رواه ثقات هذه الأمة. وذكرت من معانى الآثار وأحكامها المقصودة بظاهر الخطاب ما عول على مثله الفقهاء أولو الألباب. وجلبت من أقاويل العلماء فى تأويلها، وناسخها ومنسوخها، وأحكامها ومعانيها، ما يشتفى به القارئ الطالب ويبصره، وينبه العالم ويذكره. وأتيت من الشواهد على المعانى والإسناد، بما حضرنى من الأثر ذكره، وصحبنى حفظه، مما تعظم به فائدة الكتاب. وأشرت إلى شرح ما استعجم من الألفاظ، مقتصرًا على أقاويل أهل اللغة. وذكرت فى صدر الكتاب من الأخبار الدالة على البحث عن صحة النقل، وموضع المتصل والمرسل، ومن أخبار مالك رحمه الله وموضعه من الإمامة فى علم الديانة، ومكانه من الانتقاد والتوقى فى الرواية، ومنزلة موطئه عند جميع العلماء المؤلفين منهم والمخالفين، نبذًا يستدل بها اللبيب على المراد، وتغنى المقتصر عليها عن الازدياد. وأومأت إلى ذكر بعض أحوال الرواة وأنسابهم وأسنانهم ومنازلهم. وذكرت من حفظت تاريخ وفاته منهم، معتمدًا فى ذلك كله على الاختصار، ضاربًا عن التطويل والإكثار. والله أسأله العون على ما يرضاه، ويزلف فيما قصدناه، فلم نصل إلى شىء مما ٤٩ مقدمة التحقيق ذكرناه إلا بعونه وفضله، لا شريك له، فله الحمد كثيرًا دائمًا على ما ألهمنا من العناية بخير الكتب بعد كتابه، وعلى ما وهب لنا من التمسك بسنة رسوله محمد ﴾، وما توفيقى إلا بالله، وهو حسبى ونعم الوكيل. وإنما اعتمدت على رواية يحيى بن يحيى المذكورة خاصة، لموضعه عند أهل بلدنا، من الثقة والدين والفضل والعلم والفهم، ولكثرة استعمالهم لروايته وراثة عن شيوخهم وعلمائهم، إلا أن يسقط من روايته حديث من أمهات أحاديث الأحكام أو نحوها، فأذكره من غير روايته، إن شاء الله. فكل قوم ينبغى لهم امتثال طريق سلفهم فيما سبق إليهم من الخير، وسلوك منهاجهم فيما احتملوا عليه من البر، وإن كان غيره مباحًا مرغوبًا فيه. والروايات فى مرفوعات («الموطأ)» متقاربة فى النقص والزيادة، وأما اختلاف روايته فى الإسناد والإرسال والقطع والاتصال، فأرجو أن ترى ما يكفى، ويشفى فى كتابنا هذا، مما لا يخرجنا عن شرطنا، إن شاء الله لارتباطه به؛ والله المستعان. فأما روايتنا للموطأ من طريق يحيى بن يحيى الأندلسى، رحمه الله: فحدثنا بها أبو عثمان سعيد بن نصر لفظًا منه قراءة علىّ من كتابه رحمه الله وأنا أنظر فى كتابى، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة، قالا: حدثنا محمد بن وضاح، قال: حدثنا يحيى بن يحيى عن مالك. وحدثنا به أيضًا أبو الفضل أحمد بن قاسم، قراءة منىّ عليه، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أبى دليم، ووهب بن مسرة، قالا: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يحيى عن مالك. وحدثنا به أيضًا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد؛ قراءة منىّ عليه، قال: حدثنا وهب بن مسرة، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يحيى عن مالك. وحدثنا به أيضًا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد المذكور رحمه الله قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن مطرف، وأحمد بن سعيد، قالا: حدثنا عبيدالله بن يحيى بن يحيى، قال: حدثنی ابی عن مالك. مقدمة التحقيق ٥٠ وبین روایة عبيد الله، ورواية ابن وضاح حروف قد قيدتها فى كتابى. والله أسأله حسن العون على ما يرضيه ويقرب منه، فإنما نحن به لا شريك له، وحسبنا الله، ونعم الو کیل. باب معرفة المرسل والمسند والمنقطع والمتصل والموقوف ومعنى التدليس قال أبو عمر: هذه أسماء اصطلاحية، وألقاب اتفق الجميع عليها، وأنا ذاكر فى هذا الباب معانيها، إن شاء الله. اعلم وفقك الله أنى تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت فى كتب من اشترط الصحيح فى النقل منهم، ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن؛ لا خلاف بينهم فى ذلك، إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهى: عدالة المحدثین فی أحوالهم. ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة. وأن يكونوا براء من التدليس. والإسناد المعتعن: «فلان عن فلان عن فلان عن فلان». وقد حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن، حدثنا إبراهيم بن بكر، حدثنا محمد ابن الحسين بن أحمد الأزدى الحافظ الموصلى، قال: حدثنا ابن زاكيا، قال: حدثنا أبو معمر، عن وكيع، قال: قال شعبة: فلان عن فلان ليس بحديث. قال وكيع: وقال سفیان: هو حدیث. قال أبو عمر: ثم إن شعبة انصرف عن هذا إلى قول سفيان. وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين فى تصنيفهم الصحيح قد أجمعوا على ما ذكرت لك وهو قول مالك وعامة أهل العلم والحمد لله إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس؛ فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه أيضًا خلافًا. ومن الدليل على أن ((عن)» محمولة عند أهل العلم بالحديث على الاتصال حتى يتبين الانقطاع فيها: ما حكاه أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: أنه سئل عن ٥٢ مقدمة التحقيق .. حديث المغيرة بن شعبة: أن النبى، عليه السلام، مسح أعلى الخف وأسفله، فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي، فقال عن ابن المبارك: أنه قال: عن ثور: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: وأما الوليد فزاد فيه: «عن المغيرة»، وجعله: «ثور عن رجاء»، ولم يسمعه ثور من رجاء: لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور حدثت عن رجاء. قال أبو عمر: ألا ترى أن أحمد بن حنبل رحمه الله عاب على الوليد بن مسلم قوله: ((عن؛ فى منقطع ليدخله فى الاتصال؟». فهذا بيان أن ((عن) ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير ذلك. ومثل هذا عن العلماء كثير. وسنذكر هذا الحديث بطرقه، عند ذكر حديث المغيرة بن شعبة، فى باب: ابن شهاب عن عباد بن زياد، إن شاء الله. وأما التدليس: فهو أن يحدث الرجل عن الرجل الذى قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه ممن ترضى حاله، أو لا ترضى، على أن الأغلب فى ذلك أن لو كانت حالة مرضية لذكره، وقد يكون لأنه استصغره. هذا هو التدليس عند جماعتهم، لا اختلاف بينهم فى ذلك. وسنبين معنى التدليس بالإخبار عن العلماء فى الباب بعد هذا، إن شاء الله. واختلفوا فى حديث الرجل عمن لم يلقه، مثل مالك عن سعيد بن المسيب، والثورى عن إبراهيم النخعى، وما أشبه هذا فقالت فرقة: هذا تدليس، لأنهما لو شاءا لسميا من حدثهما، كما فعلا فى الكثير مما بلغهما عنهما، قالوا: وسكوت المحدث عن ذکر من حدثه مع علمه به دلسة. قال أبو عمر: فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه، فى ٥٣ مقدمة التحقيق . قديم الدهر ولا فى حديثه اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان، فإن هذين ليس يوجد لهما شىء من هذا، لا سيما شعبة، فهو القائل: لأن أزنى أحب إلىّ من أن أدلس. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد السلام الخشنى، حدثنا بندار، حدثنا غندر، قال: سمعت شعبة يقول: ((التدليس فى الحديث أشد من الزنا)، ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلىّ من أن أدلس». وقال أبو نعيم: سمعت شعبة يقول: لأن أزنى أحب إلىّ من أن أدلس. وقال أبو وليد الطيالسى: سمعت شعبة يقول: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلىّ من أن أقول: زعم فلان ولم أسمع ذلك الحدیث منه. وقالت طائفة من أهل الحديث: ليس ما ذكرنا يجرى عليه لقب التدليس، وإنما هو إرسال، قالوا: وكما جاز أن يرسل سعيد عن النبى ﴿ وعن أبى بكر وعمر، وهو لم يسمع منهما، ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسًا، كذلك مالك عن سعيد ابن المسيب. والإرسال قد تبعث عليه أمور لا تضيره، مثل: أن يكون الرجل سمع ذلك الخبر من جماعة عن المعزى إليه الخبر، وصح عنده، ووقر فى نفسه، فأرسله عن ذلك المعزى إليه، علمًا بصحة ما أرسله. وقد يكون المرسل للحديث نسى من حدثه به وعرف المعزى إليه الحديث، فذكره عنه، فهذا أيضًا لا يضر، إذا كان أصل مذهبه ألا يأخذ إلا عن ثقة، كمالك وشعبة. أو تكون مذاكرة فربما ثقل معها الإسناد، وخف الإرسال، إما لمعرفة المخاطبين بذلك الحديث واشتهاره عندهم، أو لغير ذلك من الأسباب الكائنة فى معنى ما ذ کرناه. والأصل فى هذا الباب: اعتبار حال المحدث، فإن كان لا يأخذ إلا عن ثقة وهو فى نفسه ثقة وجب قبول حديثه مرسله ومسنده، وإن كان يأخذ عن الضعفاء، ويسامح نفسه فى ذلك، وجب التوقف عما أرسله حتى يسمى من الذى أخبره. مقدمة التحقيق ٥٤ وكذلك من عُرف بالتدليس المجتمع عليه، وكان من المسامحين فى الأخذ عن كل أحد، لم يحتج بشىء مما رواه حتى يقول: أخبرنا، أو سمعت. هذا إذا كان عدلاً ثقة فى نفسه، وإن كان ممن لا يروى إلا عن ثقة، استغنى عن توقيفه ولم يسأل عن تدليسه. وعلى ما ذكرته لك أكثر أئمة الحديث، قال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى بن معین عن التدليس فكرهه وعابه. قلت له: فيكون المدلس حجة فيما روى حتى يقول: ((حدثنا أو أخبرنا؟». فقال: لا یکون حجة فیما دلس فيه. قال يعقوب: وسألت على بن المدينى عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل: «حدثنا؟». فقال: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: ((حدثنا». قال على: والناس يحتاجون فى صحيح حديث سفيان إلى يحيى القطان. يعنى على: أن سفيان كان يدلس، وأن القطان كان يوقفه على ما سمع وما لم يسمع. وسترى فى الباب الذى بعد هذا ما يدلك على ذلك، ويكشف لك المذهب .والمراد فیه، إن شاء الله. فأما المرسل: فإن هذا الاسم أوقعوه بإجماع على حديث التابعى الكبير عن النبى ﴿﴿ مثل أن يقول عبيد الله بن عدى بن الخيار، أو أبو أمامة بن سهل بن حنيف، أو عبد الله بن عامر بن ربيعة، ومن كان مثلهم: ((قال رسول الله ﴿)) وكذلك من دون هؤلاء، مثل سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، ومن كان مثلهم. وكذلك علقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، والحسن، وابن سيرين، ........ ٥٥ مقدمة التحقيق والشعبى، وسعيد بن جبير، ومن كان مثلهم من سائر التابعين الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم. فهذا هو المرسل عند أهل العلم. ومثله أيضا، مما يجرى مجراه عند بعض أهل العلم، مرسل من دون هؤلاء، مثل حديث ابن شهاب، وقتادة، وأبى حازم، ويحيى بن سعيد، عن النبى ﴿ يسمونه مرسلاً، كمرسل كبار التابعين. ﴾ يسمى منقطعًا لأنهم لم يلقوا من وقال آخرون: حدیث هؤلاء عن النبى الصحابة إلا الواحد والاثنين، وأكثر روايتهم عن التابعين، فما ذكروه عن النبى یسمی منقطعًا. قال أبو عمر: المنقطع عندى كل ما لا يتصل سواء كان يعزى إلى النبى ﴿ أو إلى غيره. وأما المسند: فهو ما رفع إلى النبى ـّ خاصة. فالمتصل من المسند مثل: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبى ومالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبی ومالك، عن یحیی بن سعید، عن عمرة، عن عائشة، عن النبى ومالك، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، عن النبى ومالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أو أبى سلمة بن عبد الرجمن. أو الأعرج، عن أبى هريرة، عن النبى ومعمر، عن همام بن منبه، عن أبى هريرة، عن النبى وأيوب، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى ﴿﴾. وما كان مثل هذا كله. والمنقطع من المسند مثل: مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عائشة، عن النبى وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن عائشة، عن النبى وعن ابن شهاب، عن ابن عباس، عن النبی ٥٦ مقدمة التحقيق وعن ابن شهاب، عن أبى هريرة. وعن زيد بن أسلم، عن عمر بن الخطاب، عن النبى فهذا وما كان مثله مسند لأنه أسند إلى النبى ﴿®، ورفع إليه، وهو مع ذلك منقطع، لأن يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن القاسم، لم يسمعا من عائشة، وكذلك ابن شهاب لم يسمع من ابن عباس، ولا من أبى هريرة، ولا سمع زيد بن أسلم من عمر، وقد اختلف فى سماعه من ابن عمر، والصحیح عندی أنه سمع منه. وسترى ذلك فى موضعه من كتابنا هذا، إن شاء الله. وأكثر من هذا فى الانقطاع: مالك أنه بلغه، عن جابر بن عبد الله، عن النبى ﴾. وعن عائشة. وعن أنس، عن النبى ﴿1، وما كان مثله. وأما المتصل جملة، فمثل: مالك عن نافع. وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر، مرفوعًا أو موقوفًا، وكذلك أيوب عن أبى قلابة، عن أنس، مرفوعًا أو موقوفًا. وشعبة، عن قتادة، عن أنس، مرفوعًا أو موقوفًا. وشعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، مرفوعًا أو موقوفًا. ومثل منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، مرفوعًا أو موقوفًا. ومثل الأوزاعى، وهشام الدستوائى، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، مرفوعًا أو موقوفًا. والزهرى، عن أبى سلمة، عن عائشة، وأبى هريرة، مرفوعًا أو موقوفًا، وما كان مثل هذا. وإنما سمى متصلا لأن بعضهم صحت بجالسته ولقاؤه لمن بعده فى الإسناد، وصح سماعه منه. ٥٧ ........... مقدمة التحقيق والموقوف: ما وقف على الصاحب ولم يبلغ به النبى ﴿3﴾، مثل: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله. وعن الزهرى، عن سالم، عن أبيه قوله. وابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قوله، وما كان مثل هذا. والانقطاع يدخل المرفوع وغير المرفوع. ـ، متصلاً كان، أو وقد ذهب قوم إلى أن المرفوع كل ما أضيف إلى النبى مقطوعًا، وأن المسند لا يقع إلا على ما اتصل مرفوعًا إلى النبى ففرقوا بين المرفوع والمسند بأن المسند هو الذى لا يدخله انقطاع، ومما يعرف به: اتصال الرواة ولقاء بعضهم بعضًا، فلذا صار الحديث مقطوعًا، وإن كان مسندًا، لأن ظاهره يتصل إلى النبى ﴿﴾، وهو منقطع. وقال آخرون: المرفوع والمسند سواء، وهما شىء واحد، والانقطاع يدخل عليهما جميعًا والاتصال. واختلفوا فى معنى «أن» هل هى بمعنى ((عن» محمولة على الاتصال بالشرائط الذى ذكرنا حتى يتبين انقطاعها، أو هى محمولة على الانقطاع حتى يعرف صحة اتصالها؟. وذلك مثل: مالك، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب قال: ((کذا». ومثل: مالك، عن هشام بن عروة، أن أباه قال: ((كذا)». ومثل: حماد بن زيد، عن أيوب، أن الحسن قال: «كذا». فجمهور أهل العلم اتفقوا على أن ((عن)) و((أن)) سواء وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأى لفظ ورد محمولاً على الاتصال حتى تتبين فيه علة الانقطاع. مقدمة التحقيق ٥٨ وقال البرديجى: ((أن)) محمولة على الانقطاع، حتى يتبين السماع فى ذلك الخبر بعينه من طريق آخر، أو يأتى ما يدل على أنه قد شهده وسمعه. قال أبو عمر: هذا عندى لا معنى له، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابى سواء قال فيه: قال رسول الله ، أو: أن رسول الله ﴾ قال، أو: عن رسول الله ﴿ قال: أو سمعت رسول الله ﴿ كل ذلك سواء عند العلماء، والله أعلم. وأما التدليس: فمعناه عند جماعة أهل العلم بالحديث: أن يكون الرجل قد لقى شیخا من شيوخه فسمع منه أحادیث لم يسمع غیرها منه، ثم أخبره بعض أصحابه، ممن يثق به عن ذلك الشيخ، بأحاديث غير تلك التى سمع منه، فيحدث بها عن الشيخ دون أن يذكر صاحبه الذى حدثه بها، فيقول فيها: عن فلان، يعنى ذلك الشيخ. وهذا لا يجوز إلا فى الإسناد المعنعن، ولا أعلم أحدا يجيز للمحدث أن يقول: «أخبرنى، أو حدثنى، أو سمعت» من لم يخبره، ولم يحدثه، ولم يسمع منه، وإنما یقول: اکتبوا: (فلان عن فلان)، کما لو قال مالك: اكتبوا «مالك عن نافع» أو ابن عيينة يقول: اكتبوا: ((سفيان عن عمرو بن دينار))، أو الثورى، أو شعبة يقول: اكتبوا «سفيان أو شعبة عن الأعمش)»، وهو قد سمعه من رجل وثق به عن الذى حمله عنه. وهذا أخف ما يكون فى الذين لقى بعضهم بعضًا، وأخذ بعضهم عن بعض، وإذا وقع ذلك فيمن لم يلقه فهو أقبح وأسمج. وسئل یزید بن هارون عن التدليس فى الحديث فكرهه وقال: هو من التزين. باب بيان التدليس ومن يقبل نقله ويقبل مرسله وتدليسه ومن لا يقبل ذلك منه قال أبو عمر: الذى اجتمع عليه أئمة الحديث والفقه فى حال المحدث الذى يقبل نقله، ويحتج بحديثه، ويجعل سنة وحكما فى دين الله: هو أن يكون حافظًا إن حدث من حفظه، عالما بما يحيل المعانى، ضابطًا لكتابه إن حدث من كتاب يؤدى الشىء على وجهه، متيقظًا غير مغفل، وكلهم يستحب أن يؤدى الحديث بحروفه؛ لأنه أسلم له، فإن كان من أهل الفهم والمعرفة، جاز له أن يحدث بالمعنى، وإن لم يكن كذلك لم يجز له ذلك لأنه لا يدرى لعله يحيل الحلال إلى الحرام. ويحتاج، مع ما وصفنا، أن يكون ثقة فى دينه، عدلاً جائز الشهادة مرضيًا، فإذا كان كذلك، وكان سالمًا من التدلیس، کان حجة فيما نقل وحمل من أثر فی الدین. وجملة تلخيص القول فى التدليس الذى أجازه من أجازه من العلماء بالحديث، هو: أن يحدث الرجل عن شيخ قد لقيه وسمع منه، بما لم يسمع منه وسمعه من غيره عنه، فيوهم أنه سمعه من شيخه ذلك، وإنما سمعه من غيره أو من بعض أصحابه عنه، ولا يكون ذلك إلا عن ثقة، فإن دلس عن غير ثقة فهو تدليس مذموم عند جماعة أهل الحديث، وكذلك إن دلس عمن لم يسمع منه، فقد جاوز حد التدليس الذى رخص فيه من رخص من العلماء، إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه، وبالله العصمة لا شريك له. وكل حامل علم معروف العناية به، فهو عدل محمول فى أمره أبدًا على العدالة، حتى تتبين جرحته فى حاله أو فى كثرة غلطه، لقوله : ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)» (١). (١) أخرجه ابن عدى فى الكامل، عن على ١٤٥/١ وعن ابن عمر، وأبى هريرة، وأبى أمامة ٣١/٣ وأخرجه الديلمى فى الفردوس برقم ٨٨٣٢، ٩٠١٢ عن ابن عمر. وأخرجه العقيلى فى=