Indexed OCR Text

Pages 41-60

٣٦ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
الحديث: ٦٥٩
تنتظرُ الصَّلاةَ فهي داخلةٌ في هذا المعنى إذا كَانَ يَحْبسُها عن قيامها
لأشغالها انتظارُ الصلاةِ(١).
((وإنَّ الملائكةَ تصلِّي عليه ما لمْ يُحدِثْ)) وقد فَسَّرَ صلاةَ الملائكة عليه
بالدعاء له بالمغفرة والرحمة، والصَّلاةُ قد فُسِّرتْ بالدعاء، وفُسِرَتْ بالثناء
٠٠
والتنويهِ بالذكرِ، ودعاءُ الملائكة بينهم لعبدٍ هو: تنويهٌ منهم بذكرِه وثناءً
عليه بحسنٍ عملِهِ وقد قِيلَ صلاتُهم عليه: بقولِه : ((مَا لَمْ يُحْدِثْ)).
وقد اخْتُلِفَ في تفسيرِ الحدثِ، هل هو الحدثُ الناقضُ للوضوءِ، أو
الحدثُ باللسانِ من الكلامِ الفاحشِ ونحوِهِ، ومثلُه الحدثُ بالأفعال التي
لا تجوزُ، وقد أشرنا إلى هذا الاختلافِ في كتابِ «الطهارةِ)).
وذهبَ مالكٌ وغيرُهُ إلى أَنَّه الحدثُ النَّاقضُ للوضوء(٢).
ورجَّحَهَ ابْنُ عبد البرِّ (٧١ - أ / ك٢)؛ لأنَّ المحدثَ وإن جلسَ في
المسجدِ فهو غيرُ منتظرِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه غيرُ قادرٍ عليها(٣).
والثَّاني: أَنَّ منتظرَ الصَّلاةِ لا يزالُ في صلاة ما دامت الصَّلاةُ
تَحْبسُهُ. وقد فَسَّرَ ذلك بأنه لا يمنعُهُ أن ينقلبَ إلى أهله إلا الصَّلاةُ، وهذا
يشملُ من دخلَ المسجدَ للصلاة فيه جماعة قبلَ إقامة الصلاة فجلسَ
ينتظرُ الصَّلاةَ، وَمَن صَلَّى مع الإمامِ ثم جلسَ ينتظرُ الصلاةَ الثانية، وهذا
من نوعِ الرِّبَاطِ فِي سبيل الله، كما قالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((ألا أَدُّكم على ما
يمحو اللهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسولَ الله، قالَ:
((إسباعُ الوضوءِ على المكارهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة
(١) التمهيد (٣٩/١٩).
(٣) التمهيد (١٩ /٤٤).
(٢) الموطأ (ص / ١١٧).
٤١

الحديث : ٦٥٩
كتاب الأذان
بعدَ الصلاة، فذلكمُ الرباطُ، فذلكمُ الرباطُ)) .
خرَّجَهَ مسلمٌ من حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، عن أبي
هريرةً(١) .
وقد وردَ تقييدُ ذلكَ - أيضًا - : ((بما لم يُحْدِثْ))، خَرَّجَه البخاريّ في
((أبوابِ نواقض الوضوء)) من رواية ابن أبي ذئبٍ، عن المقبريِّ، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ نَّ قَال: ((لا يزالُ العبدُ في صلاةِ ما كانَ في المسجدِ
ينتظرُ الصلاةَ ما لم يُحْدِثْ)) فقال رجلٌ أعجميٌّ: ما الحدثُ يا أبا هريرةَ؟
قالَ: الصَّوَتُ - يعني الضَّرْطَةِ(٢).
وقد سبقَ الكلامُ عليه في موضعِه، وذكرنا اختلافَ النَّاسِ في تفسيرِ
الحدثِ، والمرادِ به.
وقد فسَّرَه أبو سعيد الخدريُّ كما فسره أبو هريرةَ - أيضًا.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣).
ومعنى كونِه في صلاة - واللهُ أعلمُ - أَنَّ له أجرَ المصلِّي وثوابَه بحبس
نفسِه في المسجدِ للصّلاة.
وليسَ في هذا الحديثِ ولا في غيرِه من أحاديثِ الباب الاشتراطُ
للجالسِ في مصلاه أن يكونَ مشتغلا بالذكر؛ ولكنه أفضلُ وأكملُ.
ولهذا وردَ في فضلٍ من جلسَ في مصلاه بعدَ الصبحِ حتَّى تطلعَ
الشمسُ، وبعدَ العصرِ حتى تغربَ أحاديثُ متعددةٌ.
(١) مسلم (٢٥١).
(٣) (٣ /٩٥).
(٢) (فتح: ١٧٦).
٤٢

٣٦ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
الحديث: ٦٥٩
وهل المرادُ بمصلاه نفسُ الموضعِ الذي صلَّى فيه، أو المسجد الذي
صلَّى فيه كله مصلى له؟ هذا فيه تَردَّدٌ، وفي ((صحيحِ مسلمٍ))، عن جابر
ابنْ سَمُرَةَ أن النبيَّ نََّ كانَ إذا صلَّى الفجرَ جلسَ في مصلاه حتى تطلعَ
الشمسُ حسنًا .
وفي رواية له: كانَ النبيُّ نَّهِ لا يقومُ من مصلاه الذي يصلِّي فيه
الصبحَ - أو الغداةَ - حتى تطلعَ الشمسُ، فإذا طلعتِ الشمسُ قام (١).
ومعلومٌ أَنَّه وَّهِ لم يكن جلوسُهُ في الموضعِ الذي صلَّى فيه؛ لأنَّه
كان ينفتلُ إلى أصحابه عقبَ الصلاةِ ويقبلُ علیهم بوجهِه.
وخَرَّجه الطبرانيُّ(٢)، وعندَه: كانَ إذا صلَّى الصبحَ جلسَ يذكرُ اللهَ
حتَّى تطلعَ الشمسُ. ولفظةُ الذكرِ غريبةٌ.
وفي تمامٍ حديثِ جابرِ بْنِ سمرةَ الذي خرَجَّه مسلمٌ: وكانوا يتحدثونَ
فيأخذونَ في أمرِ الجاهلية فيضحكونَ ويتبسمُ.
وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن ينكرُ على من تحدَّثَ وضحكَ في ذلك
الوقت.
فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ المرادَ بمصلاه الذي يجلسُ فيه: المسجدُ
كلُّه. وإلى هذا ذهبَ طائفةٌ من العلماء، منهم: ابنُ بطّةَ من أصحابِنَا،
وغيرُهُ.
وقد رُوِيَ عن أبي هريرةَ ما يخالفُ هذا: روى مالكٌ في ((الموطَّأ)»
عن نعيمٍ المجمرِ أَنَّه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: إذَا صلَّى أحدُكم ثم جلسَ في
(١) مسلم (٦٧٠ / ٢٨٦، ٢٨٧).
(٢) في ((الصغير)) (١١٥٥).
٤٣

الحديث : ٦٥٩
كتاب الأذان
مصلاه لم تزلِ الملائكةُ تصلِّي عليه تقولُ: اللهمَّ اغفر له، اللهمَّ ارحمه.
فَإِن قامَ منْ مصلاه فجلسَ في المسجدِ ينتظرُ الصَّلاةَ لم تزلِ الملائكةُ
تصلّي عليه في مصلاه(١) حَتَّى يصلِّي(٢).
فهذا يدلُّ على أنَّه إذا تحوَّلَ من موضعٍ صلاتِه من المسجدِ إلى غيرِهِ
من المسجدِ انقطعَ حكمٌ (٧١ - ب / ك٢) جلوسه في مصلاه، فإن جلس
ينتظرُ الصلاةَ كان حكمُهُ حكمَ من ينتظرُها وصلَّتْ عليه الملائكةُ - أيضًا -
فإن لمْ يجلسْ منتظرًا للصَّلاة فلا شيءَ له؛ لأنَّه لم يجلسْ في مُصَلاه،
ولا هو منتظرٌ للصَّلاة.
قالَ ابْنُ عبدِ البرِّ: إلا أنَّه لا يقالُ: إنه تصلِّي عليه الملائكةُ - يعني:
على المتحوّل من مكانه وهو ينتظرُ الصلاةَ - كما تصلِّ على الذي في
مصلاه ينتظرُ الصلاةَ (٣). يشيرُ إلى أَنَّ الحديثَ المرفوعَ إنَّما فيه صلاةُ
الملائكة على من يجلسُ في مُصَلاه، لا على المنتظرِ للصّلاةِ.
ولكن قد رُوِيَ في حديثٍ مرفوعٍ، فَرَوَى عطاءُ بْنُ السائبِ، عن أبي
عبد الرحمنِ السُّلمي، عن عليٌّ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَّ يقولُ: ((من
صلَّى الفجرَ، ثمَّ جلسَ في مُصَلَاه صَلَّتْ عليه الملائكةُ، وصلاتُهم عليه:
اللهمَّ اغفرْ له، اللهم ارحمه. ومن ينتظرُ الصَّلاةَ صَلَّتْ عليه الملائكةُ،
وصلاتُهم عليه: اللهمَّ اغفر له، اللهمَّ ارحمْه)).
خرَّجَه الإمامُ أحمدُ (٤).
وقال عليُّ بْنُ المدينيِّ: هو حديثٌ كوفيٌّ، وإسنادُه حسنٌ.
(١) في (الموطأ)): ((لم يزل في صلاة)).
(٣) بنحوه في ((التمهيد)) (١٩ / ٤٤).
(٢) («الموطأ)) (ص / ١١٨).
(٤) المسند (١ / ١٤٤، ١٤٧).
٤٤
٠٠٠

٣٦ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
الحديث : ٦٦٠
وذكرَ ابنُ عبد البرِّ - أيضًا - أَنَّه يحتملُ أن يكونَ بقاؤه في مُصَلاه
شرطًا في انتظار الصلاة - أيضا - كما كانَ شرطًا في الجلوسِ في
مُصَلاه(١).
وهذا الَّذِي قَالَه بعيدٌ؛ وإنما يمكنُ أَن يقالَ فيمن صَلَّى صلاةً ثم جلسَ
ينتظرُ صلاةً أخرى.
فَأَمَّا من دخلَ المسجدَ ليصلِّي صلاةٌ واحدةٌ وجلسَ ينتظرُها قبلَ أن
تقامَ فأيُّ مصلّى له حتَّى يُشْتَرَطَ أن لا يفارقَه قال: وقيامُه من مجلسه
المرادُ به قيامُه لعرضِ الدنيا، فأمَّا إذا قامَ إلى ما يُعِينُه على ما كانَ يصنعَّهُ
في مجلسِهِ من الذكرِ - يعني: أَنَّه غيرُ مرادٍ ولا قاطعٌ للصَّلاة عليه - واللهُ
سبحانه وتعالى أعلم.
الحديثُ الثَّاني:
٦٦٠ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: ثَنَا يَحْنَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
خُبَيِّبُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
وَ قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظْلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلَّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإمامُ الْعَادِلُ،
وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةٍ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلّ(٢)، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ،
وَرَجُلانِ تَحَبَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ
ذَتُ مَنصبٍ وَجَمَال فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا
تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَّمِنُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَاليَا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ).
(١) «التمهيد)» (٢٧/١٩ -٢٨).
(٢) كلمة ((عز وجلَ)) ليست في ((اليونينية)).
٤٥

الحديث : ٦٦٠
كتاب الأذان
هذه السَّبعةُ اختلفتْ أعمالُهم في الصَّورةِ، وجمعَهَا معنى واحدٌ:
وهو مجاهدتهُم لأنفسهم، ومخالفتهُم لأهوائِها. وذلكَ يحتاجُ أولا إلى
رِيَاضة شديدةٍ، وصبرٍ على الامتناعِ مِمَّ يدعو إليه داعي الشَّهوةِ أو
الغضب أو الطمعِ.
وفي تَجثُّمِ ذلكَ مشقةٌ شديدٌ على النَّفْسِ، ويحصلُ لها به تألمٌ
عظيمٌ؛ فإنَّ القلبَ يكادُ يحترقُ من حَرِّ نارِ الشَّهوةِ أو الغضبِ عند
هيجانِها إذا لمْ يُطْفَ ببلوغِ الغرضِ من ذلكَ فلا جرمٌ كان ثوابُ الصبرِ
على ذلكَ أنَّه إذا اشتدَّ الحرُّ في الموقفِ ولم يكن للنَّاسِ ظلٌّ يُظلُّهمَ
ويَقيهم حرَّ الشمسِ يومئذٍ كانَ هؤلاءِ السبعةُ في ظِلِّ اللهِ عزَّ وجلَّ فلم
يجدوا لحرِّ الموقف ألما جزاءً لصبرِهم على حرِّ نارِ الشَّهُوةِ والغضبِ في
الدنيا .
وأولُ هذه السبعة: الإمامُ العادلُ. وهو أقربُ النَّاسِ من اللهِ يومَ
القيامة، وهو على منبرٍ من نورٍ عَلَى يمينِ الرحمنِ عزَّ وجلَّ؛ وذلك جزاءٌ
لمخالفته الهوى وصبره عن تنفيذ ما تدعوه إليه شَهواتُه وطمعُه وغضبُه مع
قدرتِه على بلوغٍ غرضِهِ من ذلكَ.
فإنَّ الإمامَ العادلَ (٧٢ - أ / ك٢) دعتْه الدنيا كلُّها إلى نفسهَا فقالَ:
إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمينَ. وهذا أنفعُ الخلقِ لعبادِ اللهِ؛ فإنَّهَ إِذا صَلَحَ
صَلَحتِ الرعيةُ كلُّها.
وقد رُوِيَ أَنَّه ظلُّ الله في الأرضِ؛ لأنَّ الخلقَ كلَّهم يَسْتَظِلُونَ بظلِّه،
فَإِذَا عدلَ فيهم أظلَّه اللهُ في ظلِّه .
والثَّاني: الشَّبُّ الذي نشأ في عبادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فَإِنَّ الشبابَ شعبةٌ
٤٦

٣٦ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
الحديث : ٦٦٠
من الجنونِ، وهو داعٍ للنفس إلى استيفاءِ الغرضِ من شهوات الدُّنْيا
ولذَّاتها المحظورةِ، فمن سَلِمَ منه فقد سَلِمَ. وفي الحديثِ: ((عَجِبَ رَبُّكَ
من شابٍّ ليست له صبوةً))(١) وفي بعضِ الآثارِ يقولُ اللهُ: ((أَيُّهَا الشابُّ
التاركُ شهوتَه المتبذلُ شبابَه مِنْ أَجْلِي، أنتَ عندي كبعضٍ ملائکتِي)).
والثَّالثُ: الرجلُ المعلَّقُ قلبُه بالمساجدِ - وفي رواية: إذا خرجَ منه
حتَّى يعودَ إليه - فهو يحبُّ المسجدَ ويألفُه لعبادة الله فيه، فإذا خرجَ منه
تعلَّقَ قلبُهُ به حتَّى يرجعَ إليه - وهذا إنَّما يحصلُ لِمَنْ ملكَ نفسَه وقادَها
إلى طاعة الله فانقادتْ له؛ فإنَّ الهوى إنَّمَا يدعو إلى محبةٍ مواضعِ الهوى
واللعبِ إمَّا المباحِ أو المحظورِ ومواضعِ التجارةِ واكتسابِ الأموالِ، فلا
يقْصرُ نفسَه على محبةٍ بقاعِ العبادةِ إلا من خالفَ هواه، وقدَّمَ عليه محبةً
مولاه، وقَدْ مدحَ عُمَّارَ المساجدِ في قولِهِ ﴿في (٢) بيوتٍ أَذِنَ اللهُ أن ترفعَ
ويذكرَ فيها اسمُهُ، يُسبِّحُ له فيها بالغدوِّ والآصالِ رجالٌ لا تُلْهيهم تجارةٌ
ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ وإقام الصلاة وإيتاء الزكاةِ يخافونَ يومًا تتقلبُ فيه
القلوبُ والأبصارُ، لَيجزيَهُم اللهُ أَحَسنَ مَا عَمِلُوا ويزيدَهم(٣) من فضلِهِ،
والله يرزقُ من يشاءُ بغيرِ حسابٍ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
وفي ((المسندِ))، و ((سنن ابن ماجه))، من حديث أبي هريرةَ، عن
النبيِّ وَّهِ قَالَ: ((لا يوطّنُ رجلٌ المساجدَ الصَّلاةِ والذكرِ إِلا تَبَشْبَشَ اللهُ
به كما يتبشبشُ أهلُ الغائبِ بغائبِهم إذا قَدِمَ))(٤).
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٤ / ١٥١)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥٧١)، وتمَّم في
((فوائده)) (١ / ١١٦ - ترتيبه) وإسناده ضعيف؛ فيه ابن لهيعة .
(٢) ليست في ((ك)) والضروري إضافتها. (٣) كتب في ((ك))): ((الله)) بعد: ((يزيدهم)).
(٤) أحمد (٢ /٣٢٨، ٤٥٣)، وابن ماجه (٨٠٠).
٤٧

الحديث : ٦٦٠
كتاب الأذان
وروى ابْنُ لهيعةَ، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عَن
النبيِّ وَّ قَالَ: ((من أَلِفَ المسجدَ أَلفَه اللهُ))(١).
ويُروَى عن سعيدِ بْنِ المسيَّبِ قال: من جلسَ في المسجدِ فإنَّما
يجالسُ ربَّه عزَّ وجلَّ.
الرابعُ: الْمُتَحَبَّانِ في اللهِ عزَّ وجلَّ. فإنَّ الهوى داعٍ إلى التحابِّ في
غيرِ الله؛ لِمَا في ذلكَ من طوعِ النفسِ أغراضَها من الدنيا. فالمتحابَّانِ في
الله جاهدا أنفسَهُمَا في مخالفةِ الهوى حتَّى صارَ تحابُّهُمَا وتوادَّهما في الله
من غيرِ غرضٍ دنيويُّ يشوبُه، وهذا عزيزٌ جدّاً. ولَنْ يتحابًّا في الله حتّى
يجتمعا في الدنيا في ظلِّ الله المعنويِّ، وهو تأليفُ قلوبهما على طاعةِ
اللهِ وإيثارِ مرضاتِه وطلبٍ ما عنده؛ فلهذا اجتمعا يومَ القيامةِ في ظلِّ اللهِ
الحسيِّ.
وقولُه: ((اجتمعا على ذلكَ وتفرَّقَاً عليه)) يحتملُ أنَّه يريدُ أنَّهما.
اجتمعا على التحابِّ في الله حتَّى فرَّق بينهما الموتُ في الدنيا، أو غيبةُ
أحدهما عن الآخرِ. ويحتملُ أَنَّه أرادَ أنَّهما اجتمعا على التحابِّ في اللهِ،
فإن تغيَّر أحدُهما عما كانَ عليه مما يوجبُ محبتَه في الله فارقَه الآخرُ
بسبب ذلكَ، فيدورُ تحابُيُهما على طاعة الله وجوداً وعدَمًا .
قالَ بعضُ السَّف: إذا كانَ لك أخٌ تَحِبُّه في اللهِ فأحدثَ حدثًّا فلمْ
تُبغضْه في اللهِ لم تكنْ مَحبَّتُكَ لله، أو هَذَا المعنى.
الخَامسُ: رَجُلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصب وجمال. ويعني بالمنصبِ:
(١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٦٣٨٣)، وابن عدي في ((الكامل)) (٤ / ١٥٢)، وإسناده
لا یصح.
٤٨

٣٦ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
الحديث : ٦٦٠
النسبَ والشرفَ والرفعةَ في الدّنيا، فإذا اجتمعَ ذلكَ مع الجمال فقد كَمُلَ
الأمرُ وقويت الرغبةُ، فإن كانتْ (٧٢ - ب / ك٢) مع ذلكَ هي المطالبةُ
الداعيةُ إلى نفسِها كانَ أعظمَ وأعظمَ، فإنَّ الامتناعَ بعدَ ذلكَ كلِّه دليلٌ
على تقديمٍ خوفِ اللهِ على هوى النفسِ، وصاحبُهُ داخلٌ في قولهِ تعالى
﴿وَأَمَّا(١) مَنْ خَافَ مقامَ ربِّ ونهى النفسَ عَنِ الهوى﴾ [النازعات: ٤٠]
وهذا كمَا جَرَى ليوسفَ عليه السلامُ.
قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عمير: مِن صدقِ الإيمانِ وبرِّ: إسباغُ الوضوءِ في
المكاره، وَمِن صدقِ الإيمانِ وبرِّه: أن يخلو الرجلُ بالمرأة الجميلةِ فَيَدعُهَا،
لا يَدَعُهَا إِلَ للهِ عزَّ وجلّ(٣).
ومثلُ هذا إذا قالَ: إِنِّي أخافُ اللّهَ فهو صادقٌ في قوله؛ لأنَّ عملَه
مصدقٌ لقوله. وقولُه لها: إنِّي أخافُ اللهَ موعظةٌ لها، فربَّمَا تنزجرُ عن
طلبها وترجعُ عن غيِّها. وقد وقعَ ذلك لغيرِ واحدٍ، وفيه حكاياتٌ
مذكورةٌ في كتابِ ((ذمِّ الهوى)) وغیرِهِ.
السَّادسُ: رجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ، فاجتهدَ في إخفائها غايةَ الاجتهاد
حتَّى لم يعلمْ به إلا اللهُ.
وضربَ المثالَ لذلكَ على طريقِ المبالغةِ؛ حتَّى لا تعلمَ شمالُهُ ما تنفقُ
يمينُه؛ وهذا دليلٌ على قوة الإيمانِ والاكتفاءِ باطّلاعِ اللهِ على العبد،
وعلمِه بهِ. وفيه مخالفةٌ للهَوَى، ومجاهدةٌ للنفسِ؛ فإنَّهَا تحبُّ إظهارَ
الصدقة والتمدحَ بها عند الخلقِ، فَيُحْتَاجُ في إخفاءِ الصدقةِ إلى قوةٍ
شديدة تخالفُ هوى النفسِ .
(١) في ((ك٢)): ((فأما)).
(٢) الحلية (٣ / ٢٦٨).
٤٩

الحديث : ٦٦٠
كتاب الأذان
وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ من حديث أنسٍ، عن النبيُّ أَ
= صَلى الله
وَسَلم
قَالَ: ((لَّا خَلقَ اللهُ الأرضَ جعلتْ تميدُ، فخلقَ الجبالَ فألقَاهَا عليها
فاستقرَّتْ، فعجبت الملائكةُ من خَلْقِ الجبالِ فَقَالُوا: ياربِّ! فهلْ من
خلقِكَ شيءٌ أشدُّ من الجبالِ؟ قَالَ: نعمْ، الحديدُ. قَالُوا: ياربِّ، فهلْ
شيءٌ مِنْ خَلْقِكَ أَشَدُّ من الحديد؟ قَالَ: نعم، النَّارُ. قالوا: ياربِّ، فهل
مِنْ خَلَّقِكَ شَيءٌ أَشَدُّ من النَّارِ؟ قَالَ: نعم، الماءُ. قالوا: ياربِّ، فهل من
خَلقكَ شِئٌ أَشَدُّ من الماءِ؟ قَالَ: نعم، الريحُ. قالوا: ياربِّ، فهل من
خلقكَ شيءٌ أَشَدُّ من الرِّيحِ؟ قَالَ: نعم، ابنُ آدَمَ يتصدَّقُ بيمينِهِ يُخْفِيهَا
مِن شِمَالِه))(١).
السَّبِعُ: رجلٌ ذَكَرَ اللهَ خَاليًا ففاضتْ عَيْنَاهُ. فهذا رجلٌ يَخْشَى اللهَ
في سرِّه ويراقبُهُ في خَلْوتِه؛ وأفضلُ الأعمالِ خشيةُ اللهِ في السرِّ
والعلانية. وخشيةُ الله في السرِّ: إنَّما تصدرُ عن قوة إيمانٍ ومجاهدة
للنفسِ والهوى؛ فإنَّ الهوى يَدْعُو في الخلوةِ إلى الْمَعَاصَي؛ وَلِهَذَا قِيلَ:
إِنَّ من أعزِّ الأشياءِ: الورعَ في الخلوةِ.
وَذكرُ الله يشملُ ذكرَ عظمتِه وبطشِه وانتقامِه وعقابِهِ، والبكاءُ النَّاشيءُ
عن هذا هو بكاءُ الخوفِ. ويشملُ ذكرَ جماله وكماله وبرِّ ولطفه
وكرامته لأوليائِه بأنواعِ البرِّ والألطافِ لا سيما برؤيته في الجنَّة، والبكاءُ
الناشيء عن هذا هو بكاءُ الشوق. ويدخلُ فيه - أيضًا - رجلٌ ذكرَ أَنَّ اللهَ
معه حَيْثُمَا كانَ فتذكَّرَ معيتَه وقربَه واطّلاعَه عليه حيثُ كانَ فيبكي حياءً
منه، وهو من نوعِ الخوفِ - أيضًا.
(١) أحمد (٣ /١٢٤)، والترمذي (٣٣٦٩)، واستغربه مرفوعًا.
٥٠

٣٦ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة
الحديث : ٦٦١
وخرَّجَ الطبرانيُّ(١) بإسنادٍ فيه ضعفٌ، عن أبي أمامةَ مرفوعًا: ((ثلاثةٌ
في ظلِّ اللهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: رجلٌ حيث توجَّهَ عَلِمَ أَنَّ اللهَ مَعَهُ» .
وهذا الحديثُ يدلُّ على أَنَّ هؤلاءِ السبعةَ يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه، ولا
يدلُّ على الحصر، ولا على أنَّ غيرَهم لا يحصلُ له ذلكَ؛ فَإِنَّه صحَّ عن
النبيِّ وَّ أن ((مَنْ أَنظرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أظلَّهُ اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ
إلا ظلُّه)).
صھل الله(٢)
خرَّجَه مسلمٌ من حديث أبي اليَسَرِ الأنصاريِّ، عن النبيِّ
(٢) .
وَستَّلة
وخَرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ وصححه من حديث أبي هريرةَ، عن
النبيِّ (٧٣ - أ/ ك٢) وَلِّ قالَ: ((مَنْ نَفَّسَ عن غريمه أو محى عنه كانَ في
ظلِّ العرشِ يومَ القيامةِ)(٣). وهذا يدلُّ على أَنَّ المرادَ بظلِّ اللهِ: ظِلُّ عرشِهِ.
الْحديثُ الثَّالِثُ:
٦٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ، عَنْ حُمَيْدِ قَالَ: سُئِلَ
أَنَسُّ: هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللهَِّ خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَخَّرَ لَيْلَةٌ صَلَاةَ الْعشَاء
إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى، فَقَالَ: ((صَلَّى النَّاسُ
وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلاةِ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا)). قالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِصِ
(٢) مسلم (٣٠٠٦).
(١) في الكبير (٢٤٠/٨).
(٣) أحمد (٥ / ٣٠٠، ٣٠٨)، من حديث أبي قتادة، ولم نجده في الترمذي من حديث أبي
قتادة بهذا اللفظ وإنما أخرج أحمد (٢ / ٢٥٢، ٥٠٠، ٥١٤)، والترمذي (١٤٢٥،
٢٦٤٦، ٢٩٤٥)، من حديث أبي هريرة بلفظ ((من نفس عن مؤمن كربة ... )) الحديث
مطولا ومختصرًا، وليس فيه موضع الشاهد، والله أعلم بالصواب.
٥١

الحديث : ٦٦١
كتاب الأذان
خاتمه.
٠٠
قدْ سبقَ هذا الحديثُ في مواضعَ من الكتابِ، وَهُوَ بمعنى حديث أبي
هريرةَ المخرَّجِ في أولِ البابِ(١).
--
(١) (فتح: ٥٧٢، ٦٠٠).
٥٢

الحديث : ٦٦٢
٣٧ - بَابُ
فَضْلٍ مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ(١) رَاحَ
٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
مُطَرِّف، عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ
﴿﴿ قَالَ:(مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ(٢) أَعَدَّاللهُ لَهُ نُزُلا مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا
غَدَا أَوْ رَاحَ)).
الغدوُّ: يكونُ من أول النهار، الرواحُ: يكونُ من آخرِهِ بعدَ الزوال.
وقَدْ يُعبَّرُ بأحدِهما عن الخروجِ والمشي سواءً كان قبلَ الزوال أو بعدَه كما
في قولِهِ وَخِّفي الجمعةِ: ((مَنْ رَاحَ في السَّاعةِ الأولى فكأنَّما قربَ بدنَة)»
على ما حَمَلَه عليه جمهورُ العلماءِ.
ومعنى الحديث: أن مَنْ خرجَ إلى المسجد للصلاة فإنَّه زائرُ الله
تعالى، واللهُ يعدُّ له نُزُلا من المسجدِ كلَّمَا انطلقَ إلى المسجد، سواءً كانَ
في أولِ النهارِ أو آخرِهِ.
والنزلُ: هو ما يُعَدُّ للضيفِ عندَ نزوله من الكرامةِ والتحفة .
قالَ الحافظُ أبو موسى المدينيُّ: وزِيدَ فيه في غيرِ هذه الروايةِ: (كَمَا
لو أنَّ أحدكم زارَهَ مَن يحبُّ زيارته لاجتهدَ في إکرامِه».
وخَرَّجَ من طريقِ الطبرانيِّ بإسنادِهِ، عن سعيدِ بنِ زربي، عن ثابتٍ،
(٢) في ((اليونينية)): ((وراح)).
(١) في ((اليونينية)): ((ومن)).
٥٣

الحديث : ٦٦٢
كتاب الأذان
عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ، عن النبيِّ وَلِّ قَالَ: ((من توضَّأَ فأحسنَ
الوضوءَ ثم أتى المسجدَ فهو زائرُ الله، وحقّ على المزورِ أن يكرمَ
الزائر))(١) .
قَالَ أبو موسى: ورواه سليمانُ التيميُّ، وداودُ بنُ أبي هندٍ، وعوفٌ،
عَنْ أبي عثمانَ، عن سلمانَ موقوفًا لا مرفوعًا(٢).
وسعيدُ بْنُ زربي فيه ضعفٌ.
وخَرَّجَ - أيضًا - من طريقِ الطبرانيِّ بإسنادِهِ، عن يحيى بنِ الحارثِ،
عن القاسم، عن أبي أمامةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الغدوّ والرواحُ
إلى المساجدِ من الجهادِ في سبيلِ اللهِ»(٣).
وذكرَ مالكٌ في ((الموطَّا)) (٤)، عن سُمَيِّ مولى أبي بكرٍ أَنَّ أبا بكر بْنَ
عبدِ الرحمنِ كانَ يقولُ: من غدا أو راحَ إلى المسجدِ لا يريدُ غيرَه لِيُعلِّمَ
خيرًاً أو يتعلَّمَه، ثم رجعَ إلى بيتِه كان كالمجاهدِ في سبيلِ الله.
ومما يستدلُّ به على أَنَّ قصدَ المساجد للصَّلاة فيها زيارةٌ لله عزَّ وجلّ:
ما خرَّجِه ابْنُ ماجه بإسنادٍ فيه ضعفٌ من حديث أبي الدرداءِ، عن النبيِّ
مَجِِّ قَالَ: ((إِنَّ أحسنَ ما زرتم به الله في قبورِكم ومساجدِكم:
البياضُ))(٥).
(١) الطبراني في ((الكبير)) (٦ /٢٥٣ - ٢٥٤).
(٢) الطبراني في ((الكبير)) (٦ /٢٥٥).
(٣) الطبراني ((الكبير)) (٨ / ١٧٧ - ١٧٨).
(٤) (ص / ١١٨)، مع بعض تغاير في الألفاظ.
(٥) ابن ماجه ( ٣٥٦٨).
٥٤

٣٨ - بابٌ
إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلَا صَلاةَ إِلا الْمَكْتُوبَةَ
بَوَّبَ على هذه الترجمةِ، ولم يخرِّجِ الحديثَ الذي بلفظِهَا.
وقد خرَّجَهَ مسلمٌ من حديثِ عمرو بْنِ دينار، عن عطاءِ بْنِ يسار،
عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّ قَالَ: ((إذا أقيمتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلا
المكتوبةَ))(١).
وخرجَه أبو داودَ موقوفًا (٢) .
وقد اختُلِفَ في رفعه ووقفه، واختلفَ الأئمةُ في الترجيحِ، فرجْحَ
الترمذيُّ رفعه(٣).
وكذلك خرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِه)(١)، وإليه ميلُ الإمامِ أحمدَ (٤).
ورجَّحَ أبو (٧٣ - ب / ث٢) زرعةَ وقَفَه(٥)، وتوقَّفَ فيه يحيى بْنُ معين(٦).
وإنَّما لم يخرّجْه البخاريُّ لتوقُِّه أو لترجيحِه وقفَه، واللهُ أعلمُ.
(١) مسلم (٧١٠).
(٢) أبو داود (١٢٦٦).
(٣) قاله الترمذي (٢ /٢٨٣) عقيب حديث (٤٢١)، وقال: ((والحديث المرفوع أصح عندنا)).
وراجع ((علله الكبير» (ص ٨٢ - ٨٣).
(٤) ((مسائل عبد الله)) (ص / ٦٠)، و ((مسائل أبي داود)) (ص / ٤٨)، و((مسائل ابن هانىء))
(٢ / ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٥) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١ /٩٦، ١١٢).
(٦) ((رواية الدقاق)) (ص / ١١٢) وقال: ((يرفعه قوم ويوقفه قوم. جميع الذين رووه ليس بهم
بأس)».
٥٥

الحديث : ٦٦٣
كتاب الأذان
وقد خَرَّجَهُ الطبرانيَّ من روايةِ زيادِ بْنِ عبدِ الله، عن محمد بْن
جحادةَ، عن عمرٍو، عن عطاء، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ قَالَ:
((إذا أخذَ المؤذنُ في الإقامة فلا صلاةَ إلا المكتوبة))(١). وهذا لفظٌ غريبٌ.
وقد رُوِيَ من وجوهٍ أُخر، عن أبي هريرةً (٢).
وخَرَّجَه الإمامُ أحمدُ من روايةِ ابْنِ لهيعةَ: ثَنَا عياشُ بْنُ عباس، عن
أبيٍ تميم الزهريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَ لّ قَالَ: ((إذا أقيمت
الصَّلاةُ فَلا صلاةَ إلا التي أقيمتْ))(٣).
وخرَّجَه الطبرانيّ بهذا اللفظِ - أيضًا - من رواية أبي صالح: ثَنَا
الليثُ، عن عبدِ اللهِ بْنِ عياش بْنِ عباس القتبانيِّ، عن أبيه، عن أبي
سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَلِيٌ (٤).
قَالَ البخاريّ:
٦٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْد الله: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد، عَنْ أَبيه،
عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَدِ اللهِ ابْنِ مَاَلِكِ اَبَنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: مَّرَّ النَِّيِّ ◌َّه
بِرَجُل(٥) ...
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ(٦): ابْنُ بِشْرِ -: ثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدَ: ثَنَا
شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَال: سمعت حفَصِ بنَ عاصم قَالَ: سَمِّعْتُ
رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَلِكُ ابْنُ (٧) بُحَيْنَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ رَأَى (٨)
(١) راجع ((تاريخ جرجان)) (ص / ٣٣٤، ٤٠٣). (٢) انظر ((سنن البيهقي)) (٢ / ٤٨٣).
(٣) أحمد (٢ / ٣٥٢).
(٤) راجع ((الأوسط)) (٢٢١٤، ٢٢٨٥).
(٥) اختصر المصنف الحديث .
(٦) في ((اليونينية)): ((يعني).
(٧) في ((اليونينية)): ((بن))، وأشار الحاشية إلى أنهما بدون ألف في اليد .
(٨) في ((ك٢)): ((ترامي)) كذا، والمثبت من ((اليونينية)).
٥٦

٣٨ - باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
الحديث : ٦٦٣
رَجُلا [و](١) قَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، فَلَمَّ انصَرَفَ رَسُولُ الله
وَ لاَثَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ◌ِ: ((الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟!، الصُّبْحَ
أَرْبعًا؟!)).
تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَن مَالك.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَقْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ.
وَقَالَ حَمَّدٌ: أَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَقْصٍ، عَنْ مَالِكِ.
((لاَثَ به النَّاسُ)): أي أَحْدَقُوا به))، وَأَحَاطُوا حَوْلَه.
وقولُه: ((الصَّبْحَ أربعًا)) - مرتينِ - إنكارٌ لصلاته وقد أقيمتْ صَلاةُ
الفجر، فكأنَّه صلَّى الصبحَ بعدَ الإقامةِ أربعًا.
برجلٍ يصلِّ وقدْ أقيمت
صَلَلَ اللَّه
وخرَّجَه مسلمٌ، ولفظُه: مرَّ النبيُّ
وسـ
الصَّلاةُ فكلَّمَه بشيء لا نَدْرِي ما هو، فلمَّا انصَرَفْنَا أحطْنَا به نقولُ: ماذا
قالَ لكَ رسولُ اللهِ بِّهِ؟ قَالَ: قَالَ لي: ((يُوشِكُ أَن يُصلِّيَ أحدُكم
الصُّبْحَ أربعًا))(٢).
وفي رواية له - أيضًا -: أقيمتْ صَلاةُ الصبح فرأى رسولُ اللهِ وَال
رَجُلا يصلِّي والمؤذِّنُ يقيمُ، فقالَ النبيُّ ◌َّهِ: (أتصلِّي الصبحَ أربعًا؟!))(٣).
فَعَلَى هذه الرواية ورواية البخاريِّ: الحديثُ من روايةِ ابْنِ بحينةَ، عن
النبيِّ ◌ََّ سَمِعَه منه، وعلى الروايةِ الأولى لمسلمٍ: الحديثُ من روايةِ ابْنِ
(١) زيادة من ((اليونينية)).
(٢) مسلم (٧١١ / ٦٥).
(٣) مسلم (٧١١ / ٦٦).
٥٧

الحديث : ٦٦٣
كتاب الأذان
بُحينةَ، عن رجلٍ غيرِ مُسَمِّى من الصَّحابةِ، عن النبيِّ ◌َله.
وَلَكنْ قَدْ رُويَ أَنَّ الرجلَ المصلِّيَ هو ابْنُ القشبِ، وهو ابنُ بحينةَ
رَاوِي الحديث. كذلكَ رَواه جعفرُ بْنُ محمدٍ، عن أَبِيه مُرْسلً(١).
ورُوِيَ عن جعفرٍ، عن أبيه، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مالكِ ابْنِ بحينةً(٢).
فخرَّجَه من طريقِ إبراهيمَ بْنِ سعدٍ، عن أبيه، وسمى الصحابي:
عبد الله بن مالك ابن بحينة.
والصحيحُ المرسلُ. قاله أبو حاتم الرازيُّ(٣).
وقد أشارَ البخاريُّ إلى الاختلافِ في اسمٍ ابْنِ بحينةَ.
فخرَّجَهَ من طريقِ إبراهيمَ بْنِ سعدٍ، عن أبيه وسمَّى الصحابيَّ: عَبْدَالله
ابْنَ مالك ابْنَ بحينة. وذكرَ أَنَّ ابْنَ إسحاقَ قالَ: عن سعد، [عن
حفص](٤)، عَنْ عبدِ اللهِ ابْنِ بحينةَ .
وخرَّجَه من طريق شعبةً، وسمَّه: مالك ابنَ بحينة، وَذَكَرَ أَنَّ حمادًا
رواه عَنْ سعد كذلكَ، وحمادٌ هو: ابنُ سلمةَ.
وكَذَا رواه أبو عوانةً(٥)، عن سعد - أيضًا - وقيل: عنه، عَنِ ابْنِ
بحينةَ - غیرُ مسمّی.
والصحيحُ من ذلكَ: عبدُ الله بنُ مالك ابنُ بحينةَ. قاله أبو زرعةَ،
والنسائيّ، والترمذيُّ، والبيهقيُّ،َ وغيرُهم(٦)، وهو: عبدُ اللهُ بنُ مالك
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٧/٢)، والبيهفي (٤٨٢/٢).
(٣) في ((علل ابنه)) (١ / ١٥١ - ١٥٢).
(٢) البيهقي (٤٨٢/٢).
(٤) ساقطة من ((ك٢)).
(٥) في ((مسنده)) (٢ / ٣٤).
(٦) انظر ((جامع الترمذي)) (٣٩١)، و((سنن البيهقي)) (٢ / ٤٨١) و((التحفة)) (٦ / ٤٧٧).
٥٨

٣٨ - باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
الحديث : ٦٦٣
ابن القشب. من أزد شنوءة (٧٤ - أ / ك٢)، حليفٌ لبني عبد المطلبِ،
وبُحينةُ: أمُّه، وهي بُحينةُ بنتُ الحارثِ بنِ عبد المطلب. قَالَه ابنُ المدينِيِّ،
وابنُ سعد، والترمذيَّ، والبيهقي، وغيرهم(١).
وقد روى هذا الحديثَ: القعنبيَّ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، فقالَ فيه:
عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ مالكِ ابْنِ بحينةَ، عن أبيه، عن النبيِّ نَّهِ. وقولُه: ((عن
أبيه)) وهم.
قاله الإمامُ أحمدُ، وابنُ معين، وسليمانُ بْنُ داودَ الهاشميّ، ومسلمٌ
ذكره في ((صحيحِه)) وغيرُهم(٢).
وقد رُوِيَ مثلُ هذا الحديثِ، عن النبيِّ ◌َِّ من وجوه متعددةٍ.
وخرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِه)) من حديثِ عاصم الأحول، عن عبد الله
أبْنِ سرجس قَالَ: دخلَ رجلٌ المسجدَ، ورسولُ اللهِ إِليه في صلاة الغداةِ
فصلَّى ركعتينِ في جانبِ المسجدِ، ثم دخلَ معَ رسول الله وَلَه، فلمَّاً
سلمَ رسولُ اللهِ وَلّ قَالَ: ((يا فلانُ! بأيِّ الصلاتين اعتددتَ: أبصلاتكَ
وَحْدَكَ أمْ بصلاتك مَعَنَا؟!))(٣).
ولا نعلمُ خلافًا أَنَّ إقامةَ الصلاةِ تقطعُ التطوعَ فيما عدا ركعتي
الفجرِ. واختلفوا في ركعتي الفجرِ، هل تقطعُهُمَا الإقامةُ؟
فقالتْ طائفةٌ: تقطعُهُمَا الإقامةُ؛ لهذه الأحاديث الصحيحةِ .
(١) انظر ((سنن البيهقي)) (٤٨١/٢) و((طبقات ابن سعد)) (٣٤٢/٤) و((جامع الترمذي)) (٣٩١).
(٢) تاريخ الدوري)) (٢ /٣٢٧ - ٣٢٨)، وذكره مسلم عقيب (٧١١)، وأيضًاً - - ذكره أبو
مسعود الدمشقي - كما في ((التحفة)) (٦ / ٤٧٧).
(٣) مسلم (٧١٢).
٥٩

الحديث : ٦٦٣
كتاب الأذان
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عمَرَ، وأبي هريرةَ، ورُوِيَ عن ابْنِ عمَرَ أَنَّه كان
يضربُ على الصَّلاةِ بعدَ الإقامةِ .
وممن كَرِهَ ذلكَ ونهى عنه: سعيدُ بْنُ جبيرِ، وميمونُ بْنُ مهرانَ،
وعروةُ، والنخعيُّ.
وقالَ ابْنُ سيرين: كَانُوا يكرهونَ أَنْ يصلُّوهما إذا أقيمتِ الصَّلاةُ،
وقالَ: ما يفوتهُ من المكتوبةِ أحبُّ إليَّ منهما.
وروى أبو حمزةَ قال: قلت لإبراهيمَ: لأيِّ شيءٍ كُرِهَتِ الصَّلاةُ عند
الإقامة؟ قالَ: مخافةَ التكبيرة الأولى.
قال وكيعُ: وَتُدْرك فضيلةُ التكبيرة الأولى بإدراكِ التأمينِ معَ الإمامِ،
واستدلَّ بحديثٍ بلالٍ أَنَّه قالَ للنبِيِّ بَّهِ: لا تَسْبِقْني بقولِ: آمينَ.
ورُوِيَ نحوهُ عن أبي هريرةَ.
ونصَّ أحمدُ في روايةِ إبراهيمَ بْنِ الحارثِ على أنَّه إذا لم يدركِ
التكبيرةَ مع الإمامِ لم يدركِ التكبيرة الأولى.
وَمِمَّنْ كَرِهِ الصَّلاةَ بعدَ الإقامةِ: الشافعيُّ، وابْنُ المباركِ، وأحمدُ،
ء
وإسحاقُ، وأبو ثور، وأبو خيثمةَ، وسليمانُ بن داودَ الهاشميّ.
ولو خالفَ وصلَّى بعدَ الإقامة صلاةً، فهل تنعقدُ أم تقعُ باطلةً؟ فيه
لأصحابنا وجهان.
واخْتَلَفُوا هل يُصلِّيهما وهو في البيتِ إذا سَمِعَ الإقامةَ؟
فقالتْ طائفةٌ: يُصلِّهما في البيتِ. ورُوِيَ عن ابْنِ عمرَ أَنَّه دخلَ
٦٠