Indexed OCR Text
Pages 381-400
١٥٣ - بَابٌ يُسَلّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ(١) يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإمامُ أَنْ يُسَلِّمَ مَنْ خَلْفَهُ رَوَى وكيعٌ بإسنادِهِ عن مُجَاهِدٍ قال: سألتُ ابنَ عمرَ قلتُ: سلَّم الإمامُ وقد بَقِيَ شيءٌ من الدُّعاءِ، أدعو أو أُسلِّمُ؟ قال: لا، بَلْ سَلِّمْ. وقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على هذه المسألةِ، وأَنَّه يُسلِّمُ مع الإمامِ ويدعُ الدعاءَ إلا أن يكون قد بَقي عليه منه شيءٌ يسيرٌ فيتمَّهُ ثم يسلم. ومذهبُ سفيانَ - فيما نقلَه عنه أصحابُه: إذا سلَّمَ الإمامُ سلِّمَ مَنْ خلفَه، وإن كَانَ بَقِيَ عليه شيءٌ من التَّشهد قطعه. ولعلَّ مرادَهُ الدعاء بعدَ النَّشهد؛ ولكن نقلَ حسانُ بنُ إبراهيمَ عن سفيانَ أَنَّه قال: إن كانَ بَقِيَ عليه شيءٌ من (١٧٩ / م) التَّشهد فَلْيسلِّمْ، فَإِنَّه أحبُّ إليَّ. واسْتَحبَّ أحمدُ، وإِسحاقُ سلامَ المأمومِ عقبَ سلامِ الإمامِ، وجَعَلَه أحمدُ من جُملة الائتمام به وعدم الاختلافِ عليه، والأَوْلَى للمَأْموم أَنْ يسلّمَ عقبَ فراغِ الإمامِ من التَّسليمتينِ، فإنْ سلَّمَ بعد تسليمته الأولى جَازَ عندَ من يقولُ: إِنَّ الثّانيةَ غيرُ واجبةٍ؛ لأنَّه يرى أَنَّ الإمامَ قدَ خرجُ من الصَّلاةِ بَتَسْليمِتِهِ الأولى، ولم تَجُزْ عند مَنْ يرى أنَّ الثَّانيةَ واجبةٌ لا يخرجُ من الصَّلاة بدونها . (١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما)). ٣٨١ كتاب الأذان واخْتَلِفَ أَصْحابُ الشَّافعيِّ: هلِ الأفضلُ أن يُسلِّمَ المأمومُ بعدَ تسليمة الإمامِ الأولى أو بعد تسليمته الثّانية؟ على وَجْهين. وقَالَ الشَّافعيُّ في البويطيِّ: من كَانَ خلفَ إِمَامٍ، فإذا فَرِغَ الإمامُ من سَلامِهِ سَلَّم عن يمينِهِ، وعن شماله. وهذا يدلُّ على أَنَّه لا يسلِّمُ إلا بعد فراغِ الإمامِ من التسليمتين، ويدلُ - أيضًا - على أنَّه لا يُسْتَحبُّ للمأمومِ التَّخلفُ عن سلامِ الإمامِ بل يسلِّمُ عقبَ سلامه، وهذا على قول من قالَ من أصحابهِ كالمتولي : إنه يُستحب 93 للمأموم أَنْ يسلم بعدَ فراغِ الإِمامِ من التَّسليمةِ الأولى أَظْهرُ. وقَالَ القاضي أبو الطيبِ الطبريُّ منهم: المأمومُ بالخيارِ إن شَاءَ سلَّمَ بعدَه، وإنْ شاءَ استدامَ الْجُلُوسَ للتَّعوذ والدُّعاء، وأطالَ ذلك وعلل(١) بأَنَّه قد انقطعتْ قدوتُه بالإمام بسلامه، وهذا مُخَالفٌ لنَصِّ الشَّافعيِّ، وعامَّة أَصْحابِهِ، وللمأثورِ عَنِ الصّحابةِ. ولو سلم المأموم(٢) مع تسليم (٢٠٠ - أ / ٢٥) إِمَامِه، ففي بُطْلانِ صَلاته لأصحابنا، وأصحابِ الشَّافعيِّ وجهانٍ - سبقَ ذكرُهُما عند ذكر متابعةِ المَأْمومِ للإمامِ(٣) -، والأصحُّ عندنا وعندهم: أَنَّه لا تبطلُ صلاته كما لو قَارَنَه في سائرِ الأركانِ سوى تكبيره الإحرامِ. ومذهبُ مَالك البطلان، وقد استحبَّ طَائفةٌ من السَّلْفِ التَّسليمَ مع الإمامِ . (١) في ((م): ((وعلمل)) !. (٢)) في ((٢٤)) و((م)): ((الإمام))، وأصلحها في ((م)) إلى: ((المأموم))، وهو الصواب. (٣) انظر المسألة تحت الحديث (٦٩٠). ٣٨٢ ١٥٣- باب يسلم حين يسلم الإمام ورَوَى وكيعٌ في كتابِهِ عن العُمريِّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ أَنَّه كان يُسلِّمُ مع تسليمِ الإمامِ. وبإسنادِه عن إبراهيمَ قَالَ: إنْ شئتَ سَلَّمتَ معه، وإن شئت سَلَّمتَ بَعدَه. وعن عطاء أنَّه كان ربَّما سلَّم مع تَسْلِيمه، وربَّما سلَّم بعدَه. وقد يُحْملُ أن يكونَ مرادُ هؤلاء السَّلْف بالسَّلامِ مَعَه: (١٨٠ /م) السلامَ عَقِيبِه من غَيْرِ مُهْلةٍ، وبالسَّلامِ بعدَه: التَّأخرَ عنه، واللهُ أعلمُ. وقد وَقَعَ في كلامِ الْتُقدِّمِينَ في إسلامِ الزَّوجينِ معًا ما يدلُّ على أنَّ مُرَادَهم به اجتماعُهما في الإسلامِ في مَجْلسٍ واحدٍ أو يومٍ واحدٍ، وفيه حديثٌ مرفوعٌ يشهدُ لذلكَ(١). وإن سلَّمَ المأمومُ قبلَ سَلامِ إمامِه لم يَجُزْ وبَطلتْ صَلَاتُهُ إِنْ تعمَّدَ ذلك ولم يَنْوِ مُفَارقَتَه على وَجْهِ يجوزُ معه المُفَارقةُ إلا عندَ من يرى أَنَّ السَّلامَ ليسَ مِنَ الصَّلاةِ، ويخرجُ منها بإنهاء التَّشهد أو بدون تشهد عند مَنْ يرى أَنَّ الَّشْهِدَ الأخيرَ سنةٌ؛ لكن من قَالَ منهم: لا يخرج من الصَّلاةِ إلا بالإتيانِ بالْنَافِي، فَإِنَّهُ لا يجيزُ للمَأْمومِ أن يَخْرِجَ من الصَّلاةِ قبلَ خُروجٍ إمامِه بذلك. وظاهرُ ما رُوِيَ عن ابنِ مَسْعُودٍ يَدَلُّ على جَوَازِهِ، وأَنَّه يخرجُ مِنَ الصَّلاةِ بإنهاءِ النَّشهدِ. وقد تقدَّمَ قولُه: فإذا قلتَ ذلك فَإِنْ شئتَ أن تقومَ فقُمْ، وإِنْ شئتَ أَنْ تقعدَ فاقْعُدْ. (١) انظر ((المغني)) (١٠ /٧ - ١٠) كتاب النكاح: باب نكاح أهل الشرك. (٢) (٢٤٦/٢ - ٢٤٧) . ٣٨٣ الحديث: ٨٣٨ كتاب الأذان ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ صريحًا؛ فروى عبدُ الرزاقِ في كتابِهِ(١) عَنْ إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصمٍ بن ضَمْرَةَ، عن علي قَالَ: إِذَا تَشْهَّدَ الرَّجلُ، وخَافَ أن يُحْدِثَ قبل أن يسلمَ الإمامُ فَلْيسلِّمْ، فقد تَمَّتْ صلاته. وقد رواه الحكمُ عن عاصمٍ، عن عليٍّ، ولفظُه: إِذَا جَلَسَ مقدارَ التَّشهدِ، ثم أحدثَ فقد تَمَّتْ صلاتُه. فيكون أمرُه بالمُبادرةِ بالسَّلامِ على وَجْهُ الاستحبابِ؛ فإنَّه لو أحدثَ لم تَبْطُلْ صَلَاتُه عنده. وقد حُكِيَ مذهب أبي حنيفةً مثل ذلك، واللهُ أعلمُ (٢) . قالَ البُخَاريّ: ٨٣٨ - حَدَّثَنَا (٣) حبَّانُ بْنُ مُوسَى: ثَنَا (٤) عَبْدُ الله - هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ(٥). أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيِعِ، عَنْ عِثْبَانَ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ الله(١٦) ◌ِِّ، فَسَلَّمْنَا حِينَ سلَّمَ. هَذَا مختصرٌ من حديثٍ عِتْبَانَ الطّويلِ في إنكارِهِ بصرَهُ، وطَلِهِ مِنَ النَّبِيِّ وََّ أَنْ يَأْتِيَ إلى بَيْتِهِ، فَيُصلِّي فيه (٢٠٠ - ب/ ك٢) في مَكَانٍ يتخذُه مسجدًا. وقد خرَّجه بتمامِه في البابِ الَّذِي يَلي هذا عن عبدانَ، عَنْ ابْنِ الْمُبَاركِ. وقد خرَّجَه - فيما مَضَى - من طريقِ عُقَيل، ومالكِ، وإبراهيم بن سعد، عن الزَّهريِّ مختصرًا ومطولا، ولَيْسَ في رِوَآياتِهم: (١)(٢٤٦/٢ - ٢٤٧). (٢) وانظر ((تغليق التعليق)) (٢ /٣٣٣) و((الفتح)) (٣٢٣/٢). (٤) في ((م): ((نا)). (٣) في ((م)): ((ثنا)). (٥) قوله: ((هو ابن المبارك)) ليس في ((اليونينية)) ولا القسطلاني. (٦) في ((اليونينية))، والقسطلاني: ((النبي)). ٣٨٤ ١٥٣- باب يسلم حين يسلم الإمام الحديث: ٨٣٨ ((فَسلَّمْنَا حينَ سلم))(١)، إنَّما هذه في روايةٍ (١٨١ / م) معمرِ المخرجةِ في هذا الباب (٢). وقولُه: ((سَلَّمِنَا حِينَ سلَّمَ)) ظَاهِرُهَ يُقتضِي أَنَّهم سَلَّموا مع سَلامِه؛ لأنَّ الحينَ معناه الوقتُ، فَظاهرُ اللَّفظ يَقْتَضي أَنَّ سلامَهمَ كانَ في وقتٍ سَلامه مُقَارنًا له، ولَيْسَ هذا هو المراد، واللهُ أعلم؛ وإنَّما المرادُ أَنَّهم سَلَّموا عَقيبَ سَلامِه من غَيرِ تَأخُّر عنه، وعبّر عن ذلكَ باتحاد الوقت والحين؛ فإن التَّعاقبَ شَبِيهٌ بالتَّقارنِ(٣)، وهو - أيضا - المرادُ، واللهُ أعلمُ من المَرْويِّ عن ابنٍ عُمرَ، وغَيْرِهِ من السَّلْفِ فِي السَّلامِ مع الإمامِ، وأَنَّهم أَرَادُوا بِالَعِيَّةِ التَّعاقَبَ دُونَ النَّقَارُنِ(٣). (١) حديث عقيل (٤٢٥)، وحديث مالك (٦٦٧)، وحديث إبراهيم بن سعد (٤٢٤). (٢) ومضى - أيضا - حديث عمر (٦٨٦)، وفيه: ثم سلم، وسلمنا. (٣) في ((ك٢)»: «التقارب)»، آخره باء موحدة. ٣٨٥ الحديث: ٨٤٠،٨٣٩ كتاب الأذان ١٥٤ - بَابُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ (١) السَّلَامِ عَلَى الإِمَامِ، وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلاةِ خَرَّجَ فيه حديثَ عِتْبَان - أيضًا - عن عبدان، عن ابنِ المباركِ بالإسنادِ المتقدم، وذكر الحديثَ بتمامِه، وفي آخرِهِ قَالَ: ٨٣٩، ٨٤٠ - فَغَدَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِّهِ، وَأَبُو بَكْرِ مَعَهُ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَذَنَ النَّبِيَُِّّ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ وَصَغَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ(٧). مرادُه بهذا الحديث في هذا الباب: أَنَّ الذين صَلَّوا مَعَ النَّبِيِّ وَظَلّ في بَيْتٍ عِتْبَانَ سَلَّمُوا مَعَ النَّبِيِّ بَِّ حِينَ سَلَّمَ من الصَّلاةِ، ولم يُوجَدْ منهم سوى السلامٍ من الصَّلاةِ كسلامِ النَّبِيِِّ منها. وفي ذَلِكَ رَدُّ على من قَالَ: إِنَّ الَمَأْمُومَ يردُّ على الإمَامِ سلامَه مع تسليمِهِ من السَّلَامِ إِمَّا قبله أو بعده، وقد قَالَ بذلكَ طوائفُ من السَّلْفِ منهم: ابنُ عُمرَ، وأبو هريرةَ. فِرُوِيَ عن ابنِ عُمرَ أَنَّه كَانَ إذا سلَّمَ الإمامُ ردَّ عليه، ثم سلَّمَ عن يمينه، فإن سلَّمَ عليه أحدٌ عن يسارِهِ ردَّ عليه وإلا سكت(٣). (١) في ((اليونينية)) والقسطلاني: ((من لم يَرَ رَدَ)) وفي رواية أبي ذر: ((يَرْدُهِ)). (٢)هما حديث واحد، ولكن التزمنا ترقيم ((الفتح)). (٣) عبد الرزاق (٢٢٣/٢). ٣٨٦ ١٥٤ - باب من لم يرد السلام على الإمام الحديث: ٨٤٠ وَرُوِيَ عنه أَنَّه كان يُسلِّمُ عن يمينِهِ، ثم يَردُّ على الإمامِ (١). وعن أبي هريرةَ أَنَّه كَانَ إذا سلَّم الإمامُ قال: السَّلامُ عليك أيُّها القَارئُ. وقال عطاءٌ: ابدأْ بالإمام ثم سلِّمْ (٢) على مَنْ يمينك، ثم عَلَى من شمالك(٣). وعن الحسنِ، وقَتادةً (٤) نحوه. وقال الشَّعبيُّ: إذا سلَّم الإمامُ فردَّ عليه. وكَانَ سالمٌ يفعلُه(٥). وقَالَه (١٨٢/ م) النَّخْعِيُّ(٦). وقَالَ الزُّهرِيُّ: هو سنةٌ. قال مكحولٌ: كَانَ أصحابُ النَّبِيِّ بَّهِ يَردُّونَ على الإمامِ إذا سَلَّم عليهم. وقال عطاءٌ ـ أيضًا -: حَقٌّ عليكَ أن تردَّ على الإمامِ إذا سلَّم، وقال مرةً: هو مخيرٌ إن شاءَ رَدَّ عليه، وإن شَاءَ صبرَ حَتَّى يُسلِّمَ لنَفْسِهِ، وينوي به الإمامَ، ومن صَلَّى على جانبيه، وقَالَ (٢٠١ - أ/ ك٢) في الردِّ على الإمامِ: يردُّ في نَفْسه ولا يسمعه، وكذاَ قالَ حمادٌ (٧). فَإِنْ كان مرادُ من قَالَ: يردُّ على الإمامِ: أَنَّه يردُّ عليه السَّلَامَ في نَفْسه، ولا يتكلَّمُ به، فهذا(٨) الردُّ إذا فعلَه في الصَّلاةِ لا تبطلُ به الصَّلاةُ، وإن كَانَ مرادُهُ أَنَّه يردُّ بِلسَانِه - كما هو ظاهرُ كلامِ أكثرِهم - فَإِنَّه يبني على أَنَّ ردَّ السَّلام في الصَّلاة لا يبطلُ الصَّلاةَ، وقد ذَهبَ إلى ذَلِكَ (١) ابن أبي شيبة (٣٠٧/١) بلفظ: كان يرد السلام على الإمام. (٢) وضع في ((ك٢)) و((م)) تحت السين نقطتين، ولعله يشير إلى قراءتها بـ: ((يسلم)). (٤) أثر قتادة: أخرجه عبد الرزاق (٢٢٤/٢). (٣) عبد الرزاق (٢٢٣/٢). (٥) ابن أبي شيبة (٣٠٧/١). (٦) ابن أبي شيبة (٣٠٧/١ - ٣٠٨). (٧) عبد الرزاق (٢٢٣/٢ - ٢٢٤). (٨) قوله: ((فهذا)) تكرر في ((٢٥)). ٣٨٧ الحديث: ٨٤٠ كتاب الأذان طائفةٌ من السَّفِ، ويأتي ذكرُه في موضعٍ آخر إن شَاءَ اللهُ تعالى. وقد ينبني - أيضًا - على أَنَّ السَّلَامَ ليس من فروضِ الصَّلاةِ وأنَّه يخرجُ من الصَّلاةِ بكلِّ منافٍ لَهَا من الكَلامِ، ونحوه كما قَالَ ذلكَ من ذكرنا قولَه من قبل (١) وأَمَّا من قال: إنَّ الرَّدَّ على الإمامِ يكونُ بعد السَّلامِ من الصَّلاة، فهذا لا إشكالَ فيه؛ فَإِنَّه قد خَرَجَ من الصَّلاةِ بالسَّلامِ. وقد ذَهبَ إلى ذَلِكَ غيرُ واحدٍ من الأَثْمَّةِ المَشْهورينَ، قال مالكٌ في المأمومِ: يُسلِّمُ تسليمةً عن يمينِهِ، وأخرى عن يَسارِهِ، ثم يردُّ على الإمامِ. قال ابنُ عبدِ البرِّ: تحصيلُ قول مالك في ذلك: أَنَّ الإمامَ يُسلِّمُ واحدةً تلقاءَ وَجْهِهِ، ويَتَيَامَن بها قليلا، وأَنَّ المُصلِّيَ لنَفْسِهِ - يعني منفردًا - يُسلِّمُ اثنتين - في رواية ابنِ القَاسمِ - وأَنَّ الَأْمومَ يسلِّمُ ثلاثًا إن كَانَ عن يَسَارِه أحدٌ، واخْتَلفَ قولُه في موضعٍ رَدِّ الْمَأْمومِ على الإمامِ، فمرةً قال: يُسلّمُ عن يَمِينِهِ، وعن يَسارِهِ، ثم يردُّ على الإمامِ، ومرة قَالَ: يردُّ على الإمام بعد أن يُسلِّمَ عن يمينِهِ، ثم يُسلِّمُ عن يَسارِهِ(٢). وقد رَوَى أهلُ المدينةِ عِن مَالكِ وبعض المصريين أَنَّ الإمامَ والمنفردَ سواءٌ، يُسلِّمُ كل واحد منهما تسْليمةً وَاحِدةً تلقاءَ وَجْهِه، ويتيامنُ بها قليلا . قال: وكَانَ اللَّيْثُ بنُ سعد يَبْدُ بالردِّ على (١٨٣/ م) الإمامِ، ثم (١) سبق في (ص: ٣٧٦) تحت الحديث (٨٣٧). (٢) وانظر ((البيان والتحصيل)) (٢٦٦/١). ٣٨٨ ١٥٤ - باب من لم يرد السلام على الإمام الحديث: ٨٤٠ يُسلِّمُ عن يمينِهِ، وعن يَسَارِهِ. ونقل أبو داودَ (١) في الردِّ على الإمامِ قبلَ السَّلَامِ، قَالَ: لا، قِيلَ له: فبعدَه؟ قَالَ: نعم، وإِنْ شَاءَ نوى بالسَّلامِ الرَدَّ، قَالَ: وما أَعْرفُ فيه حديثا عاليا يعتمدُ عليه . قَالَ القاضي أبو يعلى: وظاهرُ هذا أَنَّه مُخيَّرٌ في الردِّ على الإمامِ بالنيةِ في حالِ سَلامِه، أو بالقَوْلِ بعدَه، فيقولُ: السَّلامُ عليكَ أيها القَارِىءُ، قال: ويُسِرُّ به ولا يجهرُ. نَقلَ المَرُّذِيُّ عن أحمدَ في الرَّجُلِ يرةُ السَّلامَ على الإمامِ، فقال: إذا نَوَى بَتْسليمِه الردَّ فقد رَدَّ عليه، فَإِنْ فَعلَ رجلٌ فَلْيُخْفه، قَالَ: ومعناه إنْ ردَّ عليه بالقَول فَلْيُخْفه . وقَالَ إسحاقُ: لا اختلافَ بينَ أهلِ العلمِ في الردِّ على الإمامِ إذا سلَّمَ كما سلَّم، ولكنِ اخْتَلفوا هل يَبْدأُ بالردِّ عليه قبلَ السَّلامِ أم يردَّ عليه بعدَ السَّلامِ؟ [قَالَ: وَأحبُّ إليَّ أن يردَّ بعدَ السَّلامِ، ] (٢) قَالَ: وإذا رَفَعَ صوتَه بالردِّ قَدْرَ ما يسمعُ الإمامُ، والصفُّ الذي يليه جَازَ، وإِنْ أَسرَّه وأسمَع أذنيه (٢٠١ - ب/ ك٢) بالردِّ على الإمام أَجْزُأَه، وكُلُّ منَ قالَ: يردُّ على الإمامِ [قَالَ: يردُّ عليه](٢) بلفظِ السَّلام من غيرِ زيادةٍ، إلا ما رُوِيَ عن أبي هُرَيْرةَ أَنَّه يقولُ: السَّلامُ عليكَ أَيُّها القَارِئُ - كما سبق. واخْتلفُوا في المأمومِ هَلْ ينوي بسَلامِه من الصَّلاةِ الردَّ على (٣) إمَامِه أم لا؟ وفيه قولان: (١) عن الإمام أحمد في ((مسائله)) (ص/ ٧٣). (٢) ما بين المعقوفين سقط من ((ك(٢)) بسبب انتقال النظر. (٣) قوله: ((على)) تكرر في ((م)). ٣٨٩ الحديث: ٨٤٠ كتاب الأذان أحدُهما: لا ينوي ذَلِكَ، ونصَّ عليه أحمدُ في روايةِ مهنا، وغيرِهِ، وهو اختيارُ ابن حامد من أصحابِنا؛ لأَنَّ السَّلَامَ ركنٌ من أركانِ الصَّلاةَ لا يخرجُ منها بدونِه - على ما تقدَّمَ -، والصَّلاةُ لا يُردُّ فيها الَسَّلَامُ عَلى أحد، بل هو مبطلٌ للصَّلاة؛ لأَنَّهُ خطابُ آدميٍّ، هذا مذهبُنَا، وقولُ جمهورِ العُلماءِ. وعلى هذا فهلْ تبطلُ صَلاتُه بَذلكَ؟ قَالَ ابنُ حامد من أَصْحابِنا: إِنْ لَمْ ينوِ سوى الرَدِّ بَطلتْ صلاتُه، وإن نَوَى الرَدَّ، والخُروجَ من الصَّلاةَ، ففي البُطلانِ وَجْهان؛ لأَنَّه لم يُخْلصِ النِّيّةَ لخطاب المَخْلوقِ فَأَشْبَه ما لو قَالَ لمن دَقَّ عليه البابَ: ﴿ادْخُلُوها بسَلامِ (١٨٤/م) آمنين﴾ [الحجر: ٤٦] ينوي به القراءة والإذنَ له؛ فَإِنَّ في بُطْلانِ الصَّلاة بذلك روايتين: أصحهما: لا تبطلُ. قَالَ أحمدُ في روايةٍ جعفر بن محمد: السَّلامُ على الإمامِ لا نَعْرفُ له موضعًا، وتَسْليمُ الإمام هو انقضاءُ الصَّلاةِ؛ ليس هو سلام على القَومِ فيجبُ عليهم أن يَردُّوا؛ ولكنَّ ابنَ عمرَ شدَّد في هذا: يسلمُ الرجلُ وينوي به السَّلامَ مِنَ الصَّلاة، والردَّ على الإمام - كأنَّه يقولُه على وجه الإنكار لذلك، قِيلَ له: إِنَّهم يقولونَ: إِنَّ ردَّ السَّلامِ على الإمامِ واجب، قَالَ: أَرْجُو أن لا يكون واجبًا، وإِنْ ردَّ فلا بأسَ. والقَوْلُ الثَّاني: أَنَّه ينوي المأمومُ بسلامِهِ الرَّ على إمامِهِ. وهو قولُ عطاء، والنَّخعيِّ، وحمادٍ، والثَّوريِّ، ونصَّ عليه أحمدُ في رِوَآية جماعة من أُصْحابِهِ. وهَلَ هُوَ مسنونٌ مستحبٌّ أو جائزٌ؟ فيه روايتان(١) - أيضًا - عن أحمدَ: (١) في ((ك٢)): ((روايتين)). ٣٩٠ ١٥٤ - باب من لم يرد السلام على الإمام الحديث: ٨٤٠ قال في رِوَايةِ يعقوبَ بن بُخْتَانِ: يَنْوِي بسَلامِه الردَّ. وهو اختيارُ أبي حفصِ العكبريِّ، وقال في روايةٍ غيره: لا بأسَ بِهِ . فظاهرُهُ: جوازُه فقط، وهو اخْتِيارُ القاضي أبي يعلى وغَيْرِهِ. وقال في روايةِ ابنِ هانئْ(١): إذا نَوَى بَتَسْلِيمِه الردَّ على الإمامِ أجزأه. وظاهرُ هذا أَنَّه واجبٌ؛ لأَنَّه ردُّ سلامٍ، فيكونُ فرضَ كِفَايةٍ؛ إلا أن يقال: إِنَّ المُسلِّمَ في الصَّلاةِ لا يجبُ الردُّ عليه، أو يُقَالَ: إِنَّه يجوزُ تَأْخِيرُ الردِّ إلى بعد السَّلامِ؛ وَلَكن إذا جَوزنا تأخيرَهَ وجبَ أحدُ أمرينِ: إِمَّا أن ينويَ الردَّ بالسَّلامِ، أو أن يردَّ بعد ذلك. وهو قولُ عطاء . كما تقدم - وتبويبُ البخاريِّ قد يشعرُ بذلكَ لقوله ((واكتفى بتسليم الإمامِ)) ويحتملَ أَنَّه أرادَ أن تَسليمَ الصَّلاة كافٍ عن الردِّ، وإن لم ينوِ به الردَّ - كما قَالَه أحمدُ في رواية . وقال يحيى بن سعيد الأنصاريُّ: إذا سَلَّمتَ (٢٠٢ - أ/ ك٢) عن يمينك أجْزأكَ من الردِّ عليه. وكذا قال النَّخعيِّ، ولم يشترط أَنْ يَنْوِيَ بسلامه الردَّ. قال أبو حفصِ العكبريُّ: وينوي بالأولى الخروجَ من الصَّلاةِ، وبالثّانيةِ الرَدَّ على الإمامِ والحفظةِ. (١) (١ / ٦٣). ٣٩١ الحديث: ٨٤٠ كتاب الأذان وممَّنْ رأى أَنْ يَنْويَ بسلامه الردّ على الإمام: أبو حنيفةَ (١٨٥/ م)، والشَّافعيُّ، وأصحابُهُما. ثم قال أصحابُ الشَّافعيِّ: إن كان المأمومُ عن يمينِ الإمامِ نوى بَتَسْليمتِه الأولى السَّلَامَ على مَنْ عن يمينِه مِنَ الملائكةِ والْمُسْلِمينَ من الإنسِ والجنِّ، وينوي بالثّانيةِ ذلك مع الردِّ علَى إمامِهِ. وإِنْ كانَ المأمومُ عن يسارِ إمامِه نَواه في الأولى، وإِنْ كان مُحَاذيًا له نَوَاه في أَّتهما شَاءَ، والأُولى أفضلُ. نَصَّ عليه الشَّافعي في ((الأم)) (١). ويَنْوِي الإمامُ بِسَلامِه مَنْ على يمينِه ويَسَارِهِ مِنَ الملائكةِ والْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَأْمومينَ وغيرِهم، ويَنْوِي بعضُ الَأْمومينَ الرََّّ على بعضٍ. قَالُوا: وكل هذه النيات مستحبّةٌ، لا يجبُ منها شيءٌ. وقَالَ أصحابُ أبي حَنِيفةَ: يَنْوِي الْمُصلِّي بكلِّ تسليمةٍ مَنْ فِي تِلْكَ الجهةِ مِنَ النَّاسِ والحفظة وهل يُقَدِّمُ الآدَميينَ على الملائكة في النَّةِ؟ على رِوَآيتينِ عندهم، إحديهما(٢): يُقدِّمُ الملائكةَ؛ لأنهم عندهم أفضلُ، وَالثَّانيةُ: يُقَدِّمُ النَّاسَ؛ لُشَاهدِتِهم. ويُدْخِلُ المأمومُ الإمامَ في الجهةِ التي هو فيها؛ فَإِنْ كَانَ بحذَائِه أَدْخِلَه في الَيَمينِ؛ لأنها أفضلُ. ورَوَى عبدُ الرزاق(٣)، عن مَعْمَر عن حماد قَالَ: إذا كَانَ الإمامُ عن يحينِكَ ثُمَّ سلَّمتَ عن يَسارِك ونويتَ الإمامَ - أيضًا - وإِنْ كَانَ بينَ يديك فسَلِّمْ عليه في نَفْسِك ثم سَلِّمْ عن يمينِك وشمالِك. (٢) في ((ك٣)): ((أحدهما)). (١) (١/ ١٢٢). (٣) في («المصنف» (٢٢٤/٢). ٣٩٢ ٥٤ ١- باب من لم يرد السلام على الإمام الحديث: ٨٤٠ وأمَّا نِيَّةُ الخُروجِ من الصَّلاةِ: فهل هي واجبةٌ تبطلُ الصَّلاةُ بتَرْكِها أم لا؟ فيه وَجْهَانِ لأصْحَابِنا، اختارَ ابنُ حامد وجُوبَها، وأختارَ الأكثرونَ عدمَ الوُجوبِ، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ. وينوي الخروجَ بالأولى سواء قلنا: يخرجُ بها من الصَّلاة، أو قلنا: لا يخرجُ إلا بالثّانيةِ؛ لأنَّ النية تستصحبٌ(١) إلى الثَّانيةِ. ومِنَّ الأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: إِنْ قُلْنَا: الثّانيةُ سُنَّةٌ نَوَى بالأُولى الخُروجَ، وإنَ قُلْنَا: الثَّانِيَةً فرضٌ، نوى الخروجَ بالثَّانية خاصة(٢). والصَّحيحُ: الأولُ. ولأصحابِ الشَّافعيِّ في وُجوبِ نيةِ الْخُرُوجِ بالسلام وبطلانِ الصَّلاة بتَرْكِهَا وجهانٍ - أيضًا - ونَصَّ الشَّافَعِيُّ على أنّهَ يَنْوِي بِالسَّلَامِ الخروجَ؛ ولكنِ اخْتَلفُوا: هل هو محمولٌ على الاستحبابِ أو الوُجوبِ؟ وإنَّما يَنْوي (١٨٦/م) الخُروجَ عندهم بالأُولى؛ لأَنَّ الثَّانيةَ ليست عندَهم واجبةً بغيرِ خِلافٍ . واستدلَّ من استحبَّ أن ينويَ بسَلامِه الحفظةَ والإمامَ والمأمومين بما خرَّجه مسلمٌ(٣) من حديث جابر بن سمرةً قال: كُنَّا إذا صَلَّنا مع رسول اللهِ وَُّ فَقُلْنَا: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ، السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله (٢٠٢ - ب / ك٢) - وأَشَارَ بيده إلى الجانبين - فَقَالَ رسولُ اللهِ وَله: ((على ما تُومِئونَ بأَيْدِيكم كأَنَّها أذنابُ خيلٍ شُمُسٍ؟! وإنما يَكْفي أَحَدَكم أَنْ يضعَ يدَه على فَخذِهِ، ثم يُسلِّمَ على أخيهَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وشِمَالِه)». (١) في ((ك٢)) بالمثناة التحتية، وفي ((م)) عارية عن الإعجام، وما أثبتناه الصواب. (٢) في ((م)) و((ك٢)»: ((خاص))، وما أثبتناه الصواب. (٣) (٤٣١). ٣٩٣ الحديث: ٨٤٠ كتاب الأذان وفي رواية له(١): فقال: ((ما شَأْنُكم؟ تُشيرُونَ بأَيْديكم كَأَنَّها أَذْنابُ خيلٍ شُمُسٍ؟! إذا سَلَّم أَحَدُكُمْ فَلْيلتَفِتْ إلى صَاحِبِهِ ولا يومى بَيَدِه)). وخرَّجَ أبو داودً(٢) من حديثٍ سمرة بن جندب قَالَ: أمرنا رسولُ الله وَّ أَنْ نردَّ على الإمامِ، وأن نَتحابَّ، وأن يُسلِّمَ بعضُنا على بعضٍ. وخَرَّج أبو داودَ - أيضًا(٣) - من طريق آخر، عن سمرةَ قال: أَمَرنا رسولُ اللهِ وَ له فقال: ((ابْدَُوا قبلَ التَّسليم فقُولُوا: التَّحياتُ الطَّيباتُ الصَّلَواتُ والمُلْكُ لله، ثُمَّ سَلِّمُوا على اليمينِ ثم سَلِّمُوا على قارئكم وعلی أنفسكم)). وخَرَّجَهَ ابنُ ماجه(٤) - بمعناه. وفي روايةٍ له(٥) بإسناد فيه ضعفٌ: ((إذا سلَّمَ الإمامُ فَردُّوا عليه)). وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجه من حديثِ عاصمٍ بن ضَمْرَةَ، عن عليٍّ أَنَّ النَّبِيَّ وَّه كان يُصَلِّي قبلَ العَصرِ أربعًا، يفصل بين [كل] (٦) ركعتين بالتَّسليم على الملائكة المقربينَ والنَّبِينَ والمرسلينَ ومَن تبعهم من المؤمنين(٧)، وقال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌّ. وظاهره يدلُّ على أَنَّه ◌َّهَ كَانَ يَنْوِي بِسَلامِه في صَلاةِ التَّطُوعِ السَّلَامَ على الملائكةِ ومَنْ ذكر معهم. وتَأَوَّله إسحاقُ على أَنَّه أَرادَ بذلك التَّشهدَ؛ فإنَّه يُسلِّمُ فيه على عِبادِ الله(٨) الصَّالِحِينَ. وهُوَ خلافُ الظَّاهر، واللهُ أعلمُ. (١) (٤٣١) . (٢) (١٠٠١). (٣) (٩٧٥). (٤) (٩٢٢). (٥) (٩٢١). (٦) ما بين المعقوفين سقط من ((ك٢)) و((م)) واستدركناه من رواية أحمد، وابن ماجه. (٧) أحمد (٨٥/١، ١٦٠)، والترمذي (٤٢٩)، وابن ماجه (١١٦١). (٨) لفظ الجلالة كشط في ((م)). ٣٩٤ الحديث: ٨٤٢،٨٤٢،٨٤١م ١٥٥ - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاةِ فيه ثَلاثةُ أَحَادِيثَ: الأولُ: حديثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: ٨٤١ - حَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا (١) عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى (١٨٧/ م) ابْنِ عَبَّاسِ أَخْبَرَه أَنَّ ابْنَ عَّاسٍ (٢) أخْبَرَهُ أَنَّ رَفْعَ الصَّتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ يَّل قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. ٨٤٢ - حَدَّثَنَا عَلَيٌّ: ثَنَا (١) سُفْيَانُ: ثَنَا (١) عَمْرٌوَ (٣): أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ(٤) ◌ِّز بالتّكْبِيرِ. ٨٤٢م - حَدَّثَنَا عَلَيٌّ: ثَنَا (١) سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو قَالَ: كَانَ أَبُو مَعْبد أَصْدَقَ مَوَلِي ابْنِ عَبَّاسٍ. In (١) في ((م): ((نا)). (٢) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما)). (٣) ((ثنا عمرو)) ليس في ((اليونينية)) وعند الأصيلي: ((عن عمرو))، وأشار القسطلاني إلى سقوطه في بعض النسخ، وقال: ولابد من ثبوته. (٤) في ((اليونينية)): ((النبي)). ٣٩٥ الحديث: ٨٤٢م كتاب الأذان قَالَ عَلَيٌّ: وَاسْمُهُ: نَاف١٣ُ). أبو مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ اسمُه: نافذٌ، وهو ثقةٌ، وثَّقَه أحمدُ، ويحيى، وأبو زرعةَ، واتَّفَقَ الشَّيخانِ على تَخْرِيجِ حَديثِه . ولكن في رواية لمسلمٍ في هَذَا الحديثِ من طريقِ ابنِ عُيينةَ، عن عَمرو أن أبا مَعْبَدِ حَدَّثْه بذلَكَ ثم أنكره بعدُ، وقال: لم أُحَدِّثْكَ بهذا(٢). ورَوَه الإمامُ أحمدُ، عن سفيانَ، عن عَمرٍو، به(٣). وزادَ: قال عَمرو (٤): قلتُ له: إِنَّ النَّاسَ كانوا إذا سَلَّم الإمامُ من صلاة المَكْتوبة كبروا ثلاثَ تَكْبيرات(٥). وهكذا هنا ثلاثُ تهليلات [ ..... ] (٦). وقَالَ حنبلٌ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ: حَدَّثَنَا(٧) عليُّ بنُ ثابتٍ: حدثنا (٨) واصلٌ (٢٠٣ - أ/ ك٢) قال: رأيتُ عليَّ بنَ عبدِ الله بن عباسٍ إذا صَلَّى كَبَّرَ ثلاثَ تَكْبيرات. قلتُ لأحمدَ: بعدَ الصَّلاة؟ قال: هكذا. قلتُ له: حديثُ عَمْرٍو، عن أبي مَعْبَدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: كُنَّا نَعْرفُ (١) وهذا الطريق (٨٤٢ - المكرر) ليس في ((الفتح)) وهو ثابت في شرح الحافظ، وفي ((اليونينية)) والقسطلاني؛ ولذلك أعطيناه رقما مكررا. (٢) مسلم (٥٨٣). (٣) أحمد (٢٢٢/١، ٣٦٧). (٤) في ((م): ((عمر))، خطأ. (٥) هذه الزيادة ليست في ((المسند))، وفي الموضع الأول إنكار أبي معبد أنه حدث به. وفي الموضع الثاني عن ابن عباس: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ◌َّه، وأنه قال: قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. (٦) بياض في ((٢٥)) و((م)) بمقدار ثلاث كلمات، والمعني مشكل. (٧) في ((م): ((نا)). (٨) في ((م): ثنا)). ٣٩٦ ١٥٥ - باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٢م انْقَضَاءَ صلاةِ رسولِ اللهِ وَ له بالتَّكبيرِ، هؤلاء أَخَذُوه عن هذا؟ قال: نَعَمْ. ذكره أبو بكرٍ عبدُ العزيز بنُ جعفرٍ في كتابه (الشافي)). فقد تَبَّنَ بهذا أَنَّ معنى التكبير الذي كَانَ في عهدِ النّبِيِّ ◌َ عقب صََاللّهِ وَسَلم الصَّلاة المكتوبة هو ثلاثُ تَكْبيرات متوالية. ويشهدُ لذلك ما رُوي عن مِسْعَرٍ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمن، عن طَيْسَلَةَ، عن ابنِ عُمرَ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ قَالَ فِي دُبْرِ الصَّلوات، وإذا أَخذَ مَضْجِعَه: اللهُ أَكْبرُ كَبِيرًا عددَ الشَّفْعِ والوترِ، وكلمات الله الطَّيات الُبَاركات - ثَلاثًا -، ولا إلَهَ إلا اللهُ - مثل ذَلِكَ - كُنَّ له في القبر نورًا، وعلى الحشر(١) نورًا، وعلى الصِّراط نورًا، حتَّى(٢) يَدْخِلَ الجنَّةَ)) (١٨٨/م). وخرجه - أيضًا(٣) - بلفظ آخرَ وهو: ((سُبْحَانَ اللهِ عددَ الشَّفْعِ والوترِ وكلماتِ رَبِّي الطَِّّبات التَّامَّات المُبَاركات - ثلاثًا -، والحمدُ لله واللهُ أكبرُ ولا إلَهَ إلا الله)). وذكر الإسماعيليَّ أَنَّ محمدَ بنَ عبد الرحمن - هو مولى آل طلحةَ -، وهو ثقةٌ مشهورٌ، وخرَّجَ له مسلمٌ(٤). (١) والذي في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٢٩/١٠) - الرواية الموقوفة -، و((الكنز)) (٦٤١/٢) عنه: ((الجسر)). (٢) في ((٢٥)» بالتاء والياء معًا. (٣) لم يذكر من أخرجه أولا، ولعله أبو بكر عبد العزيز في ((الشافي))، ولم نقف على من أخرجه بهذا السياق مرفوعا . (٤) ((تهذيب الكمال)) (٦١٤/٢٥ - ٦١٥). ٣٩٧ ٦ الحديث: ٨٤٢م كتاب الأذان وطَيْسَلَة :- وثَّقه ابنُ معين - هو ابن علي اليمامي، ويُقَالُ: ابن مياس(١)، وجعلهما ابنُ حبان اثْنينِ وذكرهما في ((ثقَاتِه))(٢) وذكر أَنَّهما يَرْویانِ عن ابنِ عمرَ. وخرَّجَهَ ابنُ أبي شيبةَ في كتابِهِ، عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن مِسْعَرٍ بهذا الإسنادِ موقوفًا على ابنِ عُمرَ (٣). وأنكرَ عَبِيدُةُ السَّلِمانيُّ على مصعبِ بنِ الزُّبيرِ تكبيرَه عقبَ السَّلامِ وقَالَ: قَاتَلَهُ اللهُ نَعَّارٌ بالبدعِ. واتباعُ السنَّةِ أُولَى(٤). ورَوَى ابنُ سعدٍ في ((طبقاتِه) بإسنادِه عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أَنَّهَ كَانَ يكبِّرُ: اللهُ أكبرُ ولله الحمدُ - ثلاثًا - دبرَ كُلِّ صَلاة(٥) . وقد دلَّ حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ على رَفْعِ الصَّتِ بالتَّكبيرِ عقبَ الصَّلاةِ المفروضة . وقد ذهبَ إلى ظَاهرِهِ بعضُ أهلِ الظَّاهِرِ، وحُكِيَ عنَ أكْثِرِ العلماءِ خلافُ ذلك، وأنَّ الأفضلَ الإسرارُ بالذِّكْرِ؛ لعموم قوله تعالى ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً (٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وقوله تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولقول النّبِيِّ وَ لخلقه لمن ماالله جَهرَ بالذِّكرِ من أَصْحابِهِ: ((إِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غَائِبًا))(٧). (١) في ((ك٢)) و ((م)) تشبه: (سياس))، وما أثبتناه فمن ترجمته. (٢) (٣٩٨/٤، ٣٩٩)، وانظر ((تهذيب الكمال)) (٤٦٧/١٣). (٣) ابن أبي شيبة (٢٢٩/١٠). (٤) ابن أبي شيبة (٣٠٤/١)، وعبد الرزاق (٢٤٥/٢). (٥) ابن سعد (٣٦٢/٥). (٦) في ((ك٢)): ((خفية))، خطأ. (٧) متفق عليه من حديث أبي موسى. ٣٩٨ ٥٥ ١ - باب الذكر بعد الصلاة الحديث: ٨٤٢م وحَملَ الشَّافعيُّ حديثَ ابنِ عَبَّاسِ هذا على أَنَّه جَهرَ به وقتًا يَسيرًا حَتَّى يُعَلِّمَهم صفةَ الذكرِ؛ لا أنَّهم جَهَروا دَائمًا قَالَ: فَأَخْتَارُ للإِمَام والمَأْموم أَن يَذْكُرُوا اللهَ بَعْدَ الفَراغ من الصَّلاةِ ويُخْفيانِ ذَلكَ، إلا أن يكونَ إمامًا يريدُ أن يُتَعلَّمَ منه فيجهَرُ حَتَّى يَعْلَمَ أنه قد تُعلِّمَ (١) منه، ثم يُسِرُّ(٢). وكذلك ذكر أَصْحابُه، وذكر بعضُ أصحابنا مثل ذَلِكَ - أيضًا. ولهم وجهٌ آخر أَنَّه يُكْرَه الجهرُ به مُطْلقًا . وقال القاضي أبو يعلى في ((الجامع الكبير)): ظَاهِرُ كلام أحمدَ أَنَّه يسنُّ للإِمَامِ الجَهْرُ بالذكرِ والدُّعاءِ عقبَ الصَّلوات (٢٠٣ - ب/ ك٢) بحيثُ يُسْمِعُ المَأْمومَ ولاَ يزيدُ علَى ذَلِكَ. وذكر عن أَحْمَدَ نصوصًا (١٨٩/م) تَدلَّ على أنَّه كَانَ يجهرُ بَبَعْضِ الذِّكرِ، ويُسرُّ الدَّعاءَ. وهذا هو الأظهرُ، وأَنَّه لا يختصُّ ذلك بالإمامِ؛ فإنَّ حديثَ ابنِ عَبَّاسٍ هذا ظَاهِرُهُ يدلُّ على جهرِ المَأْمومينَ - أيضًا. ويَدِلُّ عليه - أيضًا -: ما خرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) من حديثِ ابنِ الزُّبِيرِ أَنَّه كان يقولُ في دُبرِ كُلِّ صَلاةٍ حين يُسلِّمُ: ((لا إلَه إلا اللهُ، وحدَه لا شَريكَ له، له المُلْكُ، وله الحَمْدُ، وهو عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، لا حولَ ولا قُوةَ إلا بالله، لا إلَه إلا اللهُ، ولا نَعْبدُ إلا إِيَّاهُ، له النِّعمةُ، وله الفَضْلُ، وله الثَّنَاءُ الْحَسنُ، لا إلَهَ إلا اللهُ، مُخْلصينَ له الدِّينَ، ولو كَرِهَ الكَافرونَ)، وقَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُّهُلُّ بهنَّ فِي دُبْرِ كُلِّ صَلاةٍ(٣). (١) ضرب على قوله ((تعلم)) في ((ك))"، وهي ثابتة في ((م)) و((الأم)). (٢) ((الأم)) (١/ ١٢٧). (٣) مسلم (٥٩٤). ٣٩٩ الحديث: ٨٤٢م كتاب الأذان ومعنى يهلُّ: يرفُع صوتَه. ومنه الإهلالُ في الحجِّ: وهو رفعُ الصَّوَتِ بالثَّلبيةِ. واستهلالُ الصَّبِي: إذا وُلِدَ. وقد كَانَ أصحابُ رسول اللهِ بَلَهُ يَجْهرونَ بالذكرِ عقبَ الصَّلواتِ حَتَّى يسمعَ مَنْ يَلِيه. فخَرَّجَ النسائِيُّ في ((عملِ اليومِ والليلةِ)) مِنْ روايةٍ عَونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبةَ قَالَ: صَلَّى رجلٌ إلى جَنَبِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرو بن العَاصِ فَسمعَه حين سَلَّم يقولُ: ((أَنْتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ تَبَاركتَ ياذا الجلالِ والإِكْرَامِ))، ثم صَلَّى إلى جنبِ عبدِ الله بنِ عُمر (١) فسَمعَه حين سلَّمَ يقولُ مثلَ ذَلِكَ، فضَحِكَ الرَّجلُ، فقال له ابنُ عُمرَ: ما أَضْحَكَكَ؟ قال: إني صَلَّيتُ إلى جنبِ عبدِ اللهِ بنِ عَمٍو فسَمِعْتُهُ يقولُ مثلَ ما قلتَ قال: كَانَ رسولُ الله ◌ِ الّ يقول ذلك(٢). وأَمَّا النَّهيُ عَنْ رفعِ الصَّتِ بالذِّكرِ، فإنَّما المرادُ به المبالغةُ فِي رَفْعِ الصََّت؛ فَإِنَّ أَحدَهم كَانَ يُنَادِي بأَعْلَى صَوْته: لا إله إلا اللهُ واللهُ أكبرُ(٣). فَقَالَ لهم النَّبِيُّ بِّهِ: ((اربعوا عَلَى أَنْفسِكم؛ إنَّكم لا تُنَادُونَ أَصمّ ولا غَائِبًا))، (١٩٠/م) وأَشَارَ إليهم بِيَدِه يُسكتَهم ويخفضَهم. وقَدْ خرَّجَهَ الإمَامُ أحمدُ بنحوٍ من هَذِهِ الأَلْفَاظِ(٤). وقال عطيةُ بنُ قِيسٍ : كَانَ النَّاسُ يذكرونَ اللهَ عندَ غُرُوبِ الشَّمسِ (١) في (ك)): ((عبد الله بن عمرو))، خطأ. (٢) ((عمل اليوم الليلة)) للنسائي (٣٦٥) من رواية يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن عون. وقال بعده: يحيى بن أيوب عنده أحاديث مناكير، وليس هو بذلك القوي في الحديث . (٣) في ((ك)): ((والله وأكبر)). (٤) أحمد (٤٠٣/٤)، وهو في ((الصحيحين)) وليس عندهم: وأشار إليهم. ٤٠٠