Indexed OCR Text

Pages 161-180

٢ - باب ساعات الوتر
الحديث: ٩٩٦
وعن سعيد بن جبيرِ قالَ: يقضيه منَ الليلة القابلة وظاهرُ هذا أنه لا
يقضيْهِ إلا ليلا؛ لأن وقتَهُ الليلُ، فلا يُفْعَلُ بالنهارِ .
المسألةُ الثانيةُ: في وقتِ أفضلِ الوترِ .
قد كانَ كثيرٌ منَ الصحابةِ كثير (١) يوترُ من أولِ الليلِ، منهم: أبو بكرٍ
الصديقُ، وعثمانُ بن عَفانَ، وعائد(٢) بنُ عمرٍو، وأنسٌ، ورافعُ بنُ
خديجٍ، وأبو هريرةَ، وأبو ذرٍّ، وأبو الدرداء، وهؤلاء الثلاثةُ أوصاهم
النبيِّ وَّ بذلكَ، فتمسكوا بوصيتِهِ(٣).
ومنهم من كانَ يفعلُ ذلكَ خشيةً مِنْ هجومِ الموت فِي النومِ، فإنهم
كانُوا على نهايةِ من قصرِ الأملِ .
وذهبَ طائفةٌ إلى أن الوترَ قبلَ النومِ أفضلُ، وهو أحدُ الوجهين
للشافعية، وهو مقتضَى قولِ القاضي أبي يعلَى من أصحابنا في كتابهِ
((شرحِ المذهبِ)) حيثُ ذكرَ أن وقتَ الوترِ تابعٌ لوقت العشاءِ، وأنه يخرج
وقتُهُ بخروجٍ وقتِ العشاءِ المختارِ .
وقالَ أبو حفصِ البرمكيُّ من أصحابِنَا: في شهرِ رمضانَ خاصَّةً لمن
(١) لفظة (كثير)) الثانية مثبتة في ((م)) والسياق بدونها مستقيم، فلعلها مقحمة.
(٢) في ((م)): ((عابد)) وهو تصحيف، وتصويبه من ((الأوسط)) لابن المنذر (١٧٣/٥)، وانظره
في ((تهذيب الكمال)) (٩٨/١٤)، وسيأتي.
(٣) وانظر ((مصنف)) عبد الرزاق (١٤/٣ _ ١٥)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١٧٢/٥ - ١٧٣)،
وأما أحاديث الثلاثة الذين أوصاهم النبي ◌ُّله بذلك: فحديث أبي هريرة: رواه البخاري
(فتح: ١١٧٨)، ومسلم (٨٥/٧٢١).
وحديث أبي ذر: ((المسند)) (١٧٣/٥)، و((الكبرى)) للنسائي (١٣٣/٢)، وابن خزيمة
(١٤٤/٢) .
وحديث أبى الدرداء: مسلم (٨٦/٧٢٢).
١٦١

الحديث: ٩٩٦
كتاب الوتر
صلَّى التراويحَ خلفَ الإمام، فإن الأفضلَ أن لا ينصرفَ المأمومُ حتَّى
ينصرفَ إمامُهُ.
ونقل مهنّاً، عن أحمدَ أنه كانَ يوترُ قبلَ أن ينامَ، وقالَ: هو أحوطُ،
وما يدريه لعلَّه لا ينتبه وهذا يدلُّ على أن الأخذَ بالاحتياطِ أفضلُ.
وروَى شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ، عنِ ابنِ عباسٍ قالَ: النومُ على وترِ
(١)
خيرٌ(١).
وقالَ عمرُ: الأكياسُ يوترونَ أولَ (٤٨٣/ م) الليل، والأقوياءُ يوترونَ
آخرَ الليلِ(٢). خرجَهما وكيعٌ.
وقد سبقَ هذا المعنَى مرفوعًا من وجوهٍ(٣)، والكيسُ هو الحذرُ الحازمُ
المحتاطُ لنفسه، الناظرُ إلى عواقِبِ الأمورِ .
وممن كانَ يقدمُ الوترَ: ابنُ المسيبِ(٤)، والشعبي.
ءِ
وكانَ كثيرٌ منَ السلفِ يوترُ في آخرِ الليلِ، منهم: عُمرُ، وعليّ،
وابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمرَ، وَابنُ عباسٍ، وغيِّرُهُم (٥) .
وروَى وكيعٌ، عنِ الربيعِ بنِ صَبِيحٍ، عنِ ابنِ سيرينَ قَالَ: ما
يختلفونَ أن الوترَ من آخرِ اللَّيْلِ أفضلُ. واستحبَّهُ النخعيَّ، ومالكٌ،
والثوريَّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ في المشهورِ عنه، وإسحاقُ إن قويَ،
(١) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٨١)، من طريق وكيع .
(٢) رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٥/ ١٧٢).
(٣) انظر (ص ١٤٤).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٢).
(٥) أخرج هذه الآثار: ابن أبي شيبة في (مصنفه)) (٢٨٦/٢ - ٢٨٧)، وانظر ((مصنف
عبد الرزاق» (١٧/٣ - ١٩).
١٦٢

٢ - باب ساعات الوتر
الحديث: ٩٩٦
ووثقَ بنفسِهِ القيامَ من آخرِ الليلِ، فأما من ليسَ كذلكَ فالأفضلُ في حقِّه
أن يوترَ قبلَ النومٍ، ورُويَ هذا المعنَى عن عائشةَ.
واستدلوا بما خرَّجهُ مسلمٌ من حديث أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عنِ
النبيِّ وَّ قالَ: ((من خافَ أن لا يقومَ من آخرِ الليْلِ فليوترْ أوله، ومن
طمعَ أن يقومَ آخرَه فليوترْ آخرَ الليلِ؛ فإن صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودَةٌ،
وذلكَ أفضلُ)) وفي روايةٍ له: ((محضورةٌ)(١).
وخرّجهُ - أيضًا - من رواية أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عنِ النبي
بنحوه (٢) .
سَهَلَى اللّهِ
وسلم
وحمل بعضُ هؤلاء أحاديثَ الأمرِ بالوترِ قبلَ النومِ على من خافَ أن
لا يقومَ آخرَ الليلِ .
وهذا بعيدٌ جدّاً في حقِّ أولئكَ الصحابةِ الذينَ أُمروا بالوترِ قبلَ النومِ
معَ ما عُرفَ من شدة اجتهادهم وكثرة تهجدهم.
ومنهم من حمله على بيانِ الجوازِ وعدم الكراهةِ .
ومنهم من أشارَ إلى نسخهِ .
ءِ
وروى الإسماعليّ في ((مسند عليٍّ) بإسنادٍ مجهول، عن السَّديِّ،
عنِ الرَّبِيعِ بنِ خُثَيْمٍ قَالَ: خرجَ علينا عليٌّ حينَ يبلجُ(٣) الصبحُ فقالَ: إن
جبريلَ أَتَى نبيكمِ نَّله فأمرَهُ أن يوترَ أولَ الليلِ فَأَوْتَرَ كما أمرَهُ (٤٨٤/ م)
اللهُ، ثم أتاه فأمَرُهُ أن يوترَ وسطًا منَ الليلِ، فأوتَرَ كما أمرهُ اللهُ، ثم أتاهُ
(١) مسلم (١٦٢/٧٥٥).
(٢) مسلم (١٦٣/٧٥٥).
(٣) كذا في ((م))، ولعل الصواب: ((تَبَلَّج)) يعني: أشرق .
١٦٣
1

الحديث: ٩٩٦
كتاب الوتر
فأمَرَهُ أن يوترَ هذه الساعةَ، فقُبِضَ نبيَّكم وَّلَه وهو يوترُ من هذه الساعة،
أينَ السائلونَ عن الوترِ؟ نعمَ ساعةُ الوترِ .
وحديثُ عائشةَ: ((إنه انتهَى وترُهُ إلى السحر)) قد يشعرُ بذلكَ، وأنه
تركَ الوتر من أولِ الليلِ، ووسطِهِ، واستقرَّ عملُهُ على الوترِ من آخرِهِ،
وإنما كانَ ينتقلُ منَ الفاضلِ إلى الأفضلِ .
وعلى هذا، فهلِ الأفضلُ الوترُ إذا خشيَ طلوعَ الفجرِ كما دلَّ عليه
حديثُ ابن عمرً (١)؟ وكانَ ابنُ عمرَ يفعلُ ذلكَ، ويوترُ منَ السحرِ .
قالَ الثوريَّ: كانوا يحبونَ أن يؤخرُوا الوترَ إلى آخرِ الليلِ وقد بقيَ
عليهم منَ الليلِ شيءٍ (٢)
.
وقالَ إسحاقُ: كانوا يستحبونَ(٣) أن يوترُوا آخرَ الليلِ، وأن يوترُوا
وقد بقيَ منَ الليلِ نحوٌ مما ذهبَ منه من صلاة المغرب، واستدلَّ بقول
عائشةَ: ((فانتهَى وترُهُ إلى السحرِ)). نقلَهُ عنه حربٌ.
وروى وكيعٌ في ((كتابِهِ))، عنِ الأعمشِ، عن إبراهيم(٤) أنه باتَ عندَ
عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، فسُئِلَ: أي ساعةٍ أوتَر؟ قالَ: إذا بقيَ من الليلِ مثلُ
ما مضى إلى صلاةِ المغربِ .
و م
وعن سفيانَ، عن عاصمٍ بنِ كليبٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عباسٍ نحوه.
(١) مسلم (٧٤٩).
(٢) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (١٧٣/٥).
(٣) في ((م)): ((كايستحبون))، والمثبت هو الصواب.
(٤) إبراهيم لم يدرك ابن مسعود، وبينهما رجل، ولعله علقمة؛ فقد أخرجه ابن أبي شيبة
(٢٨٦/٢ - ٢٨٧) عن أبي إسحاق، عن علقمة نحوه.
١٦٤

٢ - باب ساعات الوتر
الحديث: ٩٩٦
ومعنى ذلكَ: أنه يوترُ وقد بقيَ منَ الليلِ قبلَ طلوعِ الفجرِ مقدارُ ما
يصلِّي فيه صلاةَ المغربِ بعدَ دخولِ الليل وغروبِ الشمسِ، والمرادُ: أنه
لا يوترُ إلا في ليلِ محققٍ بقاؤه، وهو معنَى قولِ النخعيِّ: ((الوترُ بليلٍ،
والسحورُ بليلٍ))(١) فجعل وقتَهُ كوقتِ السحورِ؛ بل أشدَّ، فإنه قالَ: لأن
ء
يدركني الفجرُ وأنا أتسحرُ أحبُّ إليَّ من أن يدركني وأنا أوترُ.
وكانَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ يرخصُ في تأخيرِ الوترِ حتَّى ينشقَّ الفجرُ،
وربما رُويَ عنه أنه أفضلُ(٢).
وقد سبقَ عن طائفةٍ منَ السلفِ نحوُهُ، وهؤلاء منهم من (٤٨٩/ م)
رخصَ (٣) في تأخيرِ السحورِ - أيضًا - كما يأتي في موضعه إن شاءَ اللهُ
سبحانه وتعالى.
ولأصحابنا وجهٌ شاذٌّ: أن الوترَ في الليلِ كلِّه سواءٌ في الفضلِ .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢٨٨/٢).
(٢) راجع («الأوسط)) (١٧٣/٥).
(٣) تقدمت الورقة (٤٨٩/ م) مكان الورقة (٤٨٥/م)، وترقيم المخطوط على الجادة، وأثبتنا
ترقيم المخطوط .
١٦٥

الحديث: ٩٩٧
كتاب الوتر
٣ - بَابُ
في (١) إِقَاظِ النَِّّ ◌َ أَهْلَهُ بِالْوِثْرِ(٢)
٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: نَا يَحْيَى: نَا هِشَامٌ: نَا(٣) أَبي، عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ:
كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصَلِّي وَأَنَا رَقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشَهِ، فَإِذَا أَرَّادَ أَنْ يُوتِرَ
أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ.
قد سبقَ هذا الحديثُ بهذا الإسنادٍ بعينه في باب ((الصلاة خلفَ
النائم)» (٤).
وقد دلَّ هذا الحديثُ على إيقاظِ النائمِ بينَ يديِ المصلِّ؛ لكن هل
كانَ إيقاظُهَا لتوترَ أو لتنحَّى عن قبلتِهِ في الوترِ؟ قد وردت أحاديثُ تدلُّ
على الثاني قد سبقَ ذكرُها في بابِ ((مَّنْ قالَ: لَا يَقطعُ الصلاةَ شيءٌ)(٥).
وروى الأعمشُ، عن تميمٍ بنِ سلمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ قالتْ:
كانَ النّبِيِّ نَّهَ يَصلِّي مِنَ الليْلِ، فإذا انصرفَ قالَ لي: ((قومِي فأوترِي)).
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ(٦) .
فإن كانَ إيقاظُهَا للإيتارِ استدلَّ به على إيقاظِ النائمِ للصلاة؛ لا سيما
إذا تضايقَ وقتها، فإن إيتارَ النبيِّ وَّر استقرَّ في آخرِ عمرِهِ على أنه كانَ
في السحرِ - كما سبقَ في البابِ الماضِي.
(١) ((في)) ليست في ((اليونينية))، وكذا القسطلاني.
(٣) في ((اليونينية)) والقسطلاني: ((حدثني)).
(٥) الباب (١٠٥) من ((أبواب الصلاة)).
(٢) في رواية الكشمهيني: (للوتر)).
(٤) حديث (٥١٢).
(٦) (٦ / ١٥٢، ٢٠٥) .
١٦٦

٣ - باب في إيقاظ النبي ◌َّ أهله بالوتر
الحديث: ٩٩٧
وقد كانَ النبيُّ نَّهَ يوقظُ أهلَهُ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ للصلاة
بالليلِ والذكرِ والدعاءِ، ففي سائر السَّنَةِ كانَ إيقاظُهُ لهم للوترِ خاصةً؛
فإنه من أكدِ السننِ الرواتبِ .
وإن كانَ إيقاظُهَا لتتنحَّى عن قبلتِهِ في الوترِ استدلَّ به على الرخصة
في الصلاة (١) (٤٨٥/ م) إلى النائمٍ في النفلِ المطلقِ دونَ النفلِ المعينِ
المؤكد، فالفرضُ أولَى، وقد أشارَ إليه الإمامُ أحمدُ - كما سبقَ ذكرُهُ في
موضعه .
وعلى التقديرين، فيستدلُّ به على أن من له من يوقظُهُ للوترِ في آخرِ
الليلِ لا يكره له أن ينامَ قبلَ أن يوترَ، ولو كانَ امرأةً أو صبيّا ممن يغلبُ
عليه النومُ؛ فإن قولها: ((فأوترت)) يدلُّ على أنها كانت تؤخرُ الوترَ إلى
ذلكَ الوقت وتنامُ قبلَهُ (٢) (٤٨٩/ م) .
(١) أشار في ((م)) بعد قوله: ((في الصلاة)) بعلامة لحق، وكتب في ((الهامش: ((من هنا تقرأ
الورقة الملحقة)) يعني (٤٨٥/م)، وتكرر قوله: ((في الصلاة)) في (٤٨٩/م)، و(٤٨٥/م).
(٢) انتهت الورقة الملحقة (٤٨٥/ م) ونعود إلى الورقة (٤٨٩/ م) وبعد انتهائها نرجع إلى بقية
(٤٨٥/م) ويستمر الترتيب سليمًا بعد ذلك.
١٦٧

الحديث: ٩٩٨
كتاب الوتر
٤ - بَابٌ
لِيَجْعَلْ آخرَ صَلاته وتْرًا
٠٠
٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: نَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ، عَنْ عُبَيَدِ اللهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َ قَالَ: ((اجْعَلُوا آَخَرَ صَلَائِكُمْ بِاللَّيْلِ
وتْرًا)).
وخرَّجَهُ مسلمٌ(١)، وخرَّجَ - أيضًا (٢) - من حديثِ الأسودِ، عن عائشةً
أن النبيَّ بََّ كانَ يصلِّي منَ الليلِ حَتَّى تكونَ آخرُ صلاتِهِ الوترَ. وخرَّجهُ
أبو داودَ مطولا؛ جعلَ الوترَ آخرَ صلاةِ الليلِ(٣).
يستفادُ منه فوائدُ عديدةٌ، فمنها: تأخيرُ الوترِ إلى آخرِ الليلِ؛ فإن
صلاةَ وسطِ الليلِ وآخرِ الليلِ أفضلُ من صلاةٍ أولِهِ، فتأخيرُ الوترِ يتسعُ
به وقتُ الصلاةِ في وسطِ الليلِ وآخرِهِ.
ومنها: أنه لا ينبغي التنفلُ في الليلِ بوترٍ غيرِ الوترِ الذي يقطعُ عليه
صلاةَ الليلِ، كما لا ينبغي التنفلُ في النهارِ (٤٨٦/ م) بوترِ - أيضًا - حتى
رؤُ
تكونَ صلاةُ المغرب وترَهَ.
فروَى الإمامُ أحمدُ: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ: أنا هشامٌ، عن محمدٍ - هو
ابنُ سيرينَ -، عنِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النبيِّ نَّمَ قالَ: ((صلاةُ المغرب وترُ
النهارِ، فأوتروا صلاةَ الليلِ)) (٤).
(١) (٧٤٩ / ١٤٨).
(٣) أبو داود (١٣٤٢).
(٢) مسلم (٧٤٠).
(٤) ((المسند)) (٣٠/٢، ٤١).
١٦٨

٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترأ
الحديث: ٩٩٨
قالَ الدار قطنيُّ: رواه أيوبُ، عن نافعٍ، وابن سيرينَ، عنِ ابنِ عُمرَ
موقوفًا .
ورواه مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عمرَ موقوفًا .
ورفعَهُ بعضُهُم عن مالك(١).
وهذا قد يستدلّ به على جوازِ الوترِ بعدَ طلوعِ الفجرِ، ويكونُ إيتارًا
الصلاة اللَّيلِ، وإن كانَ بعدَ خروجِ اللَّيْلِ كما يوترُ صلاةَ النهارِ بالمغربِ،
وإنما يفعلُ بعدَ خروجِ النهارِ، فهذا يدلُّ على أن لا وترَ لصلاةِ النهارِ غيرَ
صلاة المغربِ، ولا وترَ لصلاةِ اللَّيْلِ غيرَ الوترِ المأمور به، فمن تطوعَ في
ليلٍ أو نهارٍ بوترِ غيرِ ذلكَ فقد زالَ إيتارُهُ لصلاته، وصارت صلاتَهُ
شفعًا .
وفي صحةِ التطوعِ بشفعٍ(٢) في الليلِ والنهارِ عن أحمدَ روايتانِ.
والصحةُ قولُ الشافعيِّ، وعدمُ الصحةِ قولُ أبي حنيفةَ.
وقد ذكرنا ما يستدلُّ به للمنعِ.
واستدلَّ الشافعيُّ ومن وافقَهُ بأن عُمرَ دخلَ المسجدَ فصلَّى ركعةً، ثم
قالَ: هو تطوعٌ، فمن شاءَ زادَ، ومن شاءَ نَقصَ.
وقد يُعارضُ ذلكَ بالحديثِ (٤٨٧/ م) المرفوع والموقوف: ((صلاةٌ
الليلِ والنهارِ مثنَى مثنَى))(٣)، واستدلوا - أيضًا - بأن جماعةً نقضُوا وترَهُم
(١) ((العلل)) للدار قطني (٤ / ق٧٣ - ب).
(٢) كذا في ((م))، والصواب: ((بوتر))، والله أعلم.
(٣) توسعنا في تخريج هذا الحديث في أول ((أبواب الوتر)).
١٦٩

الحديث: ٩٩٨
كتاب الوتر
بركعة .
ء
وهذا استدلالٌ مردودٌ لوجهين، أحدُهُمَا: أنه قد أنكرَهُ عليهم غيرُهُم
منَ الصحابةِ، والثاني: أنهم إنما نقضُوهُ لتصيرَ صلاتُهُم شفعًا، ثم
یوترونَ .
ومن تطوعَ بركعةٍ في الليلِ من غيرِ نقضٍ، ثم أوترَ لم يبقَ لوترِهِ
فائدةٌ؛ فإنه صارَ وترُهُ شفعًا .
ونحنُ نذكرُ هاهنا مسألةَ نقضِ الوترِ - وهي إذا أوترَ الإنسانُ منَ
الليلِ، ثم أرادَ أن يصلِّيَ.
فقالَ كثيرٌ منَ الصحابة: يصلِّي ركعةً واحدةً فيصيرُ بها وترُهُ الماضي
شفعًا، ثم يصلِّي ما أرادَ، ثم يوترُ في آخرِ صلاتِهِ، وهؤلاء أخذُوا
بقوله: ((اجعلُوا آخرَ صلاتكُم وترًا)).
ولهذا روَى ابن عمرَ هذا الحديثَ وهو كانَ ينقضُ وترَهُ، فدلَّ على
أنه فهمهُ منه، ورُويَ عن أسامةَ بنِ زيدٍ(١)، وغيرٍ واحدٍ من الصحابةِ
حتى قالَ أحمدُ: ورُويَ ذلكَ عن اثنَيْ عشرَ رجلاً منَ الصحابةِ .
وممن رُويَ ذلكَ عنه منهم: عُمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وسعدٌ، وابنُ
مسعودٍ، وابنُ عباسٍ في روايةٍ، وهو قولُ: عَمرِو بنِ ميمونٍ، وابنِ
و و
سيرينَ، وعروةَ، ومكحول(٢)، وأحمدَ في رواية اختارها أبو بكرٍ وغيره -
(١) حكاه عنه أبو مجلز قال: ((إن أسامة بن زيد وابن عباس قالا: إذا أوترت من أول الليل
ثم قمت تصلي فصل ما بدا لك واشفع بركعة ثم أوتر)) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))
(٢/ ٢٨٤).
(٢) راجع هذه الآثار في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٨٤/٢)، و((مصنف عبد الرزاق)) (٣/ =
١٧٠

٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترأ
الحديث: ٩٩٨
قالَ ابنُ أبي موسَى: هي الأظهرُ عنه - وقولُ (٤٨٨/ م) إسحاقَ، قالَ
إسحاقُ(١): وإن لم يفعل ذلكَ لم يكن قد عملَ بقولِ النبيِّ وَجّ:
((اجعلوا آخرَ صلاتِكُم بالليلِ وترًا)). وهو - أيضًا - وجهٌ للشافعية.
وردَّ بعضُهُمْ هذَا القولَ بقولِ النبيِّ بَّ: ((لا وترانِ في ليلةٍ)).
خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، والترمذيُّ، وابنُ حبانَ
في ((صحيحِهِ)) عن قيسِ بنِ طلقٍ، عن أبيهِ، عنِ النبيِّ ◌َِِّ، وحسَّنَهُ
الترمذي
وقالوا: هذا يؤدِّي إلى ثلاثةِ أوتارٍ، فيكون منهيا عنهُ.
وقالَ الأكثرونَ: لا ينقضُ وترَه؛ بل يصلِّي مثنَى مثنَى. وهو قولُ ابنِ
عباسٍ في المشهورِ عنه، وأبي هريرةَ، وعائشةَ، وعمارٍ، وعائذِ بنِ
عَمرِو(٣)، وطلقِ بنِ عليٍّ، ورافع (٤) بنِ خَديجٍ، ورُويَ عن سعدٍ (٥)،
= ٢٩ - ٣٠)، وراجع (الأوسط)) لابن المنذر (١٩٦/٥ - ١٩٨).
(١) انظر («الأوسط)) (١٩٦/٥) ذكره عنه مختصراً.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٢٣/٤)، وأبو داود (١٤٣٩)، والنسائي (٢٢٩/٣)، والترمذي
(٤٧٠)، وابن حبان (الإحسان: ٢٠١/٦ - ٢٠٢).
وانظر ((علل الرازي)) (١٩٣/١).
(٣) كتب في هامش ((م): ((قول: عائذ بن عمر خرجه خ في ((المغازي))، وكان من أصحابه
الشجرة، رضي الله عنهم أجمعين)) انتهى.
كذا قال: ((ابن عمر))، والصواب: ((ابن عمرو))، وكذا قال: ((أصحابه))، والحديث فى
البخاري (٤١٧٦ - فتح).
(٤) في ((م)): ((وارفع)) .
(٥) انظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٨٤/٢)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١٩٩/٥ - ٢٠٠).
١٧١

الحديث: ٩٩٨
كتاب الوتر
ورواه ابنُ الُسيبِ، عن أبي بكرِ الصديقِ، وفي رواية عنه: أن الصديقَ
ذكر ذَلكَ للنبيِّ وََّ فأقرَّهُ عليهِ ولم ينكره. خرجه حربٌ الكرمانيّ.
ورواه خِلاسٌ، عن عثمانَ - ولم يسمع منه(١) - وهو قولُ علقمةَ،
وطاوسٍ، وسعيدِ من جُبيرٍ، وأبي مِجْلَزٍ، والشعبيِّ، والنخعيِّ، والأوزاعيِّ،
والثوريِّ، ومالك، وابن المبارك، والشافعيِّ (٤٩٠/ م)، وأحمد في رواية
عنه، وصححَهَا بعضُ أصحابنا واستدلُّوا بحديثٍ: ((لا وترانَ في ليلةٍ)) -
وقد تقدمَ -، وبقولِ النبيِّ وَّ ((إذا قامَ أحدُكُم مِنَ الليلِ يصلِّي فليفتتحِ
صلاتَهُ بركعتين خفيفتين)) خرَّجهُ مسلمٌ (٢) من حديث أبي هريرة وهو عامٌّ
فيمن كانَ أوتَر قبلَ ذلك، ومن لم يوتر، واستدلّوا - أيضًا - بأنَّ النبيَّ
وَلِ كانَ يصلِّي ركعتينِ بعد وترِهِ(٣) - وسنذكره إن شاءَ اللهُ سبحانَهُ
وتعالَى - وبأن النقضَ يقضي (٤) إلى التطوعِ بالأوتارِ المعددةِ، وهو مكروهٌ
أو محظورٌ، وقد رُويَ عن عائشةَ أنها قالت: ذاكَ يلعبُ بوتره(٥). قالَ
أحمدُ: كرهته عائشةُ، وأنا أكرهُهُ (٦). وعن أحمدَ: أنه مُخَيَّرٌ بينَ
الأمرينِ؛ لأنهما جميعًا مرويانِ عنِ الصحابةِ .
وقد رُويَ عن عليٍّ أنه خيَّرَ بينَ الأمرينِ. خرَّجُهُ الشافعيُّ بإسنادِ عنه
فيه ضعيفٌ(٧) .
(١) انظر ((سؤلات الحاكم للدارقطني)) (ص: ٢٠٣).
(٤) كذا في ((م))، والصواب: ((يفضي)).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٨٥/٢).
(٢) (٧٦٨).
(٣) أخرجه مسلم (٧٣٨).
(٦) انظر ((المسائل)) لعبد الله (ص٩٢).
(٧) أخرجه الشافعي في ((المسند)) (١٩٥/١ - ترتيبه)، والضعيف الذي في الرواية لعله يقصد
((أبو هارون الغنوي)) واسمه إبراهيم بن العلاء، وقد اختلفوا فيه؛ فوثقه جماعة كما في
((تعجيل المنفعة)) (ص: ٥٢٣)، وضعفه الساجي، وذكر أن القطان وابن مهدي لم يدويا
عنه. ((الكامل)) (٢٠٩/١).
١٧٢

٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترأ
الحديث: ٩٩٨
وخرَّجَ الطبرانيُّ: نا مقدامُ بنُ داودَ: نا عبدُ الله بنُ يوسفَ: نا ابنُ
لهيعةَ، عن عياشِ بنِ عباسِ القتبانيِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: كانَ
رسولُ اللهِ وَلَه يصلِّي العتمةَ، ثم يصلِّي في المسجدِ قبلَ أن يرجعَ إلى
بيتِهِ سَبَع ركعاتٍ يسلمُ في الأربعِ في كلِّ ثنتينٍ، ويوترُ بثلاثٍ يتشهدُ في
الأوليينِ من الوترِ تشهده في التسليم، ويوترُ بالمعوذاتِ، فإذا رجعَ إلى
بيته صلَّى ركعتين ويرقدُ، فإذا انتبهَ من نومه صلَّى ركعتين))(١)، وذكرت
الحديثَ، ولم تذكرْ أنه أوترَ في آخرِ الليْلِ .
وهو غريبٌ جدّاً، ومنكرٌ مخالفٌ جميعَ الروايات الصحيحةِ عن
عائشةً.
ومقدامُ بن داودَ من فقهاءِ مصرَ، ولم يكن في الحديث محمودًا، قالَ
ابن يونسَ: تكلموا فيهِ، وقالَ النسائيُّ: ليسَ بثقةٍ(٢).
ويتصلُ بهذا: الكلامُ على حكمِ الصلاة بعدَ الوترِ (٤٩١/ م) وقد
كرهَهُ طائفةٌ منَ السلفِ، ومستندُهم: قولُ النبيِّ وَِّ: ((اجعلُوا آخرَ
صلاتِكُم بالليلِ وترًا)) وما أشبهه .
وروَى عطيةُ العوفيّ، عن أبي سعيد الخدريِّ أنه كرهَ الصلاةَ بعدَ
الوترِ .
وكانَ أبو مجلزٍ لا يصلِّ بعدَ الوترِ إلا ركعتينِ.
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٨٩٥٩) وقال الطبراني: ((لم يرو هذا الحديث عن عياش
ابن عباس إلا ابن لهيعة)).
(٢) راجع ترجمته فى ((اللسان)) (٨٤/٦ - ٨٥).
١٧٣

الحديث: ٩٩٨
كتاب الوتر
وقالَ قيسُ بنُ عبادٍ: إذا أوترتَ ثم قمتَ فاقرأ، وأنتَ جالسٌ(١).
وظاهرُ هذا: أنه يقرأُ من غيرِ صلاةٍ.
وأما الأكثرونَ: فلم يكرهوا الصلاةَ بعدَ الوترِ؛ ولكن اختلفُوا في
بعضه - كما سبقَ. ومذهب مالك: إذا أوترَ في المسجدِ، ثم أرادَ أن
يتنفلَ بعدَهُ يتربص قليلا، وإن انصرفَ بعدَ وترِهِ إِلى بيتِهِ. تنفلَ ما
أَحَبَّ. نقله في ((تهذيبِ المدونةِ))(٢).
واستحبَّ أحمدُ أن يكونَ بينَ وترِهِ وبينَ صلاتِهِ بعدَ الوترِ فصلٌ. قالَ
حربٌ: قلتُ لأحمدَ: الرجلُ يوترُ ثم يصلِّي بعدَ ذلكَ. قالَ: لا بأسَ
به، يصلِّي مثنى مثنى. قالَ: وأحبُّ أن يكونَ بينهما ضجعةٌ أو نومٌ أو
عملٌ أو شيءٌ. قلتُ: ضجعةٌ من غيرِ نومٍ؟ فما أدري ما قالَ.
وروى المروذيُّ، عن أحمدَ في الرجلِ يصلِّي شهرَ رمضانَ يقومُ فيوترُ
بهم وهو يريدُ يصلِّي بقومٍ آخرينَ: يشتغلُ بينهما بشيءٍ يأكلُ أو يشربُ
أو يجلسُ.
قالَ أبو حفص البرمكيُّ: وذلكَ لأنه يكره أن يوصلَ بوترِهِ صلاةً،
ويشتغلَ بينهما بشيءٍ ليكون فصلا بين وترِهِ وبينَ الصلاةِ الثانيةِ، وهذا إذا
كانَ يصلّي بهم في موضعِهِ.
فأما إن كانَ في موضع آخرَ فذهابُه فصلٌ، ولا يعيدُ الوترَ ثانيةً؛ لأنه
لا وترانَ في ليلةٍ. انتهى.
(١) ابن أبي شيبة (٢٨٣/٢)، وعبد الرزاق (٣٢/٣).
(٢) انظر ((المدونة)) (١ / ٩٧).
١٧٤

٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترأ
الحديث: ٩٩٨
والمنصوصُ عن أحمدَ خلافُ ذلكَ. قالَ في روايةٍ صالحٍ - في رجلٍ
أوترَ معَ الإمامِ، ثمَّ دخلَ بيتَهُ -: يعجبني أن يكونَ بعدَ ضجعة، أو
حديثٍ طويلٍ .
واختلفت الروايةُ عن أحمدَ في التعقيبِ في رمضانَ - وهو أن يقوموا
في جماعةٍ في المسجدِ، ثم يخرجونَ منه، ثم يعودونَ (٤٩٢/ م) إليه
فيصلونَ جماعةً في آخرِ الليلِ - وبهذا فسرَه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ
جعفرٍ، وغيرُهُ من أصحابنا. فنقلَ المروذيُّ وغيرُهُ عنه: لا بأسَ به. وقد
رُويَ عن أنسٍ فيه. ونقلَ عنه ابنُ الحكمِ قالَ: أكرهه، أنسٌ يُروَى عنه
رو
أنه کرهه.
ويُروَى عن أبي مجلزِ وغيرِه أنهم كرهوه، ولكن يؤخرون القيامَ إلى
آخرِ الليلِ كما قالَ عمرُ.
قالَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: قولُ محمدِ بنِ الحكمِ قولٌ له قديمٌ،
والعملُ على ما روَى الجماعةُ أنه لا بأسَ به. انتهى.
وقالَ الثوريُّ: التعقيبُ مُحْدَثٌ .
ومن أصحابنا من جزَم بكراهته، إلا أن يكونَ بعد رقدة أو يؤخروه
إلى بعدِ نصفِ الليلِ، وشرطُوا أن يكونَ قد أوترُوا جماعةً في قيامِهِم
و
الأول، وهذا قولُ ابنِ حامدٍ، والقاضي وأصحابِه. ولم يشترط أحمد
ذلكَ.
وأكثرُ الفقهاء على أن لا يكره بحال. وكرَه الحسنُ أن يأمرَ الإمامُ
الناسَ بالتعقيب لما فيه من المشقة عليهم، وقالَ: من كانَ فيه قوةٌ
١٧٥

الحديث: ٩٩٨
كتاب الوتر
فليجعلها على نفسه ولا يجعلها على الناسِ .
وهذه الكراهةُ لمعنى آخرَ غيرِ الصلاةِ بعدَ الوترِ .
ونقلَ ابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ بنِ راهويه أنه إن أتمّ الإمامُ
التراويحَ(١) في أولِ الليلِ كَرِهَ له أن يصلّيَ بهم في آخرِهِ جماعةً أخرَى؛
لما رُويَ عن أنسٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ من كراهتِهِ، وإن لم يتم بهم في أولِ
الليْلِ وأخَّر تمامها إلى آخرِ الليْلِ لم يكره.
فأما صلاةُ ركعتينِ بعدَ الوترِ: فقد رُويت عنِ النبيِّ ◌َ له من وجوهِ
متعددة، ولم يخرِّجِ البخاريُّ منها شيئًا.
ے
لكنه خرَّجَ(٢) من حديثِ عراكٍ، عن أبي سلمةَ، عن عائشةَ أن النبيَّ
وَّ كانَ يصلِّي بعدَ العشاءِ ثمان ركعاتٍ، وركعتينِ جالسًا، وركعتينٍ بينَ
الندائينِ (٤٩٣/م) ولم يذكر الوترَ في هذه الروايةِ - ولابُدَّ منه.
والظاهرُ أن الركعتين اللتينِ صلاهُمَا جالسًا كانتا بعد وترِهِ، ويحتملُ
أن تكونَ قبلَهُ؛ فقد خرَّجَ مسلمٌ (٣) من حديثِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن
أبي سلمةَ، عن عائشةَ أن النبيِّ وََّ كانَ يصلِّي ثلاثَ عشرةَ ركعةً:
يصلِّي ثمان ركعاتٍ، ثم يوترُ، ثم يصلِّ ركعتينِ وهو جالسٌ، فإذا أراد
أن يركعَ قَامَ فركَعَ، ثم يصلّي ركعتينِ بينَ النداءِ والإقامةِ من صلاةِ
الصبح.
وخرّجَ - أيضًا - من رواية زرارة بن أوفَى، عن سعدِ (٤) بنِ هشامٍ،
(١) في ((م)): ((التروايح)).
(٢) حديث (١١٥٩).
(٤) في ((م)): ((سعيد)) خطأ، وسيأتي على الصواب - كما أثبتناه.
(٣) (١٢٦/٧٣٨).
١٧٦

٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترأ
الحديث: ٩٩٨
عن عائشةَ أن النبيَّ ◌َِّ كانَ يوترُ بتسع ركعاتٍ - وذكرت صفتَها - ثم
يصلِّي ركعتينِ بعدما يسلمُ وهو قاعدٌ، فلما أسنَّ وأخذَهُ اللحمُ أوترَ
بسبعٍ، صنعَ في الركعتينِ مثلَ صنيعِهِ الأول(١).
وفي روايةٍ لأبي داودَ في هذا الحديثِ: كانَ يصلِّي ثمان ركعات لا
يسلم إلا في آخرهنَّ، ثم يصلّي ركعتينِ وهو جالسٌ بعد ما يسلمُ، ثم
يصلِّي ركعةً(٢).
فعلَى هذه الروايةِ تكونُ صلاتُهُ ركعتينِ جالسًا قبلَ الوترِ لا بعدهُ.
وخرَّجَ أبو داودَ - أيضًا - من روايةِ بَهزِ بنِ حكيمٍ، عن زرارةَ، عن
عائشةَ أن النبيَّ ◌َّه كانَ يوترُ بتسعٍ، يسلمُ في التاسعةِ تسليمةً شديدةً،
ثم يقرأُ [في](٣) وهو قاعدٌ بأمِّ الكتابِ، ويركعُ وهو قاعدٌ، ثم يقرأُ في
الثانيةِ فيركعُ ويسجدُ وهو قاعدٌ، ثم يدعُو ما شاءَ اللهُ أن يدعُو، ثم
قرع)
يسلمُّ(٤).
وهذه الروايةُ تخالفُ روايةَ أبي سلمةَ، عن عائشةَ أنه كانَ إذا أرادَ أن
یرکعَ قامَ.
وخرَّجَ أبو داودَ(٥) من روايةٍ علقمةَ بنِ وقاصٍ، عن عائشةَ أن النبيّ
وَّ كَانَ يوترُ بتسع ركعاتٍ، ثم أوترَ بسبعِ ركعاتٍ، وركعَ ركعتينٍ وهو
جالسٌ بعدَ الوترِ فقراً فيهما، فإذا أرادَ أن يركعَ قامَ فركعَ ثم سجدَ
(٤٩٤/ م) .
(١) مسلم (٧٤٦).
(٢) أبو داود (١٣٤٣).
(٣) كذا في ((م))، ولا معنى لها، وفي الرواية بدونها، ولعله بسبب انتقال النظر لما بعدها.
(٤) أبو داود (١٣٤٦).
(٥) (١٣٥١).
١٧٧

الحديث: ٩٩٨
كتاب الوتر
وخرَّجهُ مسلمٌ، ولفظُهُ عن علقمةَ: قالَ: قلتُ لعائشةَ: كيفَ كانَ
يصنعُ رسولُ اللهِ وَّهِ في الركعتينِ وهو جالسٌ بعدَ الوترِ؟ قالت: يقرأُ
فيهما، فإذا أرادَ أن يركعَ قامَ فركعَ (١).
وقد رُويَ عن عائشةَ من وجوهِ أُخرَ (٢).
وخرَّجَ النسائيُّ من حديث شعبةَ، عنِ الحكمِ: سمعتُ سعيد بن
جُبيرٍ يحدثُ عنِ ابنِ عباسٍ أن النبيَّ وَّ صلَّى مِنَ الليلِ خمسَ
ركعاتٍ، ثم ركعتينٍ، ثم نامَ، ثم صلَّى ركعتينٍ، ثم خرجَ إلى
الصلاة(٣).
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه من حديثِ ميمونِ الَرَئِيِّ(٤)، عنِ
الحسنِ، عن أمِّهِ، عن أمِّ سلمةَ أن النبيَّ مَلَّ كانَ يصلِّي بعدَ الوترِ
ركعتين خفيفتينِ وهو جالسٌ (٥) .
وخرَّجهُ الترمذيُّ(٦) إلى قولِهِ: ((ركعتينٍ))، وذكرَ العقيليُّ(٧) أن ميمونَ
تفردَ برفعه، وغيرُهُ يرويه موقوفًا على أمِّ سلمةَ.
وفيه - أيضًا - عن أبي أمامةَ، وأنسٍ، وثوبانَ(٨)، وغيرهم.
(١) مسلم (٧٣١ /١١٤).
(٢) مسلم (١١١/٧٣١، ١١٢، ١١٣).
(٣) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٤٢٣/١، ٤٢٤).
(٤) هذه النسبة: ضبطها ابن ناصر الدين في ((توضيح المشتبه)) (١٣٣/٨) ((بفتحتي الميم،
والراء، ثم همزة مكسورة تليها ياء النسب)) ا. هـ.
وقال عبد الغني بن سعيد في ((مشتبه النسبة)) (ص ٧٣): ((والناس يكتبونه بالألف بين الياء
والراء)» ا. هـ. وذكر له في ((التوضيح)) حديثنا هذا.
(٥) أحمد (٢٩٨/٦ - ٢٩٩)، وابن ماجه (١١٩٥).
(٦) (٤٧١) .
(٧) في ((الضعفاء)) (١٨٦/٤). (٨) حديث أبي أمامة: أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٠، ٢٦٩) =
١٧٨

٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترأ
الحديث: ٩٩٨
واختلفَ العلماءُ في الركعتينِ بعدَ الوترِ، فمنهم من استحبَّهَا، وأمرَ
بها، منهم: كثيرُ بنُ ضمرةَ، وخالدُ بنُ معدانَ، وفعلها الحسنُ جالسًا،
وتقدمَ عن أبي مِجْلَزِ أنه كانَ يفعلُها .
ومنْ أصحابنا مَنْ قالَ: هيَ من السننِ الرواتبِ، وفي حديث سعدِ
ابنِ هشامٍ ما يدلُّ على مواظبةِ النبيِّ ◌َّ عليهما.
ومن هؤلاءِ من قالَ: الركعتانِ بعدَ الوترِ سنةٌ له كسنةِ المغربِ بعدها،
ولم يخرجُ بذلكَ المغربُ عن أن يكونَ وتَرَ النهارِ .
ومنَ العلماءِ من رخَّصَ فيهما ولم يكرههما، هذا قولُ الأوزاعيِّ
وأحمدَ، وقالَ: أرجو إن فعلَهُ أن لا يضيقَ ولكن يكونُ ذلكَ وهو جالسٌ
كما جاءَ في الحديث. قيل لَه: تفعلُهُ أنتَ؟ قالَ: لا. وقالَ ابنُ المنذرِ: لا
يكره ذلك (١) .
وَِّ ذلكَ أحيانًا لبيانِ الجوازِ
ومن هؤلاء من قالَ: إنما فعلَ النبيّ
فقط. (٤٩٥/م) وحُكيَ عن طائفة كراهةُ ذلكَ، منهم: قيسُ بنُ عبادةَ،
ومالكٌ، والشافعي.
فأمَّا مالكٌ: فلم يعرف هاتينِ الركعتينِ بعدَ الوترِ - ذكره عنه ابنُ
المنذرِ (٢).
= وحديث أنس: أخرجه ابن خزيمة (١٤٣/٢، ١٥٩).
وحديث ثوبان: أخرجه ابن خزيمة (١٥٩/٢).
والدارمي (٣٧٤/١) وابن حبان (الإحسان: ٣١٥/٦).
(١) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٠٢/٥).
(٢) في ((الأوسط)) (٢٠٢/٥) و((المدونة)) (١ /٩٧).
١٧٩

الحديث: ٩٩٨
كتاب الوتر
وَ لَّ أن نجعلَ آخرَ
ءُ
وأما الشافعيّ: فحُكيَ عنه أنه قالَ: أمرَ النبيّ
صلاتنا بالليلِ وترًا، فنحنُ نتبعُ أمرَهُ؛ وأما فعلُهُ: فقد يكونُ مختصًا به.
وأشارَ البيهقيُّ(١) إلى أنَّ هاتينِ الركعتينِ تركهما النبيُّ ◌َِّ بعدَ
فعلهما، وانتهَى أمرُه إلى أن جعلَ آخرَ صلاتِهِ بالليلِ وترًاً وهذا إشارةٌ
إلى نسخهمَا، وفيه نظرٌ.
وإذا كانَ مذهبُ الشافعيِّ أنه لا يكره الصلاةَ بعدَ الوترِ بكلِّ حال،
فكيفَ يُكره هاتان الركعتان بخصوصهما مع ورودِ الأحاديثِ الكثيرةِ
الصحيحة بها؟
وقد ذكرَ بعضُ الناسِ أن النبيَّ نَّهِ كان يصلِّي ركعتينِ بعد وترِهِ
جالسًا لما كانَ يوترُ منَ الليلِ، ويجعلُ الركعتينِ جالسًا كركعةٍ قائمًا،
فيكونُ كالشفعِ لوترِهِ حتَّى إذا قامَ ليصلِّيَ مِنْ آخرِ الليلِ لم يحتجْ إلى
نقضِهِ بعدَ ذلكَ، وربما أستأنسُوا لذلكَ بحديث ثوبانَ: كنا معَ النبيِّ ◌َِه
٥
في سفرٍ، فقالَ: ((إن هذا السفرَ جهدٌ وثقلٌّ، فإذا أوترَ أحدكم فليركع
ركعتين، فإن استيقظَ وإلا كانتا لَهُ.)) خرَّجهُ ابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ))(٢).
وهذا القولُ مردودٌ لوجهينٍ، أحدُهما: أن حديثَ عائشةَ يدلُّ لمن
تأمَّلُه على أن هذا كانَ النبيِّ وَلَّ يفعلُهُ في وترِهِ من آخرِ الليلِ لا من
أوله، وكذلكَ حديثُ ابنِ عباسٍ.
(١) في ((معرفة السنن والآثار)) (٧٦/٤)، و((السنن)) (٣٤/٣).
(٢) (الإحسان: ٣١٥/٦).
١٨٠