Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون الحديث : ٩٤٥ يَسُرُِّي بِلْكَ الصَّلاةِ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا. هذه الوَاقِعَةُ كَانَتْ فِي زَمَنِ عمرَ رضي اللهُ [عنه](١) سنةُ عشرينَ. قال خَلِيفَةُ بنُ خَيَّطِ في ((تاريخه)): نا ابنُ زُرَيْع (٢)، عن سعيد، عن قتادةَ، عن أنس قال: لم نُصَلِّ يومئذ صلاةَ الغَدَاة حتَّى انْتَصَفَ النَّهَار فما يَسُرُّنِي بِلْكَ الصَلاةِ الدُّنْيَا كُلُّها. قالَ خَلِيفَةُ: وذلك سنةُ عشرينَ(٣). ثُمَّ قالَ البخاريُّ: ٩٤٥ - نا يَخَْى: نا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيٍّ بنِ الْبَارَكِ عَنْ يَحْبِى بِنِ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَّعَّلَ يَسُبُّ كُفَّارَ فُرَيْش وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَت الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِّةِ: (وَأَنَا(٤) مَا صَلَيْتُهَا بَعْدُ، قَالَ: فَنَزَلَّ إِلَى بُطْحَانَ(٥) فَتَوَضَّأْ وَصلَّى الَعَصْرَ بَعْدَمَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى (١) لفظة ((عنه)) سقط من ((م))، والسياق يقتضي وجودها. (٢) في (م)): ((بن بزيع)) وهو تصحيف، وتصويبه من ((تاريخ خليفة)) (ص: ١٤٦) و((تغليق التعليق)) (٣٧٢/٢)، وكتب التراجم. (٣) ((تاريخ خليفة)) (ص١٤٦)، و((تغليق التعليق)) (٣٧٢/٢). (٤) كذا في ((م))، والذي في ((اليونينية)) و((إرشاد الساري))، و((عمدة القاري)): ((وأنا والله ما صلیتها)). (٥) فى ((م): ((بطحال)) وهو تصحيف، والتصويب من ((اليونينية)) وغيرها. هذا واختلف في ضبط ((بطحان)). قال القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) (١١٥/١): ((بُطْحان بضم الباء وسكون الطاء بعدها حاء مهملة، كذا يرويه المحدثون، وكذا سمعناه من المشايخ، والذي يحكيه أهل اللُّغة فيه: بَطحان بفتح الباء وكسر الطاء، وكذا قيَّده القالي في ((البارع)) والبكري في ((المعجم))، وقال البكري لا يجوز غيره)) ا. هـ. وكذا قال ياقوت في ((معجم البلدان)) (٥٢٩/١) وزاد أنه قول أبي حاتم. ٤٠١ الحديث : ٩٤٥ صلاة الخوف ٥٠٠ ٠ المَغْرِبَ بَعْدَهَا. يحيى شيخُ البخاريِّ قيل: إِنَّهُ ابنُ جعفرٍ بِنِ أَعْيَنَ البلخيُّ وقيل: إِنَّهُ ابنُ موسى بنِ عبدِ ربِّه (١) بنِ خَتِّ البلخيُّ، وكِلاهُمَا يَرْوِي، عن وکیع(٢). وقد خَرَّجَهُ البخاريُّ في آخرِ ((الَوَاقِيتِ)) مِن غيرِ وجهٍ، عن (٣٨٢/ م) يحيى ابنِ أبي كثيرٍ (٣). وسَبَقَ الكلامُ على وجهِ تأخيرِ النبيِّ وَِّ الصلاةَ في ذلكَ اليومِ: هل كانَ نسيانًا؟ أو اشتغالا بالحربِ؟ وعلى هذا التقدير: فهل هو منسوخٌ بنزول آيات صلاة الخوف كما رُويَ ذلكَ عن أبي سعيد الخدريِّ؟ أو هو محكمٌ باقٍ؟ والبخاريِّ يشيرُ إلى بقاءِ حكمِهِ من غيرِ نسخٍ. وقالَ كثيرٌ منَ العلماء: إنه نسخ بصلاةِ الخوفِ وحديث أبي سعيد (١) في ((م): ((عبد الله))، وهو تصحيف، وتصويبه من ((رجال صحيح البخاري)) للكلاباذي (٢/ ٨٠٠)، و((توضيح المشتبه)) (٢٢٦/٢)، و((تهذيب)) المزّي. (٢) قال أبو علي الجيَّاني في ((تقييد المهمل)) (ق/١٣٢/ ب): ((نسبه ابن السكن - أيضًا -: يحيى بن موسى، ونسبه أبو ذر، عن أبي إسحاق المُسْتملي: يحيى بن جعفر)» ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٤٣٦/٢): ((يحيى: حدثنا وكيع، كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية أبي ذر في نسخة: يحيى بن موسى))، وفي أخرى: ((يحيى بن جعفر)) وهذا المعتمد، وهي نسخة صحيحة بعلامة المستملي، وفي بعض النسخ: ((يحيى بن موسى بن جعفر)) وهو غلط، ولعله كان فيه: يحيى بن موسى، وفي الحاشية: ابن جعفر، على أنها نسخة، فجمع بينهما بعض من نسخ الكتاب .. )) ا. هـ. (٣) (٥٩٦). ٤٠٢ ٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون الحديث : ٩٤٥ يدلُّ عليه، وقد ذكرنَاهُ هنالكَ. وممن ذكرَ ذلكَ: الشافعيُّ وكثيرٌ من أصحابِنَا وغیرُهُم . وأما قولُ ابن إسحاقَ: إن صلاةَ عُسْفَان وذات الرِّقَاع كانت قبلَ الْخَنْدَق، ففيه نظرٌ، واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ، وكذلكَ ذكرَ ابنُ سعد أن غزوةَ ذات الرِّقَاعِ كانت على رأسِ سبعة وأربعينَ شهرًا من الهجرة وفيها صلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ، وهو أولُ ما صلاها (١). وقد ردَّ البخاريّ في ((المغازي)) من ((صحيحه)) هذا بوجهين. أحدهما: أن أبا موسَى شهدَ غزوةَ ذاتِ الرقاعِ، وأبو موسَى إنما جاءَ بعد خييرَ وذلكَ بعدَ الخندقِ(٢) . والثاني: أن جابرًا ذكرَ أن صلاةَ الخوف إنما كانت في السنةِ السابعةِ - ٠ وقد ذكرنا حديثَه هذا في البابِ الأولِ من ((أبوابٍ صلاة الخوف))(٣). وقد استدلَّ الإمامُ أحمدُ بهذا الحديثِ - أعني: حديثَ جابرٍ - في تأخيرِ الصلاةِ يومَ الخندقِ على جوازِ تأخيرِ الصلاةِ في حالِ الحربِ لمن لم يقدر على الوضوءِ إلا بعدَ الوقتِ في رواية جماعةٍ من أصحابه (٤)، وعنه روايةٌ أخرَى: أنه يَتَيَمَّمُ ويصلِّي في الوقتِ وَقَد سبقَ ذلكَ في (التيمم))(٥). فحملَ الإمامُ أحمدُ تأخيرَ الصلاةِ يومَ الخندق على أنه كانَ للاشتغال (١) ((طبقات ابن سعد)) (٦١/٢). (٢) (فتح: ٤١٢٨). (٣) سبق (ص٣٥٤) عند آخر شرحه لأول باب في صلاة الخوف. (٤) ((مسائل عبد الله)) (ص: ١٣٣). (٥) تحت شرحه للباب رقم (٣) ٤٠٣ الحديث : ٩٤٥ صلاة الخوف ءُ بالحرب كما حملَهُ البخاريّ. قَالَ الإمَامُ أحمدُ: وقد قيل: إنَّ ذَلكَ قبلَ نُزُول هذه الآية ﴿فَإِنْ خفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] يعني حيث أبي سعيد(١). وحديثُ أبي سعيدٍ إِنَّمَا يَدُلُّ على أنَّ ذلك قبلَ نُزُولِ صلاةِ شدة الخوفِ بِالإِيمَاءِ رِجَالا ورُكْبَانًا، لم (٢) يَدُلُ على أنَّ صَلاةَ الخوفِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ . والبخاريُّ قد قَرَّرَ في كتاب ((المغازي)) أنَّ صلاةَ الخوف(٣) إنَّما شُرعَتْ فِي السَّنَّةِ السابعةِ(٤)، وذلك بَعْدَ الْخَنْدَقِ بلا رَيْبٍ، ومع هذا فحمل(٥) التأخير يومَ الخندقِ مُحْكَمًا غيرَ مَنْسُوخِ بصلاةِ الخوفِ، ويكونُ الجَمْعُ بينهما بِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ حَالَ شِدَّةِ الخوفِ بين التأخيرِ وبين الصلاةِ (٣٨٣/ م) بالإِيِماءِ، كما يقولُهُ الإمامُ أحمدُ في روايةٍ عنه (٦). واجتماعُ الصَّحَابَةِ كُلِّهم على النِّسْيَانِ يومَ الخندقِ بعيدٌ جدّاً، إلا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النبيَّ وَّرَ هو النَّاسِي، وَإِنَّ الصَّحَابَةَ اتَّبَعُوَهُ على التَّأْخِيرِ مِن غير سُؤَالِ له عن سَبَيْهِ وَيَشْهَدُ له أَنَّه جَاءَ في رِوَايَةٍ للإمامِ أحمدَ أنَّ النَّبِيَّ (١) ((مسائل عبد الله)) (ص: ١٣٣). (٢) كذا في ((م))، ولعل الأليق: ((ولم)) بزيادة واو. (٣) كلمة ((الخوف)) سقطت من ((م))، ووضع الناسخ في هذا الموضع علامة لحق، وكتب في الهامش: لعله: ((الخوف)). (٥) فى ((م)) أشبه بـ: ((فجعل)) وتداخل حرف العين مع الجيم من (٤) (فتح: ٤١٢٥). الناسخ فكتب للبيان ((ع)) أسفل الكلمة لكي لا تشتبه بالميم والله أعلم. (٦) ذكر عبد الله في ((مسائله)) (ص: ١٣٣) أنه يُؤْخِّر الصلاة في هذه الحالة، وذكر ابن هانىء في ((مسائله)) (١٠٩/١) أنه يُؤمىء إيماءً. ٤٠٤ ٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون الحديث : ٩٤٥ وَلَّه قال: ((هَلَ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ العَصْر؟» قالوا: لا، فَصَلَاهَا(١) . وفيه دَلِيلٌ على رُجُوعِ الشَّاكِّ فِي أَصْلِ صَلاَتِهِ هل صَلَاَهَا، أَوْ لا إلى قولِ غيرِهِ كما يَرْجِعُ إلى قوله في الشَّكِّ في عَدَدِ مَا صَلَّى. وقد قَالَ الحَسَنُ في الرجلِ يَشُكُّ هل صَلَّى أَمْ لا؟: يُعيدُ ما كان في وَقْت تلْكَ الصلاةِ فإذا ذَهَبَ الوقتُ فلا إِعَادَةَ عليه. ذَكَرَهُ عبدُ الرَّرَاقِ بإسنادِهِ، عنه (٢). (١) ((المسند)) (١٠٦/٤) وفيه عبد الله بن لهيعة. (٢) ((المصنف)) (٣٤٤/٢). ٤٠٥ الحديث : ٩٤٦ صلاة الخوف ٥ - بَابُ .9- صَلاة الطَّالب والمطْلُوب راكبًا وإيمَاء أَوْ قَائمًا. وَقَالَ الْوَلِيدُ: ذَكَرْتُ للأوْزَاعِيِّ صَلاةَ شَرَحْبيل بن السِّمْطِ وَأَصْحَابِه عَلَى ظَهْرِ الدَّابَةِ فَقَالَ: ذَلِكَ(١) الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تَخَوَّفْتَ(٢) الفَوْتُ. ٠٠ وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبيِّ ◌َ: ((لايُصَلِّينَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَا فِي بَنِي قُرَيْظَة. ٩٤٦ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ: نا جُوَيْرِيةُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ لَنَا النَِّيُّ ◌َِ(٣) لَمَّ رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: ((لا يُصَلِيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ))، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حَتَّى نَأتِيهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَّدْ(٤) مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ(٥) لِلنَّبِيَِّ فَلَمْ يُعَنَّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. قد تقدمَ أَنَّ الأوزاعيَّ وأصحابَهُ ومنهم: الوليدُ بنُ مسلمٍ، يَرَوْنَ جَوَازَ صَلاة الخوف للطالب كما يَجُوز للمطلوبِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وأَنَّهم يَرَوْنَ تأخيرَ الصَّلاة عن وَقْتُها إذا لم يَقْدِرُوا على فعْلِهَا فِي وَقْتَهَا على (١) كذا في ((م))، والذي في ((اليونينية)) و((إرشاد الساري)) وغيرهما: ((كذلك)). (٢) كذا في ((م))، والذي في ((اليونينية))، و(إرشاد الساري)): ((تَخَوَّفَ))، و((تُخُوِّفَ)) بالضبطين. (٣) كذا في ((م))، والذي في ((اليونينية)) و((إرشاد الساري)): ((قال النبي بَلهلنا». (٤) واختلف في ضبط ((يرد)). قال القسطلاني: ببناء يرد للمفعول كما ضبطه العيني والبرماوي، وبالبناء للفاعل، كما ضبطه في ((المصابيح)) ا. هـ. (٥) كلمة: ((ذلك)) ليست في ((اليونينية)). ٤٠٦ ٥ - باب صلاة الطالب والمطلوب الحديث : ٩٤٦ وَجْهِ تَامٍّ كما تَقَدَّمَ - أيضًا(١). وقد اسْتَدَلَّ الوليدُ بنُ مُسْلمٍ لذلك بحديثِ ابنِ عُمرَ في البَعْثِ إلى قُرَيْظَةَ . وأَمَّا صلاةُ شُرَحْبِيلَ بنِ السِّمْطِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بها الأوزاعيَّ .](٢) . . ] ومما يَتَفَرَّعُ على جوازِ صلاةِ الطالب صَلاةُ شدَّة الخوف أَنَّ مَن كان ليلةَ النَّحْرِ قَاصِدًا لِعَرَفَةَ، وخَشِيَ أَنْ يَفُوتَهُ(٣) (٣٨٤/م) عَرَفَةُ قبلَ طُلُوع الفجرِ، فإِنَّهُ يُصَلِّي صلاةَ شدةِ الخوفِ، وهو ذَاهِبٌ إلى عرفةَ، وهو أَحَدُ الوجهينِ لأصحابِنَا، ولأصحابِ الشافعيِّ - أيضًا - وضَعَّفَهُ بعضُ أصحابِهِم بِأَنَّهُ ليس بِخَائِفٍ، بل طالبٌ. والصحيحُ: أَنَّا إِنْ قلنا: يجوز صلاةُ الطالب، جَازَتْ صَلاتُهُ، وإلا فلا يجوزُ، أو یکونُ فیه وجهانِ . وهل يجوزُ تأخيرُ العشاءِ إلى بعدِ طلوعِ الفجرِ؟ فيه - أيضًا - وجهان للشافعيةِ، ولأصحابِنَا . وأمَّا اسْتَدْلالُ الوليدِ بحديثِ ابنِ عُمرَ فِي ذِكْرِ بنِي قُرَيْظَةَ فإِنَّمَا يَتِمُّ ذلك إذا كان الَّذِين لم يُصَلُّوا العصرَ حتَّى بَلَغُوا بَنِي قُرَيْظَةَ لم يُصَلُّوهَا إِلا بعد غروبِ الشمسِ، وليس ذلك في هذا الحديثِ، فإِنَّ حديثَ ابنِ عُمرَ إِنَّما يَدُلُّ على أَنَّ بَعْضَهُمْ أَخَرَّ العَصْرَ إلى بني قُرَيْظَةَ فقد يكونُوا صَلَّوْهَا (١) علَّقه البخاري في بداية الباب السابق. (٢) ما بين المعقوفين بياض في ((م)) قدر سطر ونصف. (٣) في ((م)) بنفس الرسم ولكن بدون نقط الياء. ٤٠٧ الحديث : ٩٤٦ صلاة الخوف في آخرٍ وَقْتِهَا . وهذا لا إِشْكالَ في جَوَازِهِ، وممن ذَهَبَ إلى ذلك الخطابيّ ورَدّ به على من اسْتَدَلَّ بالحديثِ على أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ(١). وذَهَبَ آخرونَ إلى أَنَّ الذين صَلَّوْا في بني قُرَيْظَةَ صَلَّوْا بعد غُروب الشمس، واسْتَدَلُّوا بأَنَّ مُسْلِمًا خَرَّجَ الحديثَ ولفظه عن ابن عمر: قال: نَادَى مُنَّادِي رسولِ اللهِ وَلَّهِ يومَ انْصَرَفَ من الأحزابِ: أَنْ لا يُصَلِّي أحدٌ العصرَ إلا في بني قُرَيْظَةَ، فَتَخَوَّفَ ناسٌ فَوْتَ الوقتِ فَصَلَّوْا دَوْنَ بني قُرَيْظَةَ، وقال آخرونَ: لا نصَلِّي إلا حيث أمَرَنَا رسولُ اللهِ وَّهِ وَإِنْ فَاتَنَا الوقتُ، قال: فما عَنَّفَ رسولُ اللهِ وَّهِ وَاحِدًا من الفريقينِ(٢). وخرّجَ البيهقيُّ بإسناد فيه نظرٌ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ أَنَّ عمه عبدَ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ النبيَّ ◌َلّ عَزَمَ على الناسِ لَمََّ رَجَعَ منَ الأحْزَابِ أَنْ لا يُصَلُّوا صلاةَ العصرِ إلا في بني قُرَيْظَةً، قال: فَلَبِسَ الناسُ السِّلاحَ فلم يَأْتُوا بني قُرَيْظَةَ حتَّى غَرَبَتِ الشمسُ فَاخْتَصَمَ الناسُ عند غروب [الشمس](٣) فقال بَعْضُهم: إِنَّ رسولَ اللهِ وَّه عَزَمَ علينا ألا نُصَلِّيَ حَتَّى نَأْتِي بني قُرَيْظَةَ فإنَّما نحن في عَزَيْمَةِ رسولِ اللهِ ◌ِّ﴿ فليسَ علينا إِثْمٌ، وصَلَّى طائفةٌ من الناسِ احْتسابًا، وتَرَكَتْ طائفةٌ منهم الصلاةَ حتَّى غَرَبَتِ الشمسُ فَصَلَّوْهَا حين جَارُوا بني قُرَيْظَةَ احْتسَابًا (٣٨٥/م) فلم يُعَنِّفْ رسولُ اللهِ وَّهِ وَاحدًا منَ (٢) مسلم (١٧٧٠). (١) ((أعلام الحديث)) (٥٨٨/١). (٣) في ((م): ((الناس)) وهي تحريف، وتصويبها من ((الدلائل)) للبيهقي، و(«البداية والنهاية)) (١١٧/٤) لابن كثير وغيرهما. ٤٠٨ ٥ - باب صلاة الطالب والمطلوب الحديث : ٩٤٦ (١) الفريقين(١). وهذا مُرْسَلٌ. وقد ذَكَرَهُ موسى بنُ عُقْبَةَ في ((مغازيه))، عن الزهريِّ مَرَسَلا بغيرِ إسنادِ الزهريِّ بالكلية، وهو أَشْبَهُ. وخرَّجَ البيهقيُّ نحوه - أيضًا - من طريقِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمرَ العمريِّ، عن أخيه عُبيدِ اللهِ، عن القاسمٍ، عن عائشةَ، وفي حديثها: فَغَرَبَت الشمسُ قبل أَنْ يَأْتُوهم فَصَلَّتْ طائفةٌ إِيمَانًا واحْتِسَابًا، وتَرَكَتْ طَائفةٌ إِيْمَانًا واحْتِسَابًا، ولم يُعَنِّفْ رسولُ اللهِ وَّهِ وَاحِدًا من الفريقينِ(٢). والاسْتدْلالُ بهذا الحديثِ على تأخيرِ الصلاةِ للاشْتِغَالِ بالحربِ اسْتَدْلالٌ ضَعِيفٌ، وكذلك الاسْتِدْلالُ به على تَأْخِيرِ الصَّلاةِ لطالبِ العَدُوِّ، وأَنَّ يومَ ذَهَابِهِم إلى بني قُرَيْظَةً لم يكنْ هناك حربٌ تُشْغِلُ عن صلاة، ولا كانوا يَخَافُونَ فَوَاتَ الطفر(٣) ببني قُرَيْظَةَ بالاشْتِغَالِ بالصلاةِ بالكلية، وإِنَّمَا وَقَعَ التَّنَازِعُ بين الصحابةِ في صلاةِ العصرِ في الطريقِ الْتِفَاتًا إلى لفظِ النَّبِيِّ بِّهِ وإلى معنى كَلامِهِ، ومُرَادِهِ، ومَقْصُودِهِ، فمنهم: من تَمَسَّكَ بظاهرِ اللَّفظ، ورَأَى أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ العصرَ إلا في بني قُرَيْظَةَ، وإِنْ فَاتَ وَقْتُها، وتكون هذه الصلاةُ مخصوصةً من عُمُومِ أحاديثِ المواقيتِ بِخُصُوصِ هذا النصِ، وهو النَّهْيُ عن الصلاةِ إلا في بني قُرَيظَةَ، ومنهم مَن نَظَرَ إلى المعنى وقال: لم يُرِد النبيّ وَِّ ذلك، (١) ((دلائل النبوة)) (٤ /٧). (٢) ((دلائل النبوة)) (٨/٤). (٣) كذا في ((م)): ((الطفر))، ولعلها: ((الظهر)). ٤٠٩ الحديث : ٩٤٦ صلاة الخوف وإنَّما أرَادَ مِنَّا تَعْجِيلَ الذهابِ إلي بني قُرَيْظَةَ في بقيةِ النهارِ، ولم يُرِدْ تَأْخِيرَ الصلاة عن وَقْتِهَا، ولا غَيَّرَ وقتَ صلاةِ العصرِ في هذا اليومِ؛ بل هو باقٍ على ما كان عليه في سَائِرِ الأيامِ. وهذا هو الأَظْهَرُ، والله أعلم. ولا دِلالَةَ في ذلكَ على أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؛ بل فيه دلالَةٌ على أَنَّ المجتهد سَوَاءٌ أَصَابَ أو أَخْطَأَ فإنَّه غيرُ مَلُومٍ على اجْتِهَادِهِ؛ بل إِنْ أَصَابَ كان له أجرانٍ، وإِنْ أَخْطَأَ فَخَطَؤُهُ(١) مَوْضُوعٌ عنه وله أَجْرٌ على اجْتَهَادِهِ . ٠٠ ومَن اسْتَدَلَّ بالحديث على أَنَّ تَارِكَ الصلاة عَمْدًا يَقْضى بعدَ الوَقْتِ فقد وَهِمَ، فإِنَّ مَن أَخَّرَ الَصلاةَ فِي ذَلِكَ كان بِاجْتِهَادِ سَائِغٍ فهو في معنى النَّائم والنَّاسي، وأَوْلَى، فإِنَّ التأخيرَ بالتأويلِ السائغِ أَوْلَى بأَنْ يكونَ (٣٨٦/ م) صَاحِبُهُ مَعْذُورًا. (١) في ((م)): ((فخطاوه)) . ٤١٠ الحديث : ٩٤٧ ٦ - بَابُ التَّْكِيرِ والْتَغَلِيسِ(١) بالصَُّحِ، وَالصَّلاةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالْحَرْبِ. ٩٤٧ - حدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: نا حَمَّادُ بنُ زَيْدِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَذَابِتٍ(٢)، عَنْ أَنَسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ صَّلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبُّ فَقَالَ: (الهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا تَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ قَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)). وذَكَرَ بقيةَ الحديثِ . وفي آخرِهِ قِصَّةُ صفيةَ وتَزَوُّجُ النَّبِيِّ نَّهِ لِها وَجَعْلُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا . وقد تقَدَّمَ أَوَّلُ الحديثِ في ((أَبْوابِ الأَذَانِ)) من حديثِ حُمَّيْدٍ(٣)، عن (٤) أنسٍ (٤). والمقصودُ منه هَاهُنَا: أنَّ النَّبِىَّ وَ لَّا أَرَادَ الإِغَارَةَ على أهلِ خيبرَ، ولم يَكُنْ عندهم عِلْمٌ من قُدُومِ النَّبِيِّنَّهَ بَكَّرَ النَّبِيُّ وَهِ بالصبحِ وصَلَاهَا بِغَلَسٍ، ثم أَغَارَ عليهم. فَيُسْتَفَادُ من ذلك أَنَّه يُسْتَحَبُّ لمن أَرَادَ الإِغَارَةَ على المشركينَ أَنْ يُعَجِّلَ بصلاة الصبحِ في أولٍ وَقْتِهَا ثُمَّ يُغيرُ بعدَ ذلك. (١) كذا في ((م)) والذي في ((اليونينية)): ((والغلس)). (٢) في ((اليونينية)) بزيادة: ((البُناني)). (٣) في ((م): ((صهيب))، وهو تصحيف، وتصويبه من ((اليونينية))، و((تحفة الأشراف)). (١٧٦/١) وغيرهما. (٤) (٦١٠) . ٤١١ الحديث : ٩٤٧ صلاة الخوف ورَوَى وَكِيعٌ في ((كتابِهِ))، عن عِمْرَانَ بنِ حُدَيْرِ، عن أبي عِمْرَانَ قال: صَلَيْتُ مع أبي موسى الغَدَاةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فِي غَدَاةِ وَاَحدَةٍ كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُغِيرَ على قومٍ . ومعنى هذا: أنَّ أبا موسى الأشعريَّ لَمَّا أَرَادَ الإِغَارَةَ عَجَّلَ بصلاةٍ الصُّبْحِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَاهَا قبلَ طُلُوعِ الفجرِ فَأَعَادَهَا، فعل ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ في يومٍ واحدٍ . ٤١٢ الحديث : ٩٤٨ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١٣ - أَبْوَابُ الْعیدین ١ - بَابٌ فِي الْعِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلُ فِيهِمَا ٩٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بنُ عَبْدِ الله أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَّرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقِ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ الله ◌ِ فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ ابْتَعْ هَذَه؛ تَجَمِّلْ بِهَا لِلْعَيْدِ وَالْوُفُودِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌َ: ((إنَّمَا يَلَبَسُ هَذه (١) مَنَّ لاخَلاقَ لَّهُ». ثُمَّ ذَكَرَ بقيةَ الحديثِ فِى إِرْسَالِ النَّبِىِّ ◌َِِّ بِجُبَّةِ دِيَاجٍ إلى عُمرَ. وقد سَبَقَ في كتابِ ((الجمعة)) من طريقِ مالكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، وفيه: لو اشْتَرَيْتَ هذه للجمعة والوفود (٢) وهي قَضيّةٌ (٣٨٧/ م) وَاحِدَةٌ، واللهُ أعلمُ. وقد يكونُ يريدُ بالعيدِ جِنْسَ الأَعْيَادِ فَيَدْخُلُ فيه العيدان والجمعةُ. وقد دَلَّ هذا الحديثُ على التَّجَمُّلِ للعيدِ، وأَنَّهُ كان مُعْتَادًا بينهم . وقد تقدَّم(٣) حديثُ لُّبْسِ النَّبيِّ وَّر في العيدينِ بُرْدَهُ الأَحْمَرَ وإلى (١) في ((اليونينية))، والقسطلاني: ((إنما هذه لباس)). (٢) سبق (٨٨٦)، ولفظه: ((لو اشتريت هذه فلبستها للجمعة، وللوفد)). (٣) (ص١١٧) تحت الحديث (٨٨٦)، وقبله (٣٧٦). ٤١٣ الحديث: ٩٤٨ كتاب العيدين هذا ذَهَبَ الأكثرونَ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأَصْحَابِنَا وغيرِهم. وقال ابنُ الْمُنْذِرِ (١): كان ابنُ عمرَ يُصَلِّي الفجرَ وعليه ثِيَابُ العيد وقال مالكٌ: سمعتُ أَهْلَ العلمِ يَسْتَحِبُّونَ الزِّينَةَ والطِّيبَ في كلِّ عِيدٍ؛ وَأَسْتَحَبَّ الشافعيُّ(٢) . وخرَّجَ البيهقيَّ بإسنادٍ صحيحٍ عن نافعٍ، أَنَّ ابنَ عُمرَ كانَ يَلْبَسُ فى العيدينِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ(٣). والمَنْصُوصُ عن أحمدَ في الْمُعْتَكِفِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ إلى العيدِ في ثِيَابِ اعْتَكَافِه، وحكَاهُ عن أبي قِلابَةَ . وأمَّا عن المُعْتَكِفِ فالمنصوصُ عن أحمدَ أَنَّه يُخَّرُ بين التَّزَيُّنِ وتَرْكِهِ. قال المَرُّوذيُّ: قُلْتُ لأحمدً(٤): أَيُّمَا أَحَبُّ إليك أَنْ تَخْرُجَ يومَ العيدِ فى ثِيَابِ جِيَادٍ، أو ثِيَابِ رَّةٍ؟ قال: أَمَّا طاوسٌ فَكَانَ يَأْمُرُ بِزِينَةِ الصِّبْيَانِ حتَّى يُخْضَبُوا، وأَمَّا عطاءً، فقال: لا، هو يومُ تَخَشَّعِ. فقلت لأحمدَ فإلى ما تَذْهَبُ؟ قال: قد رُويَ هذا وهذا، واستَحْسَنَهُمَا جميعًا . ذَكَرَهُ أبو بكرِ بنُ جعفرٍ فِي كِتَابِهِ ((الشَّافِي))، عن الخَلال، عنه. وحَكَاهُ القَاضِي في ((شَرْحِ المذهب)) مُخْتَصَرًا وفيه: وقال عطاءٌ: لا، هو (١) في («الأوسط)) (٢٦٤/٤). (٣) البيهقي (٢٨١/٣). (٢) زاد في ((الأوسط)): ((ذلك)). (٤) انظر («المغني)) (٢٥٨/٣). ٤١٤ ١ - باب في العيدين والتجمل فيهما الحديث: ٩٤٨ يومُ تَخَشُّعٍ وهذا أَحْسَنُ(١). ومما يَتَّصلُ بذلك: الغسلُ للعيدين ، وقد نَصَّ أحمدُ على اسْتَحْبَابِه، وحكى ابنُ عبدِ البَرِ الإجماعَ عليه(٢). وكان ابنُ عُمرَ يفعلُه، كذا رَوَاهُ نافعٌ، عنه. ورَوَاهُ عن نافعٍ: مالكٌ، وعُبِيدُ اللهِ بنُ عُمرَ، وموسى بنُ عُقْبةَ، وابنُ عَجْلانَ، وابنُ إسحاقَ، وغيرُهم(٣). ورَوَى أيوبُ عن نافع قال: ما رَأَيْتُ ابنَ عُمرَ اغتسلَ للعيد؛ كان يَبِيتُ في المسجدِ ليلةَ الفِطْرِ ثم يَغْدُو منه إذا صَلَّى الصُّبْحَ إلى المُصَلَّى. ذَكَرَهُ عبدُ الرزاقِ(٤)، عن مَعْمَرٍ، عنه. وعَجِبَ ابنُ عبدِ البَرِ من رِوَايَةٍ أيوبَ لُخَالَفَتَهَا روايةَ مالك، وغيرَه، عن نافعٍ. ولا عَجَبَ مِنْ ذلك فقد يُجْمَعُ بينهما بأَنَّ ابنَ عُمرَ كان إذا اعْتَكَفَ بَاتَ ليلةَ الفِطْرِ في المسجدِ ثُمَّ يخرجُ إلى العيد على هَيْئَة اعْتكَافِه - كما قال أحمدُ، ومَنْ قَبْلَهُ مِنَ السَّلَفِ -، وهو قولُ مالكِ - أيضًا - وإِنْ لم يَكُنْ مُعْتَكِفًا اغْتَسَلَ، وخَرَجَ إلى المُصَلَّى. (١) انظر («المغني)) (٢٥٧/٣ - ٢٥٨). (٢) ((التمهيد)) (٢٦٦/١٠). (٣) انظر ((الموطأ)) (ص١٢٧)، و((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٨١/٢)، ولعبد الرزاق (٣٠٩/٣ - ٣١٠)، و((الأوسط)) لابن المنذر (٢٥٦/٤ - ٢٥٧)، و((المغني)) (٢٥٦/٣ - ٢٥٧)، و((السنن)) للبيهقي (٢٧٨/٣)، و((المعرفة)) له (٤٩/٥ - ٥٠)، و((أحكام العيدين)) للفريابي (ص٧٨). (٤) في ((المصنف)) (٣٠٩/٣). ٤١٥ الحديث : ٩٤٨ كتاب العيدين وممن رُوِيَ عنه الغسلُ للعيدِ - أيضًا - من الصَّحَابَةِ: عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عباسٍ، وسَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، والسَّائِبُ بنُ يزيدَ، وقال ابنُ المسيبِ: هو سنةُ الفِطْرِ(١) . ورَوَى مالكٌ(٢)، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ (٣٨٨/ م) بنِ السَّبَّاقِ أَنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال في جمعةِ من الجُمَعِ: ((يا مَعْشَرَ المسلمينَ! إنَّ هذا اليومَ جَعَلَهُ اللهُ عيدًا فَاغْتَسِلُوا، ومَن كان عنده طيبٌ فلا يَضُرُّهُ أَنْ لا يَمَسَّ منه، وعليكم بالسواكِ)). وهذا تَنِيهٌ على أَنَّ ذلك مَأْمُورٌ به في كلِّ عيدٍ للمسلمينَ. رَوَاهُ(٣) صالحُ بنُ أبي الأَخْضَرِ، عن الزهريِّ، عن عُبيدٍ، عن ابنِ عباسٍ. خَرَّجَهُ ابنُ ماجه(٤). ورِوَايَةُ مالكِ أَصَحُّ. ورَوَاهُ بعضُهم، عن مالك، عن سعيدِ الَقْبُرِيِّ، عن أبيه، عن أبي ءِ هَ روُ هريرةَ، عن النّبِيِّ وَلِّ. خرّجَهُ كذلك الطبرانيّ، وغيرُهُ(٥) . وهو وَهْمٌ على مالكِ. قاله أبو حاتمِ الرَّازِيُّ، والبيهقيُّ، (١) انظر ((الموطأ)) (ص١٢٧)، و((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٨١/٢)، ولعبد الرزاق (٣٠٩/٣ - ٣١٠)، و((الأوسط)) لابن المنذر (٢٥٦/٤ - ٢٥٧)، و((المغني)) (٢٥٦/٣ - ٢٥٧)، و((السنن)) للبيهقي (٢٧٨/٣)، و((المعرفة)) له (٤٩/٥ - ٥٠)، و((أحكام العيدين)) للفريابي (ص٧٨). (٢) في ((الموطأ)) (ص: ٦٤). (٤) (١٠٩٨). (٣) كذا، ولعلها: ورواه. (٥) الطبراني في «الأوسط)) (٣٤٣٣)، و((الصغير)) (٣٥٠)، والبيهقي (٢٩٩/١)، (٢٤٣/٣) من رواية يزيد بن سعيد الصباحي، عن مالك . ٤١٦ ١ - باب في العيدين والتجمل فيهما الحديث: ٩٤٨ وغيرُهما (١). ورَوَى صَبِيحُ أبو الوَسِيمِ: نا عُقْبةُ بنُ صُهْبَانَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ بَّةَ: ((الغُسْلُ وَاجِبٌ في هذه الأيامِ: يومَ الجمعةِ، ويومَ الفِطْرِ، ويومَ النَّحْرِ، ويومَ عَرَفَةَ»(٢). غَرِيبٌ جدّاً وصَبِيحٌ هذا لا يُعْرَفُ. وخرَّجَهُ ابنُ ماجه من رِوَايَةِ الفاكِهِ بنِ سعدٍ - وله صحبةٌ - أَنَّ النَّبيَّ وَّه كان يَغْتَسِلُ يومَ الجمعةِ، ويومَ عرفةَ، ويُومَ الفِطْرِ، ويومَ النَّحْرِ. وكان الفَاكِهُ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالغسلِ في هذه الأيامِ(٣). وفي إِسنادِهِ يوسفُ بنُ خالدِ السَّمْتِيُّ، وهو ضعيفٌ جدّاً. (١) قال أبو حاتم في ((العلل)) لابنه (٢٠٥/١): ((وهم يزيد بن سعيد في إسناد هذا الحديث؛ إنما يرويه مالك بإسناد مرسل)). لكن قال الطبراني: ((لم يروه عن مالك إلا يزيد بن سعيد، ومعن بن عيسى)). ومعن من أوثق الناس في مالك، قاله أبو حاتم لكن ذكر الدارقطني في ((العلل)) (٣٨٥/١٠) أنه روى عن معن، عن مالك موقوفا، فالله أعلم. وقال البيهقي في الموضع الأول: ((هكذا رواه [مسلم عن] هذا الشيخ، عن مالك. ورواه الجماعة عن مالك، عن الزهري، عن ابن السباق، عن النبي ◌ُّ مرسلا)). وما بين المعقوفين لا ندري ما معناه، وهو خطأ ظاهر، واختصره الذهبي في ((المهذب)» (٢٩٩/١)، فلم يورد من تحت يزيد، وقال: هكذا رواه هذا الشيخ ... وقال البيهقي في الموضع الآخر بعد أن أورد الطريق المرسل: ((هذا هو الصحيح مرسل، وقد روي موصولا، ولا يصح وصله ... والصحيح: ما رواه مالك، عن الزهري مرسلا)) . وانظر ((العلل)) للدار قطني (٣٨٤/١٠ - ٣٨٥). (٢) أخرجه الدولابي في ((الكنى)) (١٤٧/٢). (٣) ابن ماجه (١٣١٦). ٤١٧ الحديث : ٩٤٨ كتاب العيدين وخرَّجَ ابنُ ماجه، عن جُبَارَةً(١) بنِ مُغَلِّسٍ، عن حَجَّاجِ بنِ تَمِيمٍ، عن ميمونِ بنِ مِهْرَانَ، عن ابنِ عباسٍ: كان رسولُ اللهِ وَلَه [يغتسلُ](٢) يومَ الفطرِ ويومَ الأَضْحَى(٣) . وحَجَّاجُ بنُ تَمِيمٍ، وجُبَارَةٌ(٤) بنُ مُغَلِّسٍ ضعيفاٍ . ورَوَى مِنْدَلٌّ، عن محمدِ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ أبي رَافِعٍ، عن أبيه، عن جدِّ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَان يَغْتَسِلُ للعيدينِ. خرَّجَهُ البَزَّارُ(٥). ومحمدٌ هذا ضعيفٌ جدّا (٦). والغسلُ للعيدِ غيرُ واجبٍ، وقد حَكَى ابنُ عبدِ البرِ الإجماعَ عليه، ولأَصْحَابِنَا وجهٌ ضعيفٌ بِوُجُوبِهِ. ورَوَى الزهريُّ، عن ابنِ الْمُسَيَّبِ قال: الاغْتِسَالُ للفِطْرِ والأضْحَى قبلَ أَنْ يخرجَ إلى الصلاةِ حق(٧). وخَرَّجَ أبوبكرٍ عبدُالعزيزِ بنُ جعفرٍ في كتابه (الشَّافِي)) بإسنادِ ضعيف، عن الحارثِ، عن عليٍّ قال: كان بَعْضُنَا يَغْتَسِلُ، وبَعْضُنَا يَتَوَضَّأُ، فَلا يُصَلِّي أَحدٌ مِنَّا قَبْلَهَا، ولا بَعْدَهَا حَتَّى يخرجَ النَّبِيُّ ◌َهُ. ويُسْتَحَبُّ - أيضًا - التَّطَيُّبُ والسِّوَاكُ في العيدينِ، وكان ابنُ عُمرَ (١) في ((م): ((حبادة)) بغير إعجام، وبالدال، خطأ، وقد تكرر، والصواب: جبارة - بالجيم المضمومة، والباء الموحدة، والراء. (٢) ما بين المعقوفين سقط من ((م))، وهو ثابت فى ((السنن)) لابن ماجه. (٣) ابن ماجه (١٣١٥). (٤) في ((م): ((حنادة))، خطأ، وقد سبق. (٥) (٣١١/١ - كشف). (٦) ومندل بن علي، ضعيف. (٧) ابن أبي شيبة (١٨١/٢)، وانظر عبد الرزاق (٣٠٩/٣). ٤١٨ ١ - باب في العيدين والتجمل فيهما الحديث: ٩٤٨ يَتَطَّبُ للعيدِ. ورَوَى (٣٨٩/م) أبو صالحٍ، عن الليثِ بنِ سعدٍ: حدثني إسحاق ابنُ بَزُرْج(١)، عن الحسنِ بنِ عليٍّ قال أَمَرَنَا رسولُ اللهِ وَلَّهِ أَنْ نَلْبَسَ أَجْوَدَ ما نَجِدُ، ونَتَطَيِّبَ بأَجْوَدَ ما نَجِدُ، وأَنْ نُضَحِّي بِأَسْمَنَ ما نَجِدُ، وأَنْ نُظْهرَ التكبيرَ، وعَلَّمَنَا السَّكِينَةَ والوَقَارَ. خرّجَهُ الطبرانيُّ والحاكمُ (٢) وقال: لولاجَهَالَةُ إسحاقَ بن بَزْرج لَحَكَمْنَا للحديث بالصحةِ . قلت: ورَوَيْنَاهُ من وجهٍ آخرَ من طريقِ ابنِ لَهِيعةَ: حدثني عبدُالرحمنِ ابنُ زيادِ بنِ أَنْعُمَ، عن عُتْبَةَ(٣) بنِ حُميدٍ، عن عُبادةَ بنِ نُسَيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنْمٍ، عن معاذٍ قال: كانَ رسولُ اللهِ وَِّ إذا غَدَا إلى (١) بفتح الباء المعجمة بواحدة، وبعدها زاي مضمومة، وراء ساكنة ثم جيم كذا ضبطه ابن ماكولا (٢٥٦/١). وقيده الحافظ في ((لسان الميزان)) (٣٥٣/١) بضم الموحدة، وكذا ضبطه العلامة المعلمي في («تاريخ البخاري)) (٣٨٢/١) ضبط قلم. وعندما أورده الحافظ في ((التبصير)) (٧٩/١) قال: ((بالفتح: جماعة))، ولم يذكر الضم، فالله أعلم بالصواب . (٢) الطبراني في «الكبير)) (٩٠/٣ - ٩١)، والحاكم (٢٣٠/٤ - ٢٣١). ووقع في ((المستدرك)): ((عن إسحاق بن بزرج، عن زيد بن الحسن بن علي، عن أبيه)) بزيادة ((زيد بن الحسن بن علي))، ومثله في ((تلخيص الذهبي)). وإنما يرويه إسحاق، عن الحسن بن علي نفسه، كذا في (تاريخ البخاري)) (٣٨٢/١)، و ((الجرح والتعديل)) (٢١٣/٢)، و((ثقات ابن حبان)) (٢٤/٤)، و((الميزان)) (١٨٤/١)، و((لسان الميزان)). (٣) في (م)): ((عقبة))، خطأ، والصواب ما أثبتناه، وهو كذلك في إسناد حديث التنشيف كما سیأتی . ٤١٩ الحديث : ٩٤٨ كتاب العيدين المُصَلَّى أَمَرَنَا أَنْ نَلْبسَ أَجْوَدَ ما نَقْدِرُ عليه من القِّيَابِ، وأَنْ نخرجَ وعلينا السَّكِينَةُ، وأَنْ نَجْهَرَ بالتكبيرِ . وهذا منكرٌ جدّاً، ولعله مما وَضَعَهُ المصلوبُ، وأُسْقطَ اسمُهُ منَ الإسناد؛ فإنه يُرْوَى بهذا الإسناد أَحَادِيثُ عَديدَةٌ منكَرَةٌ تَرْجِعُ إلى المصلوبِ، ويُسْقَطُ اسْمُهُ مِن إِسْنَادِهًا - كحَديثِ التَّْشِيفِ بعد الوُضُوءِ (١)، و واللهُ سبحانه وتعالى أعلم. وهذا التَّزَيُّنُ في العيد يَسْتَوِي فيه الخارجُ إلى الصلاةِ، والجالسُ فِي بيته حتَّى النساءُ والأطفالُ، وقد تقدمَ ذلك عن طاوسٍ . وقال الشافعيّ: تزين الصبيان بالمصبغِ والحُلِيِّ ذُكُورًا كانوا أو إناثًا؛ لأَنَّهُ يُومُ زِينَةٍ، وليس على الصَِّانَ تَعَبُّدٌ فَلاَ يُمْنَعُونَ من لُبْسِ الذهبِ (٣). قال بعضُ أصحابِهِ: أنَّفَقَ الأصحابُ على إِبَاحَةِ زينةِ الصبيانِ يومَ العيدِ بالمصبغِ، وحُلِيُّ الذَّهَبِ والفضةِ، واخْتَلَفُوا في غيرِ يومِ العيدِ على وجھین . وأمَّا أَصْحَابُنَا فلم يُفَرِّقُوا بين عيدِ وغيرِهِ وحَكَوْا فِي جَوَازِ إلباسٍ الوليُّ الصبيَّ الحريرَ والذهبَ رِوَايتينِ. (١) أخرجه الترمذي (٥٤)، والبيهقي (٢٣٦/١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٤١٨٢)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٣٥٣/١) من طريق قتيبة، عن رشدين بن سعد، عن عبدالرحمن بن زياد بن أنعم بهذا الإسناد. وأخرجه البزار في ((مسنده)) (٢٦٥٢) من طريق الهيثم بن خارجة، عن رشدين، به ولم يذكر ((عتبة بن حميد)) بين ابن أنعم، وعبادة. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٦٨ - ٦٩) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، عن الأحوص بن حكيم، عن محمد بن سعيد المصلوب، عن عبادة. (٢) انظر ((الأم)) (١/ ٢٣٣). ٤٢٠