Indexed OCR Text

Pages 121-140

الحديث: ٦٨٣
٤٧ - بابُ
مِن قَامَ إِلَى جَنَبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ
٦٨٣ - حَدَّثْنَا زَكَرِيَّاءِ بْنُ يَحْمَى: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ: نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِوَ أَبَا بَكْرِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي
مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِوَ مِنْ نَفْسِهِ خِقَّةً
فَخَرَجَ، فَإِذَا أَبُو بَكْرِ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرِ اسْتَأْخَرَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن
كَمَا أَنتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِِّ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرِ
يُصَلِّي بِصَلاةِ رَسُولِ اللهِ يَّةِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ.
المتصلُ مِنْ هذا الحديثِ: هو أمرُ النبيِّ ◌َّهِ أَبَا بكرٍ أَن يُصلِّيَ بِالنَّاسِ
في مرضِهِ فكانَ يصلِّ بهم، وما بعده مدرجٌ من قول عروةَ - كما خرَّجَهُ
البخاري هاهنا .
وكذا خَرَّجَه مسلمٌ، عَنْ جماعةٍ - كلِّهم -، عن ابْنِ نميرٍ بِهِ (١).
وكذا رَوى هذا الكلامَ الآخرَ مالكٌ في ((مَوَطَّتِه))(٢)، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ
أبيه مُرْسَلا(٣) .
وَقَدْ وَصَلَه بعضُ الرواة بحديث عائشةَ. فَمَنْ وَصَلَه بحديث عائشةً
فقد أدرَجَه .
(١) مسلم (٤١٨ / ٩٧).
(٢) في ((٢٥)): ((موطايه)).
(٣) الذي في ((الموطأ)) (ص ١٢٣) عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ومراجعة عائشة له،
وأمرها حفصة بذلك، وليس فيه الرواية المرسلة .
١٢١

الحديث: ٦٨٣
كتاب الأذان
ولكن قَدْ رُويَ هذا المعنى متصلا من وجوه أُخر كلُّها لا تخلو عن
علةٍ، وقدْ سبقَ ذَكرُها والإشارةُ إلى تعليلِها .
ومرادُ البخاريِّ بهذا الباب: أنَّ أبا بكرٍ صَلَّى مؤثّاً بالنبيِّنَلَّ وهو
قائمٌ إلى جانبِه بإشارةِ النبيِّ وََّ إليه في ذلكَ، ولم يتركْه يتأخرُ إلى
الصفِّ، وكانَ ذلكَ لعلةٍ وهي أن النبي ◌َّ كَانَ يصلِّي بالنَّاسِ جالسًا
والناسُ قيامٌ وراءه، فكانَ قيامُ أبي بكرٍ إلى جانبِهِ لإسماعِ النَّاسِ تكبيرَ
النبيِّ وَّ ورؤيةِ النَّاسِ له ليتمكّنوا من كمالِ الاقتداءِ بالنبيِّ وَّ حيث لم
و
يمكنه القيامُ. ولَولا هذه العلةُ لكانتِ السُّنَةُ لَأبي بكرٍ أن يقومَ في الصفِّ
وراءَ النبيِّ وََّ.
وقد ذكرَ هذا المعنى طائفةٌ من الشافعية .
ونقلَه الوليدُ بْنُ مسلم، عن مالك أنَّه أجازَ للمريضِ أن يصلِّيَ
و
بالنَّاسِ جالسًا وهم قيامٌ. قَالَ: وأَحَبَّ إليَّ أن يقومَ إلى جنِهِ مَن يُعْلِمُ
النَّاسَ بصلاته.
وهي روايةٌ غريبةٌ عن مالك(١).
ومذهبُه عندَ أصحابِهِ: أنَّه لا يجوزُ ائتمامُ القائمِ بالجالسِ. وهذا كلّه
على قول من قالَ: إنَّ أَبا بكرٍ كانَ مأمومًا.
فأمَّا مَن قالَ: هو الإمامُ، فلا إشكالَ عنده في قيامِ أبي بكرٍ إلى
جانبِ النّبِيِّ وَجْهَ، وإنَّما أشكلَ عنده جلوسُ النبيِّ،وَّ إلى جنبِ أبي
بكر. وقد يُجَابُ عنه بأنَّه يحتملُ أن يكونَ ذلك لضيقِ الصفِّ، واللهُ
أعلمُ (٨٥ - أ / ك٢).
(١) راجع ((البيان والتحصيل)) (١ /٢٩٨ - ٣٠٠)، وقال ابن رشد في رواية الوليد هذه بعد
أن ساقها: ((وفي هذا نظر)) ا. هـ.
١٢٢

الحديث: ٦٨٤
٤٨ _ باب
مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ، فَتَأَخَّرَ الآخَرُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ
جَازَتْ صَلاَتُهُ فِيهِ عَائِشَةُ، عَنِ النَِّّ ◌َلِّ.
ءِ
حديثُ عائشةَ سبقت الإشارةُ إليه فيما مضى، وقد خرَّجَه البخاريّ
بتمامه - فيما بعدُ - من حديثِ عبيدِ اللهِ بْنِ عبدِ اللهِ، عن عائشةَ.
٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينارٍ،
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أنَّ رَسُولَ اللهِّهَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ
عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ:
أَنُصَلِّي للنَّاسِ فَأَقِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ النَِّيُّ(١) بَق
وَالنَّاسُ فِي الصَّلاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ
أَبُو بَكْرٍ لا يَلْتَفِتُ فِي صَلاتِهِ. فَلَمَّ أَكْثَرَ النَّاسُ النَّصْفِيقَ الْنَفَتَ فَرَأَى
رَسُولَ اللهِوَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ بِّهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو
بَكْرٍ(٢) يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللهِّهِ مِن ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأَخَرَ
أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفْهِ، وتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ عَلَ فَصَلَّى، فَلَمَّا
انصَرَفَ قَالَ: ((يَا أَبَا بَكْر! مَا مَنَعَكَ أَن تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟)) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا
كَانَ لِاِبْنِ أَبِي قُحَافَةً أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ نَِّ. فَقَالَ رَسُولُ الله
(١) في ((اليونينية)): ((رسول الله)).
(٢) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)).
١٢٣

الحديث: ٦٨٤
كتاب الأذان
وَ: ( مَا لِي أَرَاكُمْ(١) أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛
فَإِنَّهِ إِذَا سَّحَ الْتُّفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا النَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)).
في هذا الحديث فوائدٌ كثيرةٌ.
منها: أَنَّ الإمامَ يُسْتَحبُّ له الإصلاحُ بين طائفتينِ من المسلمينَ إذَا
وقعَ بينهما تشاجرٌ، وله أن يذهبَ إليهم إلى منازِلِهم لذلكَ.
ومنها: أَنَّ الإمامَ الراتبَ للمسجدِ إذا تأخَّرَ وعُلِمَ أَنَّه غائبٌ عن منزِلِه
في مكانٍ فيه بُعْدٌ ولم يَغْلِبْ على الظنِّ حضورُه، أو غلبَ ولكنَّه لا يُنكرُ
ذلكَ ولا يَكْرهُه فلأهلِ المسجدِ أَن يُصلُّوا قبلَ حضورِه في أولِ الوقتِ،
وكذا إذا ضاقَ الوقتُ.
وأمَّا إن كانَ حاضرًا أو قريبًا وكانَ الوقتُ متسعًا: فَإِنَّه يُنْتَظَرُ، كما
انتظروا النبيِّ وَلِّ لَّا أخَّرَ صَلاةَ العشاء حتَّى نامَ النساءُ والصبيانُ - وقد
سبق ذكره.
ومنها: أَنَّه إنَّما يؤمُّ الناسَ مع غيبةِ الإمامِ أفضلُ مَن يُوجدُ من
الحاضرينَ؛ ولذلك دُعِيَ أبو بكرٍ إلى الصَّلاةِ دونَ غيرِه من الصحابةِ.
وهذا مما يستدلُّ به على أنَّ الصحابةَ كلَّهم كانوا معترفينَ بفضلٍ أبي
بكرٍ وتقدّمِه عليهم، وعلمهم أنَّه لا يقومُ مقامَ النبيِّ وَلَه مع غيبتِه غيره.
و
و
وقد رُويَ أَنَّ النبيَّ وَّ أمرَ في هذا اليومِ أبا بكرِ أن يؤمّ الناسَ إذا لم
يحضر .
فخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ هذا الحديثَ من طريقِ
(١) في ((اليونينية)): ((رأيتكم)).
١٢٤

٤٨ - باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول
الحديث: ٦٨٤
حمادِ بْنِ زيدٍ، عن أبي حازمٍ، عن سهلِ بْنِ سعدٍ، وفيه: أنَّ النبيَّ وَهُ
قالَ: ((يا بلالُ! إنْ حضرتِ الصَّلاةُ ولم آتِ فمرْ أبا بكرٍ يُصَلِّي
بالنَّاسِ»(١).
وخرَّجَه الحاكمُ من طريق عُمرَ الْمُقَدَّمِي، عن أبي حازمٍ، وفي
حديثه: أنَّ النبيَّ نَ ◌ّهِ قالَ: ((يا أبا بكرٍ! إِنْ أقيمتِ الصَّلاةُ فتقدَّمْ فصلِّ
بِالنَّاسِ)). قالَ: نعمْ (٢).
وعلى هذه الرواية: فإنَّما تقدَّمَ أبو بكر بإذن النبيِّ ◌ِّ له في ذلكَ.
31
وفيه دليلٌ على أنَّ أبا بكر كانَ أحقَّ النَّاسِ بالإمامةِ في حياةِ النبيَ
وَالّ عند تخلُّفه عن الصلاة بالنَّاسِ في صحته (٨٥ - ب / ث٢) ومرضه.
وهذا يشكلُ على قول الإمام أحمدَ: إنَّه إنَّما أمرَه في مرضه
بالصَّلاة؛ لأنَّه أرادَ استخلافَه على الأمة. فإنَّ أمرَه بالصلاةِ في غيبتِه يدلّ
على أنَّه أحقُّ النَّاسِ بالإمامةِ وأنه أقرأُ الصحابةِ؛ فإنه يقرأُ ما يقرءون،
ويزيدُ عليهم باختصاصِه بمزيدِ الفهمِ والفضلِ وما اختصّ به من الخشوعِ
في الصّلاةِ وعدمِ الالتفاتِ فيها وكثرةِ البكاءِ عند قراءة القرآنِ.
ومنها: أَنَّ شقَّ الداخِل في الصلاةِ الصفوفَ طولا حتَّى يقومَ في
الصفِّ الأولِ ليس بمكروهِ، ولعلَّه كانَ في الصفِّ الأول فُرجةٌ.
وقد سبقَ ذكرُ هذه المسألةِ في ((أبوابِ المرورِ بينَ يدي المصلِّي))(٣).
وقد قيلَ: إنَّ ذلك يختصُّ جوازُه بمن تليقُ به الصلاةُ بالصفِّ الأول
(١) أحمد (٥ / ٣٣٢) وأبو داود (٩٤١) والنسائي (٢ /٨٢ - ٨٣).
(٢) الحاكم (٣ / ٧٧).
(٣) تحت حديث (٥٠٩ - ٥١٠).
١٢٥

الحديث: ٦٨٤
كتاب الأذان
لفضله وعلمه، وهو الذي ذكره ابنُ عبد البرِّ.
93
والمنصوصُ عن أحمدَ كراهتُه. قالَ الأثرمُ: قلتُ لأبي عبد الله: يشقّ
الصفوفَ إذا قاموا إلى الصلاةِ على نحوٍ حديثِ المِسْوَرِ بْنِ مخرمةَ؟ كأنَّه
لم يعجبه، ثم قالَ: اللهمَّ إلا أَن يضيقَ الموضعُ بالناسِ وتؤذيَهُم
الشمسُ، فإذا أقيمتْ شقَّ الصفوفَ ودخلَ، ليسَ به(١) التخطّ؛ إنما به(١)
ما أذاه الشمس .
ومنها: أَنَّ الالتفاتَ في الصَّلاةِ لحاجةٍ عرضتْ غيرُ مكروهِ، وإنما
یکرهُ لغیرِ حاجةٍ .
ومنها: أنَّ الالتفاتَ وكثرةَ التصفيق لحاجة غيرُ مبطل للصّلاة،
وكذلكَ التأخرَ والمشيَ من صفٍّ إلى صفٍّ.
ومنها: أَنَّ رفعَ اليدينِ في الصَّلاةِ، وحمدَ اللهِ تعالى عند نعمة
تجددتْ غيرُ مبطلٍ للصلاةِ.
وقد اختُلِفَ في ذلكَ.
فقال عبيد الله بنُ الحسنِ العنبريَّ: هو حسنٌ. وقال الأوزاعيّ:
يمضي في صلاته. وقال عطاء: ما جرى على لسانِ الرجلِ في الصلاةِ ما
له أصلٌ في القرآنِ فليس بكلامٍ. وقال إسحاقُ: إن تعمده فهو كلامٌ يعيدُ
الصلاةَ، وإن سبقَ منه من غيرِ تعمدٍ فليس عليه إعادةٌ. وقال مَرَّةً: إن
تعمَّدَ فَأحبُّ إليَّ أن يعيدَ فلا يتبين لي. نقلَه عنه حربٌ. وعن أحمدَ: أَنَّه
يعيدُ الصلاةَ بذلكَ. ورُويَ عنه ما يدلُّ على أنَّه لا تعادُ الصلاةُ منه. وقد
(١) كذا ولعله: ((له)).
١٢٦

٤٨ - باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول
الحديث: ٦٨٤
سبقَ ذلك مستوفَّى في بابِ: ((ما يقولُ إذا سَمِعَ المؤذِّنَ)(١).
ومنها: أنَّ أمرَ الإكرامِ لا تكونُ مخالفتُه معصيةً؛ ولهذا قال أبو بكر:
ما كان لابنِ أبي قحافةَ أن يصلِّيَ بينَ يديْ رسولِ اللهِ بَ لّر، ولم يكن(٢)
ذلكَ عليه. وهذا ممّا استدلَّ به مَنْ قالَ: إنَّ أبا بكرٍ لم يؤمَّ النبيَّ وَّهِ قطُّ
لا في صحته ولا في مرضِهِ.
ومنها - وهو الذي قصدَه البخاريَّ بتبويبه هاهنا - : أَنَّ مَنْ أحرمَ
بالصلاةِ إِمامًا في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ، ثم حضرَ إمامُه الراتبُ: فهلْ لهُ
أَن يؤخِّرَ الذي أحرمَ بالنَّاسِ إمامًا ويصيرُ مأمومًا، ويصيرُ الإمامُ الإمامَ
الراتبَ أم لا؟ بل ذلكَ من خصائص النبيِّ وَّ؛ لأنَّه إمامُ الناسِ على
كلِّ حالٍ، وقد نهى اللهُ عن التقدمٍ بين يديهِ؛ ولهذا قال أبو بكر: ما كانَ
لابنِ أبي فُحافةَ أن يصليَ بين يدي رسولِ اللهِ لِلّ؟
في ذلك قولان:
أحدُهما: أنَّه لا يجوزُ ذلكَ؛ بل هو من خصائص النبيِّ وَالـ
وحكاه ابنُ عبدِ البرِّ إجماعًا من العلماء، وحكاه بعضُ أصحابنا عن أكثرِ
العلماء .
والثَّاني: أَنَّه يجوزُ ذلكَ. وتبويبُ البخاريِّ يدلُّ عليه، وهو قولُ
الشافعيِّ، وأحدُ الوجهينِ لأصحابِنَا، وقولُ ابنِ القاسمِ من المالكيةِ .
واسْتُدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الإمامَ إذا سبقه الحدثُ جاز له أن
يستخلفَ (٨٦ - أ/ ك٢) بعضَ المأمومينَ؛ لأنه إذا جازت الصَّلاةُ بإمامين
مع إمكانِ إتمامِها بالإمامِ الأولِ، فمعَ عدمٍ إمكانِ ذلك لبطلانِ صلاةِ
(١) الباب (٧) من ((كتاب الأذان)).
(٢) لعل الصواب: ((ولم ينكر)).
١٢٧

الحديث: ٦٨٤
كتاب الأذان
الأول أَوْلَى.
وفي الحديثِ - أيضًا - أنَّ الرجلَ إذا نابَه شيءٌ في صلاتِه فإنه يسبِّحُ،
ولو صفَّقَ لم تبطلْ صلاتُه؛ ولكنه يكون مكروهًا.
وأما قولُه: «إِنَّمَا التصفيحُ(١) للنساءِ)) فاختلفوا في معناهُ:
فحملَه مالكٌ وأصحابُه على أَنَّ المرادَ: أنَّ التصفيحَ من أفعالِ النساءِ؛
فيكونُ إخبارًا عن عيبه وذمِّه، وأنَّه لا ينبغي أن يفعلَه أحدٌ في الصَلاةِ
رجلا كان أو امرأةً. وحملوا قولَه (( مَنْ نابه شيءٌ في صلاته فليسبِّحْ))
على أنَّه عامٌّ يدخلُ في عمومِه الرجالُ والنساءُ إخبارٌ منه بمشروعيته
للنساءِ في الصلاةِ.
وقد رَوَى هذا الحديثَ حمادُ بْنُ زيدٍ، عن أبي حازمٍ، عن سهلٍ،
وقال في حديثِه: ((إِذَا نابكم شيءٌ في الصَّلاةِ فليسبِّحِ الرجالُ، وليصفّحِ
النساءُ)).
خرَّجَه النسائيُ (٢) وغيرُه.
وهذا صريحٌ في ذلك، وسيأتي الكلامُ على ذلك مستوفى في
موضعِه من الكتاب إن شاءَ اللهُ تعالى؛ فإنَّ البخاريّ خرَّجَ التسبيحَ
للرجال والتصفيقَ للنساءِ من حديث أبي هريرةَ، وسهلِ بنِ سعدٍ، عن
النبيِّ ◌َِّهِ.
وقد رُوِيَ معنى حديثِ سهلٍ من حديث أبي هريرةَ بسياقٍ غريبٍ
(١) هي رواية عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه .
(٢) النسائي (٢ / ٨٢ - ٨٣).
١٢٨

٤٨ - باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول
الحديث : ٦٨٤
خرَّجَه الترمذيُّ في كتابِ (العللِ)): حدَّنا الحسنُ بنُ الصَّبَّاحِ: ثنا شَبَابَةُ،
عن المغيرةِ بْنِ مسلمٍ، عن محمدٍ بْنِ عَمٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي
هريرةَ قالَ: ذهبَ رسولُ اللهِ بِّه في حاجةٍ، فأقامَ بلالُ الصَّلاةَ فتقدَّمَ أبو
بكر، فجاءَ النبيّ وََّ وأبو بكرٍ في الصلاة، فأرادُوا أن يردوا(١) وصفَّقُوا
ءِ
فمنعهم(٢) رسولُ اللهِ وَله، وصلَّى رسولُ اللهِ وَلَ خلفَه. فلما انفتلَ
قالَ: ((التسبيحُ للرجال، والتصفيقُ للنساء)). وقالَ: سألتُ عنه محمدَ بْنَ
إسماعيلَ - يعني: البخاريَّ - فلم يعرَفْه، وجعلَ يستحسِنُه، وقالَ:
المشهورُ: عن أبي حازمٍ، عن سهلٍ(٣). انتهى.
43
وهذا يخالفُ ما في حديثٍ سهلٍ من أنَّ أبا بكرٍ تأخَّر وتقدَّمَ النبيّ
مَّهِ فصلَّى بالنَّاسِ، والصحيحُ حديثُ سهلٍ، واللهُ سبحانه وتعالى
أعلمُ.
(١) في ((العلل)): ((يؤذنوه)).
(٣) ((علل الترمذي الكبير)) (ص ٧٩).
(٢) فى ((العلل)): ((فسمعهم)).
١٢٩

الحديث: ٦٨٥
كتاب الأذان
٤٩ - بابٌ
إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ
٦٨٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ أُّوبَ، عَنْ
أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ وَنَحْنُ شَةٌ،
فَلَبِثْنَا عِندَهُ نَحْوَا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿َ رَحِيمًا فَقَالَ: (لَوْ
رَجَعْتُمْ إِلَى بِلادِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلاةَ كَذَا فِي حِينٍ
كَذَا، وصَلاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا (١) حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ
أَحَدُكُمْ، وَلَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ).
هذا الحديثُ: خرجَه مسلمٌ - بمعناه - مِنْ حديثِ خالد الحذَّاء، عن
أبي قلابةَ، وزاد فيه: قالَ الحذاءُ: ((وكانا متقاربين في القراءة))(٢).
وخرَّجَه أبو داودَ، وزادَ فيه: ((وكنَّا يومئذٍ متقاربينَ في العلمٍ))(٣).
ورواه حمادُ بْنُ سَلَمَةَ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن مالكِ بنِ
۵
الحويرثِ أنَّ النَّبِيَّ نَ ◌ّهِ قالَ: ((يؤمُّ القومَ أكبرُهم سنّا)).
ذكرَه أبو بكر الأثرمُ، وقالَ: غَلِطَ حمادٌ في لفظِهِ؛ وإنَّما رواه
بالمعنى.
وفي ((صحيحٍ مسلمٍ)) من حديثِ أوسٍ بن ضَمْعَج، عن أبي مسعودٍ،
(١) في («اليونينية)): ((وإذا)).
(٣) أبو داود (٥٨٩).
(٢) مسلم (٦٧٤ / ٢٩٣).
١٣٠

٤٩ - باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم
الحديث : ٦٨٥
عن النبيِّمَّهِ قالَ: ((يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ، وأقدمُهم قراءةً، فإن
كانتْ قراءتُهم سواءً: فليؤمَّهم أقدمُهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرةِ سواءً
(٨٦ - ب / ك٣): فليؤمَّهم أكبرُهم سنّا))(١).
وُ
وفي ألفاظِ هذا الحديث اختلافٌ، فقد توقّف فيه أبو حاتم الرازي،
وحكى عن شعبةَ أَنَّه كان يهابُه لتفردِ إسماعيلَ بْنِ رجاءٍ به، عَنْ أوسٍ،
فقالَ: إنَّما رواهُ الحسنُ بنُ يزيدُ الأصمَّ، عن السديِّ، وهو شيخ،
وأخافُ أن لا يكونَ محفوظًا - يعني: حديثَ السديّ(٢).
وهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على التقديم بالسنِّ عند التساوي في
القراءةِ وغيرِها من الفضائل، وقد أخذَ بذلكَ أكثرُ العلماء، قال عطاءٌ،
والثوريَّ، وأبو حنيفةَ: إذا اسْتَوَوْا في القراءة والفقهِ فأسنَّهم. وقال
مالكٌ: للسنِّ حقٌّ.
ولكنِ اختلفوا: هل تُقدَّمُ الهجرةُ والنسبُ على السنِّ أم لا؟
وفيه اختلافٌ بين أصحابنا وغيرِهم من الفقهاءِ، وقولُ إسحاقَ: إِنَّه
يقدمُ بالهجرةِ وبعدها بالسنِّ. وقيلَ: إنَّه ظاهرُ كلام أحمدَ - أيضا.
ومما يفرّعُ على التقديمِ بالسنِّ: أنَّه هل يكرهُ أن يؤمّ الرجلُ أباه إذا
كانَ أقرأَ منه وأفقه؟
فَمِنَ العلماءِ من كَرِهَه، منهم: عطاء، وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ،
ورواية عن أحمدَ، والمشهورُ الذي نقله عنه أكثرُ أصحابِه: أَنَّه لا يُكْرَهُ إذا
(١) مسلم (٦٧٣ / ٢٩١).
(٢) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١ / ٩٢). وانظر ((أطرف الغرائب والأفراد)) (٤٩٤٩) بتحقيقنا.
١٣١

الحديث: ٦٨٥
كتاب الأذان
كان أقرأ منه، وهو قولُ الثوريِّ، ورُوِيَ عن أبي أَسيدِ الأنصاريِّ - وهو
من الصحابة - أنَّه كانَ يأْتُمُّ بابِهِ، وكذلك عمرُو بنُ سلمةَ الجَرْميُّ كان
يؤُمَّ الحَيَّ وفيهم أبوه، وقد قَدِمَ أبو بكرِ الصديقُ مكةَ في خلافته فأمَّهم
وفيهم أبو قحافةً.
١٣٢

الحديث: ٦٨٦
٥٠ - بَابٌ
إِذَا زَارَالإِمَامُ] (١) قَوْمًا فَمَّهُمْ
٦٨٦ - حَدَّثْنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدِ: ثَنَا عَبْدُ اللهِ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
أَخْبَرَ فِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِعِ قَالَ: سَمِعْتُ عِثْبَانَ بْنَ مَالِكِ الأَنصَارِيَّ قَالَ:
اسْتَذَنَ عَلَيَّ النَِّيُّ ◌َ فَأَذِنْتُ لَّهُ. فَقَالَ: «أَبْنَ تُحِبُّ أَنْ أَصْلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟»
فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَمَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمْنَ.
قَدْ سبقَ هذا الحديثُ مُطوَّلا ومختصرًا في ((أبوابِ المساجد))(٢). وإنما
مقصودُه منه هاهنا: أَنَّه يجوزُ للزائرِ أن يؤمَّ في منزلٍ من زَارَه بإذنِهِ .
وقد اختُلِفَ في كراهةِ ذلكَ: فَكَرِهَه طائفةٌ، منهم: إسحاقُ،
واستدلَّ بما روَى بديلُ بنُ ميسرةَ، عن أبي عطية - مولَى لهم - عن مالك
ابْنِ الحويرثِ قالَ: سمعتُ رسولَ الله ◌ِلهِ يقولُ: ((مَنْ زارَ قومًا فلا
يؤمَّهم وليؤمَّهم رجلٌ منهم)) .
خرَّجَه أبو داودَ، والترمذيُّ، وخرَّجَه النسائيُّ بمعناه، وحسَّنَه
الترمذي(٣).
وقد عَمِلَ بهذا الحديثِ مالكُ بْنُ الحويرثِ، ولم يتقدَّمْ في منزلٍ غيرِهِ
مع أمرِهم له بالتقدمِ، واستدلَّ بما رواه.
(١) سقط من ((ك٢)) واستدركناه من ((اليونينية)). (٢) الحديث (٤٢٤) وأطرافه من ((الفتح)).
(٣) أبو داود (٥٩٦)، والترمذي (٣٥٦)، والنسائي (٢ / ٨٠).
١٣٣

الحديث: ٦٨٦
كتاب الأذان
وأبو عطيةَ هذا، قالَ ابنُ المدينيِّ: لا نعرفُه(١).
روى إسحاقُ بْنُ يحيى بن طلحةَ، عن المسَيَّبِ بْنِ رافعٍ، ومعبد بن
خالد، عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ يزيدَ الخَطْمِيِّ - وكانَ أميرًا على الكوفة - فقالَ:
أتينا قِيسَ بْنَ سعدِ بْنِ عبادةَ في بيتِه، فأذَّنَ بالصلاةِ، فقُلْنَا لقيسٍ: قُمْ
فصلِّ لنا. فقالَ: لم أكنْ لأصلِّيَ بقومٍ لستُ عليهم بأميرٍ. فقالَ رجلٌ -
ليس بدونه يقالُ له: عبدُ الله بنُ حنظلةَ الغسيل -: قالَ رسولُ اللهِ وَله:
(الرجلُ أحقُّ أن يؤمَّ في رحِلِه)).
خرَّجَهَ الجوزجانيُّ، وخرَّجه الطبرانيُّ والبزارُ، وعنده: ((في بيته))،
وزادَ: ((فأمرَ مولَّی له فتقدَّم فصلَّی)»(٢).
وخرّجَه البيهقيَّ - أيضًا - بمعناه(٣).
وإسحاقُ هذا ضعيفٌ جدّاً.
وقد رُويَ هذا المعنى من وجوه متعددة فيها ضعفٌ.
ء
وروى أبو نضرةَ، عن أبي سعيدٍ - مولى أبي أسيدٍ - قالَ: بنيتُ على
أهلي وأنا مملوكٌ فدعوتُ أناسًا من أصحاب رسول الله وَالله فيهم: (٨٧-
أ/ ك٢) عبدُ الله بنُ مسعود، وأبو ذر، وحذيفةُ، فحضرت الصَّلاةُ،
فقلتُ: يتقدمُ بعضُكم . فقالوا: لا، تقدَّمْ؛ أنتَ أحقُّ. فقدَّمُونَي.
خرّجَه وكيعٌ، وابنُ أبي شيبةَ وغيرُهما (٤)، واستدلَّ به أحمدُ وغيرُهُ
(١) ونقل ابن حجر فى ((التهذيب)) (١٢ / ١٧٠) عن ابن المدينى: لا يعرفونه.
(٢) الطبراني في «الأوسط)) (٩١٣)، والبزار (٤٧٠ - كشف).
(٣) البيهقي (٣ /١٢٥ - ١٢٦).
(٤) ابن أبي شيبة (٢ / ٢١٧).
١٣٤

٥٠ - باب إذا زار قوما فأمهم
٠٠ ٠٠ الحديث: ٦٨٦
٠٫٠.٠٠٠٠
على إمامةِ العبدِ.
وروى أبو إسحاقَ، عن علقمةَ - قالَ: ولم أسمعْه منه - أَنَّ ابنَ
مسعودٍ أتى أبا موسى في منزله فحضرت الصَّلاةُ، فقال أبو موسى: تقدّم
يا أبا عبد الرحمن؛ فإنَّكَ أقدمُنَا سنّا وأعلمُ. قالَ: بل تقدَّمْ أنتَ؛ فإنما
أتيناكَ في منزلكَ ومسجدكَ، فأنتَ أحقَّ، فتقدَّمَ أبو موسى.
وقال أشعثُ، عن الحسنِ: صاحبُ البيتِ أحقُّ بالإمامةِ.
ورخَّص آخرونَ في إمامةِ الزائرِ بإذنِ ربِّ البيتِ. وهو قولُ: مالك،
ے
وأحمدَ.
وهذا القولُ هو الذي بوّبَ عليه البخاريّ هاهنا؛ ولكنَّه لم يشترط
الإذنَ.
وقد وافقه ابْنُ عَقيلِ من أصحابِنَا، وقالَ: إنَّما يكونُ ربُّ البيت
وإمامُ المسجدِ أولى من سواه لا مِمَّنْ هو أقرأُ منه أو أفقهُ.
وظاهرُ هذا: أنَّه يقدمُ الأقرأُ والأفقهُ مطلقًا على إمام المسجد وربِّ
البيتِ بإذنه وغيرِه.
وقد رُوِيَ عن حميدِ بْنِ عبدِ الرحمنِ ما يدلُّ على ذلكَ - أيضًا -
وسيأتي - فيما بعدُ - إن شاءَ اللهُ تعالى.
وأكثرُ العلماء على أنَّه إنما يقدَّمُ على ربِّ البيتِ وإمامِ المسجدِ بإذنه؛
وإنَّما يعتبرُ الأذنُ في حقِّ غيرِ النبيِّ ◌َةِ.
وقد ذكرَ أبو بكر الأثرمُ في كتابه ((الناسخ والمنسوخ)) أنَّ النبيَّ
وَسَلم
صَلى الله
كانَ يصلِّ بالقومِ إذا زارهم من غيرِ استئذان؛ لأنّه كانَ إمامَ الناسِ كلِّهم
١٣٥

الحديث: ٦٨٦
كتاب الأذان
حيثما كانَ، وليسَ هذا لغيرِهِ. قالَ: والنهيُ عن إمامةِ الزائر يحملُ في
حق أمتِه على إمامتِهم بغيرِ إِذْنِهم.
وفي ((صحيحِ مسلمٍ))، عن أبي مسعودٍ، عن النبيِّ وَ لِ قالَ: ((لا
يَؤُمَّنَّ الرجلَ (١) في سلطانِهِ، ولا يَقْعُد في بيتِه على تكرمتِه إلا بإذنه))(٢).
قالَ الإمامُ أحمدُ: أرجو أن يكونَ الاستثناءُ على كلِّه، وأما التكرمةُ
فلا بأسَ به إذا أَذِنَ، يعني: أن الاستثناءَ يعودُ إلى الجلوسِ على التكرمةِ
قطعًا من غيرِ شكّ، ويُرْجَى عودُه إلى الإمامةِ في سلطانه - أيضًا -
فیکون مُرخصًا فيها بإذنه .
وفسَّرَ سفيانُ وأحمدُ السلطانَ في هذا الحديثِ بدارِهِ. ونقلَ حربٌ،
عَنْ أحمدَ قَالَ: إذا كانَ الرجلُ في قريته ودارِه فهو في سلطانِه لا ينبغي
لأحد أن يتقدَّمَه إلا بإذنه.
وفي رواية لمسلمٍ في حديثِ أبي مسعودٍ، عن النبيِّ وَلّ: ((ولا يَؤْمِّنَّ
الرجلَ في أهلِه ولا في سلطانِه))(٣). وعلى هذه الرواية: فالمرادُ بأهله:
بيتُه، وبسلطانِه: ما يتصرفُ فيه بأمرِهِ ونهِهِ كأميرٍ البلدِ .
وخرَّجَه أبو داودَ، ولفظُه: ((ولا يَؤْمنَّ الرجلَ في بيتِه، ولا في
سلطانِه))(٤).
ولو اجتمعَ السلطانُ العامُّ، والسلطانُ الخاصُّ؛ مثل أن يجتمعَ في
بيتِ رجلٍ: ربُّ البيتِ وسلطانُ المصرِ، أو في مسجدٍ : إمامُ المسجدِ،
والسلطانُ فهل يقدَّمُ السلطانُ عليهما أم يقدَّمان عليه؟ أم يقدّمُ على إمامٍ
(١) في الرواية: ((لايؤمن الرجلُ الرجلَ)).
(٣) مسلم (٦٧٣ / ٢٩١).
(٢) مسلم (٦٧٣ / ٢٩٠).
(٤) أبو داود (٥٨٢).
١٣٦
٢

٥٠ - باب إذا زار قوما فأمهم
الحديث: ٦٨٦
المسجد دون صاحب البيتِ؛ لأنَّ إمامَ المسجدِ إنما يقدِّمُ بتقديم السلطانِ له
غالبا؟ فيه ثلاثةُ أوجهِ لأصحابِنَا.
وظاهرُ ما تقدَّمَ عن قيسِ بْنِ سعدٍ يقتضي أنَّ ربَّ البيتِ أولى من
السلطان، وإمامُ المسجد کربِّ البيت فيما ذكرْنَا .
وروى الشافعيُّ: أَنَا عبدُ المجيدِ، عَنِ ابْنِ جُرِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نافعٌ
قالَ: أقيمت الصَّلاةُ في مسجدٍ بطائفة (٨٧ - ب / ث٢) المدينةِ (١)، ولابنِ
عمرَ قريبٌ من ذلكَ المسجد أرضٌ يعملُها، وإمامُ ذلكَ المسجد مولی له،
ومسكنُ ذلك المولى وأصحابه ثَمَّ، فلمَّا سَمِعَهم عبدُ الله جاءَ ليشهدَ
معهم الصلاةَ، فقالَ له المولى صاحبُ المسجد: تقدَّمْ فصلِّ، فقالَ عبدُالله:
أنتَ أحقُّ أن تصلِّيَ في مسجدِك مِنِّي. فصلَّى المولى(٢).
قلتُ: لعلَّ هذا المولى كانَ عتيقًا لابنِ عمرَ، وأمَّا لو كانَ رقيقًا له:
ففي كونِه أولى بالإمامة نظرٌ. وقد قالَ أصحابُنَا: السيدُ في منزلِ عبدِه
أولى منه بالإمامة؛ لأنَّه يملكُه ويملكُ منزلَه. وهذا قد يُبنى على أنَّ العبدَ
هل يملكُ مالَه أم هو ملكٌ للسيد؟ وفيه خلافٌ مشهورٌ، واللهُ أعلمُ.
وروى أبو قيسٍ، عن هُزِيلٍ بْنِ شُرَحْبِيلٍ قالَ: جاءَ ابْنُ مسعودٍ إلى
مسجدنا، فأقيمت الصَّلاةُ فقُلْنَا: تقدم. فقالَ: يتقدَّمُ إمامُكم. فقلْنَا: إنَّ
إمامه(٣) ليسَ هَاهُتَا. قالَ: يتقدَّمُ رجلٌ منكم.
خرَّجَه البيهقيُّ (٤).
(١) في ((مسند الشافعي)): ((من المدينة)).
(٢) ((مسند الشافعي)) (٣٢١).
(٣) كذا، ولعله يقصد: إمام المسجد، وفي ((سنن البيهقي)): ((إمامنا)).
(٤) في ((الكبرى)) (١٢٦/٣).
١٣٧

الحديث: ٦٨٦
كتاب الأذان
وهذا مما يشهدُ له ما تقدَّمَ عن أحمدَ أنَّ الرجلَ إذا كانَ في قريتِه فهو
في سلطانِه فلا يُتقدّمُ عليه.
وروى حربٌ بإسناده، عن الحسن أنَّه دخلَ مسجدًا فقالَ له إمامُه:
تقدَّمْ يا أبا سعيد. قالَ: الإمامُ أحقُّ بالإمامة .
ورُوِيَ عن حميدِ بْنِ عبدِ الرحمنِ أَنَّه يقدَّمُ في بعضِ البوادي على
إمامِهم بغيرِ إذنٍ، وكَرِهَ إمامةَ الأعرابيِّ، وسيأتي - فيما بعدُ - إِن شَاءَ اللهُ
تعالى.
١٣٨

٥١ - بَابٌ
إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
وَصَلَّى النَّبِيُّ ◌ِلَ فِيَ مَرَضِهِ الَّذِي تُوُقِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهُوَ جَالسٌ. وَقَالَ
ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَاَ رَفَعَ قَبَلَ الإِمَامِ يَعُوَدُ فَيَمْكُثُّ بِقَدَّرِ مَا رَفَعَ، ثُمَّ يَتَبَعُ الإِمَامَ.
وقالَ الْحَسِّنُّ - فيمَن يَرْكَعُ مَّعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيَّنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السَّجُود:
يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهًا
وَفِيمَن نَّسيَ سَّجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ.
المقصودُ بهذا البابِ: أَنَّ الإمامَ يُتْبَعُ في جميعِ أفعاله، وإن فاتَ مِنْ
متابعته شيءٌ فإنه يَقْضِيه المأمومُ، ثم يتبعه، وإنَّما يتمُّ هذا بأن يصلُّوا
وراءَه جلوسًا إذا صلَّى جالسًا؛ وهذا المعنى هو الذي قالَ النبيّ
صَلىالله
وسلم
لأجله: ((إنما جُعلَ الإِمامُ ليؤتمَّ بِهِ)). والبخاريُّ يَدَّعي نسخَه - كما ذكرَه
في آخرِ البابِ -، فعلى قوله يفوتُ كمالُ المتابعةِ والائتمامُ بهِ .
وما علَّقَه من صلاة النبيِّ وَّ جالسًا في مرضِه: قد خرَّجَه في البابِ
بإسناده.
وأمَّا ما حكاه عن ابن مسعودٍ (١): فمضمونُه: أنَّ مَن رفعَ رأسَه قبلَ
الإمامِ فإنه يعودُ إلى الركوعِ والسجودِ الذي رفعَ منه، فيمكثُ بقدر ما
رفع قبلَه ليتمَّ متابعته، ويكون ركوعُه وسجودُه بقدرِ ركوعِ الإمامِ
وسجوده .
(١) وصله ابن أبي شيبة (٢ / ٥٠).
١٣٩

كتاب الأذان
وهكذا قالَ عمرُ بْنُ الخطابِ قالَ: إذا رفعَ أحدُكم رأسَه من ركعتِه أو
سجدته قبلَ الإمامِ فلَيَعُدْ حتَّى يَرَى أَنَّه قد أدركَ ما فاتَه.
خرَّجَه حربٌ الكرمانيُّ، والإسماعيليُّ في ((مسندِ عمرَ) من طريقِ ابْنِ
إسحاقَ، عن يعقوبَ بْنِ عبدِ اللهِ بْنِ الأشجِّ، عن بسرِ بنِ سعيدٍ، عن
الحارثِ بْنِ مخلد، عن أبيه: مخلدٍ قَالَ: سمعتُ عمرَ، فذكرَه.
وخرَّجَه الحافظُ أبو موسى المدينيُّ من طريقِ حمادِ بْنِ مسعدةَ، عن
ابْنِ أبي ذئبٍ، عن يعقوبَ بْنِ الأشجِّ به إلا أنَّه رفعَه إلى النبيِّ ◌َِّهِ.
ورفعُه فيه نكارةٌ.
وقد اعتبرَ النبيُّ ◌ِ﴿ هذا القدرَ من المتابعةِ للإِمامِ، كما خرَّجَه مسلمٌ
من حديث أبي موسى الأشعريِّ، عن النبيِّ (٨٨ - أ / ك٢) وَلَ قَالَ:
((إذا صلَّيتم فأقيموا صُفُوفَكم، وليؤمَّكم أحدُكم، فَإِذا كَبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا
قالَ: ﴿غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضَّالِينَ﴾ فقولوا: آمينَ، يجبْكُمُ اللهُ.
فإذا كَبَّرَ وركعَ فكبِّرُوا واركعوا، فإنَّ الإمام يركعُ قبلَكم ويرفعُ قبلَكم)).
فقالَ النبيِّ وَّهِ: ((فتلكَ بتلكَ. وإذا قالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمْدَه فقولوا:
اللهمَّ ربَّا لك الحمدُ، يسمعِ اللهُ لكم؛ فإنَّ اللهَ تعالى قالَ على لسان نبيّهُ
وَّ: سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه. فإذا كَبَّرَ وسجدَ فكبِّرُوا واسْجُدُوا؛ فإنَّ الإمامَ
يسجدُ قبلكم ويرفعُ) قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((فتلكَ بتلكَ))، وذكرَ بقيَّةً
الحديثِ(١).
ومعنى قوله وَله: ((فتلك بتلكَ)): أنَّ ما سَبَقَكم به من ركوعِه قبلكم
(١) مسلم (٤٠٤).
١٤٠