Indexed OCR Text

Pages 181-200

الحديث : ٩٠٦
١٧ - بَابٌ
إِذَا اشْتَدَّالْحَرُّيَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ: نَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ: نَا أَبُو
خَلْدَةَ - هو خَالدُ بنُ دِينَار - قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسَ بْنَ مَالَكَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ
وَ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بالصلاةِ، وَإِذَاَ (٢٧٧ / ٢) اشْتَدَّ الْخَرَّ أَبْرَدَ بالصلاة -
يَعْنِي: الجُمُعَةَ.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَير: أَنَا أَبُو خَلْدَةَ وَقَالَ: ((بالصَّلاة)) وَلَمْ يَذْكُرٍ
الجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بنُ ثَابِتَ: نَا أَبُو خَلْدَةَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ، ثُم قَالَّ
لأَنْس(١): كَيِّفَ كَانَ النَّبِيَُّهِ يُصلِّي الظُّهْرَ؟.
خَرَّجِ الإسماعيليُّ فِي صَحِيحِهِ - وهو المستخرجُ على صحيحِ البخاريِّ
- من طريقِ هارونَ بنِ عبدِ اللهِ، عن حَرَمِيِّ بنِ عمارةَ: حدثني أبو خلدةً
قَالَ: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ، وناداه يزيدُ الضبي: يا أبا حمزةَ قد شهدتَ
الصَّلاةَ مع رسولِ الله وَّةُ وشهدتَ الصَّلاةَ معنا، فكيفَ كَانَ رسولُ الله
ءَ
وَلَه يُصلِّي الجمعةَ؟ فقال: كَانَ إذا اشتدَّ البردُ بكَّرَ بالصَّلاة، وإذا اشتدّ
الحرُّ أبردَ بالصَّلاةِ.
وخَرَّجه - أيضًا - من روايةٍ محمد بنِ المثنى، عن حَرَمِيَّ، ولم يذكر
في حديثه ((الجمعة)) .
وخَرَّج - أيضًا - روايةَ يونسَ بنِ بكيرِ التي علَّقَها البخاريُّ، ولفظُ
(١) زاد في ((اليونينية)) بعد ((أنس)): الترضية.
١٨١

الحديث : ٩٠٦
كتاب الجمعة
حديثِهِ: كان النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذا كَانَ الحرُّ أبردَ بالصَّلاة، وإذا كانَ البردُ بكَّرَ بها
- يعني الظهر.
وخَرَّجَ - أيضًا - حديثَ بشرِ بنِ ثابتِ الذي علَّقْه البخاريُّ أيضا،
ولفظ حديثه: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إذا كَانَ الشِّتَاءُ يبكِّرُ بالظُّهر، وإذا كَانَ
الصَّيفُ أبردَ بها، ولكن يُصلِّي العصرَ والشَّمسُ بيضاءُ.
وخَرَّجه البيهقيُّ(١) من رواية بشر بنِ ثابتِ بهذا المعنى، وخَرَّج(٢) .
أيضًا - روايةَ يونس بن بكير: نا أبو خلدةَ: سمعتُ أنسَ بنِ مالكِ، وهو
جالسٌ مع الحكمِ أميرِ البصرة على السَّريرِ يقولُ: كَانَ رسولُ اللهِ وَلِّر إذا
كَانَ الحرُّ أبردَ بالصَّلاة، وإذا كَانَ البردُ ببكِّرُ بالصَّلاة.
وروى هذا الحديثَ - أيضًا - خالدُ بنُ الحارث: نا أبو خلدةَ أَنَّ الحكمَ
ابنَ أيوبَ أَخَّرَ الجمعةَ يومًا، فتكلَّمَ يزيدُ الضبيُّ قال: دَخلْنَا الدارَ وأنسُ
معه على السَّريرِ، فقال له يزيدُ: يا أبا حمزةَ، قد صلَّيتَ مع النَّبِيِّ ◌ِله
وحضرتَ صلاتنا، فأينَ صَلاتُنَا من صَلاة رسول الله بَّهِ؟ فقالَ: إِذَا كَانَ
الحرُّ برَّدَ بالصَّلاة، وإذا كَانَ البردُ يبكِّرُ بالصَّلاة. ولم يَسْمعْه ولكنَّه قد
شَهِدَ الأمرَ.
خَرَّجه النسائيُّ في كتاب ((الجمعة))(٣).
(١) البيهقي (١٩٢/٣).
(٢) البيهقي (١٩١/٣).
(٣) ((كتاب الجمعة)) (ص: ١٠٠) من طريق إسماعيل بن مسعود عن خالد عن أبي خلدة به،
وانظر ((التحفة)) (٢١٦/١)، وهذا الحديث سقط من نسخة ((الأزهرية)) و((الجامعة
الإسلامية))، وهو ثابت فى نسخة ((دار الكتب)) - كما نبه عليه محقق ((كتاب الجمعة)) من
((السنن الكبرى)) للنسائي.
١٨٢

١٧- باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة
الحديث: ٩٠٦
وهذه الروايةُ تخالفُ روايةَ البخاريِّ التي فيها التَّصريحُ بِالسَّمَاعِ.
وقد رَوَاه سهلُ بنُ (٢٧٨/ م) حمادٍ، عن أبي خلدةً قال: بينا الحكم
ابنُ أيوبَ يخطبُ في البصرة إذ قامَ يزيدُ الضبيُّ فنادَاه، فقال: أيُّها الأميرُ
إِنَّكَ لا تملكُ الشَّمسَ، فقال: خُذَاه(١)، فأُخذَ، فلمَّا قَضَى الصَّلاةَ أُدْخِلَ
عليه، ودخلَ النَّاسُ، وثمَّ أنسُ بنُ مالك فأقبلَ على أنس فقال: كيف
كُنْتُم تُصَلُّونَ مِع رسولِ اللهِ وَ لَه؟ فقال: كَانَ رسولُ اللهِ وَهِ يُّبْرِدُ بِالصَّلاةِ
في الحرِّ، ويُبْكِّرُ بها في الشَّاءِ.
خرجه المروَزيّ في كتابِ (الجمعة)).
فقد تَبَّنَ بهذه الرواياتِ أَنَّ سببَ سؤالِ أَنسٍ إِنَّما كان تأخيرَ الحكمِ
ابنِ أيوبَ. وقضيةُ يزيدَ الضبيِّ مع الحكمِ بنِ أيوبَ في إنكارِه عليه تأخير
الجمعة وهو يخطبُ معروفةٌ، وكان أنسُ بنُ مالك حاضراً.
وقد خرَّجَها بتمامها ابنُ أبي الدنيا في كتابِ ((الأمر بالمعروف)) من
روايةٍ جعفرِ بنِ سليمانَ: حدثني المعلى بنُ زياد قال: حَدَّثني يزيدُ الضبيّ
ءُ
قال: أتيتُ الحسنَ ثلاث مرات فقلتُ: يا أبا سعيدِ غُلِبْنَا على كُلِّ شيءٍ
وعلى صَلاتنا نُغلبُ؟ فقال الحسنُ: إِنَّكَ لم تَصْنَعْ شَيئًا، إِنَّما تُعرّض
نفسَكَ لهم، قَالَ: فقمتُ والحكمُ بنُ أيوبَ ابنُ عمِّ الحجاجِ يخطبُ،
فقلتُ: الصلاةَ يرحمُكَ اللهُ، قال: فجاءتني الزَّبانيةُ فسعوا إليَّ من كلِّ
جانبٍ، فأخذُوا بلبتي، وأَخَذُوا بلحيتي ويدي، وكل شَيءٍ، وجعلوا
يَضْربوني بنعالِهم وسيوفهم قال: وسكتَ الحكمُ بنُ أيوبَ، وكدتُ أن
أقتلَ دونَه، ففتحَ بابَ المقصورة فأُدْخلتُ عليه، فقال: أمجنونٌ أنتَ؟
(١) كذا في ((م))، ولعلها: ((خذوه)).
١٨٣

الحديث : ٩٠٦
كتاب الجمعة
قلت: ما بي من جنون قال: أو ما كُنَّا فى صَلاة؟ قلتُ: أصلحَكَ اللهُ
هل من كلامٍ أفضلُ من كتاب الله؟ قال: لا، قلتُ: لو أَنَّ رجلا نَشَرَ
مصحفَه فقرأه غدوةً حتَّى عُشي ولا يُصلِّ فيما بينَ ذلك كَانَ ذَلكَ قاضيًا
عنه صَلاتَه؟ قال الحكم: إِنِّي لأحسبُكَ مجنونا - قال: وأنسُ بنُ مالك
جالسٌ قريبًا من المِنْبرِ على وَجْهِه خرقةٌ خضراءُ - فقلتُ: يا أبا حمزةً
أُذكِّرُكَ اللهَ فإنَّكَ صحبتَ رسولَ اللهِ وَّةِ، وخدمتَه: أَحقٌّ أقولُ أم باطلٌ؟
قال: فوالله ما أجابني بكلمةٍ، فقال له الحكمُ: يا أنسُ، قال: لبيكَ
أصلحكَ (٢٧٩/ م) اللهُ، قال: وقد كَانَ فَاتَ ميقاتُ الصَّلاة قال: يقولُ
له أنسُ: قد كَان بَقِيَ من الشَّمسِ بقيةٌ، فقال: احْبِسَاه، قال: فَحُبستُ
فشَهِدُوا أَنِّي مجنونٌ. قال جعفرٌ: فَإِنَّما نَجَا من القتل بذلك، وذكر بقيةَ
القصة .
فقد تبيَّنَ بهذا السِّياق أَنَّ الصَّحابةَ والنَّابعينَ كانوا كُلُّهم خَائِفِينَ من
ولاة السُّوء الظَّالمين، وأَنَّهم غيرُ قادرين على الإنكارِ عليهم، وأَنَّه غيرُ
نافعٍ بالكليةِ؛ فإنَّهم يَقْتلونَ من أنكرَ، ولا يَرْجعونَ عن تأخيرِ الصَّلاةِ
على عَوَائِدِهم الفاسدةِ .
وقد تكلّم بعضُ علماءِ أهلِ الشَّامِ في زمنِ الوليدِ بن عبدِ الملكِ في
ذلك، وقال: أَبُعثَ نبيٌ بعد محمدٍ يعلمُكم أو نحو ذلك، فأُخذَ فأُدخلَ
الخضراءَ فكانَ آخرَ العهدِ به .
ولهذا لم يَسْتَطِعْ أنسٌ أن يجيبَ يزيدَ الضبي بشيءٍ حين تكلَّم يزيدُ؛
وإنَّما قال للحكمٍ لما سأله: قد بَقِيَ من الشَّمسِ بقيةٌ، يريد قد بَقيَ من
ميقات العصر بقيةٌ، وهو كما قَالَ؛ لكن وقت الجمعة كان قد فَاتَ، ولم
١٨٤

١٧- باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة
الحديث: ٩٠٦
يَسْتطِعْ أن يتكلَّمَ بذلك، فلمَّا دخلَ الحكمُ دارَه، وأدخلَ معه أنسًا ويزيدَ
الضبيَّ فسُئِلَ أنسٌ في ذلكِ الوقتِ عن وَقَتِ صَلَاةِ النَّبِيِّ وَّهِ، فأخبَرَ أَنَّه
كان يُعجِّلُ في البردِ، ويُبردُ في الحَرِّ، ومرادُهَ - والله أعلمُ - صلاةُ الظهرِ،
وهذا هو الذي أمكنَ أنسًا أن يقولَه في ذلك الوقتِ، ولم يُمْكنه الزيادةُ
على ذلكَ.
وأكثرُ العلماء على أَنَّ الجمعةَ لا يُبْرَدُ بها بعدَ الزَّوالِ؛ بل تُعجَّلُ في
أولِ الوقت، وللشّافعية في ذلك وجهان.
وقد كَانَ الصَّحابةُ والتَّابعونَ مع أولئك الظَّلمةِ في جهد جهيد؛ ولا
سيما في تأخيرِ الصَّلاة عن ميقاتها، وكانوا يُصلُّونَ الجمعةَ في آخرِ وقتٍ
العصرِ، فكان أكثرُ مَن يَجِيءُ إلى(١) الجمُعةِ يُصلِّي الظُّهَر والعصرَ في بيتِهِ،
ثم يجيءُ إلى المسجد تقيةً لهم، ومنهم من كَانَ إذا ضاقَ وقتُ الصَّلاة
وهو في المسجدِ أومأَ بالصَّلاةِ خشيةَ القتلِ، وكانوا يُحلِّفُونَ من دخلَ
المسجدَ أَنَّه ما صَلَّى في بيتِه قبل أن يجيءَ.
قال إبراهيمُ بنُ مهاجرٍ، كنتُ أنا وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وإبراهيمُ نُصَلِّي
الظُّهرَ، ثم نجلسُ فنتحدثُ (٢٨٠/ م) والحجّاجُ يخطبُ يومَ الجمعةَ.
خرَّجَه أبو نعيمِ الفضلُ بنُ دكينٍ في كتابِ (الصلاةِ).
وخرَّجَ - أيضًا - بإسناده عن أبي بكرِ بنِ عتبةَ قال: صَلَّيتُ إلى (٢)
جنبٍ أبي جُحَيَفةَ، فتمسى الحجاجُ بالصَّلاةِ، فقام يُصلِّي الجمعةَ، ثم قام
فصَلَّى ركعتين، ثم قَالَ: يا أبا بكرٍ أُشهدكُ أَنَّها الجمعةُ.
(١) كلمة ((إلى)) أصاب أعلاها تفشي في المداد فاشتبهت بـ ((في)).
(٢) كلمة ((إلى)) مكررة في ((م)).
١٨٥

الحديث : ٩٠٦
كتاب الجمعة
وهذا غريبٌ، يدل على أنَّه يصحُّ أن يُصلِّيَ الرجلُ الجمعةَ وحدَه.
وبإسنادِهِ عن الأعمش، عن إبراهيمَ وحثيمة(١) أَنَّهما كانا يُصلِيان
الظُّهرَ والعصرَ ثُمَّ يأتيانِ الحجاجَ يومَ الجمعةِ، فَيُصلِّيَانِ مَعَه.
وعن أبي وائلٍ أَنه كان يأمرُهم أن يُصلُّوا في بيوتِهم، ثم يَأْتوا
الحجاجَ فيُصلُّونَ معه الجُمعةَ.
وعن محمدٍ بن أبي إسماعيلَ قال: كنتُ في مسجدٍ مِنَّى .. وصُحفٌ
تُقرأُ للوليد - فَأَخَّرُوا الصَّلاةَ، قال: فنظرتُ إلى سعيدِ بنِ جبيرِ، وعطاءٍ
يُومئانِ وهما قَاعدانٍ.
وقد ذكرَ أبو زيدٍ عمرُ بنُ شبَّةَ النميريُّ البصريُّ في كتابِه ((أدبُ
السلطانِ)) بابًا في تأخيرِ الأمراءِ الصَّلاةَ خَرَّج فيه الأحاديثَ المرفوعةَ،
والآثارَ الموقوفةَ في ذلك، وقد سبقَ ذكر بعضها في: ((أبوابِ المواقيتِ))،
ورَوَى فيه بإسناده أَنَّ أبا عبيدة بن عبدالله بن مسعود كان يروحُ إلى
المسجد وقد صَلَّى الظُّهرَ والعصرَ فيجلسُ، فينتظرُ فيقول: ما لَه قاتلَه اللهُ
يَصِيحُ على منبرِهِ صِياحًا وقد فَاتَتْه العصرُ، ولم يُصَلِّ الظُّهرَ بعدُ.
وبإسناده عن عمرٍو بنِ هرمٍ قَالَ: كان أنسُ بنُ مالكِ يُصلِّي الظُّهر
والعصرَ في بيتهِ، ثم يأتي الحجاجَ فيصلِّي معه الجمعةَ.
وبإسناده عن عبد الله بن أبي زكريا أَنَّه كان يجمِّعُ مع الوليدِ بن عبد
الملك ما صَلَّى الوليدُ في وقتِ الظُّهرِ الجمعةَ، ويعتدُّ بها جمعةً، فإن
أَخَّرِها عن وقت الظَّهرِ صلى الظهرَ في آخرِ وقتِ الظهرِ أربعًا إيماءً، ثم
(١) كذا في ((م))، ولعل الصواب: ((خيثمة))، وتصحف ((خيثمة)) إلى ((حثيمة)) و((خثيمة)) كثير
في المخطوطات، وقد مر معنا فى ((كتاب الجمعة)) أكثر من موضع.
١٨٦

١٧ - باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة
الحديث: ٩٠٦
صَلَّى الجمعةَ معه، وجَعَلَها تطوعًا، فإن أَخَّرِ العصرَ حَتَّى يخرجَ وقتُها
صَلاها في آخرِ وقتها إيماءً.
وبإسناده عن حصين قال: كَانَ أبو وائل إذا أَخَّر الحجاجُ الجمعةَ
استقبلَ القبلةَ يومىء إيماءً يتناعسُ.
وبإسناده (٢٨١/م) عن جريرِ قال: شهدتُ الجمعةَ مع ابنِ هبيرةَ،
فأخَّرَ الصَّلاةَ إلى قريب من العصرِ، فرأيتُ النَّاسَ يخرجونَ، فرأيتُ أبا
حنيفةَ خرج فكان شيخٌ يصيحُ في المسجدِ: لو كان الحجاجُ ما خرجوا،
وجعلَ فضيلُ بنُ (١) غزوانَ ويقولُ (٢): إِنَّهم إِنَّهم.
وبإسناده عن ابن سيرينَ أَنَّه حضرَ الجمعةَ فأخَّر الأميرُ الصَّلاةَ فأدمى
ظفرهُ، ثم قَامَ فخرجَ، وأخذتْه السياطُ حَتَّى خرجَ من المسجدِ .
وعن عطاءِ بنِ السَّائبِ قال: رأيتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، وأبا البختري،
وأصحابه يُومِئُونَ يومَ الجمعةِ، والحجاجِ يخطبُ وهم جلوسٌ.
وعن محمد بنِ إسماعيلَ قال: رأيتُ سعيدَ بنَ جبير وعطاءً، وأَخَّرَ
الوليدُ الجمعةَ والعصرَ فصلاهما جميعًا قَالَ: فأومئا إيماءً ثُمَّ صَلَّيا معه
بِنَّى.
وبإسناده عن حميد أَنَّ الوليد بن عبد الملك خرجَ بمنَّى بعدَ العصرِ،
فخطبَ حَتَّى صارتِ الشَّمسُ على رؤوسِ الجبالِ، فنزلَ فصلَّى الظهَر ثم
صَلَّى العصرَ ثم صَلَّى المغربَ.
(١) في ((م)) كأنه ضرب على (بن)) واللام من ((فضيل)).
(٢) كذا في ((م))، ولعل الصواب: ((يقول)) بدون واو .
١٨٧

الحديث : ٩٠٦
كتاب الجمعة
وروى بإسناد له عن سالم أَنَّه ذكر أَنَّ الوليدَ قدمَ عليهم المدينةَ، فما
it
زال يخطبُ، ويقرأُ الليثُ حَتَّى مضى وقتُ الجمعة، ثم مضى وقتُ
العصر، فقال القاسمُ ◌ُ محمدٍ لسالمٍ: أمَا قمتَ فصلَّيتَ؟ قال: لا،
قال: أَفمَا أومأتَ؟ قال: لا، وقال: خشيتُ أن يقالَ: رجلٌ من آلِ عمرَ.
وروى بإسناده عن عمارةَ و(١)زاذان: حدثني مكحولٌ قال: خطبَ
الحجاجُ بمكةَ وأنا إلى جنبِ ابنِ عمرَ يحبس النَّاسَ بالصَّلاةِ، فرفعَ ابنُ
عمرَ رأسَه، ونهضَ وقال: يا معشرَ المسلمينَ انْهِضُوا إلى صَلاتِكم،
ونهضَ (٢) النَّاسُ، ونزلَ الحجاجُ فلمَّا صَلَّى قال: ويحكم مَنْ هذا؟ قالوا:
ابنُ عمرَ قال: أما والله لولا أَنَّ به لممَّا لعاقبتُه.
وروى أبو نعيمٍ في كتاب ((الصلاة)): نا زهيرُ، عن جابر - وهو
الجعفيّ - عن نافعٍ قال: كَانَ ابنُ عُمرَ يصلّي خلفَ الحجَّاجِ، فَلمَّا أخْرِها
تركَ الصَّلاةَ معه .
وكان الحسنُ يأمر بالكفِّ عن الإنكارِ عليهم، ثم غلبه الأمرُ فأنكر
على الحجاج، وكان سببَ اخْتفائِه منه حَتَّى ماتَ الحجاجُ والحسنُ متوارٍ
عنه بالبصرة .
وقد روى أبو الفرج بنُ الجوزيِّ في كتابِ ((مناقبِ الحسنِ)) بإسنادِه
(٢٨٢/ م) أن الحسنَ شَهِدَ الجمعةَ مع الحجاجِ، فَرَقِيَ الحجَّاجُ المنبرَ فأطالَ
الخطبةَ حَتَّى دخلَ في وقتِ العصرِ، فقال الحسنُ: أما من رجل يقولُ:
(١) كذا في ((م): ((عمارة وزاذان))، ولعل الصواب: ((عمارة بن زاذان))، وهو يروي عن
مكحول الأزدي.
(٢) كذا فى ((م))، ولعل الأولى: ((فنهض)).
١٨٨

١٧ - باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة
الحديث: ٩٠٦
الصلاةُ جامعةُ؟ فقال رجلٌ: يا أبا سعيد تأمرُنا أن نتكلمَ والإمامُ يخطبُ،
فقال: إِنَّما أُمِرْنَا أن ننصتَ لهم فيما أَخَذُوا من أمرِ دِينِنا، فإذا أَخَذُوا في
أمرِ دُنْياهم أَخَذْنَا في أمرٍ دينِنا، قوموا، فقام الحسنُ، وقَامَ النَّاسُ لقيامِ
الحسنِ، فقطعَ الحجاجُ خطبتَه ونزلَ فصلَّى بهم، فطلبَ الحجاجُ الحسنَ
فلم يقدر عليه.
وهذا كلُّه مما يدلُّ على اجتماعِ السَّفِ الصَّلحِ على أَنَّ تأخيرَ الجمعة
إلى دخولِ وقتِ العصرِ حرامٌ لا(١) مساغَ له في الإسلامِ، ولَّا وليَ عمرُ
ابنُ عبدِ العزيزِ الخلافةَ صَلَّى الجمعةَ في أول وقتها على ما كانت عليه
السُّنَةُ، فروى إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن عمرو بنِ مهاجرِ أَنَّ عمرَ بنَ عبد
العزيزِ كَانَ يُصلِّي الجمعةَ في أولِ وقتها حين يفيءُ الفيءُ ذِرَاعًا ونحوه،
وذلك في السّاعةِ السابعةِ .
وقال ابنُ عون: كانوا يُصلُّونَ الجمعة في خلافة عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ
والظلُّ هنيه(٢).
(١) في (م)): ((إلا))، وما أثبتناه أولى.
(٢) في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٠٨/٢): ((هنيهة)). وهما بمعنَّى.
١٨٩

كتاب الجمعة
١٨- بَابُ
الْمَشِْ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَقَوْلِ (١) اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (٢)
﴿فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]
ومَن قَالَ: السَّعْيُ: الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ لِقَوْلِهِ (٣) ﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
[الإسراء: ١٩].
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ(٤): يَحْرُمُ الْبَيْعُ حِينَذْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ.
اشْتَمَل كلامُه هاهنا على مسائلَ:
إحداها: المشيُّ إلى الجمعة، وله فضلٌ. وفي حديثِ أوس بنِ أوسٍ،
عن النَّبِيِّ بَّهِ: ((مَنْ بَكَّرَ وابْتَكَرَ، وغسَّلَ واغْتَسلَ، ومَّشَى ولم يَرْكَبْ)
وقد سبق(٥)، وفي حديثِ اختصامِ الملاِ الأعلى أَنَّهم يَخْتصمُونَ في
الكفَّارات والدَّرجاتِ والكفَّاراتُ إسباغُ الوضوء في الكَرِيهاتِ والمشي على
الأقدام إلى الجمعات. وقد خرَّجَه الإمامُ أحمد، والترمذيَّ (٦) من حديث
(١) في ((اليونينية)): ((وقولُ))، وأشار إلى أنها هكذا بالضبطين فيها، وإلى هذا أشار القسطلاني
- أيضا .
(٢) في ((اليونينيه)): ((وقول الله جل ذكره)).
(٣) في ((اليونينية)): ((لقوله تعالى)).
(٤) زاد الترضية في ((اليونينية)).
(٥) (ص ٩٦) عند شرحه للحديث رقم (٨٨١).
(٦) أحمد (٢٤٣/٥)، والترمذي (٣٢٣٥) بطوله.
١٩٠

١٨ - باب المشي إلى الجمعة
معاذ (٢٨٣/م)، وله طرقٌ كثيرةٌ ذكرتها مستوفاةً في ((شرحِ
التِّرمذيِ)(١).
وروى ابنُ أبي شيبة(٢) بإسنادٍ فيه انقطاعٌ أَنَّ عبدَ الله بنَ رواحةَ كان
يأتي الجمعةَ ماشيًا، فإذا رَجَعَ رَجَعَ كيف شَاءَ ماشيًا، وإن شَاءَ راكبًا .
وفي رواية (٣): وكَانَ بين منزلهِ وبينَ الجمُعةِ ميلانِ.
وعن أبي هريرةَ أَنَّه كان يأتي الجُمعةَ من ذي الحليفةِ ماشيًا (٤).
وذكر ابنُ سعد في ((طبقاته)(٥) بإسنادِهِ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أَنَّه
كَتَب يَنْهَى أن يركبَ أحدٌ إلى الجمعة، والعيدين.
وقال النَّخعيُّ: لا يركبُ إلى الجمعةِ(٦).
المسألةُ الثانيةُ: أَنَّه يستحبُّ(٧) المشيُ بالسَّكينةِ مع مقاربةِ الخطا كما
في سَائِرِ الصَّلواتِ على ما سبقَ ذكرُهُ في موضعِهِ(٨).
فأمَّا قولُ الله عز وجل ﴿إِذَا نُودِيَ الصَّلاةِ من يومِ الجُمعةِ فَاسْعَوا إلى
(١) وما أكثر ما يحيل عليه؛ فاللهم يارب الملكوت نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى
أن تمن علينا بهذا الكتاب العظيم، وما ذلك على الله بعزيز وقد أفرد المصنف الحديث
برسالة مستقلة موسومة بـ ((اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى)) وقد طبعت
بتحقيق الفاضل/ حسين الجمل وقد أساء ناشرها بتبديل وتحريف في تعليقاته لما يوافق
هواه هدانا الله وإياه .
(٣) ابن أبى شيبة (١٠٣/٢).
(٥) ابن سعد (٣٦٢/٥).
(٢) ابن أبي شيبة (١٣٦/٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٦/٢ - ١٣٧).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٧/٢).
(٧) في ((م): ((مستحب)) ثم أصلحها إلى: ((يستحب).
(٨) تحت الحديث رقم (٦٣٦).
١٩١

كتاب الجمعة
ذكْر الله﴾ [الجمعة: ٩] فقد حمَله قومٌ من المتقدِّمينَ على ظاهرِه، وأنكرَ
ذلك عليهم الصَّحابةُ؛ فروى البيهقيُّ(١) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ الصَّامتِ
قال: خرجتُ إلى المسجد يومَ الجمعةِ فلقيتُ أباذرٍ، فبينا أَنَا أمشي إذ
سمعتُ النِّداءَ، فرفعتُ في المشي لقول الله عزَّ وجلَّ ﴿إِذَا نُودِيَ الصَّلاة
من يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] فجذبني جذبة(٢) أن
ألاقيه ثم قالَ: ولَسْنَا(٣) في سعي .
فَقَدْ أنكرَ أبو ذرٍّ على من فسَّرَ السَّعيَ بشدة الجري، والعدو، وبَيَّنَ أَنَّ
المشيَ إليها سعيٌّ؛ لأَنَّه عملٌ، والعملُ يُسَمَّى سعيًا كما قَالَ تعالى ﴿إِنَّ
سَعْيَكم لشتى﴾ [الليل: ٤] وقال ﴿ومَنْ أَرَادَ الآخرةَ وسَعَى لها سَعْيَهَا﴾
[الإسراء: ١٩] ومثل هذا كثيرٌ في القرآن، وبهذا فَسَّرَ السَّعيَ في هذه
الآية التَّبعونَ ممن بعدَهم، منهم:
عطاءٌ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وقتادةُ، ومحمدُ بنُ كعب، وزيدُ بنُ
أسلمَ، ومالكٌ، والثَّوريُّ، والشَّافعيُّ، وغيرُهم، ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ -
أيضًا - من وجهِ منقطعٍ .
ومنهم من فسَّرَ السَّعيَ بالجري والمسابقة؛ لكنَّه حملَه على سعي
القُلوبِ والمقاصدِ والنِّياتِ دونَ الأقدامِ، هذا قولُ الحسنِ .
وجمعَ قتادةُ بينَ القولينِ في روايةٍ، فقال: السَّعْيُ بالقلبِ، والعملِ .
(١) البيهقي (٢٢٧/٣ - ٢٢٨).
(٢) كذا النص في (م))، والذي في ((السنن الكبرى)) (٢٢٧/٣ - ٢٢٨) و((المهذب)) - اختصار
السنن الكبرى - للذهبي (٢٠٣/٣): ((فجذبني جذبة كدت أن ألاقيه)) أ. هـ.
(٣) كذا في ((م))، والذي في المصدرين السابقين: ((أولسنا)).
١٩٢

١٨ - باب المشي إلى الجمعة
وكان (٢٨٤/م) عثمانُ، وابنُ مسعود، وجماعةٌ من الصّحابة
يقرءونها: ﴿فَامْضُوا إلى ذكرِ اللهِ﴾(١).
وقال النَّخعيُّ: لو قَرأْتُها ((فَاسْعَوَا)) لسَعِيتُ حَتَّى يسقطَ ردائي(٢).
ورُوِيَ هذا الكلامُ عن ابنِ مسعودٍ من وجهِ منقطعٍ (٣).
المسألةُ الثالثة: في تحريمِ البَيعِ وغيرِهِ مِمَّا يُشْتَغْلُ به عن السَّعي بعدَ
النداء .
وقد حُكِيَ عن ابنِ عبّاسٍ تحريمُ البيع.
ورَوَى القاضي إسماعيلُ في كتابه ((أحكام القرآن)) من رواية سليمانَ
ابن معاذٍ، عن سماك، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لا يصلحُ البيع
ء
يوم الجمعةِ حينَ يُنَادَى بِالصَّلاةِ، فإذا قُضيتِ الصَّلاةُ فَاشْتَرِ وبع .
وبإسناده عن ميمون بن مهران قَالَ: كَانَ بالمدينة إذا نُوديَ بالصَّلاة
من يومِ الجُمُعةِ نَادَوا: حَرُمَ البيعُ، حَرُمَ البيعُ(٤).
وعن أيوبَ قال: لأهل المدينة ساعة وذَلكَ عند خُرُوجِ الإمامِ
يقولون: حرمَ البيعُ، حرم البِعُ.
وعن عمرَ بنِ عبد العزيز أَنَّه كَانَ يمنعُ النَّاسَ من البيع يومَ الجمعةِ إذا
(١) راجع ((تفسير ابن جرير)) (٦٥/٢٨ - ٦٦)، وعبد الرزاق (٢٠٧/٣).
(٢) في ((م)): ((رادي))، والمثبت كما في المصدر السابق، وهو الصواب.
(٣) وراجع ((تفسير القرطبي)) (١٠٢/١٨)، وقال:
(«فأما عبد الله بن مسعود فما صح عنه ((فامضوا)) لأن السند غير متصل؛ إذْ إبراهيم لم يسمع
من عبد الله بن مسعود شيئًا، وإنما ورد ((فامضوا)) عن عمر رضي الله عنه)). وله تتمة .
(٤) وأخرجه - أيضًا - ابن أبي شيبة (٢/ ١٣٤).
١٩٣

كتاب الجمعة
◌ُودِيَ بِالصَّلاةِ(١).
وعن الحسن، وعطاء، والضحاك تحريم البيع إذا زَالتِ الشَّمسُ من
يومِ الجمُعةِ (٢). وعن الشَّعبيِّ أَنَّه محرمٌ (٢). وكذا قال مكحولٌ، وحَكَى
إسحاقُ بنُ راهويه الإجماعَ على تَحْرِيمِ البيعِ بعدَ النِّداءِ.
وحكى القاضي إسماعيلُ عن من لم يُسمِّه أَنَّ البيعَ مكروهٌ، وأَنَّه
استدلَّ بقولِه ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الجمعة: ٩].
ورُدَّ عليه بأنَّ مَنْ فعَلَ ما وجَبَ عليه وتَركَ ما نُهيَ عنه فهو خيرٌ له
كما قَالَ تعالى ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ؟
[النساء: ١٧١].
وحكى القولَ بأَنَّ البيعَ مردودٌ: عن القاسمِ بنِ محمدٍ، وربيعةَ،
ومالك، ورواه ابنُ عيينةَ، وعن (٢) عبد الكريم، عن مجاهدٍ أو غيرِهِ،
وهو مذهبُ الليث، والثَّوريِّ، وإسحاقَ، وأحمدَ، وغيرِهم من فُقهاء
أهلِ الحديثِ .
وخَالفَ فيه أبو حنيفةَ والشَّافعيُّ وأصحابُهما وعبيدُ الله العنبريّ،
وقالوا: البيعُ غيرُ مردودٍ؛ لأَنَّ النَّهيَ عن البيعِ هنا ليسَ نهيًا عنه لِذَاتِه؛
بل لوقته .
والأَوَّلُونَ يقولونَ: النَّهيُ يَقْتضي فَسَادَ الَّنْهيِّ عنه سواءً كان لذَات
سے
المنهيِّ عنه أو لوقته كالصّومِ (٢٨٥/م) يوم العيدِ والصَّلاة وقت النَّهي،
فكذلك العقودُ.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٣/٢ - ١٣٤).
(٢) كذا في ((م))، ولعل الواو زائدة وانظر ابن أبي شيبة (١٣٤/٢).
١٩٤

١٨- باب المشي إلى الجمعة
وقال الثَّوريُّ فيما إذا تَصارَفَا ذهبًا بعضه وقَبَضَا البعضَ ثُمَّ دخلَ وقتُ
النّداءِ يومَ الجمعة، فإنَّهما يَترادَّانِ البيعَ؛ وهذا يدلُّ على أَنَّ القبضَ عنده
شرطً لانعقادِ الصَّرفِ فلا يتمُّ العقدُ إلا به، وهو الصَّحيحُ عندَ المحققينَ
من أصحابنا - أيضًا .
وأَمَّا ما ذكره عن عطاء: أَنَّه تحرمُ الصِّنَاعاتُ حينئذٍ؛ فإنَّه يرجعُ إلى
أَنَّه إنما حُرِّمَ البيعُ لأَنَّه شاغلٌ عن السَّعي إلى ذكرِ اللهِ وَالصَّلاةِ، فكلُّ ما
قَطعَ عن ذلك فهو مُحرمٌ من صنَاعة أو غيرها حتَّى الأكلُ والشربُ
والنومُ والتَّحدثُ، وغيرُ ذلك، وهذَا قَوَّلُ الشَّافِعِيَّةِ وغيرهم أيضًا.
لكن لأصحابِنا في بُطْلانِ غيرِ البَيْعِ من العُقُودِ وجهان، فَإِنَّ وُقُوعَها
بعدَ النداء(١) نادرٌ بخلافِ البَيْعِ، فإنَّه غالبٌ؛ فلو لم يَبْطُلْ لأَدَّى إلى
الاشتغال عن الجمُعةِ به فتفوت الجمعةُ غالبًا، وأكثرُ أَصْحابِنا حكَوا
الخلافَ في جوازِ ذلك، وفيه نظرٌ؛ فَإِنَّه إذا وجبَ السَّعي إلى الجمُعةِ
حَرُمَ كلُّ مَا قَطَعَ عنه .
وقد روي عن زيدِ بنِ أسلم قَالَ: لم يَأْمُرْهم اللهُ أن يذروا شيئًا
غيرَه؛ حَرَّمَ البيعَ، ثم أَذِنَ لهم فيه إذا فرغوا.
وهذا ضَعِيفٌ جدّاً؛ فإن البيعَ إِنَّما خُصَّ بالذكر لأنَّه أكثرُ ما يقعُ
حينئذٍ مِمَّا يُلْهِي عن السَّعي فيشاركُه في المعنى كلّ شاغلِ.
واستدلَّ بعضُ أصحابِنا على جَوازِ غيرِ البيعِ من العُقُودِ بالصَّدقةِ،
وقال: قد أَمرَ بها النَّبِيِّ وَلِّ وهو يخطبُ.
(١) في ((م): ((البيع)) ورسم فوقها علامة لحق وكتب في هامش ((م)): ((لعله: النداء)) ا. هـ.
وهو ما أثبتناه .
١٩٥

كتاب الجمعة
وهذ لا يصحُّ؛ فإنَّ الصَّدَقَة قربةٌ وطاعةٌ، وإذا وقعتْ في المسجدِ
حيثُ لا يكره السُّؤالُ فيه فلا وجهَ لمنعها، فَإِنْ أُلحِقَ بذلك عقدُ النِّكاحِ
في المَسْجدِ قبلَ خُرُوجِ الإمامِ كَانَ متوجهًا، مع أَنَّ بعضَ أصحابِنَا قد
خَصَّ الخلافَ بالنكاحِ، وهو ابنُ عقيلٍ .
وعن أحمدَ روايةٌ: أَنَّه يحرمُ البيعُ بدخول وقتِ الوُجوب، وهو زوالُ
الشَّمسِ. وقد سَبَقَ مثلُه عن الحسنِ، وعطاء، والضَّحاك(١)، وهو - أيضًا
- قولُ مسروقٍ، ومسلمٍ بنِ يسارٍ، وَالثَّوريِّ، وإسحاقَ.
وقياسُ قولهم: أنَّه يجبُ السَّعَيُ بالزَّوالِ، ويحرمُ حينئذٍ كلُّ شاغلٍ
يشغلُ عنه، والجمهورُ على أنَّه لا يحرمُ (٢٨٦/م) بدون النداءِ، ثم
الأكثرون منهم على أنه النداءُ الثاني الذي بين يدي الإمامِ؛ لأنه النداءَ
و
الذي كانَ في عهد النبيِّ وَلِّ، فلا ينصرفُ النداءُ عندَ إطلاقِهِ إِلا إليهِ .
وفي ((صحيحِ الإسماعيليِ)) من حديثِ الزهريِّ، عن السائبِ بنِ
يزيدَ قالَ: كانَ النداء الذي ذكرَ اللهُ في القرآنِ يومَ الجمعةِ إذا خرجَ الإمامَ
وَ
وإذا قامت الصلاةُ في زمن النبيِّ وَّهِ وأبي بكرٍ وعمرَ.
وعن أحمدَ روايةٌ: إنه يحرمُ البيعُ ويجبُ السعيُ بالنداءِ الأولِ. وهو
قولُ مقاتلٍ بن حيانَ. قالَ: ولو كانَ النداءُ الأولُ قبلَ زوالِ الشمسِ.
ونقلَهُ ابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ بنِ راهويه صريحًا. وعن أحمدَ أنه قالَ:
أخافُ أن يحرمَ الَبيعُ وإن أَذَّنَ قبلَ الوقتِ .
ومجردُ الشروعِ في الأذانِ يَخْرُمُ به البيعُ عندَ أصحابِنَا والشافعيةِ؟
(١) (ص ١٩٤).
١٩٦

١٨ - باب المشي إلى الجمعة
لأنه صارَ نداءً مشروعًا مسنونًا من سنة الخلفاء الراشدينَ.
قالَ أصحابُنَا: ولو اقتصرَ عليه أجزاً وسقطَ فرضُ الأذانِ .
وعندَ أصحابِ الشافعيِّ: يحرمُ البيعُ بمجردِ الشروعِ في النداءِ الثاني
بينَ يديِ الإمامِ إذا كانَ قاطعًا عن السعي، فأمَّا إن فعلَهُ وهو ماشٍ في
الطريقِ ولم يقف أو هو قاعد في المسجدِ كره ولم يحرم.
وهذا بعيدُ.
والتبايعُ في المسجدِ بعدَ الأذانِ يجتمعُ فيه نهيان لزمانه ومكانه فهو
٠٠
٠٠
أولَی بالتحریمِ.
المسألةُ الرابعةُ (١): حكَى عن الزهريِّ أن المسافَر إذا سمعَ النداء للجمعةِ
فعليه أن يشهدَهَا .
وقد سبقَ ذكرُ ذلكَ عنه(٢). وعن النخعيِّ والأوزاعيِّ وعن عطاء إن
عليه شُهودَهَا، سمعَ الأذانَ أو لم يسمعْهُ، وإن الجمهورَ على خلاف ذلكَ.
وهل للمسافرِ أن يبيعَ ويشترِيَ في المصرِ بعدَ سماعِ النداءِ؟
فيه اختلافٌ بينَ أصحابِنَا يرجعُ إلى أن من سقطت عنهُ الجمعةُ لعذر
كالمريضِ هل له أن يبيعَ بعدَ النداءِ أم لا؟ فيه روايتانِ عن أحمدَ.
وأما من ليسَ من أهلِ الجمعةِ بالكليةِ كالمرأةِ فلها البيعُ والشراءُ بغيرِ
خلاف، وكذا العبدُ إذا قلنا: لا تجبُ عليه الجمعةُ.
ء
خرّجَ البخاريّ في هذا الباب ثلاثةَ أحاديثَ:
93
(١) في ((م)): ((الثالثة))، خطأ.
(٢) سبق (ص ١٥٧) تحت ترجمة الباب (١٥) من ((كتاب الجمعة)).
١٩٧

الحديث : ٩٠٧
كتاب الجمعة
الأولُ:
٩٠٧ - ثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْد الله: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: نَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ:
ثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَّةً قَالَ: أَذَّرَكَنِي أَبُو عَّبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَّى الْجُمْعَةِ فَقَالَ:
(٢٨٧/ م) سَمَعْتُ النَّبِيَّبَ يَقُولُ: ((مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ حَرَّمَهُ
اللهُ عَلَى النَّارِ)).
يزيدُ بنُ أبي مريمَ هو الأنصاريّ الشاميّ - وهو بالياء المثناة من تحت
وبالزاي -، وأما بريدُ بنُ أبي مريمَ - بالبَاءِ الموحدةِ والراءِ المهملةِ - فَبَصْرِيّ
لم يخرجْ لهُ البخاريُّ في ((صحيحِهِ)) شيئً(١) .
وخرَّجَ الإسماعيليُّ في ((صحيحِهِ)) هذا الحديثَ بسياقِ تامّ، ولفظُه:
عن يزيدَ بنِ أبي مريمَ: بينما أنا رائحٌ إلى الجمعةِ إذ لحقني عبايةُ بنُ
رفاعةَ ابن رافعٍ بنِ خديجِ الأنصاريَّ وهو راكبٌ وأنا ماشٍ فقالَ:
احتسبتَ خطاكَ هذه في سبيلِ اللهِ؟ فإني سمعتُ أبا عبسٍ بنِ جَبْر (٢)
الأنصاريَّ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((من اغبرت قدماهُ في سبيلِ اللهِ
حرمَهما اللهُ على النارِ)).
وخرَّجهُ الترمذيّ والنسائيّ(٣) بمعناه.
ءِ
ففي هذه الروايةِ: أن هذه القصةَ جرت ليزيدَ معَ عبايةَ، وفي روايةٍ
البخاريِّ أنها جرتْ لعبايةَ مع أبي عبسٍ، وقد يكونُ كلاهما محفوظًا،
واللهُ أعلمُ.
(١) وكذا في ((تقييد المهمل)) (ق: ٢٦ - ١).
(٢) في (م): ((جبير))، والصواب: ((جبر)) كما في المصادر.
(٣) الترمذي (١٦٣٢)، والنسائي (١٤/٦).
١٩٨

١٨ - باب المشي إلى الجمعة
الحديث : ٩٠٨
وليسَ عنِ النبيِّ وَّهِ في هذا الحديثِ ذكرُ المشىِ إلى الجمعةِ؛ وإنما
فيه فضلُ المشي في سبيلِ اللهِ، فأدخلَ الراوي المشيَ إلى الجمعةِ في
عمومِ السبيلِ وجعلَهُ شاملا له وللجهاد، والأظهرُ في إطلاقِ سبيلِ اللهِ:
و
الجهاد .
وقد يؤخذُ بعموم اللفظِ، كما أذنَ النبيِّ نَلّ لمن جعلَ بعيرَهُ في
سبيلِ اللهِ أن يحجَّ عليه وقالَ: ((الحجَّ من سبيلِ الله))، وقد ذكرناهُ في
موضعٍ آخرَ.
وقد كانَ كثيرٌ منَ السلف يختارونَ المشيَ إلى الجمعة كما سبقَ عن
غيرٍ واحدٍ منَ الصحابةِ(١).
وقد رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ رضيَ اللهُ عنه أنه كانَ يبكرُ إلى
الجمعةِ ويخلعُ نعليْهِ ويمشي حافيًا ويُقْصِّر في مشيهِ .
خرَّجهُ الأثرمُ بإسنادٍ منقطعٍ.
الحديثُ الثاني: حديثُ:
٩٠٨ - أَبِي هُرَيْرَةً(٢)، عَنِ النَِّّ(١٣) ◌َّةِ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلا تَأْتُوهَا
تَسْعَونَ وَأَنُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ(٤)، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا
فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)).
(١) سبق هذا (ص ١٩١).
(٢) اختصر المصنف الإسناد، وهو في ((اليونينية)) من طريقين عن أبي هريرة بهذا المتن.
(٣) وفي أحد االطريقين في ((اليونينية)): ((رسول الله)).
(٤) أشار في ((اليونينية)) إلى أنها بالرفع والنصب.
١٩٩

الحديث : ٩٠٩
كتاب الجمعة
وقد تقدمَ في كتابِ ((الصلاة)) باختلاف أسانيده، وألفاظه(١).
الحديثُ الثالثُ: حديثُ:
٩٠٩ - يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ (٢٨٨/ م) أَبِي قَتَادَةً -
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (٢): وَلا أَعْلَمُهُ إلا عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النََِّّ قَالَ: ((لا تَقُومُوا
حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ(٣).
وقد تَقَدَّمَ - أيضًا - باختلاف ألفاظه(٤)، وليسَ في هذا والذي قبلَهُ
ذكرُ الجمعةِ؛ إِنَّما فيه ذكرُ الصلاةِ، وهيَ تعمُّ الجمعةَ وغيرها، وحديثُ
أبي هريرةَ إِنَّما يدلّ على النهي عن السعيِ عندَ سماعِ الإقامة، وحديثُ
أبي قتادةَ إِنما فيهِ الأمرُ بالسكينةِ في القيامِ إلى الصلاةِ؛ لا في المشيِ
إليها .
(١) عند الحديث رقم: (٦٣٦).
(٢) في ((اليونينية)): ((عن عبد الله بن أبي قتادة لا أعلمه إلا .... )).
(٣) ذكر القسطلاني أنها بالرفع والنصب.
(٤) عند الحديث رقم: (٦٣٧).
٢٠٠