Indexed OCR Text

Pages 1-20

E
المَُّفَىَّ
شرح موطأ مالك
تأليف
الْقَاضِي أَبِي الَوَلِيد سُليمانِ بِنُ خَلف بن سَعد بن أيّبِ الْبَاسِي
المتوفى سنة ٤٩٤هـ
تحقيق
محمّد عَبْدِ القَّادر أحمَد عَطا
منشورات
محمد عَلى بيضوت
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

المَفَ
شرح موطأ مالك
تأليف
الْقَاضِ أبي الوليد سليمان بنُ خَلف بن سعدبن أیّب الباچِي
المتوفى سنة ٤٩٤هـ
تحقيق
محمّد عَبَد القادر أحمد عطا
الجُزء الأولكْ
منشورات
محمد عَلى بيضوت
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Copyright @
All rights reserved
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirat - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطّبعَة الأولى
١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
العنوان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
تلفون وفاكس : ٢٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٢٥ - ٦٠٢١٢٢ (١ ٩٦١) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bidg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
ISBN 2-7451-2742-X
90000>
9 782745 127426
http://www.al-limiyah.com.lb/
e-mail : sales@al-limiyah.com
info@al-ilmiyah.com

-3
32
الحمد لله الذى لا إله إلا هو، له ما فى السموات وما فى الأرض وله الحمد فى
الآخرة، وهو الحكيم الخبير، يؤتى الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى
خيرًا كثيرًا، وما يذكر إلا أولو الألباب.
أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى أكرمنا بنبی تكرم لمثله الأمم، وأهدانا لأجله من
النعم الجليلة، ما لا تكفى أعمار البشرية كلها فى شكره. وسبحانه وتعالى تكفل
إكرامًا لنبيه الهادى المصطفى ﴿﴿ بحفظ كتابه الكريم فقال عز وجل: ﴿إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون﴾، ثم زاد فى فيض رحمته وحبه لرسوله الخاتم صلوات الله
وسلامه عليه، فقيض للسنة النبوى المطهرة رجالاً كالجبال الشوامخ يعنون بجمع السنة
والبحث والتنقيب عن صحيحها، يفنون فى ذلك أعمارهم عن طيب خاطر وإخلاص
وتفان لا نظير له، على رأس تلك الجبال الشوامخ يقف إمام أهل السنة، الإمام مالك
ابن أنس رضى الله عنه، ثم زادت المنة والنعمة، فأفاض الله أخرى - وفيضه كثيرٌ لا
ينقطع - برجال حببهم فى العلم والبحث والشرح والرحلة متحملين المشاق الكبار،
آملين الأجر من الله، ومنهم إمام المالكية الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف، إمام
عصره صاحب كتاب ((المنتقى شرح موطأ مالك))، موطأ مالك ذلك الكتاب الذى قال
فيه إمامنا الشافعى محمد بن إدريس رضى الله عنه، قولته المشهورة: ما ظهر على
الأرض كتاب بعد كتاب الله، أصح من كتاب مالك.
وفى رواية: ما وضع على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن، من كتاب مالك.
وفى رواية: ما فى الأرض بعد كتاب الله، أكثر صوابًا من موطأ مالك.
وفى رواية: ما بعد كتاب الله، أنفع من الموطأ.

٤
مقدمة التحقيق
أما الإمام سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الباجى القاضى أبو الوليد:
فهو فقيه محدث إمام متقدم مشهور عالم متكلم، روى بالأندلس عن جماعة
منهم مكى وغيره وتفقه ثم رحل إلى المشرق روى فأكثر، روى عن أبى ذر
والمقرئ وأبى على الحسن بن على البغدادى سمع عليه بمدينة السلام کتاب
الإقناع فى القراءات العشرين من تأليفه، روى هناك عن جماعة فيهم كثرة منهم أبو
الطيب طاهر بن عبد الله الطبرى وأبو إسحاق الشيرازى والقاضى أبو عبد الله
الصيمرى، أقام بالحجاز مع أبى ذر ثلاثة أعوام يخدمه فيها، حج فيها أربع حجج،
ثم رحل إلى بغداد فأقام بها ثلاثة أعوام يتدارس الفقه ويكتب الحديث ، وكانت
رحلته فى سنة ست وعشرين وكانت إقامته بالمشرق نحو ثلاثة عشر عاما وكانت
أمه بنت الفقيه محمد ابن موهب وخاله أبو شاكر، ثم انصرف إلى الأندلس وقد نال
حظا وافرا من العلم وله تواليف تدل على معرفته وسعة علمه، روى عنه جماعة من
الأئمة فيهم كثرة منهم الحافظ أبو بكر الطرطوشى وأبو داود سليمان بن نجاح
مولى المؤيد بالله وأبو على الغسانى وغيرهم، وروى عنه ببغداد أبو بكر أحمد بن
على بن ثابت الخطيب قال أنشدنى أبو الوليد سليمان بن خلف الباجى الأندلسى
لنفسه:
فإن جميع حياتى كساعه
إذا کنت أعلم علما یقینا
وأجعلها فى صلاح وطاعه
فلم لا أكون ضنينا بها
توفى سنة أربع وسبعين وأربعمائة بالمرية وكان علم عصره علما وديانة.
وذكره فى شذرات الذهب فى وفيات سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وقال:
فيها: توفى أبو الوليد الباجى، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التجيبى
القرطبى(١) بالمرية فى رجب، عن إحدى وسبعين سنة. روى عن يونس بن عبد الله
(١) انظر: سير أعلام ٥٣٥/١٨ - ٥٣٦، الإكمال ٤٦٨/١، قلائد العقيان ٢١٥ - ٢١٦، الذخيرة
٩٤/١٢/٢ - ١٠٥، ترتيب المدارك ٨٠٢/٤ - ٨٠٨، الأنساب ١٩/٢ و ٢٠، الصلة ٢٠٠/١
- ٢٠٢، الخريدة ١٢ /الورقة ١٥٧، بغية الملتمس ٣٠٢ - ٣٠٣، معجم الأدباء ٢٤٦/١١ -
٢٥١، اللباب ١٠٣/١، المغرب فى حلى المغرب ٤٠٤/١ - ٤٠٥، وفيات الأعيان=

٥
...
مقدمة التحقيق
ابن مغيث، ومكى بن أبى طالب، وجاور ثلاثة أعوام، ولازم أبا ذر الهروى، وكان
يمضى معه إلى السراة.
ثم رحل إلى بغداد، وإلى دمشق. وروى عن عبد الرحمن بن الطبى وطبقته
بدمشق، وابن غيلان وطبقته ببغداد، وتفقه على أبى الطيب الطبرى وجماعة، وأخذ
الكلام بالموصل عن أبى جعفر السمنانى، وسمع الكثير، وبرع فى الحديث، والفقه،
والأصول، والنظر، ورد إلى وطنه بعد ثلاث عشرة سنة بعلم جم، مع الفقر
والقناعة، وكان يضرب ورق الذهب للغزل، ويعقد الوثائق، ثم فتحت عليه الدنيا،
وأجزلت صلاته، وولى قضاء أماكن، وصنف التصانيف الكثيرة.
قال أبو على بن سكرة: ما رأيت أحدًا على سمته وهيئته وتوقير مجلسه. قاله فى
(العبر)).
وقال ابن خلكان: كان من علماء الأندلس وحفاظها، سكن شرق الأندلس،
ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة، فأقام بمكة مع أبى ذر الهروى ثلاثة
أعوام، وحج فيها أربع حجج، ثم رحل إلى بغداد وأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه،
ويملى الحديث، ولقى بها سادة من العلماء، كأبى الطيب الطبرى، وأبى إسحاق
الشيرازى، وأقام بالموصل مع أبى جعفر السمنانى عاما يدرس عليه الفقه، وكان
مقامه بالمشرق نحو ثلاثة أعوام، وروى عن الحافظ أبى بكر الخطيب، وروى الخطيب
أيضا عنه.
وصنف كتبًا كثيرة، منها «التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخارى فى
=٤٠٨/٢ - ٤٠٩، الروض المعطار ٧٥، دول الإسلام ٦/٢، العبر ٢٨١/٣ - ٢٨٢، تذكرة
الحفاظ ١١٧٨/٣ - ١١٨٣، تتمة المختصر ٥٧٢/١ - ٥٧٣، فوات الوفيات ٦٤/٢ - ٦٥،
الوافى خ ١٢٩/١٣ - ١٣٠، مرآة الجنان ١٠٨/٣، البداية والنهاية ١٢٢/١٢ - ١٢٣، قضاة
النباهى ٩٥، الديباج المذهب ٣٧٧/١ - ٣٨٥، وفيات ابن قنفذ ٢٥٥، تبصير المنتبه ١١٧/١،
النجوم الزاهرة ١١٤/٥، طبقات الحفاظ: ٤٤٠ - ٤٤١، طبقات المفسرين للسيوطى ١٤،
طبقات المفسرين للداوودى ٢٠٢/١ - ٢٠٧، نفح الطيب ٦٧/٢ - ٨٥، كشف الظنون ١٩
- ٢٠، ٤١٩، روضات الجنات ٣٢٢، إيضاح المكنون ٤٨/١، ٧٤، هدية العارفين ٣٩٧/١،
الرسالة المستطرفة: ٢٠٧، تهذيب ابن عساكر ٢٥٠/٦ - ٢٥٢.

مقدمة التحقيق
٦
الصحيح)) وغير ذلك. وممن أخذ عنه أبو عمر بن عبد البر صاحب ((الاستيعاب))،
وبينه وبين ابن حزم الظاهرى مناظرات ومجالس. انتهى ملخصا.
وقال ابن ناصر الدين: أنكروا عليه فى إثباته قصة الحديبية الكتابة وشنعوا عليه
ذلك وقبحوا عند العامة جوابه، وقال قائلهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا
انتھی.
هذا الكتاب: ((المنتقى شرح الموطأ)) الذى لا يعلم إلا الله وحده كم اتصلت الليالى
بالأيام حتى يخرج بهذه الصورة التى لا نأمل إلا أن تكون على قدر ما للكتاب من
أهمية، وقد انتهجنا فى سبيل ذلك خطوات نوجزها فى الآتى:
١- تخريج آيات القرآن الكريم على المصحف الشريف.
٢ - تخريج الأحاديث النبوية الشريفة على كتب السنة.
٣ - تخريج آراء الإمام مالك بن أنس على أمهات المراجع الفقهية.
٤ - استعنا بنسخة مطبوعة من ((المنتقى شرح الموطأ)) طبعة دار السعادة المصرية
١٣٣٢هـ.
٥ - قمنا بشكل متن الموطأ، وضبط النص، ووضع علامات الترقيم فى جميع
الكتاب؛ حيث افتقدت النسخة المعتمدة إلى هذا رغم أهميته.
٦ - قمنا بتخريج معانى الكلمات الغريبة على القاموس المحيط.
٧ - قمنا بترقيم الأحاديث والآثار الواردة بالنص.
٨ - قمنا بالتقديم لهذا العمل الكبير بمقدمة ضافية اشتملت على ما يلى:
- الترجمة للإمام أبو الوليد سليمان بن خلف الباجى.

٧
٠٠
مقدمة التحقيق
- الترجمة للإمام مالك بن أنس وذكر كتاب الموطأ.
- ذكر الذين رووا الموطأ عن مالك.
- ذكر نسخ الموطأ.
- ذكر أصح الموطآت وأشهرها.
- ذكر شروح الموطأ.
- ذکر شرح غريبه.
- فى رجال الموطأ.
- ذكر ما عليه العمل فى الموطأ.
- باب فى معرفة المرسل والمسند والمنقطع والمتصل والموقوف ومعنى التدليس.
- باب فی بیان التدليس ومن يقبل نقله ويقبل مرسله وتدليسه ومن لا يقبل ذلك
منه.
- باب فی ذکر عیون من أخبار مالك رحمه الله وذكر فضل موطئه.
- ذكر شيوخ الإمام مالك.
غير أن هذا العمل لم يكن ليتم لولا أن قيض الله له رجلاً من أولئك الرجال
الذين عهد إليهم بحفظ هذا العلم من الاندثار، ألا وهو الأستاذ/ محمد عبد الحفيظ
بيضون ممثلاً فى دار الكتب العلمية - بيروت، والتى صارت بفضل من الله وجهد
لسنوات طوال إحدى كبريات الدور المهتمة بنشر التراث العربى فى العالم.
والله نسأل أن يجعل هذا العمل فى صالح أعمالنا، والله من وراء القصد، وهو
یهدی سواء السبيل.
محمد عبد القادر عطا

الإمام مالك بن أنس وكتاب الموطأ
منذ أقدم عصور التاريخ والناس فى لهفة إلى تتبع تاريخ عظمائهم، ومن كان له
أثر قوى فى حياتهم، ولاسيما هؤلاء الذين كان لهم شأن فى العقائد الدينية التى هى
أقوم النواحى التى يعيش عليها المجتمع الإنسانى منذ وجد الإنسان، وقد ضرب
المسلمون بسهم وافر فى ترجمة حياة أعلام المسلمين بحيث قل أن نجد فى تاريخ أمة
من الأمم هذه الثروة الطائلة التى تركها المسلمون فى فن السير والتراجم والطبقات
والمناقب إلى غير ذلك.
وربما كان الإمام مالك بن أنس رضى الله عنه من أكبر الشخصيات التى تحدث
عنها الكتاب منذ عرف فقه مالك، ومنذ روى كتابه الموطأ.
وربما كان كتابه الموطأ من أكثر الكتب التى عنى بها الناس رواية وشرحًا وتعليقًا،
ومع ذلك كله فلا تزال الكتابة عن مالك وعن كتابه قاصرة، فنحن فى حاجة إلى
بحث علمى دقيق يتحدث عن مالك من نواحيه المختلفة: عن أسرته ومكانتها فى
الجاهلية والإسلام، عن حياة مالك من حيث علاقته بالمجتمع الذى كان يعيش فيه
من الناحية السياسية والمذهبية والاقتصادية، عن شيوخ مالك وأثرهم فى آرائه ثم عن
تلاميذ مالك وانتشار مذهبه؛ وقد علمت من حسن الحظ أن أستاذنا أمين الخولى
يبحث منذ سنين عديدة عن مالك وانتشار مذهبه.
ولد مالك بن أنس سنة ثلاث وتسعين من الهجرة على أصح الأقوال، وينتهى
نسبه من جهة أبيه إلى ملوك حمير فى الجاهلية، واختلف القدماء فى حد أبيه أبى عامر
ابن عمرو، ذهب بعضهم إلى أنه صحابى شهد مع النبى جميع الغزوات إلا بدرًا،
وقال آخرون بل أسلم بعد وفاة الرسول ونتيجة هذا الخلاف نرى خلافًا فى شأن
جده، مالك بن أبى عامر، فقد ذهب بعضهم إلى أنه أول من وفد من هذه الأسرة من
اليمن إلى الحجاز، وكان من التابعين الذين لهم رواية عن الصحابة وأنه من الذين
كتبوا المصحف الشريف فى عهد عثمان، أما والد الإمام فكان مقعدًا يحترف صنعه

٩
مقدمة التحقيق .
النبل ولا يذكر له شىء فى العلم، ولا نعرف شيئًا نطمئن إليه عن أم الإمام لكثرة
اختلافات القدماء عنها وعن اسمها.
بدأ مالك يطلب العلم صغيرًا، فأخذ عن كثيرين من علماء المدينة، ولعل أشدهم
أثرًا فى تكوين عقليته العلمية التى عرف بها هو أبو بكر عبد بن يزيد المعروف بابن
هرمز المتوفى سنة ١٤٨هـ، فقد روى عن مالك أنه قال: كنت آتى ابن هرمز من
بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل، ولازمه مالك على هذا النحو سبع سنوات أو
ثمان.
ويروى الطبرى، قال: حدثنى محمد بن الحسن بن زبالة، قال: سمعت مالك بن
أنس يقول: كنت آتى ابن هرمز فيأمر الجارية فتغلق الباب وترخى الستر يذكر أول
هذا الأمة ثم یبکی حتی تخضل لحيته.
فمن ذلك نتبين مدى الصلة التى كانت بين مالك وبين شيخه ابن هرمز حتى
كان ابن هرمز يسر إليه أشياء لا يفصح بها لسواه، ونحن لا نكاد نعرف شيئًا عن ابن
هرمز، فلم نعثر له على ترجمة فى كتب الطبقات، ولا ندرى إلى أى حد أخذ عنه
مالك، فلم أجد له ذكرًا فى رجال الموطأ، ولكن ابن جرير يذكر ابن هرمز فى ثورة
محمد بن عبد الله، المعروف بالنفس الزكية، ضد أبى جعفر المنصور، فيروى قدامة بن
محمد قائلاً: خرج ابن هرمز ومحمد بن عجلان مع محمد، فلما حضر القتال تقلد كل
واحد قوسًا. قال: فظننا أنهما أرادا أن يريا الناس أنهما قد صلحا لذلك.
ولما انتهى القتال، يروى الطبرى عن عبد الله بن برق: رأيت قائدًا من قواد عیسی
جاء فى جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز فأرشدناه إليه، فخرج وعليه قميص رباط،
قال: فأنزلوا قائدهم وحملوه على برذونه وخرجوا به يزفونه حتى أدخلوه على عيسى
فما هاجه، فقال له: أيها الشيخ أما منعك فقههك عن الخروج مع من خرج، قال:
كانت فتنة شملت الناس فشملتنا فيهم قال: اذهب راشدًا.
فمن ذلك نستيطع أن نتبين ما عرف به ابن هرمز من فقه ومن أثر فى أهل بلدته
حتى تقلد القوس ليتبعه الناس، ونحن لا ندرى عما أسر به إلى مالك حتى نتبين أثره

مقدمة التحقيق
١٠
فى مالك، كما لا نستطيع أن نفترض أشياء لا تقوم على أساس ما دامت حياة ابن
هرمز مجهولة.
ومن شيوخ مالك ابن شهاب الزهرى المتوفى سنة ١٢٤ هـ، وكان من أكبر
علماء المدينة فى عصره، بل يعد من أوائل المدونين، وكان من رجال الأمويين بالشام
وتولى لهم القضاء والفتيا ورحل إلى المدينة فتزاحم عليه طلاب العلم يأخذون عنه
ومنهم مالك فقد روى له فى الموطأ مائة واثنين وثلاثين حديثًا منها اثنان وتسعون
مسندة وسائرها منقطعة ومرسلة.
ويقول الليث بن سعد فى خطاب له إلى مالك: ثم اختلف الذين كانوا بعدهم
فحضر بهم بالمدينة وغيرها ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبى عبد الرحمن،
وربيعة بن أبى عبد الرحمن المتوفى سنة ١٣٦ هـ، هو أحد شيوخ مالك، وهو الذى
قال فيه مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة.
وقال سوار بن عبد الله: ما رأيت أحدًا أعلم من ربيعة، كان مالك يحضر مجلس
ربيعة ویحدث عنه.
ويقول الليث بن سعد لمالك: وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد
عرفت وحضرت وسمعت قولك فيه حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق
مجلسه، فخطاب الليث يدل على أن مالكًا لم يكن صغيرًا عندما فارق مجلس ربيعة
الرأى إنما كان فى سن يستطيع بها أن ينكر على ربيعة بعض أقواله، وهذا لا يتأتى
إلا من رجل بلغ من النضوج الفكرى حدًا كبيرًا، كما أنه ظل يحضر مجلس ربيعة
مدة طويلة، ومع ذلك فإننا نرى فى الموطأ اثنى عشر حديثًا منها خمسة مسندة
وواحد مرسل وستة من بلاغاته رواها مالك عن ربيعة.
كذلك روى مالك عن نافع مولى عبد الله بن عمر المتوفى سنة ١٢٠ هـ، ونافع
هو الذى بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلمهم القرآن والسنة، وكان يلقب بفقيه
المدينة، لزمه مالك غلامًا نصف النهار وكان مالك يقول: كنت إذا سمعت حديث
نافع عن ابن عمر لا أبالى ألا أسمعه من أحد غيره، وأهل الحديث يقولون: رواية

١١
........
مقدمة التحقيق ..
مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة، وقد
روى له مالك فى الموطأ ثمانین حديثًا.
يذكر المؤرخون أن جعفر الصادق كان من شيوخ مالك، وجعفر أحد أئمة
الشيعة، وكان من علماء المدينة المعروفين بالعلم والدين، ويروى الشيعة عن طريقه
أحاديث كثيرة لا نجدها إلا فى الشيعة ويكفى أن نلقى نظرة إلى كتاب بحار الأنوار
للمجلسى وكتاب دعائم الإسلام للقاضى النعمان بن محمد بن حيون المغربى لندرك
إلى أى منطق تنسب إلى جعفر الصادق هذه الأحاديث الكثيرة، ولم يكتف أصحابه
بنسبة هذه الأحاديث إليه، بل نسبوا إليه كتبًا عديدة فى الصنعة الكيمياء وكتبًا
أخرى فى الفلك والرياضة وكتاب الجفر الذى نبئ عن الغيب، ولكن أكثر الباحثين
المحدثين يرون أن ما روى عن الصادق لا يزال فى حاجة إلى إثبات وتدليل.
فجعفر الصادق بين علماء المحدثين له شخصيتان، شخصية العالم الورع نراها فى
كتب أهل السنة وكتب المعتدلين من المؤرخين، وشخصية أخرى أضفاها عليه بعض
المسرفين من الشيعة، ويكفى أن نذكر أن حركة أبى الخطاب الأسدى كانت من
أشد الحركات إسرافًا فى إسباغ النعوت والصفات على جعفر الصادق.
وتذكر كتب الشيعة أن الصادق اضطر إلى التبرؤ منه ومن أتباعه وأحل قتله،
والمعروف عن جعفر أنه لم يسهم فى الحركات السياسية التى كان يقوم بها الشيعة،
ولم يقم بالدعوة لنفسه، بل كان يؤثر مسالمة أولى الأمر من الأمويين والعباسيين.
ويروى الداعى إدريس مؤرخ طائفة الإسماعيلية فى الجزء الرابع من كتاب عيون
الأخبار أن أبا مسلم الخراسانى أرسل إلى الصادق مع رسول أمين يطلب منه أن يقبل
أن تكون الدعوة له، فقرأ الصادق الرسالة ثم حرقها وأمر الرسول أن يبلغ أبا مسلم
ما رآه فهذه القصة سواء أكانت صحيحة، أم غير صحيحة فإنها تظهر لنا رغبة
الصادق عن الحكم وزهده فى الرياسة الدنيوية، فليس بغريب أن يأخذ إمام من أئمة
أهل السنة شيئًا من علم هذا الإمام الشيعى، وإذا صح ما رواه صاحب الديباج من أن
لمالك عدة كتب فى الفلك والرياضيات، فلعله أخذ ذلك عن جعفر الصادق كما أنه

١٢ ........
مقدمة التحقيق
أخرج له فى الموطأ تسعة أحاديث منها خمسة متصلة مسندة أصلها حديث واحد
وهو حديث جابر الطويل فى الحج والأربعة منقطعة.
هؤلاء هم أشهر العلماء الذين تتلمذ عليهم الإمام مالك، مع أنه لاقى كثيرين ممن
وفدوا على الحجاز للحج وروى عنهم، فلم يذكر عن مالك أنه رحل فى طلب العلم
مع أن الرحلة فى ذلك الوقت كانت من أهم مقومات العالم ولاسيما للمحدث.
وربما كان ذلك لأن الإمام كان يعتقد كما اعتقد غيره من العلماء أن العلم هو
علم المدينة، وفى ذلك يقول الليث بن سعد: وإنى بحق على الخوف على نفسى
لاعتماد من قبلى على ما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التى إليها كانت
الهجرة، وبها نزل القرآن، وأما ما ذكرت من مقام رسول الله 18 بالمدينة ونزول
القرآن بها عليه بين أصحابه وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا تبعًا لهم فيه فكما
ذكرت. فلهذا لم يأبه مالك بالرحلة العلمية ما دام العلم هو علم أهل المدينة.
وفى حياة الإمام مالك شاهد العالم الإسلامى تطورات خطيرة كان لها أثرها
القوى فى الحياة السياسية والاجتماعية والعقلية، ففى هذه السنوات نشطت دعوة
العباسيين وتطورت هذه الدعوة إلى انقلاب الحكومة فسقطت دولة بنى أمية، وتولى
العباسيون الأمر، وتتبعوا الأمويين ومن لاذ بهم قتلا وتعذيبًا، وسقوط دولة وقيام
أخرى يؤدى دائمًا إلى لون من الاضطراب بين الناس، ويوجد فيهم شيئًا من عدم
الطمأنينة ومن تبلبل الأفكار، فمنهم من يتخذ التقية فيضمر غير ما يظهر، ومنهم من
يستسلم للأمر الواقع ولا يأبه بمجرى الحوادث حوله، ومنهم من يقوم مع الحكومة
الجديدة ابتغاء التقرب والزلفى لدى أولى الأمر، ومنهم من يؤازر الحركات التى ترمى
إلى دعوة الحكومة القديمة، هذا ما نراه فى التاريخ فى كل العصور وفى كل انقلاب
يحدث، وهذا ما يحدث فى التاريخ الإسلامى عند انتقال الحكم إلى العباسيين.
على أن العباسيين لم يخشوا من أمر خشيتهم من حزب العلويين، وكان الحجاز
عامة والمدينة خاصة وكر الدعوة العلوية، وفيها كان الإمام جعفر الصادق، إمام
الشيعة على اختلاف فرقها التى عرفت بعد وفاة الصادق سنة ١٤٨ هـ، من
إسماعيلية ومباركية واثنى عشرية وغيرها، وفيها خرج محمد بن عبد الله المعروف

١٣٠
....
مقدمة التحقيق
بالنفس الزكية سنة ١٤٥هـ، وخرج معه عدد من علماء المدينة منهم ابن هرمز أحد
شيوخ مالك، أما مالك نفسه فكان مضطرًا إلى أن لا يسهم فى هذه الثورة مساهمة
إيجابية، ذلك أن المنصور العباسى أرسله مع من أرسل إلى بنى الحسن ليدفعوا إليه
محمدًا وإبراهيم ابنى عبد الله، فلما قام محمد وإبراهيم بالثورة لم يسع مالك أن
يشترك فيها وهو الذى كان رسولاً لتسلمها بالأمس، وفى الوقت نفسه كان ينقم
على المنصور جبروته وطغيانه ولهذا كان يأتيه أهل المدينة يستفتونه فى الخروج مع
محمد ويقولون: إن فى أعناقهم بيعة لأبى جعفر فيقول: إنما بايعتموه مكرهين وليس
علی مکرہ یمین.
وهذه التيارات السياسية اضطرت الإمام أن يتفطن، ولهذا وصف مالك بأنه كان
أعظم الخلق مروءة وأكثرهم صمتًا قليل الكلام محفظًا بلسانه، ومع ذلك كله لم ينج
مالك من نقمة العباسيين فجلدوه فى أمر اختلف فيه القدماء، فمنهم من قال إنه جلد
لما أفتى به فى ثورة النفس الزكية، وقيل بل لأن المنصور طلبه للقضاء فرفض، فاعتبر
المنصور أن رفضه لون من ألوان عدم التعاون مع الحاكم فأمر بضربه.
وقيل إن المنصور أمره بأن لا يروى حديث طلاق المكره فلم يخضع للأمر فعذب،
ولكن يحيى بن بكير، أحد تلاميذ مالك، قال: ما ضرب مالك إلا فى تقديمه عثمان
على علىَّ رضى الله عنهما، فسعى به الطالبیون حتى ضرب.
وأنكر القدماء قوله فقيل له: خالفت أصحابه فقال: أنا أعلم من أصحابه.
ونحن ننكر مع القدماء رأى ابن بكير فإننا لا نعرف للطالبيون نفوذًا فى عهد
المنصور، ولم نعرف أن تقديم عثمان على علىَّ بن أبى طالب رضى الله عنهما
يوجب سخط العباسيين، بل من المؤكد أن العباسيين كانوا يعمدون إلى الانتقاص من
فضائل على وتقديم غيره من الصحابة عليه.
ويكفى أن نقرأ ما كتبه أبو جعفر المنصور إلى محمد النفس الزكية لندرك إلى أى
حد عمد المنصور إلى دفع فضائل علىَّ وتفضيل غيره عليه، فقد قال: وأما ما فخرت
به من على، وسابقته فقد حضرت رسول الله ﴿ الوفاة فأمر غيره بالصلاة، ثم أخذ

١٤
مقدمة التحقيق
الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه، وكان فى السنة فتركوه كلهم دفعًا له عنها، ولم
يروا له حقًّا فيها، أما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد
بيعته وأغلق دونه بابه معاوية بعده، ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها، وتفرق أصحابه،
وشك فيه شيعته قبل الحكومة ... إلخ.
فهذه سياسة المنصور نحو على والعلويين فكيف يقبل قول الطالبيين فى مالك
لتفضيله عثمان على على؟ حقيقة نفهم من قول الليث بن سعد أنه ومالكًا كانا
يفضلان عثمان، ولم يرو مالك عن على، فلما سئل عن ذلك قال: إنه لم يكن
بالمدينة، ولكن ليس معى ذلك أنه امتحن بسبب رأيه هذا، ولذلك تنكر رواية يحيى
بن بكير، ونرجع قصة حديث طلاق المكره فهى أقرب إلى العقل، على أن العلاقة بين
مالك والعباسيين لم تلبث أن وطدت، إذ تقرب إليه العباسيين ليتخذوا منه ومن أمثاله
من العلماء سندًا وعونًا فى توطيد حكمهم، فزاره بعض الخلفاء العباسيين، وروى
المهدى العباسى عنه الموطأ، والروايات كثيرة حول مقابلات مالك وخلفاء العباسيين،
وكلها تثبت أن العباسيين عرفوا قدر هذا العالم الكبير، وأنهم أجزلوا له العطاء،
ومنحوه سلطة تقرب من سلطة حاكم المدينة فكان يأمر بحبس من يشاء أو بضرب
من يريد، وبالرغم من ذلك فلم يكن الإمام مالك من مؤيدى العباسيين فقد كان
يرى أن الحكم هو حكم عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضى الله عنهما
وكان يرجو أن يتاح للمسلمين من يحكم بحكمهما.
ومن الناحية العقلية، كان المسلمون فى جميع الأمصار قد نشطوا فى الدراسات
الدينية نشاطًا ملحوظًا، فدرسوا القرآن الكريم من نواحيه المتعددة، تفسيره وقراءاته
ومفرداته ونحوه إلى غير ذلك من ألوان الدراسات التى هى محور الثقافة الإسلامية فى
كل العصور الإسلامية.
وبجانب هذه الدراسات وجدت دراسة أخرى قوامها رواية حديث الرسول
وتتبع آثاره وسننه، فقد خرج كثير من الصحابة والسابقين الأولين إلى الجهاد فى
سبيل الله، واجتمع إليهم الناس، فكان فى كل طائفة منهم من يعلمون كتاب الله
وسنة نبيه، وإذا استفتوا فى أمر لم يذكره لهم القرآن الكريم والسنة النبوية اجتهدوا

١٥
مقدمة التحقيق
فيه برأيهم، وكثيرًا ما كان يستشار الخلفاء الراشدون فى مثل هذه الفتاوى فكان
الخلفاء يرسلون إلى الأمصار برأيهم بعد استشارة من حضر من الصحابة والسابقين.
ومع ذلك لم يسلم الأمر من اختلاف فتاوى الصحابة ثم اختلف التابعون وتابعو
التابعين وتابعوهم.
وفى ذلك يقول الليث بن سعد لمالك: ثم اختلف الذين كانوا بعدهم أى بعد
السابقين والتابعين فحضرتهم بالمدينة وغيرها، ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن
أبى عبد الرحمن، وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفت وحضرت
وسمعت قولك فيه، وقول ذوی الرأى من أهل المدينة يحيى بن سعيد وعبيد الله بن
عمر وكثير بن فرقد وغيره كثير ممن هو أسن منه، حتى اضطرك ما كرهت من ذلك
إلى فراق مجلسه، وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب على ربيعة
من ذلك فكنتما من الموافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما أكره.
وهذا الخلاف الذى ذكره الليث بن سعد لم يكن بين فقهاء المدينة فحسب بل
نراه فى جميع الأمصار التى استجابت لدعوة الإسلام، فكان مصدر ثروة عقلية لا
نكاد نجد لها مثيلا فى تاريخ الحضارات والأديان لأنها خلفت تراثًا عاش عليه
المسملون بل لا يزالون يعيشون عليه إلى الآن.
على أن هذه الدراسات الخالصة قد وجدت فى عهد مالك بن أنس تطورًا جديدًا
بدخول بعض عناصر أجنبية عن العرب والإسلام بفضل اعتناق كثير من الأعاجم
الدين الإسلامى، وهؤلاء كان لهم آراؤهم وتقاليدهم الدينية قبل الإسلام، ولهم
عاداتهم التى لم يعرفها العرب والمسلمون ثم بفضل حركة الترجمة التى بدأت فى
عصر الأمويين وآتت أكلها فى عصر العباسيين، فكثرت الأهوال والبدع، وكثرت
الفرق، وكثر بينها الجدل فنجد، فرق الشيعة والخوارج والقدرة والمرجئة والمعتزلة،
كما ظهرت فى عهد المنصور فرقة الخراسانية والرواندية والزنادقة وغيرها من فرق
الغلاة.

........
..
١٦
مقدمة التحقيق
على أن بيئة الحجاز لم تتأثر بذلك كله أثرًا كبيرًا، واستطاعت المدينة أن تحافظ
على تقاليدها التى ورثتها منذ عهد الرسول ﴿﴿، فلم تكن تميل إلى الجدال فى الدين
بل كانت إلى الحفظ والنقل أقرب، ولهذا كان الناس يفضلون الأخذ برأى المدينة،
وقد أخذ مالك نفسه بتمييز المدينة ووافقه الليث بن سعد وتلاميذ المدرسة المالكية،
وها هو ابن عبد الحكم رئيس المدرسة المالكية بمصر يقول: إذا جاوز الحديث الحرتين
ضعفت شجاعته، وكان مالك بن أنس يتجنب أصحاب الفرق وأصحاب الأهواء،
وطعن فى آرائهم.
فقد قيل إنه كان يقول إذا ذكر عنده أحد أصحاب الأهواء: قال عمر بن عبد
العزيز رضى الله عنه: سن رسول الله ﴾ وولاة الأمر بعده سننًا الأخذ بها اتباع
لكتاب الله تعالى واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله ليس لأحد بعد هؤلاء
تبديلها، ولا النظر فى شىء مما خالفها، فمن اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها
فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم
وساءت مصیرًا.
على هذا النحو كان ينظر مالك إلى أصحاب الفرق المختلفة، فالدين عنده هو
الأخذ بكتاب الله الكريم، وسنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وما قال به
الخلفاء الراشدون، وما رواه الصحابة وأهل العلم والتقى من علماء المدينة.
وهذا هو المنهج الذى رسمه مالك لنفسه، والذى يقوم عليه كتابه الموطا، ونحن
نرى هذا المنهج واضحًا كل الوضوح فى الكتاب، وأيده ما قاله ابن أبى أوس أحد
تلاميذ مالك فهو يقول: قيل لمالك: قولك فى الكتاب الأمر المجتمع عليه، والأمر
عندنا وببلدنا، وأدركت أهل العلم، وسمعت بعض أهل العلم؟.
فقال: أما أكثر ما فی الکتاب فرأیی، فلعمرى ما هو برأيى، ولكنه سماع من غير
واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المهتدى بهم الذين أخذت عنهم، وهم الذين
كانوا يتقون الله تعالى، فكثر علىَّ فقلت رأيى، وذلك رأيى إذ كان رأيهم رأى
الصحابة الذين أدركوهم عليه وأدركتهم أنا على ذلك، فهذا وراثة توارثوها قرنًا عن

١٧
...........
مقدمة التحقيق
قرن إلى زماننا، وما كان رأيًا فهو رأى جماعة ممن تقدم من الأئمة، وما كان فيه الأمر
المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه من قول أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه.
وما قلت الأمر عندنا فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام وعرفه
الجاهل والعالم، وكذلك ما قلت فيه ببلدنا وما قلت فيه بعض أهل العلم، فهو شىء
استحسنه من قول العلماء.
وأما ما لم أسمع منهم فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته حتى وقع ذلك
موقع كلامهم أو قريبًا منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم، وإن لم
أسمع ذلك بعينه فنسبت الرأى إلى القياس بعد الاجتهاد مع السنة وما مضى عليه
عمل أهل العلم المقتدى بهم، والأمر المعقول به عندنا من لدن رسول الله ﴾ والأئمة
الراشدين مع من لقيت فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيره.
فهذا المنهج الذى رضيه مالك لنفسه يدلنا على أنه كان ينقل العلم رواية، شأنه
فى ذلك شأن كل العلماء فى عصره، إلا أنه ما رواه، وفسر ما نقله فهو رواية من
ناحية، ومجتهد من ناحية أخرى، راوية للحديث النبوى الشريف، وآراء من أخذ
عنهم من المجتهدين، وما رضى به علماء أهل المدينة لأنفسهم مما أخذوه عن السلف
الصالح، وهو مقيد بنفسه بذلك كله لا يحيد عنه، ويتحرج من المجادلة فيه.
ولكنه مع ذلك كان مجتهد فى اختيار الحديث، ناقد مدقق، احتاط أشد الاحتياط
فى رواية، حتى قال الشافعى: كان مالك إذا شك فى الحديث طرحه كله، وقال ابن
أبى أويس: سمعت مالكًا يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه، لقد
أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله * عند هذه الأساطين، وأشار إلى
المسجد، فما أخذت عنهم شيئًا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينًا، إلا
أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
وبلغ به تحرجه واجتهاده معًا فى التدقيق فى المسائل التى يسأل عنها فقد روى ابن
القاسم: سمعت مالكًا يقول إنى لأفكر فى مسألة منذ بضع عشرة سنة ما اتفق لى
فيها رأى إلى الآن.

١٨
مقدمة التحقيق
وكان يقول: ربما وردت على المسألة فأسهر فيها عامة ليلتى، فهذا كله يدل على
أن مالكًا كان يفكر ويطيل التفكير، وينظر فى المسائل وينعم فيها النظر، يخاف
ويخشاه فيما يسأل عنه لأنه يتحدث فى أمر دين الله، فقد رأيناه يقول: إن هذا العلم
دين فانظروا عمن تأخذونه، فلا غرو أن رأينا القدماء أنفسهم يثقون برواية مالك
للحديث ثقة تامة، ووصفوا مالكًا بصفات الراوية الكامل، وقدموه على شيوخه
أنفسهم.
ويروى ابن عبد الحكم أن مالكًا كان يفتى مع يحيى بن سعيد وربيعة ونافع
وكانت له حلقة فى حياة نافع أكبر من حلقة نافع، فهذا اعتراف من معاصريه
أنفسهم بتفضيله على نافع مع مكانة نافع وعلو كعبه وفضله حتى لقب بفقيه المدينة،
وربما كان تفضيل معاصريه له وتسابقهم للأخذ عنه سببًا فى أن حقد عليه بعض
العلماء أمثال ابن إسحاق وابن أبي ذؤيب وغيرهما حسدًا له على ما بلغه من مكانة
فی نفوس معاصريه.
وربما حقدوا عليه لأن مالكًا كان يخالفهم ويطعن عليهم، ومع ذلك فإن هؤلاء
العلماء الذين نقدوا مالكًا لم يستطع أحدهم أن ينقد رواية من روايته للحديث
الشريف، إنما كان أكثر النقد يدور حول أمور فقهية كان يراها مالك ولم يأخذوا
هم بها، أو نقد بعض تصرفات مالك الخاصة مثل تخلفه عن صلاة الجماعة، وعدم
شهود الجنائز، أو عيادة المرضى، مع أنه كان يزور الأمراء، وذلك كله حدث فى
أواخر أيام حياته حين حلت به الشيخوخة فهذه المسائل التى وجهت إلى الإمام مالك
لا تنقص من قيمته العلمية ولا من صحة روايته، وهى أقرب ما يكون من نقد
المتنافسين بعضهم إلى بعض.
وبجانب ما امتاز به الموطأ من صحة الحديث فهو من أوائل الكتب التى دونت فى
الحديث، فنحن نعلم أن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أراد أن يدون السنن
النبوية، واستشار فى ذلك بعض الصحابة فوافقوه على ذلك، ولكنه رجع عن ذلك
خشية أن تلتبس السنة بكتاب الله الكريم، وأن الصحابة لم يكتبوا الحديث وإنما
کانوا یؤدونه حفظًا.

١٩
مقدمة التحقيق
إلا ما رواه البخارى عن أبى هريرة فى كتاب العلم حيث يقول: ما من أصحاب
النبى ﴿﴿ أكثر حديثا عنه منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا
أکتب.
وفى عهد عمر بن عبد العزيز كتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه وكان
يكتب إلى علماء المدينة خاصة يسألهم، كما أمر أبا بكر بن محمد بن حزم أن ينظر
ما كان من حديث الرسول أو سننه أو حديث عمر، فيكتبه خوفا من ذهاب الحفاظ،
فكان هذا كله ابتداء تدوين الحديث النبوى الشريف.
وورد فى تنوير الحوالك: وحدث فى أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب
الأخبار، لما انتشر العلماء فى الأمصار، وكثرة الابتداع من الخوارج والروافض
ومنکری الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعد بن أبى عروبة وغيرهما
فكانوا يصنفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فى منتصف
القرن الثانى فدونوا الأحكام، فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوى من
حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم.
فمالك رضى الله عنه كان من أوائل المدونين للحديث الصحيح، العاملين على
الحذر والاحتياط فى قبول ما يروى، المدققين الناقدين فى المتن والسند، ولذلك قال
ابن عيينة: ما رأيت أحدًا أجود أخذًا للعلم من مالك، وما كان أشد انتقاءه للرجال
والعلماء، ولعل مالكًا كان أسبق علماء الحديث فى وضع ما عرف بفن الحديث.
فإننا لا نكاد نعرف من سبقه فى نقد الرواية والتشدد فى الأخذ عن الرواة
والعلماء. وكذلك فعل فى ما رواه فى المسائل الفقهية لأن الموطأ مزيج من حديث
وتفسير وفقه وتاريخ، لأن العلوم لم تكن قد تحددت معالمها بعد، ولارتباط هذه
العلوم بعضها ببعض وتداخلها بحيث احتاجت هذه العلوم إلى وقت طويل تطورت
فيه حتى انفصل بعضها عن بعض، واتخذت معالمها المحددة التى هى عليها اليوم.
وعلى هذا النحو صنف مالك الموطأ وجمع فيه ما صح عنده من ألوان هذه العلوم
المختلفة.