Indexed OCR Text

Pages 21-40

الحديث: ٧٦٣
٩٨ - بَبُ
الْقِرَاءَة في الْمَغْربَ
فيه حديثان :
الأولُ:
٧٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) قَالَ: إِنَّ أُمَّالْفَضْلِ سَمِعَتَهُ
وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْقًا﴾ [المرسلات: ١] فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ(٢) لَقَدْ
ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتَكَ هَذِهِ السُّورَةَ إِنَّهَ لَآَخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِوَ يَقْرَأُ
بها في الْمَغْرِبِ.
وخرَّجَه مسلمٌ من طريقِ مالكٍ، وسفيانَ، ومعمرٍ ، وصالحِ بْنِ كيسانَ(٣)
- كلِّهم - عن الزُّهريِّ بنحوِهِ، وزاد صالح في حديثِهِ: ثم ما صلَّى بعدُ
حتَّى قبضه الله (٤).
والمراد - والله أعلم - ما صلى بعدها إمامًا بالناس.
وخرّجَه الترمذيُّ من حديثِ ابنِ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، ولفظُه:
قال: خرجَ إلينا رسولُ اللهِ نَّهِ وهو عاصبٌ رأسَه في مرضِهِ فَصلَّى
المغربَ، ثم قرأَ بالمرسلاتِ، فما صلَّى بها بَعْدُ حتَّى لَقِيَ اللهَ(٥).
(١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنهما أنه)).
(٣) وكذلك: يونس - كما عند مسلم.
(٥) الترمذي (٣٠٨).
(٢) زاد في ((اليونينية)): ((والله)).
(٤) مسلم (٤٦٢).
٢١

الحديث: ٧٦٤
كتاب الأذان
وخرَّجَه الطبرانيُّ (١) من روايةِ أسامةَ بْنِ زيدٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي
رشدين - وهو كُرِيبٌ - عن أمِّ الفضلِ أنَّها كانت إذا سمعتْ أحدًا يقرأُ
بالمرسلات قالت: صَلَّى لنا رسولُ الله ◌َخِيه(٢)، قرأَ في المغربِ بالمرسلاتِ،
ثم لم يصلِّ لنا عشاءً حتَّى قبضه اللهُ.
وهذا يبيِّنُ أنَّ المعنى: إنه لم يصلِّ لهم بعدها صلاةَ المغرب إمامًا؛
ولكن قولُه ((عن كريب)في هذا الإسنادِ وهمٌّ؛ إنما هو عبدُ اللهِ بنُ عباس.
وخرَّجَ النَّسائيُّ من حديثِ موسى بْنِ داودَ، عن عبدِ العزيزِ
الماجشون، عن حميد، عن أنسٍ، عن أمِّ الفضلِ قالت: صَلَّى بنا رسولُ
اللّهِ بِّهِ فِي بيتِهِ المغربَ فقرأَ بالمرسلاتِ، ما صَلَّى بعدها صلاةً حَتَّى
قبضَ اللهُ روحَهُ وَلِيمٍ(٣) .
وهذا الإسنادُ كلهم ثقاتٌ؛ إلا أنَّه معلولٌ؛ فإنَّ الماجشونَ روَى عن
حميد، عن أنسٍ أن النبيَّ نَّ صلَّى في ثوبٍ واحدٍ، ثم قالَ الماجشون
ء
عقبَ ذلك: وذُكِرَ لي عن أمِّ الفضلِ فذكر هذا الحديث.
فوهمَ فيه موسى بن داود فساقَه كلَّه عن حميد، عن أنسٍ. ذكر ذلك
أبو زرعةَ وأبو حاتم الرازيان (٤).
الحديثُ الثَّاني:
٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٢٣/٢٥ - ٢٤).
(٢) تحرفت في ((المعجم الكبير)) إلى: ((صلى الله على رسوله)).
(٣) النسائي (٢ /١٦٨).
(٤) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١ / ٨٤ - ٨٥).
٢٢

٩٨ - باب القراءة في المغرب
الحديث: ٧٦٤
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبِيْرِ، عَنْ مَرْوَنَ بْنِ الحَكَمِ قالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِت: تَقْرَأُ(١)
فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(٢) ◌ِ يَقْرَأُ (١٤٢ -
ب/ ث٢) بِطُولَي الطُّوْلَيْنِ.
طُولَى بوزنِ فُعْلَى، والطُّولَيَين تثنيةُ الطُّولى. ويقالُ: إنَّه هاهنا أرادَ
الأعرافَ؛ فإنَّها أطولُ من صاحبِتِها الأنعامِ. ذكره الخطابيُّ(٣).
وخرَّجَ أبو داودَ هذا الحديثَ من طريقِ ابنِ جُريج - أيضًا - وعندَه:
بقصارِ المفصَّلِ، وزادَ فيه: قال: قلتُ: وما طُولى الطُّولَيين؟ قال: الأعرافُ.
قال: فسألتُ ابْنَ أبي مليكةً. فقالَ لي من قبلِ نفسِهِ: المائدةُ والأعرافُ(٤).
وخرَّجَ النَّسائيُّ - أيضًا - وعندَه: بقصارِ السُّور، وعنده: بأطولٍ
الطُّوليين، قلتُ: يا أبا عبد الله، ما أطولُ الطُّولَيين؟ قال: الأعرافُ (٥).
وهذا يدلُّ على أَنَّ المسئولَ والمخبرَ هو عروةٌ.
ثم خرَّجَه من طريقِ شعيبٍ بْنِ أبي حمزةَ، عن هشامٍ بْنِ عروةَ، عن
أبيه، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قرأْ في صلاةِ المغربِ الأعرافَ، فرقَها
في ركعتينٍ(٥).
وخرَّجَهَ - أيضًا(٦) - من طريقِ أبي الأسودِ أَنَّه سَمِعَ عروةَ بْنَ الزُّبِيرِ
يُحدِّثُ عن زيدِ بْنِ ثابتٍ قالَ لمروانَ: أتقرأُ في المغربِ بـ﴿قل هو اللهُ
(١) في ((اليونينية)): ((مالك تقرأ)).
(٢) في ((اليونينية)): ((النبي)).
(٣) انظر ((أعلام الحديث)) (١ / ٤٩٣ - ٤٩٤) و((الغريب)) له (٢٢٥/٣).
(٤) أبو داود (٨١٢).
(٦) النسائي (٢ /١٦٩ - ١٧٠).
(٥) النسائي (٢ / ١٧٠).
٢٣

الحديث : ٧٦٤
كتاب الأذان
أحدٌ﴾، و﴿إِنَّا أعطيناكَ الكوثرَ﴾؟ قال: نعمْ. قالَ: بمحلوفه لقد رأيتُ
رسولَ الله وَله يقرأُ فيها بأطول الطُّوليين: ﴿المص﴾.
فهذه ثلاثةُ أنواعٍ من الاختلافِ في إسنادِه:
أحدُها: عروةُ، عن مروانَ، وهي روايةُ ابنِ أبي مليكةً عنه، وهذا
أصحُّ الرواياتِ عندَ البخاريِّ، وكذلك خرَّجَه في ((صحيحِه))، ونقلَ عنه
ذلك التِّرمذيُّ في ((علِلِه)(١) صريحًا ووافقَه الدَّار قطنيُّ في (العللٍ))(١).
والثَّاني: عروةُ، عن أبيه، عن عائشةَ. وهو روايةُ شعيبٍ بْنِ أبي
حمزةَ، عن هشامٍ، عن أبيه، وقد قالَ أبو حاتمِ الرَّازي(٢): إنَّه خطأَ.
والثَّالثُ: عروةُ، عن زيدٍ من غيرِ واسطةٍ، وهي روايةُ أبي الأسودِ،
عن عروةَ. وكذلك رَوَاه جماعةٌ، عن هشامِ بْنِ عروةَ، عن أبيه، عن
زيد، منهم: يحيى القطَّانُ، والليثُ بْنُ سعد، وحمادُ بْنُ سلمةَ وغيرُهم.
وصحَّحَ ذلك ابنُ حبان(٣)، ورجَّحَه الدَّار قطنيُّ في جزءٍ له مفردٍ علَّقَه
على أحاديث علَّلها من صحيحِ البخاري (٤).
وقد اختُلِفَ في إسنادِهِ عن هشامٍ بْنِ عروةً:
فقيل: عنه، عن أبيه، عن عائشةً.
وقيل: عنه، عن أبيه، عن زيدِ بنِ ثابتٍ .
(١) (ص / ٧٣)، و((علل الدار قطني)) (١٢٧/٦).
(٢) في ((العلل)) (١ /١٦٩). وتمامه: ((قال أبي هذا خطأ، إنما هو عن أبيه، عن النبي بَ ل
مرسل)» ا. هـ.
(٣) ابن حبان (إحسان: ٥ / ١٤٣ - ١٤٤).
(٤) ((التتبع)) للدار قطني (ص / ٣١٤) وليس فيه الترجيح.
٢٤

٩٨ - باب القراءة في المغرب
الحديث: ٧٦٤
وقيل: عنه، عن أبيه، عن أبي أيوبَ، وزيد - معًا.
وقيل: عنه، عن أبيه، عن أبي أَيُّوبَ - أو زيدٍ - بالشك في ذلك.
وهو الصَّحيحُ عن هشامٍ، قالَه البخاريُّ، حكَاه الترمذيُّ عنه في
((علله)). وقالَه - أيضًا - الدّارقطنيّ في ((علِلِهِ))، وقالا: كان هشامٌ يشكّ
وُ
في إسناده(١).
وقال ابنُ أبي الزِّنَادِ: عن هشامٍ، عن أبيه، عن مروانَ، عن زيد.
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ من طريقِهِ(٢).
وهذا موافقٌ لقولِ ابنِ أبي مليكةَ، عن عروةَ.
ورُوِيَ عن هشامٍ، عن أبيه مرسلا. وفي روايةٍ عن هشامٍ: سورة
الأنفال بدل الأعرافِ .
ولعلَّ مسلمًا أُعرضَ عن تخريج هذا الحديثِ لاضطراب إسناده؛
ولأنَّ الصحيحَ عنده: إدخالُ مروانَ في إسناده، وهو لا يخرِّجُ له استقلالا
ولا يحتجَّ بروايتِهِ، واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ(٣). وسيأتي حديثُ جُبيرِ
ابْنِ مطعمٍ في قراءةِ النبيِّ ◌َّ في المغربِ بالطُّورِ في البابِ الذي يلي هذا
إن شاءَ الله سبحانه وتعالى.
وقد اخْتُلِفَ في القراءةِ في المغربِ .
فذهبَ طائفةٌ من السَّلْف إلى تطويلها. وقد سبقَ عن زيدِ بنِ ثابتٍ
(١) ((علل الترمذي الكبير)) (ص / ٧٣) و ((العلل)) للدار قطني (٦ / ١٢٧).
(٢) (٥ /١٨٧). وانظر ((التتبع)) للدار قطني.
(٣) انظر ((مستدرك الحاكم)) (١ /٢٣٧) فقد ادعى أن الشيخين اتفقا على تخريجه؟ !.
٢٥

الحديث : ٧٦٤
كتاب الأذان
أَنَّه أنكرَ على مروانَ القراءةَ فيها بقصارِ المفصّلِ.
وَرُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ أَنَّه كان يقرأُ فيها بياسين. ورُوِيَ عنه مرفوعًا،
والموقوفُ أصحّ. ذكره الدارقطنيّ في ((عللِهِ)).
وخَرَّج العقيليُّ المرفوعَ وقال: هو غيرُ محفوظ (١).
وخرَّجَ الدار قطنيّ في ((العلل)) (٢) - أيضًا - من (١٤٣ - أ/ ك٢) رواية
عامرِ بْنِ مدركِ: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن
عائشةَ قالت: كانت صلاةُ رسولِ اللهِ وَ له ركعتين ركعتينٍ: إلا المغربَ
فإِنَّها كانت وترًا، فلما رجعَ إلى المدينةِ صلَّى مع كُلِّ ركعتينٍ: ركعتينِ،
إلا المغربَ والفجرَ؛ لأنَّه كان يطيلُ فيهما القراءةَ(٣).
وهذا لفظٌ غريبٌ.
وقد سبقَ في أولِ ((المواقيتِ)) بلفظ آخر: إلا المغربَ؛ لأنَّها وترٌ،
والفجرَ لأنه كانَ يطيلُ فيها القراءةَ. وهذا اللفظُ أصحّ.
وذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى استحبابِ تقصيرِ الصَّلاةِ في المغربِ .
رَوَى مالكٌ في ((الموطَّأ)) بإسنادِه عن الصُّنَابحيِّ أَنَّه قدم المدينةَ في
خلافة أبي بكر الصديقِ يصلِّي وراءَ أبي بكرِ الصِّدِيقِ المغربَ، فقرأَ أبو
بكر في الركعتين الأوليينِ(٤) بأمِّ القرآنِ وسورةٍ(٥) من قصارِ المفصَّلِ، ثم
قرأَ في الركعةِ الثَّالثةِ، فدنوتُ منه حتَّى إنَّ ثيابيَ لتكادُ أن تمسَّ ثيابَه،
(١) العقيلي (٢ / ٢٩٠).
(٢) ((العلل)) (٥ أ / ق ٦٣ - ب: ٦٤ - أ).
(٣) انظره تحت الحديث (٣٥٠، ٥٧٨) وانظر ((أطراف الغرائب والأفراد)) (٦٤٢٤) بتحقيقنا.
(٤) في ((ك٢)): ((الأولتين)) والمثبت من ((الموطأ)) (ص / ٧١).
(٥) زاد في ((الموطأ)): ((سورة)).
٢٦

٩٨ - باب القراءة في المغرب
الحديث: ٧٦٤
فسمعتُهُ قرأَ بأمِّ القرآن وبهذه الآية ﴿رَبْنَا لا تُزِغْ قلوبَنَا بعدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل
عمران: ٨] الآية.
وكتبَ عمرُ إلى أبي موسى الأشعريِّ أن يقرأ في صلاة المغربِ بقصارٍ
المفصَّلِ .
ذكره الترمذيُّ تعليقًا، وخرَّجَه وكيعُ (١).
ورَوَى وكيعٌ في كتابِهِ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عَمرِو بْنِ
ميمون قال: سمعتُ عمرَ يقرأُ في المغربِ في الركعةِ الأولى بالتِّينِ
والزَّيْتُونِ، وفي الثَّانيةِ ﴿أَمْ تَرَ﴾، و «لإيلافِ قريشٍ﴾(٢).
وعن الربيع، عن الحسنِ أَنَّه كان يقرأُ في المغرب: ﴿إذا زُلزلت﴾،
﴿والعاديات﴾ لا يدعُهما(٣). قال الربيعُ: وحدَّثني الثقةُ، عن ابنِ عمرَ أَنَّه
كان لا يدعُهما في المغربِ.
وخرَّجَ أبو داودَ في ((سنِهِ)) (٤)، عن ابنِ مسعودٍ أَنَّه قرأَ في المغربِ:
﴿قل هو اللهُ أحدٌ﴾ .
وعن هشامٍ بْنِ عروةَ أَنَّ أباه كان يقرأُ في المغربِ بنحوٍ ما يقرأون:
﴿والعادياتٍ﴾، ونحوِها من السُّورِ (٥).
وهذا مما يُعلَّلُ به حديثُه، عن مروانَ، عن زيدِ بْنِ ثابتٍ - كما تقدَّمَ.
(١) الترمذي عقب الحديث (٣٠٨)، وابن أبي شيبة (١ /٣٥٨)، والطحاوي (١ /٢١٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١ /٣٥٨).
(٣) ابن أبي شيبة (١ / ٣٥٨) من طريق وكيع، عن ربيع قوله.
(٤) أبو داود (٨١٥).
(٥) أبو داود (٨١٣).
٢٧

الحديث : ٧٦٤
كتاب الأذان
وكان النَّخعيُّ يقرأُ في المغربِ: ﴿أَلَم تر(١)﴾، و﴿لإيلافِ قريشٍ﴾(٢).
وذكر الترمذيَّ(٣) أن العملَ عند أهلِ العلمِ على القراءةِ في المغربِ
بقصار المفصّلِ. وهذا يشعرُ بحكايةِ الإجماع عليه. وثمَّنِ استحبَّ ذلك:
و
وِ
ابنُ المباركِ، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وقال: كانوا
يستحبُّونَ ذلك.
وقد دلَّ على استحباب ذلكَ: ما رَوَى الضَّحَاكُ بْنُ عثمانَ، عن بکیرِ
ابْنِ الأشْجِّ، عن سليمانَ بْنِ يسارٍ، عن أبي هريرةَ قال: ما صَلَّيتُ وراءً
أحد أشبهَ صلاةً برسول الله وَله من فلان. قال سليمانُ: يطيلُ الركعتين
الأوليين من الظُّهرِ، ويخفِّفُ العصرَ، ويقرأُ في المغربِ بقصارِ المفصّلِ،
ويقرأُ في العشاءِ بوسطِ المفصَّلِ، ويقرأْ في الصُّبْحِ بطوالَ المفصَّلِ.
خرَّجْه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وخرَّجَ ابنُ ماجه بعضَهِ(٤).
وفي روايةٍ لِلنَّسائِّ(٥): ويقرأُ في العشاءِ بالشَّمسِ وضحاها
وأشباهها، ويقرأُ في الصّبحِ سورتينِ طويلتينِ.
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ(٦): قالَ الضَّحاكُ: وحدَّثَنِي مَنْ سمعَ أنسَ بْنَ
مالك يقولُ: ما رأيتُ أحدًا أشبهَ بصلاة رسول الله وَّلِ من هذا الفتى(٧).
(١) في ((٢٤)): ((ترا)).
(٢) ابن أبى شيبة (٣٥٨/١) دون قوله: ((ألم تر)).
(٣) عقب الحديث (٣٠٨).
(٤) أحمد (٢/ ٣٠٠) والنسائي (١٦٧/٢) وابن ماجه (٨٢٧).
(٥) (١٦٧/٢ - ١٦٨).
(٦) (٢ / ٣٣٠) وانظر (٢ / ٥٣٢).
(٧) ((يعني: عمر بن عبد العزيز)) كذا في «المسند».
٢٨

٩٨ - باب القراءة في المغرب
الحديث: ٧٦٤
قالَ الضَّحاكُ: فصلَّيتُ خلفَ عُمرَ بْنِ عبدِ العزيزِ فكانَ يصنعُ مثلَ ما قال
سليمانُ بْنُ يسار.
وخرَّجَ ابنُ سعدِ (١) وغيرُهُ حديثَ أنسٍ: عن ابنِ أبي فُديكٍ، عن
الضَّحاك قال: حَدَّثْني يحيى بْنُ سعيدٍ - أو شَرِيكُ بْنُ أبي نَمِر - لا يدري
أَيُّهما حَدَّثْه -، عن أنسٍ، فذكرَ الحديث.
والفتى هو عمرُ بْنُ عبدِ العزيزِ. كذا قال ابنُ أبي فُديك، عن
الضَّحاك بالشكِّ.
ورواه الواقديُّ، عن الضَّحاكِ، عن شَرِيكِ من غيرِ شكّ (١٤٣ -
ب/ لك٢) فهذا حديثٌ صحيحٌ عن أبي هريرةَ وأنسٍ .
ويدلُّ على أنَّ النبيَّ ◌َِّهِ كان يقرأُ في المغربِ بقصارِ المفصَّلِ، ويشهدُ
له - أيضًا - ما خَرَّجَه أبو داودَ من حديثٍ عَمرو بْنِ شعيبٍ، عن أبيه،
عن جَدِّه قال: ما مِنَ المفصَّلِ سورةٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلاَّ قد سمعتُ
رسولَ اللهِ وَله يؤمُّ بها النَّاسَ فِي الصَّلاةِ المكتوبةِ(٢).
فهذا يدلُّ على إكثارِ النبيِّ وََّ من قراءةِ سورِ المفصَّلِ فِي الصَّلواتِ
الجهريات الثلاث قصارها وطوالها ومتوسطها. فإن كان يقرأ في الصبحِ
بطوالِ المفصَّلِ، وفي المغربِ بقصارِهِ، وفي العشاءِ بأوساطِهِ فهو موافقٌ
لحديث أبي هريرةَ وأنسٍ، وهذا هو الظَّاهرُ، وإن كان يقرأُ بقصارِ سورٍ
ءِ
المفصّلِ في العشاءِ أو في الصّبْحِ فقراءتها في المغربِ أولى.
(١) في ((الطبقات)) (٥ / ٣٣٢)، وأخرجه ابن عدي (٤ /١٤٩) من طريق آخر عن أنس.
(٢) أبو داود (٨١٤) وهو لايصح .
٢٩

الحديث : ٧٦٤
كتاب الأذان
وخرَّجَ النَّسائيُّ(١) من روايةِ سفيانَ، عن مُحَارِبِ بْنِ دِغَارٍ، عن جابرٍ
قال: مرَّ رجلٌ من الأنصارِ بناضحين على معاذٍ وهو يصلِّي المغربَ فافتتحَ
سورةَ البقرة، فصلَّى الرجلُ ثم ذهبَ فبلغَ ذلك النبيَّ بِّله فقالَ: ((أَفَتَّانٌ
يا معاذُ؟ أفتَّانٌ يا معاذُ؟ ألا قرأتَ: ﴿سبِّح اسمَ ربِّكَ الأعلى﴾،
﴿والشَّمسِ وضحاها﴾، ونحوهما.
ورواه مسْعَرٌ (٢)، عن مُحَاربِ بْنِ دِثَارِ، قال في حديثِهِ: ((إِنَّما يكفيك
أن تقرأَ في المغربِ بالشَّمسِ وضحاها وذواتِها)) .
ورَوَاه أبو الأحوصِ (٣)، عن سعيدِ بْنِ مسروقٍ، عن مُحَارِب، وقالَ
في حديثه: ((ألا يقرأُ أحدُكم في المغربِ: ﴿سبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى﴾،
﴿والشَّمْسِ وضحاها﴾)) .
وخرَّجَ ابنُ ماجه (٤): حَدَّثَنَا أحمدُ بن بُديل: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ،
عن عبيدِ اللهِ بْنِ عُمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ قال: كانَ النَّبِيُّ ◌َّ يقرأُ
في المغربِ: ﴿قُلْ يا أيها الكافرونَ﴾، و﴿قُلْ هو اللهُ أحدٌ﴾ .
ابنُ بُدِيلٍ، قال النَّسائيُّ: ليسَ به بأسٌ. وقال ابنُ أبي حاتمٍ: مَحلُهُ
الصِّدِّقُ. وقالَ ابنُ عديٍّ: حدّث بأحاديثَ أُنكرتْ عليه، ويُكْتبُ حديثُه
(١) (٢ /١٦٨).
(٢) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) - كما في ((تحفة الأشراف)) (٢ / ٢٦٧) - وأبو نعيم في
((أخبار أصبهان)) (٢ / ٧٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١ / ٣٥٩)، والطحاوي (١ /٢١٣)، وأبو نعيم في ((أخبار
أصبهان» (٢ / ٧).
(٤) (٨٣٣)، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (١ / ٢٦٨ - ٢٦٩).
٣٠

٩٨ - باب القراءة في المغرب
الحديث: ٧٦٤
مع ضعفه(١).
وقد أَنْكَرَ عليه هذا الحديثَ بخصوصه أبو زُرعةَ الرَّازيُّ وغيرُه. وقال
الدَّار قطنيُّ: لم يُتَبِعْ عليه(٢).
قلتُ: وقد تابعه عبدُ الله بْنُ كرز على إسنادِهِ، فرواه عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ، وخالفَه في متنِهِ فقالَ: إنَّ النبيَّ ◌َ لّ كانَ يقرأُ في المغربِ
بالمعوِّذتين(٣). ولم يُتَابعْ عليه. قال الدَّار قطنيَّ: ليسَ بمحفوظِ، وابنُ كرزِ
ضعيفٌ.
ورَوَى سعيدُ بْنُ سِمَاكِ بْنِ حربٍ: ثنا أبي - ولا أعلمُه إلا عن جابر
ابْنِ سَمُرَةَ - قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَلَه يقرأُ في صلاة المغربِ ليلةَ الجمعة:
﴿قَلْ يا أَيُّها الكافرون﴾، و﴿قلْ هو اللهُ أحدٌ﴾، وكان يقرأُ في صلاةٍ
العشاءِ الآخرةِ ليلةَ الجمعةِ: سورةَ الجمعةِ، والمنافقينَ.
خرَّجَه الحاكمُ، والبيهقيُّ(٤).
ورُوي عن أبي عثمانَ الصَّابونيِّ أَنَّه صحَّحَه، وكان يعملُ به حضرًا
وسفرًا.
وعن ابنِ حبَّان أنَّه ذكر في ((ثقاتِهِ)) (٥) أَنَّ المحفوظَ عن سماك
ء
(١) انظر (الجرح والتعديل)) (٤٣/٢) و((الكامل)) (١٨٦/١) و((تهذيب الكمال)) (٢٧٠/١ - ٢٧٣).
(٢) انظر «تاريخ بغداد)) (٤ /٥٠) و((تهذيب الكمال)) (٢٧٢/١)، وكذا انظر ((أطراف الغرائب
والأفراد)» (٣٣٤٦) بتحقيقنا، و((الفتح)) للحافظ ابن حجر (٢ / ٢٤٨).
(٣) أخرجه العقيلي (٢ / ٢٩٢)، وراجع ((اللسان)) (٣ / ٣١٢).
(٤) البيهقي (٢ / ٣٩١)، (٣ / ٢٠١)، ولم نجده في ((مستدرك الحاكم)) ولعل المؤلف يقصد
ابن حبان في ((صحيحه)) بدليل أنه أورده عن ابن حبان في ((الثقات)) بعد. والله أعلم
والحديث أخرجه - أيضا - ابن حبان (إحسان - ٥ / ١٤٩ - ١٥٠).
(٥) (٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
٣١

الحديث : ٧٦٤
كتاب الأذان
مرسلا(١).
وسعيدُ بنُ سماك بن حرب، قال أبو حاتمِ الرَّزيُّ: متروكُ الحديثِ.
قال عليٌّ بنُ سعيد: قلتُ لأحمدَ: ما يروى عن النبيِّ ◌َِّ في صلاةٍ
المغرب: الطور والأعراف والمرسلات؟ قال: قد روي عنه ذلك حديث
معاذ .
وأشارَ أبو داودً(٢) إلى نسخ القراءة بالأعراف. واستدلَّ له بعملِ عروةَ
ابنِ الزّبیرِ بخلافه - وهو راویه.
ءِ
وقد قالَ طائفةٌ من السَّلف: إذا اختلفت الأحاديثُ، فانظروا ما كانَ
عليه أبو بكر وعمرُ - يعني: أنَّ ما (٣) عملا به فهو (١٤٤ - أ / ك٢) الذي
استقرَّ عليه أمرُ النبيِّ نَّهِ. وقد تقدَّمَ عنهما القراءةُ في المغربِ بقصارِ
المفصَّلِ .
وعضَّدَ ذلك - أيضًا - حديثُ عثمانَ بْنِ أبي العاصِ أَنَّ النبيّ
ـه
وَسَلم
صَلى الله
عَهدَ إليه أن يخفِّفَ، وَوَقَّت له أن يقرأ بـ ﴿اقرأ باسم ربِّكَ الذي خلق﴾
وأشباهها من السّورِ .
وعثمانُ بْنُ أبي العاصِ قَدِمَ مع وفد ثقيفِ بعدَ فتحِ مكةً وذلك في
آخرِ حياة النبيِّ وَئِهِ.
وُ
فإن قرأَ في المغربِ بهذهِ السّورِ الطّوالِ ففي كراهته قولان:
(١) وتصحيح ابن حبان له من تناقضه كما ترى، وإليه أشار الشيخ الألبانى - حفظه الله - في
((السلسلة الضعيفة)» (٥٥٩)، وانظر بقية كلامه.
(٢) عقب (٨١٣).
(٣) في ((ك٢)»: ((إنما)).
٣٢

٩٨ - باب القراءة في المغرب
الحديث: ٧٦٤
أحدُهما: يُكْرُهُ. وهو قولُ مالكِ. والثَّاني: لا يكره؛ بل يُسْتحبُّ.
وهو قولُ الشَّافعيِّ لصحةِ الحديثِ بذلك. حكَى ذلك الترمذيُّ في
((جامعه)(١).
٠٠
وكذلك نصَّ أحمدُ على أنَّه لا بأسَ بهِ؛ ولكن إن كانَ ذلكَ يشقُّ
على المأمومينَ فإنَّه يُكْرُهُ أن يشقَّ عليهم - كما سبقَ ذكرُه. وهذا على قول
من يقولُ بامتدادِ وقتِ المغربِ إلى مغيبِ الشَّفْقِ ظاهرٌ.
فأمَّا على قولٍ مَنْ يقولُ: إنَّ وقتَها وقتٌ واحدٌ مُضَيَّقٌ فَمُشكلٌ.
وكذلك كَرِهَه مالكٌ.
وأما أصحابُ الشَّافعيِّ: فاختلفوا فيمن دخلَ فيها في أولِ وقتِها هل
له أن يطيلَها ويمدَّها إلى مغيبِ الشَّفْقِ أم لا؟ على وجهينٍ. ورجَّحَ كثيرٌ
· منهم جوازَه لحديثِ زيدِ بْنِ ثابتٍ، فأجازوا ذلكَ في الاستدامةِ دونَ
الابتداء، واللهُ أعلمُ.
(١) عقب الحديث (٣٠٨).
٣٣

الحديث : ٧٦٥
كتاب الأذان
٩٩ - بَابُ
الْجَهْرِ فِي الْمَغْرِبِ
٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ: أنا مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقْرَأُ فِي
الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ.
وخرَّجَه في ((المغازِي) (١) من طريقِ معمرٍ، عن الزُّهريِّ، وزادَ فيه:
وذلكَ أولَ ما دخلَ الإيمانُ في قلبي.
وهذا كانَ قبلَ أن يُسلمَ جُبِيرٌ بْنُ مطعمٍ، وكان قدمَ المدينةَ لفداء
أساری بدر .
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ من طريقِ سعدِ بْنِ إبراهيمَ: سمعتُ بعضَ
إخوتي يُحدِّثُ عن أبي، عن جبير بن مطعمٍ أَنّه أتى النبيّ وَّ في فداء
المشركينَ - وفي روايةٍ: في فداءِ أهل بدرٍ - وما أسلمَ يومئذ قال: فانتهيتُ
إليه وهو يُصلِّي المغربَ وهو يقرأ فيها بالطُّورِ قال: فكأنَّما صدع قلبي
حينَ سمعتُ القرآنَ (٢).
وفي هذا دليلٌ على قبولِ روايةِ المسلمِ لما يحملُه من العلمِ قبلَ
إسلامه .
٠٠
وقد رُوِيَ أَنَّه سمعَ صوتَ النبيِّ وَجُلّ وهو خارجٌ من المسجد.
-ـ
(٢) أحمد (٤ / ٨٣).
(١) رقم (٤٠٢٣ - فتح) نحوه.
٣٤
١
١
١

٩٩ - باب الجهر في المغرب
الحديث: ٧٦٥
وفيه دليلٌ على أَنَّ النبيَّ
الليل.
كان يرفعُ صوتَه بالقراءة في صلاةِ
صَنَا اللّه
وسلم
والأحاديثُ المذكورةُ في البابِ الماضي تدلّ على الجهرِ بالقراءةِ في
المغرب؛ فإنَّ عامَّةً مَنْ رَوَى عن النبيِّ ◌ِّهِ القراءةَ في المغربِ بسورةِ ذكرَ
أَنَّه سَمِعَه يقرأُ بها .
وفي ذلكَ دليلٌ على الجهرِ. والجهرُ بالقراءة في المغربِ إجماعٌ من
المسلمين رأيًا وعملا به لم يَزلِ المسلمونَ يتداولُونَه بينَهم من عهدٍ نبيِّهم
نَّهِ حَتَّى الآن.
وأَدْنَى الجهرِ: أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يليه. هذا قولُ أصحابنا، والشَّافعية،
وغيرِهم. وقد سبقَ (١) عن ابن مسعودٍ قال: من أسمعَ أذنيه فلم يُخَافتْ.
وهو يدلّ على أدنى الجهرِ: أَنْ يُسمعَ نفسَه.
رَوَى وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أشعث بنِ أبي الشّعثاءِ، عن الأسود
ابْنِ هلالٍ، عن ابنِ مسعودٍ قال: لم يخافتْ من أسمعَ أذنيه.
ومنتهى الجهرِ: أن يُسمِعَ مَن خلفَه إن أمكنَ ذلك من غيرِ مشقةٍ .
وقد كانَ عمرُ بْنُ الخطَّبِ يَسمِعُ قراءَتَه في المسجدِ مَن خارجَه.
وقالَ سعيدُ بْنُ جُبِيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ في قولِهِ ﴿ولا تَجْهرْ بصلاتكَ
ولا تخافتْ بها﴾ [الإسراء: ١١٠] (١٤٤ - ب/ ٢٥) قالَ: نزلتْ ورسولُ
الله ◌ِّهِ مُتَوَار بمكةَ، فكانَ إذا صلَّى بأصحابه رفعَ صوتَه بالقرآن، فإذا
سَمِعَ ذلك المشركونَ سَبُّوا القرآنَ ومَنْ أنزلَه ومن جاءَ به، فقالَ اللهُ لنبيِّهِ:
(١) (ص١٨).
٣٥

الحديث : ٧٦٥
كتاب الأذان
: ﴿ولا تَجْهَرْ بصَلاتكَ﴾ فيسمعُ المشركونَ قراءتَك ﴿ولا تُخَافتْ بها﴾ عن
أصحابكَ، أَسْمعْهُم القرآنَ ولا تجهرْ ذلكَ الجهرَ ﴿وابتغِ بينَ ذلكَ سبيلا﴾
يقولُ: بينَ الجهرِ والمخافتةِ.
خرَّجاه في ((الصَّحيحينِ))، ولفظُه لمسلمٍ (١).
والجهرُ فيما يُجْهرُ فيه سنةٌ لا تبطلُ الصَّلاةُ بتركِهِ عندَ جمهورِ
العلماءِ. وحُكِيَ عن ابنِ أبي ليلى أَنَّه يبطلُ الصَّلاة بتركه. وهو و
ضعيفٌ لأصحابنَا إذا تعمَّدَ ذلكَ.
وإنَّما يجهرُ الإمامُ إذا صلَّى من يأتمُّ به. فأمَّ المنفردُ: فاختلفوا هل
يُسنُّ له الجهرُ أم لا؟ فقال الشَّافعيُّ وأصحابُه: يسنُّ له الجهرُ. وحكَاهُ
بعضُهم عن الجمهورِ.
ومذهبُ أبي حنيفةَ وأحمدَ: إنما يُسنُّ الجهرُ لإسماعِ مَنْ خلفَه، ولهذا
أمرَ من خلفَه بالإنصات له كما قال تعالى ﴿وإذا قُرىءَ القُرآنُ فاسْتَمِعُوا
له وأَنصتُوا لعلَّكم تُرْحَمونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقد سبقَ أنَّها نزلت في
الصَّلاةِ(٢).
وَأَمَّا المنفردُ: فيجوزُ له الجهرُ ولا يُسنُّ. قالَ أحمدُ: إن شاءَ جهرَ،
وإن شاءَ لم يَجْهِرْ؛ إنَّما الجهرُ للجماعة. وكذا قالَ طاوسٌ: إن شاءَ
جَهَرَ، وإن شاء لم يَجْهرُ.
(١) البخاري (٤٧٢٢ - فتح) ومسلم (٤٤٦).
(٢) نقل أبو داود في ((مسائله)) (ص: ٣١) عن أحمد هذا فقال: ((سمعت أحمد قيل له: إن
فلانا قال: قراءة فاتحة الكتاب - يعني خلف الإمام - مخصوص من قوله ﴿إذا قرىء
القرآن فاستمعوا له﴾ فقال عمن يقول هذا؟! أجمع الناس أن هذه في الصلاة)) ا. هـ.
٣٦

٩٩ - باب الجهر في المغرب
الحديث: ٧٦٥
ومن أصحابنا من كَرِهَه للمنفرد. ونصَّ أحمدُ على أَنَّ المنفردَ إذا
صلَّى صلاةَ الكسوفِ جهرَ فيها بالقراءةِ. فخرّجَ القاضي أبو يعلى من
ذلكَ روايةً باستحبابِ الجهرِ للمنفردِ في الفرائضِ.
وبينهما فرقٌ؛ فإنَّ صلاة الكسوف يطول فيها القراءة فيحتاجُ المنفردُ
و
إلى الجهرِ فيها كقيامِ الليلِ بخلافِ الفرائضِ.
٣٧

الحديث : ٧٦٧،٧٦٦
كتاب الأذان
١٠٠ - بَابُ
الجَهْرِ فِي الْعِشَاءِ
٧٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمانِ: ثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرِ، عَنْ أَبِي
رَفِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَّةَ فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾
[الانشقاق: ١] فسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ(١): سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي الْقَاسمِ
وََّ (٢) فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.
٧٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، أَنَّ
لَبِّ ◌َ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَقَرأَ فِي الْعِشَاءِ(٣) بالتِّينِ والزَّيْتُونِ.
لم يذكرُ في هذا البابِ حديثًا مرفوعًا دَالا على الجهرِ في العشاءِ.
أما حديثُ أبي هريرة: فغايتُه أن يدلَّ على أَنَّ أبا هريرةَ جَهَرَ في
قراءة صلاة العشاء وسجدَ وأخبرَ أَنَّه سجدَ بهذه السجدةِ خلفَ النَّبيِّ ولم
يقل في صلاة العشاء، فيحتملُ أَنَّه سجدَ بها خلفَه في صلاةٍ جَهَرَ فيها
بالقراءةِ غيرِ صلاة العشاءِ، ويحتملُ أَنَّه سجدَ بها في غيرِ صلاة؛ فإنّ
القارىءَ إذا قرأَ وسجدَ سجدَ من سمعَه ويكونُ مؤتمّاً به عند كثيرٍ من
العلماء، وهو مذهبُ أحمدَ وغيرِه، ويأتي ذكرُ ذلك في مواضعَ أُخر إن
شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى.
(١) في ((اليونينية)): ((قال)).
(٢) قوله: (قَال)) من ((اليونينية)).
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((في إحدى الركعتين)). وكذا القسطلاني.
٣٨

١٠٠ - باب الجهر في العشاء
الحديث: ٧٦٧،٧٦٦
وأما حديثُ البراء: فليسَ في هذه الروايةِ التي خرّجَها هاهنا تصريح
بالجهرِ؛ ولكنَّه خرَّجه فيما بعدُ(١) وزادَ فيه: قال: فما سمعتُ أحسنَ
صوتًا منه.
وهذا يدلُّ على الجهرِ .
وبكلِّ حال فالجهرُ بالقراءة في الركعتينِ الأوليينِ من العشاء متّفقٌ
عليه بينَ المسلمينَ، وقد تداولتْهُ الأمةُ عملا به قرنًا بعدَ قرنِ من عهد
نبيِّهِمْ وَ لَه وإلى الآن.
وحكمُ الجهرِ في العشاءِ حكمُ الجهرِ في المغربِ، وقد سبقَ ذكرُ(٢).
(١) برقم (٧٦٩).
(٢) في الباب السابق (ص٣٦).
٣٩

الحديث : ٧٦٨
كتاب الأذان
١٠١ - بَابُ
الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ بِالسَّجْدَةِ
٧٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: ثنا الَّيْمِيُّ، عَنْ بَكْرِ، عن أبي
رَفِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَّةَ، فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾
[الانشقاق: ١] فَسَجَدَ، فَقُلْتُ: مَا (١٤٥ - أ/ ك٢) هَذه؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا
خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ ◌َِّ(١)، فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ.
قد ذكرْنَا أن هذا الحديثَ إنَّما فيه التَّصريحُ بالسجودِ في صلاةٍ
العشاءِ، عن أبي هريرةَ، وليسَ فيه تصريحٌ برفعِ ذلكَ إلى النبيِّ وَّهِ.
وسيأتي في موضع آخر إن شاءَ اللهُ تعالى قراءةُ النبيِّ وَّ في فجرِ
= صا الله
يومِ الجمعةِ بـ ﴿الم تنزيل﴾ السجدة.
والظَّاهرُ أَنَّه كان يسجدُ فيها، ولو لم يكنُ يسجدُ فيها لنُقِلَ إخلالُه
بالسجود فيها؛ فإنه يكون مخالفًا لسُنْتَهِ المعروفةِ في السّجودِ فيها، ولم
ءِ
يَكُنْ يُهْمَّلُ نقلُ ذلك؛ فإنَّ هذه السورةَ تُسمَّى سورةَ السَّجدةِ.
وهذا يدلُّ على أنَّ السجودَ فيها مما استقرَّ عملُه والعملُ به عندَ
الأمة، وجمهور العلماء على أَنَّ الإمامَ لا تكرهُ له قراءةُ سجدة في صلاةٍ
الجهرِ ولا السُّجودُ لها فيها.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وأبي هريرةَ، وهو قولُ الشَّافعيِّ، وأحمدَ
(١) قوله (َُّله)) من ((اليونينية)).
٤٠