Indexed OCR Text

Pages 221-240

٦١ - باب تخفيف الإمام في القيام
الحديث: ٧٠٢
قلتُ: فأينَ قولُ النبيِّ وَّ: ((إنَّ فيكم الكبيرَ والضعيفَ وذا الحاجة))؟!
فقالَ: قد سمعتُ عبدَ الله بْنَ مسعود يقولُ ذلكَ، ثم صلَّى ثلاثةَ أضعاف
ما تصلُّونَ.
خرَّجَهَ ابْنُ خزيمة في ((صحيحِه)، والطبرانيُّ(١).
وروى مالكُ بْنُ مِغْولٍ، عن الحكمِ، عن إبراهيم التيميِّ، عن أبيه أنَّه
كانَ يتخلفُ عن الصَّلاةِ، فقيلَ له، فقالَ: إِنَّكم تُخِّففونَ. فقيلَ: أليسَ
قد كانَ يؤمرُ بذلكَ؟ قالَ: إنَّ الذي كانَ عليهم خفيفًا عليكم ثقيلٌ.
واعلمْ أَنَّ التخفيفَ أمرٌ نسبيٌّ، فقد تكونُ الصَّلاةُ خفيفةً بالنسبة إلى
ما هو أَخَفُّ منها، فالتخفيفُ المأمورُ به الأئمةَ هو الذي كانَ النبيّ
صَلى الله
عنكيه
وسلم
(١٠٢ - أ/ ك٢) يفعلُه إذا أمَّ، فالنقصُ منه ليس بتخفيفٍ مشروعٍ،
والزيادةُ عليه: إنْ كانَ مما فعلَه الخلفاءُ الراشدونَ كتطويلِ القراءةِ في صلاةِ
الصبحِ على ما كانَ يفعلُه - أحيانًا - أبو بكرٍ وعمرُ، فليسَ بمكروهِ. نصَّ
عليه الإمامُ أحمدُ وغيرُه، وسيأتي ذلكَ في موضعِه إِن شاءَ اللهُ تعالى.
وقالَ الشافعيُّ في ((الأم)): أحبُّ أن يبدأ الراكع فيقول: سُبْحَانَ رَبِّي
العظيم - ثلاثًا - ويقولُ كلَّ ما حكَيْتُ عن النبيِّ وَّهَ كَانَ يقولُه - يعني:
كتا الله
حديث عليّ(٢) - قالَ: وكلَّ ما قالَ النبيّ وَلَّ في ركوع أو سجودِ أحببتُ
(١) ابن خزيمة (٤٩/٣) والطبرانى فى ((الكبير)) (٢١٤/١٠) و((الأوسط)) (١٣٦٨).
(٢) ولفظه: ((اللهم لك ركعت، وبك آمنت ... )) أما حديث: ((سبحان ربي العظيم)" فمن
حديث عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، مرسلا؛ لذلك قال الشافعي: إن كان هذا
ثابتا .
٢٢١

الحديث : ٧٠٢
كتاب الأذان
أن لا يقصِّرَ عنه، إمامًا كانَ أو منفردًا، وهو تخفيفٌ لا تثقيل. انتهى
كلامُهُ(١).
فقد كانَ حَدَثَ بعد النبيِّ نَلَّ من تخفيفِ الصَّلاةِ من الأئمة تخفيفًا.
وقد حُكِيَ ذلك عن أهلِ الكوفةِ. وحَدَثَ من يطيلُ الصَّلاةَ على صلاةٍ
النبيِّ ◌َّ إطالةً زائدةً، وكان ذلكَ في أهلِ الشَّامِ وأهلِ المدينةِ - أيضًا -
فكانَ السَّلْفُ ينكرونَ على الطائفتينِ.
وقد ذكرنَا إنكارَ يزيدَ التيميِّ - وكانَ من أعيانِ التابعينَ - على من
خفَّفَ الصَّلاةَ من أئمة الكوفة، وكانَ ابنُ عمرَ وغيرُه ينكرونَ على من
أطالَ الصَّلاةَ إطالةً زائدةً على صلاةِ النبيِّ ◌َله .
ففي ((مسند الإمامِ أحمدَ)، عن عطيةَ، عن ابْنِ عُمَر قال: سجدةٌ من
سجودِ هؤلاءِ مثلُ ثلاثِ سجداتٍ من سجودِ النبيِّ وَِّيَّ(٢).
وعن حَيَّان(٣) البارقيِّ قالَ: قيلَ لابنِ عمرَ: إنَّ إمامًا (٤) يطيلُ
الصَّلاةَ، فقالَ: ركعتين(٥) من صلاة رسولِ الله وَّ أخفَّ - أو مثلُ -
ركعة من صلاة هذا(٦).
(١) ((الأم)) (١/ ١١١).
(٢) أحمد (١٠٦/٢).
(٣) جاء في ((ك٢)): ((حبان)) بالباء الموحدة، وكذا في المطبوع من ((المسند))، وما أثبتناه فمن
((أطراف المسند)) (٣٤٨/٣) وترجمته؛ فقد ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))
والبخاري في ((التاريخ)) وابن حبان في (الثقات)) والحافظ في ((التعجيل)) ذكروه كلهم بالمثناة
التحتية: ((حيان)) .
(٤) كذا، وفي ((المسند)) و((أطرافه)): ((إمامنا)).
(٥) كذا هنا، و((أطراف المسند»، وفي المطبوع من ((المسند)): ((ركعتان)) وهو الجادة.
(٦) أحمد (٤٥/٢).
٢٢٢

٦١ - باب تخفيف الإمام فى القيام
الحديث : ٧٠٢
وروى ابْنُ أبي عاصمٍ في كتابِ ((السُّنِ» من روايةٍ سالمٍ بْنِ حذلم(١)
قَالَ: رآني ابْنُ عمرَ أصلِّي، فلما انصرفتُ قالَ لي: ممَّنْ أنتَ؟ قلتُ:
من أهلِ الشَّامِ. قال: إنَّكم أهل الشامِ تُصلُّونَ الصَّلاةَ وتكثرونَ من
الدعاء، وإنِّي لم أصلِّ خلفَ أحدٍ أخفَّ صلاةً في تمامٍ من رسولِ اللهِ
ضَيا الله
وستلم
وفي ((المسندِ))، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالد، عن أبيه قَالَ: رأيتُ أبا
هريرَةَ صَلَّى صلاةً تجوَّزَ فيها فقلتُ له: هَكَذَا كانَ رسولُ اللهِ بَلَهِ يُصلِّي؟
قَالَ: نعمْ، وأَجْوزُ (٢).
وفي روايةٍ: أو أوجز(٣). وفي رواية - أيضًا - قالَ: وكانَ قيامُهُ قدرَ
ما ينزلُ المؤذِّنُ من المنارةِ ويصلُ إلى الصَّفَّيِّ (٤).
وفي بعضِ الرواياتِ لهذا الحديثِ: أنَّ أبا هريرةَ كَانَ يؤمُّ النَّاسَ
بالمدينة فيخفِّفُ.
وفي ((المسندِ)) - أيضًا -، عن أنسِ بْنِ مالكٍ قَالَ: لقد كُنَّا نصلِّي مِعَ
رسول اللهِ وَّةٍ صلاةً لو صلاها أحدُكم اليومَ لَعِبْتُمُوها عليهِ. فقال له
رجلٌ: ألا تذكرُ ذلكَ لأميرنا؟ - والأميرُ يومئذٍ: عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ -
فقَالَ: قد فعلتُ(٥).
وفي روايةٍ في غير ((المسند)) بعد قوله: ((لعبتموها عليه)) يعني: في
(١) كذا في ((ك))))، ولم نعرفه، وفي الرواة عن ابن عمر من يسمى: ((سلم بن حِذْيَم))، راجع
(الإكمال)) (٤٠٥/٢)، و((التوضيح)) (١٥٦/٣).
(٢) أحمد (٢/ ٤٧٢).
(٣) أحمد (٣٧٦/٢).
(٤) أحمد (٣٣٦/٢).
(٥) أحمد (١٥٨/٣).
٢٢٣

الحديث : ٧٠٢
كتاب الأذان
التخفيف .
ورُوِيَ عن عمرَ بْنِ الخطَّبِ قال: أَيُّهَا النَّاسُ، لا تُبَغِّضُوا اللهَ إلى
عباده، فقالَ قائلٌ منهم: وكيفَ ذلكَ؟ قال: يكونُ الرجلُ إمامًا للنَّاسِ
يصلّي بهم، فلا يزالُ يُطَوِّلُ عليهم حتَّى يُبَغضَ لهم ما هم فيه.
خَرَّجَهُ ابْنُ عبدِ البِّ(١).
(١) ((التمهيد)) (١٩ / ١١ - ١٢).
٢٢٤

الحديث : ٧٠٣
٦٢ - بابٌ
إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ
٧٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزََّادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّ قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ
فَلْيُخَفِّفْ؛ فإنَّ فِيهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ. وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ
فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)).
معنى قوله: ((إِذَا صَلَّى أحدُكم لنفسه)) أي: منفردًا، بحيثُ لا يَأْتَمَّ به
ء
أحدٌ.
وقد خرجه مُسْلمٌ من رواية (١٠٢ - ب/ ك٢) المغيرة الحزاميِّ، عن
أبي الزِّنَادِ، وقال فيه: ((وإذا صَلَّى وحدَه فليصلِّ كيفَ شَاءَ)(١).
وخرجَه - أيضًا - من روايةٍ همامٍ بْنِ مُنَبِّه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ
وَّ قَالَ: ((إذا ما قامَ أحدُكم للنَّاسِ فليخففْ في الصَّلاةِ؛ فإنّ فيهم
الكبيرَ والضعيفَ. وإذا قامَ وحدَه فلْيُطلْ صلاتَه ما شاءَ)(٢).
وخرَّجَ - أيضًا - من حديث عثمانَ بْنِ أبي العاصِ قالَ: قاَلَ
رسولُ اللهِ وَهُ: ((أُمَّ قومَك، فمن أمَّ قومًا فليخفف؛ فإن فيهم الكبيرَ،
وإن فيهم المريضَ، وإن فيهم الضعيفَ، وإن فيهم ذا الحاجة. وإذا صَلَّى
أحدُكم وحدَه فليصلِّ كيفَ شَاءَ))(٣).
(١) مسلم (٤٦٧ / ١٨٣).
(٢) مسلم (٤٦٧ / ١٨٤).
(٣) مسلم (٤٦٨).
٢٢٥

الحديث : ٧٠٣
كتاب الأذان
ويدخلُ في ذلكَ صَلاةُ الفرائضِ والنوافلِ إذا صلاها وحدَه؛ فإنَّه لا
يُكْرِهُ له إطالتُها .
وقد اختلفَ النَّاسُ في النَّغْلِ: هل الأفضلُ إطالةُ القيامِ أم كثرةُ
الركوعِ والسجودِ؟ أم يُفَرَّقُ بينَ صلاةِ الليلِ والنهارِ؟ وربَّمَا يأتي ذلكَ في
موضعٍ آخر إن شَاءَ اللهُ تعالى.
وَاله إطالتُه أو
قال بعضُ أصحابِنَا: هذا فيما لم يُنْقَلْ عن النبيِّ
تخفيفُهُ، فأمَّا ما نُقلَ عنه إطالتُه أو تخفيفُه فاتباعُه فيه أفضلُ؛ فالأفضلُ
في ركعتي الفجرِ والركعتينِ المفتتحِ بهما صلاةَ الليلِ تخفيفُهما، وكذلكَ
الركعتان للدَّاخلِ والإمامُ يخطبُ يومَ الجمعةِ.
وقد سَبَقَ ذِكرُ الاختلافِ فيمن فاته قراءةُ حِزْبِهِ من الليلِ: هلْ يقرأُ
به في ركعتي الفجرِ أم لا؟
وَرَوَى وكيعٌ في كتابِهِ، عن موسى بْنِ عُبَيْدَةَ، عن نافعٍ قالَ: كانَ
ابْنُ عمرَ إذا صلَّى لنفسِه طوّلَ في أربعتينِ - يعني: في الركعاتِ الأربعِ -
في الفريضةِ .
وموسى بنُ عُبَيْدةَ ضعيفٌ جدّاً مِنْ قبَلِ حفظه، وكانَ شيخًا صالحًا
رَحمَهَ اللهُ.
وكانَ من الصَّحابة من يُخَفِّفُ الصَّلاةَ ويُعَلِّلُ بخشيةٍ وسوسةِ
الشَّيطان .
قَالَ وكيعُ: ثنا ابْنُ أبي عروبةَ، عن أبي رجاء العطارديِّ قَالَ: قلتُ
للزبيرِ بْنِ العوَّامِ: ما لكم أصحاب محمدٍ مِنَ أخفِّ النَّاسِ صَلاةً؟! قَالَ:
٢٢٦

٦٢ - باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء
الحديث : ٧٠٣
إِنَّمَا نبادرُ الوسواسَ (١).
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوق، عن خليدِ الثوريِّ قَالَ: سمعتُ
عمارَ بْنَ ياسرٍ يقولُ: احْذِفُوا هذه الصَّلاة قبلَ وسوسةِ الشيطانِ(٢).
٠٠
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦/٢) عن عبدة، عن ابن أبي عروبة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٦٧/٢)، ووقع في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٥٦/٢): ((عن وكيع،
عن سفيان، عن قيس، عن بشر، عن خليف الثوري)» ا. هـ.
كذا الإسناد، وهو ليس بالمستوي.
وأشار محقق ((مصنف عبد الرزاق)) إلى نسخة فيها: ((بشر بن دحلوف)) خطأ.
٢٢٧

الحديث : ٧٠٤
كتاب الأذان
٦٣ - بَابُ
مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ. وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: طَوَّلْتَ (١)يَا بُنَيَّ.
قَالَ أبو نعيمٍ الفضلُ بْنُ دُكَينٍ في كتابِ ((الصلاةِ»: حدَّثَنَا ابنُ
الغسيلٍ، عن حمزَةَ بْنِ أبي أُسَيَدِ كانَ يَؤُمُّنَا فإذا طوَّلَ عليهم قَالَ له أبو
أُسيد - وهو خلفه - : يَرْحَمُكَ اللهُ طَوَّلَتَ علينا.
وحدَّثنا ابْنُ الغسيلِ، عن الزبيرِ بنِ المنذرِ بنِ أبي أَسَيدِ، عن أبي
أسيد مثله.
خرّجَ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديث (٢) :
الأولُ:
٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
خَالد، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا
رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلاةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلانٌ فِيهَا.
فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِّ مَا رَأَيْتُهُ (٣) فِي مَوْعِظَةٍ (٤) كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ.
ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِرِينَ، فَمَنْ أَمَّالنَّاسَ فَلْيُخَفُِّ (٥)؛ فَإِنَّ
(١) في ((اليونينية)): ((طولت بنا)).
(٢) باعتبار سقوط ترجمة الباب (٦٤) للحديث الثالث (٧٠٦)، وهي في بعض نسخ ((الصحيح)).
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((غضب)).
(٤) في ((اليونينية)): ((موضع))، والمثبت في بعض نسخ ((الصحيح)).
(٥) في ((اليونينية)): ((فلیتجوز)) .
٢٢٨

٦٣ - باب من شكاإمامه إذا طول
الحديث: ٧٠٥
خَلْفَهَ الضَّعِيفَ، وَالكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَة)).
قد سبقَ هذا الحديثُ - قريبًا (١) - من رواية زهيرٍ، عن إسماعيلَ بنِ
أبي خالدٍ.
ومقصودُه بتخريجهِ هَاهُنَا: جوازُ شكوى مَن يطيلُ الصَّلاةَ إطالةً
زائدةً عن الحدِّ المشروع؛ فإنَّ هذا الإمامَ لولا أنَّه زادَ على صلاة النبيِّ ◌َِه
زيادةً كثيرةً لما شكَى ولا تخلَّفَ مَن تخلفَ عَنِ الصَّلاة خلفَه، فلمَّا شكَى
ذَلِكَ إلى النبيِّ بَلَ غَضِبَ غضبًا شديدًا (١٠٣ - أ/ ك٢) وَوَعَظَ النَّاسَ
مَوْعظةً عَامَّةً وأمرَ الأئمةَ بالتخفيف، وحذَّرَ من تنفيرِ النّاسِ عن شهودِ
صلاة الجماعاتِ بالتطويلٍ .
ورَوَى وكيعٌ: ثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوائِيُّ، عن قَتَادَةَ، عن عباسِ الْجُشَمِيِّ
قَالَ: قالَ النّبِيِّ نَّهِ: ((إنَّ من الأئمةِ طرّادينَ)(٢).
وهذا مرسلٌ.
الحديثُ الثَّاني:
٧٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ (٣): ثَنَا شُعْبَةُ: ثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دَثَارِ قَالَ: سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنٍ - وَقَدْ جَنَحَ اللََّلُ.
فَوَفَقَ مُعَادًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ -
أَوِ النِّسَاءِ - فَانطَلَقَ الرَّجُلُ، وَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَنَى النَّبِّ ◌ِ فَشَكَا
إِلَيْهِ مُعَادًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ - أَوْ فَاتِنٌ؟ - ثَلاثَ مَرَّتِ
(١) رقم (٧٠٢).
(٢) ابن أبى شيبة (٥٥/٢)، عن وكيع.
(٣) زاد في ((اليونينية)): ((ابن أبي إياس)).
٢٢٩

الحديث: ٧٠٥
كتاب الأذان
- فَلَوْلا صَلَّيْتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾.
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؛ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ، وَالضَّعِيفُ، وَذُو الْحَاجَةَ)
- أَحْسَبُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ(١).
وَتَبَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، وَمِسْعَرٌ، وَالشَّيْبَانِيُّ.
قَالَ عَمْرٌو، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ، وَأَبُو الزُّبْرِ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله(٢):
قَرَأْ مُعَاذٌ فِي الْعِشَاءِ بِالْبَقَرَةِ.
وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ، عَنْ مُحَارِبٍ.
قالَ الخطأَبِيُّ: ((جَنَحَ الليلُ)): أقبلَ بظلمتِهِ، وقد جَنَحَ جُنُوحًا، ومنه:
جُنْحُ الليلِ : إقبالُ ظلمتِهِ.
والناضحُ: البعيرُ يُسْقَى عليه.
والفتنةُ على وجوه، ومعناهَا هَاهُنَا: صرفُ النَّاسِ عن الدينِ،
وحَمْلُهم على الضَّلال، قَالَ تعالى: ﴿مَا أنتم عليه بفَاتنين﴾ [الصافات:
١٦٢] أي: مُضلِّينَ.
وقوله: ((فلولا صَلَّيْتَ بـ ﴿سَبِّح﴾ يريدُ: هلا قرأت، كقوله ﴿فَلَوْلا
إِن كُنْتُم غَيْرَ مَدينينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]، ﴿فَلولا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [هود:
١١٦] معناه: فَهَلا.
وفيه: أَنَّه جعلَ الحاجَةَ عذرًاً في تخفيفها (٣). انتهى.
(١) سيأتي تفسيره في ثنايا الشرح إن شاء الله تعالى.
(٢) قوله: ((ابن عبد الله)) ليس في ((اليونينية)).
(٣) ((أعلام الحديث)) (١/ ٤٨٠ - ٤٨١).
٢٣٠

٦٣ - باب من شكاإمامه إذا طول
الحديث: ٧٠٥
وتفسيره الفتنةَ هاهنا بالإضلال بعيدٌ؛ والأظهرُ: أَنَّ المرادَ بالفتنة
هاهنا: الشغلُ عَنِ الصَّلاةِ، فإنَّ مَن طَوَّلَ على مَنْ شَقَّ عليه التطويلُ في
صلاته فإنَّه يشغلُه عن الْخُشُوعِ في صلاتِه ويُلْهِه عَنْهَا، كما أنَّ النبيَّ وَّ
لَّا نظرَ إلى أعلامِ الخميصةِ التي كانَتْ عليه في الصَّلاةِ نَزَعَهَا، وقالَ:
((كَادَتْ تَفْتِّي)) (١) وأمر عائشةَ أن تميطَ قرامَها الذي فيه تصاويرُ وقَالَ: ((لا
يزالُ تصاويرُه تَعْرِضُ لي في صَلاتي))(٢). ومنه: تخفيفُهُ وَّةِ الصَّلاةَ لَمَّا
سَمِعَ بُكَاءَ الصبيِّ مَخَافَةَ أَنْ تفتتنَ(٣) أُمُّهُ(٤). ومنه: قولُ أبي طلحةَ لَّا نَظَرَ
إلى الطائرِ في صلاتِه - وهو يصلِّ في حائطه - حتّى اشتغلَ به عن
صلاتِه: لقد أصابني في مَالِي هذا فتنةٌ.
وقد سبقَ ذكرُ ذلكَ كلِّه سوى حديث بكاء الصبيِّ، فإنَّه سيأتي قريبا
إِن شَاءَ اللهُ تعالى. وسبقَ حديثٌ آخرُ في الصَّلاةِ على الخُمْرةِ في هذا
المعنى .
والفتنةُ في هذه المواضعِ كلِّها: هو الاشتغالُ عن الصَّلاةَ والالتهاءُ
عنها. ويجوزُ أَنْ يكونَ منه قولُ الله تعالى ﴿إِنَّمَا أموالكم وأولادُكم فتنةٌ﴾
[التغابن: ١٥] وَأَن يكونَ المرادُ: إِنَّها تشغلُ عن عبادة الله وذکرِهِ. ويدلُّ
عليه: أَنَّ النبيَّ وَِّ لَّا كانَ يخطبُ ورأى الحسن والحسينَ قد أقبلا نزلَ
فحمَلَهُمَا ثم قالَ: ((صَدَقَ اللهُ ﴿إِنَّما أموالكم وأولادُكم فتنةٌ﴾ إِنِّي رأيتُ
هذينِ الغلامينِ يمشيانِ ويَعْثُرانِ فلم أصبرْ))(٥).
(١) (فتح: ٣٧٣).
(٣) في ((ك٢)) بدون نقط التاء الثانية.
(٢) (فتح: ٣٧٤).
(٤) (فتح: ٧٠٨).
(٥) أخرجه أحمد، والترمذي وغيرهما، وسبق تحت الحديث (٥٢٥) أن أشرنا إلى أنه من
رواية الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، وفيها ضعف.
٢٣١

الحديث: ٧٠٥
كتاب الأذان
وأمَّا مَا ذكرَه البخاريُّ من المتابعاتِ والروايةِ المعلّقةِ: فمضمونُه: أَنَّ
جماعةً رَوَوْا هذا الحديثَ عَنْ (١٠٣ - ب/ ث٢) محاربِ بْنِ دِثَارِ كَمَا رواه
عنه شُعْبَةُ، وقالوا في قراءة معاذٍ: البقرةَ أو النساءَ - بالشكِّ - منهم:
سعيدُ بْنُ مسروقِ الثوريَّ - والدُ سفيانَ - ومنهم: مسْعَرٌ، وأبو إسحاقَ
الشَّيبانيُّ.
والشكَّ في هذا من محاربٍ، كذا في روايةٍ غُنْدَر، عن شعبةً.
خرَّجَهَ الإسماعيليُّ.
وفيه - أيضًا - قال: أحسبُ مُحَارِبًا الذي شكَّ في الضعيفِ - يعني:
شكَّ هل قالَ: الضعيفَ أو ذا الحاجة؟
وفي حديثِ معاذِ بْنِ معاذٍ، عن شعبةَ أنَّ معاذًا كان يُصلِّي بِالنَّاسِ
المغربَ.
ورواه عليّ بن الجعد، عن شُعبةَ وقَالَ فيه: قُلْتُ المُحارب: أَيّ
صلاة كانت؟ قَالَ: المغربُ(١).
فهذه الروايةُ تَبِّنُ أَنَّ ذكرَ المغربِ إنَّما هو ظنٌّ من محاربٍ.
وخرَّجَ أبو داودَ الحديثَ بذكرِ المغربِ مِنْ وَجْهِ آخرَ فيه انقطاعٌ (٢).
وذكر البخاريُّ أَنَّه رواه الأعمشُ، عن محاربٍ فقالَ فيه: قَرأَ بالبقرةِ
- من غيرِ شكِّ - وكذا رواه عمرُو بْنُ دينارِ، وعبيدُ اللهِ بْنُ مِقْسَم، وأبو
الزّبيرِ، عن جابر ، وقالوا في حديثهم: قرأ البقرة - من غير شك.
(١) ((الجعديات)) (٢٢٧/١ -٢٢٨).
(٢) أبو داود (٧٩١).
٢٣٢

٦٣ - باب من شكا إمامه إذا طول
الحديث :٧٠٦
وقد خرَّجَ البخاريُّ حديثَ عمرو بْنِ دينارٍ - فيما تقدَّمُ(١) - بهذا
اللفظ .
وقد تقدَّمَ أَنَّ النسائيَّ خَرَّجَه من حديثِ الأعمشِ، عن محاربٍ ولم
يسمِّ السورةَ؛ بل قالَ: سُورة كَذَا وكَذَا(٢).
الحديثُ الثَّالثُ(٣):
٧٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَر: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَلِك قَالَ: كَانَ النَِّيُِّ يُوجِزُ الصَّلاةَ وَيُكْمِلُهَا.
الإيجازُ: هو التخفيفُ والاختصارُ. والإكمالُ: هو إتمامُ أركانِها من
الركوع والسجودِ والانتصابِ بينَهُمَا .
وإدخالُ هذا الحديث في هذا الباب فائدتُه: أَنَّه بَيَّنَ به قدرَ التخفيف
المأمورِ بِهِ، وأَنَّه إنَّما يُشْكَى الإمامُ إِذَا زَادَ عليه زيادةً فاحشةً.
فَأَمَّا إكمالُ الصَّلاةِ وإتمامُ أركانِهَا: فليَس بتطويلٍ منهيٍّ عنهُ.
(١) رقم (٧٠١).
(٢) النسائي (٩٧/٢ - ٩٨).
(٣) في بعض نسخ ((اليونينية): ((باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها))، وهو الباب (٦٤) في
((الفتح)).
وراجع كلام العيني (٤٣١/٤)، والقسطلاني (٢/ ٦٠) على هذه الترجمة واختلاف نسخ
(الصحیح)» فيها .
٢٣٣

الحديث : ٧٠٧
كتاب الأذان
٦٥ - بَابُ
مَنْ أَخَفَّ الصَّلاةَ عندَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ
فيه ثَلاثةُ أحاديث :
الحديثُ الأولُ:
٧٠٧ _ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى - هُوَ الْفَرَّاءُ -: ثَ (١) الْوَلِيدُ: ثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ، عَن يَخْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
النَِّّوَ قَالَ: «إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوَِّ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ
الصَّبِّ فَأَنَجَوَّزُ فِي صَلَاِي كَرَاهِيَّةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِِّ).
تَبَعَهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، وَبَقِيَّةُ، وَأَبْنُ الْمُبَارَكِ(٢)، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ.
قد خَرَّجَه البخاريّ - فيما بعدُ (٣) - من طريقِ [بشر بن] (٤) بكرٍ .
وخَرَّجَهَ أبو داودَ، وابْنُ ماجه من روايةٍ بشرِ بْنِ بكرٍ، وعمرَ بْنِ عبدِ
الواحدِ(٥) .
وخَرَّجَه النسائيُّ من روايةِ ابْنِ المباركِ(٦) - كلِّهم - عن الأوزاعيِّ، به.
وخرَّجَه الإسماعيليّ في ((صحيحِه)) من روايةِ إسماعيلَ بنِ عبدِ اللهِ
(١) في ((ك٢)) دون نقط على الحرف الأول وسيتكرر .
(٢) في ((اليونينية)): ((وابن المبارك، وبقية)).
(٣) برقم (٨٦٨).
(٥) أبو داود (٧٨٩)، وابن ماجه (٩٩١).
(٤) ما بين المعقوفين سقط من ((ك٢)).
(٦) النسائي (٩٥/٢).
٢٣٤

٦٥ - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
الحديث : ٧٠٧
ابْنِ سَمَاعةَ، عن الأوزاعيّ.
وكذا رواه عَنِ الأوزاعيِّ: عقبةُ بْنُ علقمةَ، وأيوبُ بْنُ سويد.
ورواه أبو المغيرةَ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن عبدِ اللهِ بْنِ أبي
قتادةَ مُرْسَلا.
خَرَّجَه ابن جَوْصًا(١) في ((مسند الأوزاعيِّ)) - من جمعه - من هذه
الطرقِ.
وإنَّما ذكرَ البخاريُّ متابعَةَ الوليدِ بْنِ مسلمٍ على وصلِه ليبيِّنَ أَنَّ
الصحيحَ وصلُه؛ لِكثرةِ مَنْ وصله عن الأوزاعيِّ، ولا يضُرّ إرسالُ مَنْ
أرسلَه. ولعلَّ مسلمًا تركَ تخريجَه للاختلافِ في وصله وإرساله، والله
أعلمُ.
وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ من دخلَ في الصَّلاة بنيةِ إطالتِها فله
تخفيفُها لمصلحة، وأنَّه لا تلزمُ الإطالةُ بمجردِ النيةِ .
واستدلَّ (١٠٤ - أ/ ث٢) به بعضُهم على أَنَّ مَن دخلَ في تَطَوُّعٍ ينوي
أَن يُصلِّيَ أربعًا، فله أَن يقتصرَ على ركعتينِ. قَالَ ذلكَ: سفيانُ الثوريُّ،
مع قولهِ بلزومِ النّوافلِ بالشروعِ فلا إشكالَ عنده في جوازِ ذلكَ.
وكذلكَ لأصحابِ مالكِ قولان - فيمن افتتَحِ الصَّلاةَ النَّافلةَ قائمًا -
فهل يجلسُ في أثنائها أم لا؟ فاستدلَّ بعضُ مَن قالَ: ((له أن يجلسَ)) بهذا
الحدیث .
(١) هو الإمام الحافظ، محدث الشام، أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف الكلابي
الدمشقي. له ترجمة حافلة في ((السير)) (١٥/١٥ - ٢١).
٢٣٥

الحديث : ٧٠٧
كتاب الأذان
وقد يُستدلُّ به على أنَّ من نَذَرَ أَن يصلِّيَ صَلاةً ونوى في نفسِهِ أكثرَ
من ركعتينِ فهلْ يلزمُهُ ما نوى أَمْ لا؟
وقد نصَّ أحمدُ على أنَّه يلزمُهُ ما نوى، ورجَّحَه طائفةٌ من أصحابنا
بناءً على أنَّ مِن أصلِ أحمدَ: الرجوعَ في الأَيمانِ والنذورِ إلى المقاصدِ
والنيات. وقد نصَّ أحمدُ فيمن نَذَرَ الصَّدقةَ بمالٍ ونوى في نفسِه ألفًا أَنَّه
يُخرِجُ مَا شَاء مِمَّا يُسمَّى مالا، ولا يلزمُهُ الألفُ. نقله عنه أبو داود (١).
وهذا يُخالِفُ نصَّه في الصَّومِ والصَّلاةِ أَنَّه يلزمُهُ ما نواه، فتخرَّجُ
المسألتان على روايتينِ.
ووجه شبهِ هذه المسائلِ بنية الإطالةِ الصَّلاة المكتوبة عند الدخول
فيها: أَنَّ الصلاةَ المكتوبةَ إنما يلزمُ فيها قدرُ الإجزاء، والزائدُ على ذلكَ إذا
فُعلَ فهل يوصفُ بالوجوبِ أو بالنفلِ؟ فيه قولانِ معروفانٍ لأصحابِنَا
وغيرِهم من الفقهاءِ. وقد تبيَّنَ بهذا الحديث: أَنَّ ذلكَ لا يلزمُ بمجردِ النيةِ
سواءَ وُصِفَ بالوجوبِ أَوْ لا .
وَأَمَّا قولُهُ بَ ◌ّهِ ((أُريدُ أَنْ أُطوِّلَ فيها)) فالمعنى: إِنَّهُ يريدُ إِثْمَامَهَا
وإكمالَها على الوجه المعتاد؛ وليس المرادُ الإطالَة التي نهى عنها الأئمةَ.
واستدلَّ الخطَّبيُّ وغيرُهُ بهذا الحديثِ على جوازِ انتظارِ الإمامِ للداخلِ
في الركوع قدرًا لا يشقَّ على بقية المأمومينَ؛ لأنَّهُ مراعاةٌ لحال أَحد
المأمومينَ.
وفيه نظرٌ؛ فإنَّ الداخلَ لم يدخلْ بعدُ في الائتمامِ بالإمامِ، وفي
الانتظارِ تطويلٌ على المأمومينَ لمراعاةٍ مَنْ ليس بِمُؤْتَمَّ، فهذا لا يشبهُ
و
(١) في ((مسائله)) (ص٢٢٤).
٢٣٦

٦٥ - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
الحديث: ٧٠٩،٧٠٨، ٧١٠
تخفيفَ الصلاةِ لأجلٍ أُمِّ الصَبِيِّ؛ بل هو عكسُه في المعني.
الحديثُ الثَّاني:
٧٠٨ - حَدَّثَنَا خَالدُ بْنُ مَخْلَد: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلال: ثَنَا شَرِيكُ بْنُ
عَبْدُ الله قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّسَ بْنَ مَالِكَ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتَ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ
صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ مِنَ النَِّّ ◌ِهِ، وَإِن كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةً
أنْ تُفْتَنَ (١) أُمُّهُ.
شريكٌ هذا: هو ابْنُ أَبِي نَمِرِ المدنيُّ. وقد رَوَى هذا الحديثَ عنه أبو
ضَمْرَةً أنسُ بْنُ عياض - أيضًا - ورواه جماعةٌ عنه، ولم يذكروا آخرهُ.
وكذلك خرَّجَه مسلمٌ بدونِ آخرِهِ من روايةِ إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، عن
٥
شريك(٢).
وقد ذكرنا - فيما تقدَّم (٣) - معنى الافتتان هاهنا.
الحديثُ الثَّالثُ:
٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ: ثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: ثَنَا
قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثْ أَنَّنَبِيَّاللهََِّ قَالَ:(إِنِّيَّ لِأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ
وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَها، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَنَجَوَّرُ فِي صَلاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ
شِدَّةٍ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِه).
٧١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَن سَعِيدٍ، عَن
(١) في ((اليونينية)): (تفتن))، وهما بمعنى.
(٣) (ص ٢٣١) تحت الحديث (٧٠٥).
٢٣٧
(٢) مسلم (٤٦٩/ ١٩٠).

الحديث :٧١٠،٧٠٩
كتاب الأذان
فَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: «إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ
فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّرُ لِمَا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ
بُگائه)».
وَقَالَ مُوسَى: ثَنَا أَبَانُ: ثَنَا قَتَادَةُ: ثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهُ.
وهذا بمعنى حديث أبي قتادةَ المتقدِّم(١)، وقد سَاقَه(٢) عن سعيد بْنِ
أبي عَرُوبَةَ، عَن قَتَادَةَ (١٠٤ - ب/ك٢)، عن أنسٍ من طريقينِ ليسَ
فيهما تصريحُ قتادةَ بالسَّماعِ له من أنسٍ؛ وكانَ قتادةُ مُدلِّسًا، فلذلكَ ذكرَ
أنَّ موسى - وهو: ابنُ إسماعيلَ - رواه عن أَبَان - وهو: العطارُ -، عن
قتادةَ، فَصرَّحَ بِسَمَاعِهِ من أنسٍ .
وخرَّجَه الإسماعيليُّ في ((صحيحِهِ)) من طرقٍ، عن سعيدٍ، عن
قتادةَ، وفي سياقٍ حديثه: أنَّ أنسَ بْنَ مالكِ حدَّثَه، ولم يبينْ لفظَ مَن هو
مِن الرواةِ، ويبعدُ أن يكونَ لفظَ جميعهم.
والتخفيفُ الذي كانَ يفعلُه: تارةً كان يأتي به في الصَّلاة كلِّها، وتارةً
في بعضِ ركعاتِهَا بحسبِ ما يسمعُ بكاءَ الصبيِّ.
فالأولُ: دلَّ عليه ما خرَّجَه أبو بكر بْنُ أبي داودَ في كتاب «الصلاة»:
حدَّثَنَا أحمدُ بْنُ يحيى بن مالك: ثنا عبدُ الوهابِ، عن شعبةَ، عن عديِّ
ابْنِ ثابتٍ، عن البراءِ بْنِ عازبٍ قالَ: صلَّى بنا رسولُ اللهِوَّه صلاةَ
الصبحِ فقراً بأقصرِ سورتينِ في القرآنِ، فلمَّا فرغَ أقبلَ علينا بوجهه وقالَ:
(إنَّما عَجَّلْتُ لتفرغَ أمُّ الصبيِّ إلى صبِّها)).
(١) رقم (٧٠٧) .
(٢) هنا .
٢٣٨

٦٥ - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
الحديث : ٧٠٩، ٧١٠
وهذا إسنادٌ غريبٌ جدّاً.
وقد رُويَ معناه من حديثِ أنسٍ، وأبي سعيد بأسانيدَ ضعيفة.
وأما الثَّاني: فروى أبو نعيم في كتابِ ((الصَّلاةِ)) عن سفيانَ، عن أبي
الأسودِ(١) النهديِّ، عن ابن سابط قالَ: قَرأَ النبيُّ بَّ في الفجرِ في أول
ركعة بستينَ آيَةٍ، فلمَّا قامَ في الثَّانيةِ سَمِعَ صوتَ صبيٍّ فقرأ ثلاثَ (٢)
آيات (٣).
وهذا مرسلٌ.
(١) كذا، والذي في ترجمته: ((أبو السوداء)).
(٢) عند أبي داود، والدارقطني: ((آيتين)).
(٣) وأخرجه ابن أبي شيبة (٥٧/٢)، وأبو داود في ((المراسيل)) (ص/ ٩٢) والدار قطني
(٨٥/٢ - ٨٦) من طريق وكيع، وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي السوداء.
٢٣٩

الحديث : ٧١١
كتاب الأذان
٦٦ - بَابُ
إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا
٧١١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيّد، عَنْ أَبُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ
يُصَلِّي مَعَ النَّبِّ ◌ِ﴿ ثُمَّيَأِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ.
مرادُه بهذا: أَنَّ اقتداءَ المفترضِ بالمتنفلِ صحيحٌ؛ استدلالا بهذا
الحدیث .
وقد ذهب إلى هذا طائفةٌ من العلماءِ، منهم: طاوسٌ، وعطاءٌ وقالَ:
لم نزلْ نسمعُ بذلكَ. وهو قولُ الأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ - في
رواية - وإسحاقَ، وأبي خيثمةَ، وأبي بكر بْنِ أبي شيبةَ، وسليمان بن
حربٍ، وسليمان بْنِ داودَ الهاشميِّ، وأبي ثورٍ، وداودَ، والجوزجانيِّ،
وابْنِ المنذرِ (١).
وقد رُوِيَ عن أبي الدرداءِ، والحكمِ بْنِ عمرو الغفاريِّ، وغيرِهما من
الصَّحابةِ ما يشهدُ له.
وذكرَ الشافعيُّ أنه رُوِيَ عن عُمرَ، ورجلٍ من الأنصارِ ، وابنِ عبَّاسٍ
قريبٌ منه، وعن أبي رجاء العطارديِّ، والحسنِ، ووهبِ بْنِ مُنْبِّهُ(٣).
(١) انظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٢١٩/٤).
(٢) ((الأم)) (١٧٢/١ - ١٧٣)، و((سنن البيهقي)) (٨٦/٣ - ٨٧).
٢٤٠