Indexed OCR Text
Pages 61-80
٢٢ - باب النحر والذبح يوم النحر بالمصلى الحديث: ٩٨٢ الروايات، وأنه كان إذا نحرَ ما ينحر نحرَهُ بالمدينة، فإن ذبحَ الغنمَ ذبحها بالمصلَّى، وعلى هذا فتكونُ روايةُ البخاريِّ الصحيحةُ لحديث ابنِ عُمرَ: كانَ يذبحُ - أو ينحرُ - بالمصلَّى، بالشكِّ، وذَبْحُ ابن عُمَرَ بالمصلَّى يدلُّ علَى أنه كان يَرَى استحبابَ ذلكَ للإمامِ، وغيرِهِ ومن العلماء(١) يستحبُّ ذلكَ للإمامِ، منهم: مالكٌ، وقالَ: لا نرى ذلكَ على غيرهِ، وفيه إشارةٌ إلى أن غيرَه لا يتأكدُ في حقِّه ذلك كالإمامِ . وقالَ سفيانُ: للإمام أن يحضر أَضحيتَهُ عندَ المصلَّى ليذبحَ حينَ يفرغُ منَ الصلاةِ والخطبةِ لئلا يذبحَ أحدٌ قبلَهُ، قالَ: وذلكَ من الأمر المعروف. وروَى الواقديُّ بأسانيدَ متعددة أن النبيَّ وَ ◌ّرْ كانَ يذبحُ يومَ النحرِ عندَ طرفِ الزقاقِ عند دَارِ معاويةَ، ثم قالَ الواقديَّ: وكذلك يصنعُ الأئمةُ عندنا بالمدينة . وروَى - أيضًا - عن عمرو بن عثمانَ أنه رأَى عُمَر بنَ عبدِ العزيزِ رحمَه (٢) الله خطبَ يومَ النحرِ، ثم أُتيَ بكبشٍ في مصلاهُ فذبحهً بيده (٣)، ثم أمرَ بهِ فَقُسمَ على المساكينِ، ولم يحمل إلى منزله منه شيئًا (٤) . (١) قوله: ((ومن العلماء)) لعله ضرب على الواو وإثباتها أولى ويقتضي السياق زيادة ((من)) فتكون ((ومن العلماء من)). (٢) فى ((م)) ((رحمته)). (٣) قوله: (بيده)) تكرر في ((م)). (٤) ((الطبقات)) لابن سعد (٣٦٢/٥). ٦١ الحديث: ٩٨٣ كتاب العيدين ٢٣ - بَابُ كَلامِ الإِمَامِ وَالنَّاسِ فِي خُطْبَةِ الْعِيد(١) فيه ثلاثةُ أحاديثَ : الأولُ: ٩٨٣ - نَا مُسَدَّدٌ: نَا أَبُو الأحْوَصِ: نَا مَنْصُورٌ(٢)، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خطَبَ رَسُولُ اللهِّهَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: ((مَنْ صَلّى (٣) صَلَاتَنَا، وَسَكَ نُسْكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنَ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَتَلْكَ شَاءُ لَحْمٍ، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله(٤)! وَالله لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّالْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَعَجِلْتُ(٥) وَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (٤٣٣/ م) ﴿: ( تَلْكَ شَاةُ لَحْمٍ). قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًّا جَذَعَةً لَهِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَهَلْ تَجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدِ بَعْدَكَ). مقصودُ البخاريِّ بهذا الحديث: الاستدلالُ على جوازِ أن يكلمَ الإمامُ أحدًا منَ الناسِ أو يكلمَه أحدٌ وهو يخطبُ. (١) زاد في ((اليونينية))، والقسطلاني: ((وإذا سئل الإمام عن شيء وهو يخطب)). (٢) زاد فى ((اليونينية))، والقسطلاني: ((ابن المعتمر)). (٣) في ((م)): ((صل)) والمثبت)) من ((اليونينية))، والقسطلاني. (٤) لفظ الجلالة ليس في ((م)). (٥) في ((اليونينية))، والقسطلاني: ((فتعجلت)). ٦٢ ٢٣ - باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد الحديث: ٩٨٣ وقد تقدمَ أن الكلام فى حالِ خطبة العيد قد كرهَهُ الحسنُ، وعطاءٌ (١)، وأباحهُ الشافعيُّ(٢) وغيرُهُ. وروَى الشافعيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ، عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنه كانَ يتركُ المساكينَ يطوفونَ يسأَلُونَ الناسََ في المصلَّى في خطبتِهِ الأولَى يومَ الأضحَى والفطر، فإذا خطبَ خطبتَهُ الأخيرةَ أمرهم فأجلسوا. قالَ الشافعيّ: وسواءً الأولَى والآخرةُ أَكرهُ لهم المسألةَ وإن فعلوا فلا شيءَ عليهم فيها إلا تركَ الفضلِ في الاستماعِ(٣). وعن أحمدَ في تحريمِهِ وإباحتهِ روايتان، ويستثنى من ذلكَ عنده كلامٌ الإمامِ لمصلحةٍ، وكلامُ من يكلمه لمصلحة - كما قالَ في خطبةِ الجمعةِ - وهذا الذي في هذا الحديث من هذا الجنسِ، فلا يستدلُّ به على إباحةٍ الكلامِ مطلقًا . (١) راجع ((مصنف) عبد الرزاق (٢٨٢/٣)، وابن أبى شيبة (٢/ ١٧١-١٧٢) وتقدم (ص٤٩- ٥٠) تحت الحديث رقم (٩٧٩). (٢) ((الأم)) (٢٣٩/١)، و((معرفة السنن والآثار)) (٨٩/٥). (٣) ((الأم)) (٢٣٩/١). ٦٣ الحديث: ٩٨٥،٩٨٤ كتاب العيدين الحديثُ الثاني: ٩٨٤ - ثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ حَمَّد(١)، عَنْ أُيُوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَ صَّى يَوْمَ النَّحْرِ، ثَمَّ خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحَهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله جِيرَانٌ(٢) لِي - إِمَّا قَالَ: بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَإِمَّا قَالَ: فُقَراء (٣) - وَإِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعِنْدِي عَنَاقٌ لِي أَحَبُّ(٤) مِنْ شَانَيْ لَحْمٍ. فَرَخَّصَ لَهُ فِيهَا. وهذا الحديث كالذي قبلَهُ في الدلالةِ . الحديثُ الثالثُ: ٩٨٥ - نَا مُسْلِمٌ: نَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ جُنْدَب قَالَ: صَلَّى النّبِىّ وَّ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، فَقَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ فَلَيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللّهِ» في الاستدلالِ بهذا الحديثِ على الكلام في خطبة العيدِ نظرٌ لو جهینِ . أحدُهُما: أنه ليسَ فيهِ التصريحُ بأن ذلكَ كانَ في الخطبةِ، فيحتملُ أنه قالَهُ قبلَها (٤٣٤/ م) أو بعدَها . (١) في ((اليونينية))، والقسطلاني: ((حماد بن زيد))، وعند الأصيلي: ((حماد - هو ابن زيد)). (٢) جاءت في ((م)) بالخاء المعجمة . (٣) كذا في ((م)، وفي ((اليونينية)) والقسطلاني ((فَقْرٌ))، وعند بعضهم: ((بهم فَقْرٌ)). (٤) زاد في ((اليونينية))، والقسطلاني: ((إليّ). ٦٤ ٢٣ - باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد الحديث: ٩٨٥ %3 وقد وقعَ في رواية لمسلمٍ في ((صحيحه))(١) من هذا الحديث ما يدلّ على أنه قالَهُ قبلَ الخطبة، فإنه قالَ: [فعلم](٢) بعدَ أن صلَّى وفرِغَ من صلاته سلَّمَ، فإذا هُوَ يَرَى لحَم أضاحي قد ذُبِحَتْ قبلَ أن يفرغَ من صلاته، فقالَ: ((من كانَ ذبحَ)) إلى آخرِهِ. ٠٠ ولكن رواه غيرُ واحدٍ عن شعبةَ، فذكروا فيه أنه قاله في خطبتِهِ . والثاني: أن هذا لم يكن خطابًا لأحدٍ معينٍ، ولا في الحديثِ أن أحدًا قامَ إليه، فخاطَبَهُ كما في حديثِ البراءِ، وحديثِ أنسِ المتقدمينِ، وحينئذ فيكونُ ذكرُهُ لهذا في الخطبةِ من جملةِ تعليمِ أحكامِ الأضاحِي، ولا شكَّ في أن الإمامَ له أن يعلمَ الناسَ في خطبةِ عيدِ النحرِ أحكامَ الأضاحي وما يحتاجونَ إلى معرفتهِ منها. وحديثُ البراءِ وأنسٍ يدلان على ذلكَ - أيضًا -، وهذا كلُّه مستحبٌّ، وقد نصَّ عليه الشافعيّ وأصحابُنَا، وقالوا - أيضًا -: يسنُّ للإمام أن يُعلمَ الناسَ في خطبةِ عيدِ الفطرِ حكمَ إخراجِ الفطرة. وقد رُويَ عنِ ابنِ عباسٍ أنه خطبَ بالبصرةِ يومَ الفطرِ فعلم الناسَ صدقةَ الفطر. خرّجهُ ابنُ شاهينِ في كتاب ((العيدين))، وفي إسنادِهِ ضعفٌ. والصحيحُ: ما روَى الحسنُ قالَ: خطبَ ابنُ عباسٍ في آخرِ رمضانَ على منبرِ البصرة، فقالَ: أخرجوا صدقةَ صومكُم فَكأنَّ الناسَ لم (١) (١٩٦٠) . (٢) ما بين المعقوقين لا معنى له وليس في الرواية فالراحج أنه مقحم والله أعلم. ٦٥ الحديث : ٩٨٥ كتاب العيدين يعلموا، فقالَ: مَن هاهنا من أهلِ المدينةِ؟ قوموا إلى إخوانِكُم فعلموهم، وذكرَ بقيةَ الحديثِ . خرجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(١)، والحسنُ لم يسمع منِ ابنِ عباس، ولم يكن بالبصرةِ يومَ خطبَ ابنُ عباسٍ (٢). وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ من روايةِ الزهريِّ قالَ: قالَ عبدُ الله ابنُ ثعلبةَ بنِ صعر (٣): خطبَ رسولُ اللهِ وَّهُ الناسَ قبلَ الفطرِ بيومينٍ، فقالَ: ((أدوا صاعًا من برِ) الحديث. وفى إسناده اختلافٌ كثيرٌ على الزهريِ (٤). واختُلِفَ في عبدِ اللهِ بنِ ثعلبةَ هل له صحبةٌ أم لا؟ (٥) وقد روَى عبدُ اللهِ ابنُ الإمامِ أحمد في ((مسائِلِهِ)) عنه بإسنادِهِ عنِ الزهريِّ، عنِ ابنِ المسيبِ: كانَ النبيُّ وَّهُ يخطبُ قبلَ الفطرِ بيومينِ، ويأمرهُمْ بأداءِ زكاة الفطرِ فيخرجونها قبلَ (٤٣٥/ م) الصلاة. وروَى الواقديُّ بأسانيدَ له متعددة، عن عائشةَ، وابنِ عُمرَ، وأبي سعيد حديثًا طويلا فيه أن النبيَّ وَ جَّ كانَ يخطبُ قبلَ الفطرِ بيومينِ، فيأمرُ بإخراجٍ صدقة الفطرِ قبلَ أن يغدوَ إلى المصلَّى. ذكره عنه محمدُ بنُ سعد(٦). (١) أحمد (٣٥١/١) و(٢٢٨/١) - مختصرًا-، وأبو داود (١٦٢٢)، والنسائي (١٩٠/٣) و(٥/ ٥٠، ٥٢). (٢) نص على ذلك ابن المديني في ((العلل)) له (ص: ٥١)، وانظر ((علل الترمذي الكبير)) (ص: ١٠٩)، و((تحفة الأشراف)) (٣٧٦/٤ - ٣٧٧). (٣) كذا في ((م)) والصواب ((صغير)) مصغرًا. (٤) أخرجه أحمد (٤٣٢/٥)، وأبو داود (١٦٢١). (٥) انظر ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر (٤٠٤/١ - ٤٠٥) و((تهذيب الكمال)) (٣٩٤/٤) و(١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤). (٦) في ((الطبقات)) (٢٤٨/١). ٦٦ ٢٣ - باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد الحديث : ٩٨٥ وذكرَ ابنُ سعد عنه - أيضًا - نا عَمَرُو (١) بن عثمانَ بنِ هانىءٍ قالَ: سمعتُ عُمرَ بنَ عبد العزيز بخُناصِرَةَ(٢) وهو خليفةٌ خطبَ الناسَ قبلَ يومٍ الفطرِ بيومٍ - وذلكَ بعدَ الجمعة - فذكرَ الزكاةَ فحضَّ عليها، وقال: على كلِّ إنسانٍ صاعُ تمرٍ، أو مدين(٣) من حنطة، وقالَ: إنه لا صلاةً لمن لا زكاةً له، ثم قسمها يومَ الفطرِ (٤). ويدلُّ على أن الإمامَ إنما يُعَلَمُ الناسَ حكمَ صدقةِ الفطرِ قبلَ يومٍ الفطرِ: حديثُ ابنِ عُمرَ أن النبيَّ وََّ أمرَ بزكاة الفطرِ أن تؤدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ، وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخرَ(٥). وفيه دليلٌ واضحٌ على أنه كانَ يأمرُ بذلكَ قبلَ يومِ الفطرِ، وإلا فكيفَ كانَ يأمرُ بعدَ الصلاة بأن تؤدّى قبلَ الصلاة؟! وبقيةُ ما دلَّ عليه هذه الأحاديثُ منَ الذبحِ قبلَ الصلاةِ، ومِنَ الأمرِ لمن ذبحَ قبلها بالإعادةِ، ومن أحكامِ الجذعِ من الضأنِ والمَعْزِ موضعه غير هذا، ويأتي فيه إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى. (١) في ((م)) (عُمر)) والتصويب من الرواية وترجمته. (٢) هي بليدة من أعمال حلب، بناها خناصرة بن عمرو بن الحارث بن كعب بن عمرو بن عبد وُدّ بن عوف بن كنانة، ملك الشام، انظر ((معجم البلدان)) (٤٤٦/٢). (٣) في الرواية: ((مدان)). (٤) ابن سعد في ((الطبقات)) (٣٦٣/٥). (٥) (فتح: ١٥٠٩). ٦٧ الحديث: ٩٨٦ كتاب العيدين ٢٤ - بَابُ مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ الْعِيدِ ٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ(١): نَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ واضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْن سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَفَ الطَّرِيقَ. تَبَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ. كذا في بعضِ النسخِ: ((تابعَهُ يونسُ، عن فليحِ، عن سعيد، عن أبي هريرةَ))، وهيَ روايةُ ابنِ السكنِ - ويقالُ: إن ذلكَ من إصلاحِهِ -، وفي ءِ أكثرِ النسخِ: ((تابعَهُ يونسُ بنُ محمدٍ، عن فليحِ، وحديثُ جابرٍ أصحّ)). وذكرَ أبو مسعودِ الدمشقيُّ أن البخاريَّ قالَ: ((تابعَهُ يونسُ بنُ محمد، عن فليح، قالَ: وقالَ محمدُ بنُ الصلتِ: عن فليحِ، عن سعيدِ، عن أبي هريرةَ، وحديثُ جابٍ أصحُ) . ثم ذكرَ أن ذلكَ وهمٌ منه - يعني متابعةَ يونسَ لأبي تُميلةَ -، وإنما رواهُ يونسُ، ومحمدُ بنُ الصلت(٢) - كلاهما - عن فليحِ، عن سعيد (٤٣٦/م)، عن أبي هريرةَ، وكذا رواهُ الهيثمُ بنُ جميلٍ، عن فليحٍ، وأن (١) في ((م): ((أبو محمد))، والمثبت من ((اليونينية))، وفي رواية بعضهم: ((ابن سلام))، وسبق ذكر الاختلاف في تخفيف وتشديد لام ((سلام)) تحت الحديث (٣٢٤). (٢) في ((م): ((الصلت بن محمد)) مقلوب، والمثبت من ((التحفة)) (٢/ ١٨٠). ٦٨ ٢٤ - باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد الحديث: ٩٩٨٦ البخاريُّ أرادَ أن يونسَ قالَ فيهِ: عن جابرٍ(١). ءُ وفيه إشارةٌ إلى أن غيرهما خالفَ في ذكرِ جابرٍ، وأن ذِكْرَهُ أصحٌ. وما ذكرَهُ أبو مسعودٍ تصريحٌ بذلكَ. وقولُهُ: وحديثُ جابرٍ يدلُّ عليه، واللهُ أعلمُ. وحاصلُ الأمرِ أنه اختُلِفَ في إسنادِهِ على فليح، فرواه عنهُ الأكثرونَ، منهم: محمدُ بنُ الصلتِ(٢) والهيثمُ بنُ جميلٍ، وشريحٌ فقالوا: عن سعيدِ بنِ الحارثِ، عن أبي هريرةَ. وخالفهم أبو تُميلة يحيى بنُ واضحٍ فرواه عن سعيدِ بنِ الحارثِ، عن جابرٍ، وعندَ البخاريِّ أن هذا أصحٌ. وأما يونسُ بنُ محمدٍ، فرواهُ عن فليح واختلفَ عنهُ. فذكرَ البخاريُّ، والترمذيُّ في ((جامعِهِ))(٣) أنه رواهُ عن فليحٍ، عن سعيدِ، عن جابرِ متابعةً لأبي تُميلةَ . وكذا رواهُ(٤) ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ في ((صحيحيْهِمَا)(٥). وكذلكَ (٦) خرَّجهُ البيهقيُّ من روايةِ محمدِ بنِ عُبيدِ اللهِ(٧) المنادي، (١) كلام أبي مسعود، راجعه في ((التحفة)) (١٧٩/٢ - ١٨٠). (٢) في ((م): ((الصلت بن محمد))، والمثبت هو الصواب - كما سبق. (٣) (٥٤١). (٤) قوله: ((وكذا رواه)) يقتضي أنهما روياه من حديث جابر، وليس كذلك فهو عندهما من حديث أبي هريرة . (٥) ابن خزيمة (٣٦١/٢)، وابن حبان (٧ /٥٤). (٦) قوله: ((وكذلك)) يعني أنه رواه من حديث جابر، وليس كذلك، وهو من حديث أبي هريرة، وانظر ما تقدم. (٧) لفظ الجلالة ليس في ((م))، وأثبتناه من (سنن البيهقي))، وترجمته. ٦٩ الحديث: ٩٨٦ كتاب العيدين عن يونس (١). وقد قالَ مهنا: قلتُ لأحمدَ: هل سمعَ سعيدُ بنُ الحارثِ من أبي هريرةَ؟ فلم يقل شيئًا. وقد ذكرَ البيهقيُّ أن أبا تُميلَةَ رُوي عنه، عن فليحِ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ - أيضًا - ثم خرَّجهُ من طريقِ أحمدَ بنِ عمرٍو الحرشيِّ، عن أبي تُميلةَ كذلك(١). فتبينَ بهذا أن أبا تُميلةَ، ويونسَ اختُلِفَ عليهما في ذكرِ أبي هريرة، وجابرٍ، وأن أكثرَ الرواةِ قالَ فيهِ: عن أبي هريرةَ، ومنهم من اختُلِفَ عليه في ذكرِ أبي هريرةَ، وجابرٍ. وقد ذكرَ الإمامُ أحمدُ أنه حديثُ أبي هريرةَ. وهذا يدلُّ على أن المحفوظَ قولُ من قالَ: ((عن أبي هريرةَ)) كما قاله أبو مسعودٍ، خلافُ ما قاله البخاريُ (٢). وفي البابِ أحاديثُ أُخرُ ليست على شرط البخاريِّ، ومن أجودِها: حديثُ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمرَ العُمريِّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ أن النبيَّ ◌َِهُ أخذَ يومَ العيدِ في طريقٍ، ثم رجعَ من طريقٍ آخرَ. خرَّجهُ أبو داودَ، وخرَّجهُ ابنُ ماجه، وعنده: أن ابنَ عُمَر كانَ يخرجُ إلى العيدِ في طريقٍ، ويرجعُ في أُخْرَى، ويزعمُ أن رسولَ اللهِ وَّهِ كانَ (١) البيهقي (٣٠٨/٣). (٢) وانظر ((النكت الظراف)) مع ((التحفة)) (١٧٩/٢ - ١٨٠)، و((الفتح)) لابن حجر (٤٧٣/٢ - ٤٧٤)، و((هدي الساري)) له (ص ٣٥٣ - ٣٥٤)، و((الجوهر النقي)) (٣٠٨/٣ - ٣٠٩)، و(إرشاد الساري)) للقسطلاني (٢٢٦/٢)، و((عمدة القاري)) للعيني (٤١٣/٥). ٧٠ ٢٤ - باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد الحديث: ٩٨٦ يفعلُهُ (١). وقد استغربَه الإمامُ أحمدُ، وقالَ: لم أسمعْ هذا قطُّ(٢). وقالَ - أيضاً -: العُمريُّ يرفعُهُ، ومالكٌ وابنُ عُيينةَ لا يرفعانِهِ - يعني يقفانه على ابنِ عُمرَ من فعله. قيلَ له: قد رواه عُبيدُ الله - يعني أخا العمريِّ - عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، فأنكره وقالَ: من رواه؟ قيلَ له: عبدُ العزيز بن محمد (٣) (٤٣٧/م) - يعني الدَّارَوَرْديَّ - قالَ: عبدُ العزيزِ يروي مناكيرَ (٤). (١) أبو داود (١١٥٦)، وابن ماجه (١٢٩٩)، وتصحف في ابن ماجه - طبعة عبد الباقي، والأعظمي - ((عبد الله)) - المكبر - إلى ((عبيد الله)) - المصغر -، وفي ((التحفة)) (١٠٦/٦) على الصواب: ((عبد الله)) كما هنا. (٢) وأورد الخطيب الحديث في ((تاريخ بغداد)) (١٢ / ٤٨٦) من طريق كامل بن طلحة الجحدري، عن عبد الله بن عمر، به. ثم أسند عن إبراهيم بن إسحاق الحربي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: قلت لعبد الله: اذهب اكتب في المسجد عن هؤلاء الشيوخ حتى تخف يدك، فذهب، فكتب عن كامل بن طلحة، فأول حديث حدث به عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي مَّةٍ كان إذا خرج إلى المصلى يمضي في طريق، ويرجع في أخرى. فقال أحمد: لم نسمع بهذا قط . قال: فقلت: حديث مثل هذا مسند فيه حكم عن النبى صَلى الله وَشِيَاء لم أسمعه؟! فأتيت هارون بن معروف، فقلت: عندكم عن ابن وهب، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر هذا الحديث؟ فقال: نعم، فكتبته عنه. قيل لإبراهيم: فلم لم يكتبه عن كامل بعلوٍّ؟ قال: لم يكن كامل عنده بمنزلة ابن وهب)) ا. هـ. هذا وقد أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في «المسند» (١٠٩/٢) عن هارون بن معروف، قال عبد الله بن أحمد: وسمعته أنا من هارون بن معروف. (٣) في ((م)): ((يحيى))، خطأ. وتصحيف هاتين الكلمتين كثير، والصواب ما أثبتناه. (٤) يعني: عن عبيد الله. وفصلنا القول في روايته عنه تحت الباب (١٢٨) من كتاب ((الأذان)). ٧١ الحديث: ٩٨٦ كتاب العيدين وقال البَرْقانىُّ(١): سألت الدارقطنيَّ: هل رواه عن نافع غيرُ العمريِّ؟ قالَ: من وجه يثبتُ؛ لا، ثم قال: رُويَ عن مالكِ عن نافعٍ؛ ولكن لا يثبتُ. انتهى (٢). والصحيحُ عن مالك، وغيره وقفُهُ دونَ رفعه. وكذا رواه وكيعٌ، عن العمريِّ موقوفًا . وقد استحبَّ كثيرٌ من أهلِ العلمِ للإمامِ وغيرِه إذا ذهبُوا في طريقِ إلى العيدِ أن يرجعوا في غيرِهِ، وهو قولُ مالكٍ، والثوريِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ - وألحق الجمعةَ بالعيدِ في ذلكَ - ولو رجعَ من الطريقِ الذي خرجَ منه لم يكره(٣). وفي ((سنن أبي داود)) حديثٌ فيه أن أصحاب رسول الله وَلا كانوا يفعلون ذلك في زمانه (٤). وتكلمَ الناسُ في المعنَى الذي لأجلِهِ يستحبُّ مخالفةُ الطريقِ، وكَثُر قولُهُم في ذلكَ، وأكثره ليسَ بقويٌّ. وقد رُويَ في حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، عن أبيهِ، وَلَّ كان يغدُو من طريقٍ، ويرجعُ من عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ أنَّ النبيّ آخرَ ليتسعَ الناسَ في الطرقِ . وعبدُ الرحمنِ هذا ضعيفٌ جداً. (١) في ((م)): ((الرقاسي)) تصحيف. (٢) ((سؤالات البرقاني)) (٦١٠) بتحقيقنا. (٣) وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٩٦/٤)، و((المغني)) (٢٨٣/٣ - ٢٨٤). (٤) أبو داود (١١٥٨). ٧٢ ٢٤ - باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد الحديث: ١٩٨٦ ومعنى الاتساعِ في الطرقِ أنه يخشَى كثرةَ الزحامِ في الطريقِ الأولِ وهذا أحدُ ما قيلَ في معناهُ. وقيلَ: ليشهد به(١) الطريقانِ . وقيلَ: ليتصدق على من كانَ فيهما من السؤَّال. وقيلَ : يكثرُ التقاءُ المسلمينَ بعضِهِم ببعضٍ للسلامِ والتوددِ. وقيل: للتفاؤلِ بتغيرِ الحالِ إلى الرِّضَى والمغفرةِ، فإنه يُرْجَى لمن شهدَ العيدَ أَن يرجع مغفورًا له. وقيلَ: كان يغدُو في أطولِ الطريقينِ، ويرجعُ في أقصرِهِمَا ليكثر خطاهُ في المشي إلى الصلاةِ، وهذا هو الذي رجّحَهُ كثيرٌ منَ الشافعية. وقد رُويَ في حديثِ عكسُ هذا، فرواه سُليمانُ بنُ أرقمَ، عن الزهريِّ، عنِ ابنِ المسيبِ، عن أبي هريرةَ: كانَ النبيُّ ◌َّةِ، وأبو بكرٍ، وعُمرُ، وعثمانُ إذا خرجوا إلى العيدِ من طريقِ رجعوا في طريقٍ آخرَ أبعدَ منه. وسليمانُ بنُ أرقمَ متروكٌ، ولا أصلَ لحديثِهِ هذا بهذا الإسنادِ . وعلى تقديرٍ أن يكونَ له أصلٌ فيمكن توجيهُهُ بأن القاصدَ لصلاة العيدِ ينبغي له قصدُهَا من أقربِ الطرقِ لأنه إن كانَ إمامًا فلئلا يطولَ انتظارُهُ، وإن كانَ مأمومًا فخشية أن يُسبقَ بالصلاة أو بعضها، أو أن لا يتمكنَ من صلاتها في (٤٣٨/ م) مكان يمكنُهُ الاقتداءُ فيه بالإمامِ؛ ولهذا شرعَ له التبكيرُ ليقربَ من الإمامِ، والراجعُ منَ الصلاة قد أمنَ ذلكَ كلَّهُ (١) كذا، والصواب: ((له)). انظر ((الفتح)) (٤٧٣/٢). ٧٣ الحديث: ٩٨٦ كتاب العيدين فيمشي حيثُ شاءَ ويسلُك أبعدَ الطرق ويقفُ فيها لحاجته وللقاءِ الناسِ والسلامِ عليهم والدعاءِ لهم وغيرِ ذلكَ منَ المصالحِ. وقد رُويَ عن جماعةٍ منَ الصحابةِ والتابعينَ أنهم كانوا يتلاقونَ يومَ العيد ويدعو بعضُهُم لبعضِ بالقبولِ. ورخَّصَ فيه الإمامُ أحمدُ وقالَ: لا أبتدىءُ به أحدًا، فإن قاله لي رددتُ عليه، وقالَ مرةً: ما أحسنه؛ إلا أن يخافَ الشهرةَ. كأنه يشيرُ إلى أنه يخشَى أن يشهر المعروف بالدينِ والعلمِ بذلكَ فَيُقْصَدَ لدعائه فيكره لما فيه منَ الشهرةِ. وقد خرَّجَ الإمامُ أحمدُ من حديثِ المنكدرِ بنِ محمدٍ، عن أبيهِ، عن عبد الرحمنِ بنِ عثمانَ التيميِّ قالَ رأيتُ رسولَ اللهِ إَِّهِ قائمًا في السوقِ(١) يوم العيدِ ينظرُ والناسُ يِرونَ (٢). و ورواه الشافعيّ عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ: حدثني معاذُ بنُ عبدِ الرحمنِ التيميّ، عن أبيه، عن جدِِّ أنه رأى رسولَ اللهِ نَّه رجعَ منَ المصلَّى في يومِ عيدِ فسلكَ على التَّمَّارينَ أسفل السوقِ حتى إذا كانَ عند موضعٍ البركةِ التي بالسوقِ قامَ فاستقبلَ فجَّ أسلمَ فدعا ثم انصرف (٣). قالَ الشافعيُّ: فأُحبُّ أن يصنعَ الإمامُ مثلَ هذا وأن يقفَ في موضعٍ يدعو اللهَ عز وجلَّ مستقبلَ القبلةِ(٤). (١) حرف القاف من كلمة ((السوق)) لم يظهر في ((م))، والمثبت من ((المسند)). (٢) أحمد (٤٩٩/٣). (٣) (الأم)) (٢٣٣/١)، و((معرفة السنن والآثار)) (٩٩/٥)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (٣٠٩/٣). (٤) انظر (الأم)) (٢٣٤/١). ٧٤ ٢٥ - بَابٌ إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَمَنْ كَانَ فِي الْبُيُوتِ وَالْقُرَى؛ لَقَوْلِ النَّبِيِّ ◌ََّ: ((هَذَاَ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ). وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ مَوْلاهُمُ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَّةِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِهِ فَصَلَّى(١) بِهِمْ كَصَلاةٍ أَهْلِ الْمِصْرَ وَتَكْبِيرِهِمْ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْعِيدِ يُصَلُونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ. وَكَانَ عَطَاءٌ إِذَا فَاتَّهُ الْعِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ذكرَ البخاريُّ في هذا البابِ ثلاثَ مسائلَ: أحدُهَا: من فاتَهُ صلاةُ العيدِ معَ الإمامِ من أهلِ المصرِ فإنه يصلِّي ركعتين، وحكاه عن عطاء، وحُكيَ - أيضًا - عن أبي حنيفةَ والحسنِ وابنٍ سيرينَ ومجاهدٍ وعكرمةَ والنخعيِّ(٢)، وهو قولُ مالك(٣) والليث والأوزاعيِّ والشافعيّ(٤) وأحمد(٥) في رواية عنه. ثم اختلفُوا: هل يصلِّي ركعتينِ بتكبيرِ كتكبيرِ الإمامِ؟ أم يصلِّي بغيرِ (٤٣٩/ م) تكبيرٍ؟ (١) في ((اليونينية)): ((وصلى)). (٢) راجع جُلّ هذه الآثار في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٨٤/٢)، و((مصنف عبد الرزاق)) (٣٠٠/٣). وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٩٢/٤). (٣) انظر ((المدونة)) (١٥٥/١). (٥) انظر («المغني)) (٢٨٥/٣). (٤) في ((الأم)) (١/ ٢٤٠). ٧٥ كتاب العيدين فقالَ الحسنُ، والنخعيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وأحمدُ في روايةٍ (١): يصلِّي بتكبيرِ كما يصلي الإمامُ، واستدلوا بالمرويِّ عن أنسٍ، وأنسٌ لم يَفْتُهُ (٢) في المصرِ؛ بل كانَ ساكنًا خارجًا مِنَ(٣) المصرِ بعيدًا منه، فهو في حكمٍ أهلِ القرَى، وقد أشارَ إلى ذلكَ الإمامُ أحمدُ في روايةٍ عنه . والقولُ بأنه يصلِّ كما يصلِّي الإمامُ قولُ أبي حنيفةَ، وأبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ حتى قالَ: لا يكبرُ إلا كما يكبرُ الإمامُ لا يزيدُ عليه، ولا ينقصُ. وكذا قالَهُ الإمامُ أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ . وعنِ ابنِ سيرينَ قالَ: كانوا يستحبونَ إذا فاتَ الرجلُ العيدينِ أن يمضيَ إلى الجنَّانِ فيصنعُ كما صنعَ الإمامُ. وقال أحمدُ في رواية الأثرم: إن صُلِّيت ذهبَ إلى الجبَّانِ فصلَّى، وإن شاءَ صلَّى مكانَهُ. وقالَ في روايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ(٤): إذا صلَّى وحدَه لم يجهر بالقراءةِ، وإن جهرَ جازَ. وهذا عنده حكمُ المصلِّي الصلاةَ الجهريةَ مفردًا، فلو صلاها في جماعة جهرَ بها بغيرِ إشكال كما فعله اللَّيْثُ بنُ سعد. وقد ذهبَ جماعةٌ من العلماءِ إلى أن الإمامَ لا يجهرُ بالقراءةِ في ےے (١) انظر («المغني)) (٢٨٥/٣) نقل ذلك عن الشالنجي عن أحمد . (٢) كذا يمكن أن تقرأ، ولم يعجم الياء. (٣) جاء رسمها في ((م)): ((جارجلين))، ووضع فتحتين فوق الجيم الثانية، ولعل الصواب ما أثبتناه، وسيأتي (ص٨٣) تحت المسألة الثالثة ما يؤيد ما أثبتناه. (٤) وهو ((الشالنجي)). ٧٦ ٢٥ - باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين صلاة العيدينِ إلا بمقدارِ ما يسمعُ من يليهِ، رُويَ ذلكَ عن عليٍّ، وهو قولُ الحسنِ، والنخعيِّ، والثوريِّ. وذكرَ الحسنُ أنَّ النبيَّ ◌َه وأبا بكرٍ وعُمَر كانوا يُسمعونَ القراءةَ في العيدينِ والجمعةِ من يليهم. خرَّجُهُ المروزيُّ في كتابِ ((العيدينِ)). وهو قولُ الثوريِّ في الجمعةِ والعيدينِ جميعًا. وقالَ عطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ في الروايةِ الأخرَى: يصلّي من فاته العيدُ ركعتينِ بغيرِ تكبيرٍ. وهذه الروايةُ حكاها أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتابٍ (الشافي)). وقالَ أحمدُ: إنما التكبيرُ معَ الجماعةِ، وجعلَهُ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ كالتكبيرِ خلفَ المكتوبةِ في أيامِ التشريقِ . وروَى حنبلٌ، عن أحمدَ أنه مخيرٌ إن شاءَ صلَّى بتكبير، وإن صلَّى بغيرِ تكبيرٍ(١). وقالت طائفةٌ: من فاتته صلاةُ العيدِ معَ الإمامِ صلَّى أربعَ ركعاتٍ . رُوَيَ ذلك عنِ ابنِ مسعودٍ من غيرِ وجهٍ، وسوَّى ابنُ مسعودٍ بينَ من فاتتْه الجمعةُ، ومن فاتَه العيدُ، فقالَ في كلِّ منهما: (٤٤٠/ م) يصلِّي أربعًا. واحتجَّ به الإمامُ أحمدُ، ولا عبرةَ بتضعيفِ ابنِ المنذرِ له(٢)؛ فإنه رُويَ بأسانيدَ صحيحة . (١) كذا، ولعل صوابها: (وإن شاء صلى بغير تكبير))، أو: ((وإن صلى بغير تكبير جاز)). (٢) في ((الأوسط)) (٢٩٣/٤) بقوله: ((ولا أحسب خبر ابن مسعود يثبت، لأن الذي رواه مطرف عن الشعبي)) ا. هـ. ٧٧ كتاب العيدين وهذا قولُ الشعبيّ(١)، والثوريِّ، وأحمدَ (٢) في روايةٍ أُخْرَى عنه، وهي اختيارُ أبي بكرٍ عبدِ العزيزِ بنِ جعفرٍ من أصحابنا بناءً على اختيارِهم اشتراطَ الجماعةِ للعيدِ والاستيطانِ، ويكونُ الأربعُ عيدًا. نصَّ عليه أحمدُ في روايةِ الميمونيِّ، وهذا يشبهُ قولَ ابنِ شَاقَلًا: إن أدركَ تشهدَ الجمعة يصلِي أربعًا، وهي جمعةٌ له - كما سبقَ ذلكَ(٣)، وعلى هذا فيصلِّي وحدَهُ من غيرِ جماعةٍ. نصَّ عليه أحمدُ في روايةِ محمدِ بنِ الحكمٍ، وكذا ذكره أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. وإنما يصلِّي في جماعة إذا قلنا: يصلِّى صلاة العيد على صفتها، وهل يصلِّ الأربعَ بسلامٍ واحدٍ أو يخيرُ بينَ ذلكَ وبين صلاتها بسلامين؟ فيه عن أحمدَ روايتانٍ، واختارَ أبو بكرٍ صلاتها بسلامٍ واحد تشبيهًا لصلاتها بصلاة من تفوتُهُ الجمعةُ. وعن أحمدَ: يخيرُ بينَ أن يصلِّيَ ركعتين أو أربعًا . وهذا مذهبُ الثوريِّ الذي حكاهُ أصحابُهُ عنه، واستدلَّ أحمدُ بأنه رُويَ عن أنسٍ أنه صلَّى ركعتينٍ، وعن ابنِ مسعودٍ أنه صلَّى أربعًا، وكذلكَ رُويَ عن عليٍّ أنه أمرَ من يصلّي بضَعَفَةِ الناسِ في المسجدِ أربعًا، ولا يخطبُ بهم. وروَى أحمدُ بن القاسمِ، عن أحمدَ الجمعَ بينَ فعلِ أنسٍ، وقول ابنِ مسعود على وجه آخرَ: وهو: إن صلَّى من فاتَهُ العيد جماعةً صلَّى (١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٨٣/٢). (٢) انظر («المغني)) (٢٨٤/٣). (٣) (٣١٩/٨) تحت الحديث (٩٣٦). ٧٨ ٢٥ - باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين كصلاة الإمامِ ركعتينِ كما فعلَ أنسٌ، فإن صلَّى وحدَهُ صلَّى أربعًا كما قالَ ابنُ مسعودٍ. وقالَ إسحاقُ: إن صلاها في بيته صلاها أربعًا كالظهر، وإن صلاها في المصلَّى صلاها ركعتينِ بالتكبيرِ؛ لأنَّ عليّا أمرَ الذي يصلّي بصَعَفَةِ الناسِ في المسجدِ أن يصلِّيَ أربعًا: ركعتين مكانَ صلاة العيد، وركعتينٍ مكانَ خروجهم إلى الجبَّانِ. كذا رواه حنشُ بنُ المعتمر، عن علىّ(١). واعلم أن الاختلافَ في هذه المسألةِ ينبني على أصلٍ وهو: أن صلاةً العيدِ هل يشترطُ لها العددُ والاستيطانُ وإذنُ الإمامِ؟ فيه قولان للعلماء هما روايتان عن أحمدَ، وأكثرُ العلماء على أنه لا (٤٤١/م) يشترطُ لها ذلكَ، وهو قولُ مالك، والشافعيِّ. ومذهبُ أبي حنيفةَ وإسحاقَ: إنه يشترطُ لها ذلكَ. فعلى قول الأولينَ يصليها المنفردُ لنفسِهِ فِي السفرِ والحضرِ والمرأةُ والعبدُ، ومن فاتته جماعةً وفرادى؛ لكن لا يخطبُ لها بعد خطبة الإمامِ؛ لأن فيه افتئاتًا عليه وتفريقًا للكلمة . وعلى قولِ الآخرينَ لا يصليها إلا الإمامُ أو من أذن له، ولا تصلَّى إلا كما تُصلَّى الجمعةُ، ومن فاتته فإنه لا يقضيها على صفتها كما لا يقضي الجمعةَ على صفتها . ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا تُقضى بالكلية؛ بل (١) ورواية حنش بن المعتمر عن علي ضعيفة . ٧٩ كتاب العيدين تسقطُ، ولا يُصلِّي من فاتته معَ الإمامِ عيدًا أصلا، وإنما يصلِّي تطوعًا مطلقًا إن شاءَ صلَّى ركعتين، وإن شاءَ صلَّى أربعًا . وقالَ أحمدُ، وإسحاقُ: بل تُقْضَى، كما قالَ ابنُ مسعودٍ، وغيرُهُ من الصحابةِ(١). وليستِ العيدُ كالجمعةِ، ولهذا يصليها الإمامُ والناسُ معه إذا لم يعلموا بالعيدِ إلا مِنَ آخرِ النهارِ من غد يومِ الفطرِ، والجمعةُ لا تُقْضَى بعدَ خروجٍ وقتها، ولأن الخطبةَ ليست شرطًا لها فهي كسائرِ الصلواتِ بخلاف الجمعةِ . والذينَ قالوا: تُقْضَى إذا فاتت معَ الإمامِ لم يختلفوا أنها تُقْضَى ما دامَ وقتها باقيًا فإن خرجَ وقتها فهل تُقْضَى؟ قالَ مالكٌ: لا تقضَى، وعنِ الشافعيِّ قولان، والمشهورُ عندنا: أنها تُقضى. وخَرَّجوا فيها روايةً أخرَى: أنها لا تُقْضَى . وأصلُ ذلكَ أن السننَ الرواتبَ هل تُقضَى في غيرِ وقتها أم لا؟ وفيه قولانِ وروايتانِ عن أحمدَ؛ فإن فرضَ العيدِ يسقطُ بفعلِ الإمامِ، فيصيرُ في حقٍّ من فاتته سنَّةً. ولو أدركَ الإمامَ وقد صلَّى وهو يخطبُ للعيد؟ ففيه أقوالٌ: أحدُها: أنه يجلس فيسمعُ الخطبةَ، ثم إذا فرغَ الإمامُ صلَّى قضاءً، وهو قولُ الأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأبي ثورٍ، ونصّ عليه أحمدُ - أيضًا. (١) انظر ((المغني)) (٢٨٤/٣ - ٢٨٥) ٨٠