Indexed OCR Text
Pages 401-420
٢١ - باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة الحديث : ٦٣٦ قالَ ابْنُ المنذرِ (١): واخْتَلَفُوا في الذي يُدْرِكُه المأمومُ من صلاةِ الإمامِ، فقالتْ طائفةٌ: يجعلُهُ أولَ صلاته، رُويَ هذا القولُ عن عُمَرَ، وعليٍّ، وأبي الدرداءِ؛ ولا يثبتُ ذلك عنهمْ، وبه قالَ: سعيدُ بْنُ السَّيَّبِ، والحسنُ، وعمرُ بن عبد العزيز(٢)، ومكحولٌ، وعطاءٌ، والزهريّ، والأوزاعيَّ، وسعيدُ بْنُ عبد العزيزِ، وإسحاقُ، والمزنيّ. وقالتْ طائفةٌ: يجعلُ ما أدركَ مع الإمامِ آخرَ صلاته(٣). كذلكَ قال ابنُ عُمَرَ (٤)، وبه قال: مجاهدٌ، وابنُ سيرينَ، ومالكٌ، والثوريَّ، والشافعيّ، وأحمدُ. قالَ ابْنُ المنذرِ: وبالأول يقول (٥) انتهى. وأنكرَ ابْنُ عبدِ البرِّ (٦)نقلَ ابْنِ المنذرِ ذلكَ عن مالكٍ، والشافعيِّ، والثوريِّ، وأحمدَ، وقَالَ: إنَّما أَخذَه من قولِهِم في القراءةِ. قَالَ: وثبتَ عن ابْنِ المسيَّبِ، والحسنِ، وعمرَ بْنِ عبدِ العزيزِ، ومكحول، وعطاء، والزهريِّ، والأوزاعيِّ، وسعيد بنِ عبدِ العزيزِ: ما أدركتَ فاجعلهْ أولَ صلاتكَ. قَالَ: والذي يجيءُ على أصولهم إنْ لم يثبتْ عنهم نصٌّ في ذلكَ ما (١) في ((الأوسط)) (٢٣٨/٤). (٢) في ((ك)))): ((عمر بن عبد الرحمن)) خطأ، والمثبت من ((الأوسط)). (٣) في ((ك٢)): ((صلاة)) كذا. (٤) الذي في ((الأوسط)) بعد قوله: ((كذلك قال ابن عمر)) قال: ((ورُوِيَ ذلك عن ابن مسعود مرسل)) ثم ذكر الأثرين عن ابن مسعود وابن عمر ثم قال: ((وبه قال: مجاهد ... ))ا. هـ. (٥) كذا فى ((ك٢))، وفى ((الأوسط)): ((قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول)). (٦) في ((التمهيد)) (٢٣٥/١٠ - ٢٣٦). ٤٠١ الحديث : ٦٣٦ كتاب الأذان قَالَه المزنيُّ، وإسحاقُ، وداودُ، وعبدُ العزيز بنُ الَاجِشُون - يَعْنِي: أَنَّه يقرأُ فيما يقضي بالحمد وحدَهَا؛ لأَنَّه آخرُ صلاته. قَالَ: وهذا أطردُ في القياسِ . قَالَ: فأمَّا من يقولُ: ما أدَركَه فهو أولُ صلاته وما يقضيه آخرُها، ثم 93 يقولُ: يقرأُ فيه بالحمد وسورةٍ فكيف يصحّ هذا على قوله؟! وروى حربٌ الكرمانيّ بإسناده عن مكحولِ قالَ: ما أدركتَ فاجعلْه أولَ صلاتكَ تقرأُ في أولِها بأمِّ القرآنِ وسورةٍ بينكَ وبين نفسكَ. قلتُ: وهذا ظاهرٌ في أنَّه لا يقرأُ فيما يَقْضِي بسورةٍ مع الحمدِ . وَرَوَى بإسنادِه - أيضًا - عن بقيَّةَ، عن الزّبيديِّ قَالَ: يقرأُ فيما يَقْضِي بأمِّ القرآن (١) وسورة بِقَدْرِ الذي فَاتَه مع الإمامِ . قَالَ: وأمَّا الأوزاعيُّ فكانَ يقولُ: يقرأُ بأمِّ القرآنِ قَال بقيَّةُ: وبه يأخذُ. ورَوى - أيضًا - بإسناده، عن ثابتِ بْنِ عَجْلان، عَنْ سعيدٍ بْنِ جُبير، عنِ ابْنِ عبّاسٍ قَالَ: ما أدركتَ مع الإمامِ فهو أولُ صلاتك، واقرأْ فيه بفاتحة الكتاب وسورةٍ. وهذا يدلُّ - أيضًا - على أنَّه لا يقرأُ فيما يقضي زيادةً على الحمدِ . وروى عبدُ الرزَّاقِ، عن مُغيرةَ، عن قتادةَ مثل (٣) قولِ ابْنِ عِبَّاسٍ. وقد اتفقتِ النُّصوصُ، عن أحمدَ على أنَّه يقرأُ فيما يَقْضِي بالحمدِ (١) في ((ك٣)): ((القراءة)) خطأ . (٢) في ((٢٥)): ((مثله)). ٤٠٢ ٢١ - باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة الحديث : ٦٣٦ وسورة (١). واختلفَ قولُه في مأخذ ذلكَ، فنقلَ عنه هارونُ الحمالُ(٢) أن مأخذَ ذلكَ أنَّ ما أدرَكَه آخرُ صلاته، وما يقضيه أولُها. (٥١ - أ/ ك٢) قَالَ: فقيلَ له: قد حُكِيَ عنكَ أَنَّك قلتَ: يقرأ بفاتحة الكتاب ويجعلُ ما أدركَ أولَ صلاته، فأنكرّ (٣) ذلكَ. وهذا يَحْتملُ أن يكونَ إنكارُه للقول بأنَّه يقتصرُ على الحمد فيما يقضي تفريعًا على ذلكَ؛ فَإِنَّ القولَ بأَنَّ ما أدركَهُ أولُ صلاته مشهورٌ عنه، قَدْ نقلَه عنه غيرُ واحد، فَإِنْ كَانَ مرادُه الأولَ كانَ قولُه بأنَّ القراءَةَ فيما يَقْضِي بالحمدِ وسورة لا يختلفُ قولُه فيه مع قوله إنَّما يقضيه أول صلاته أو آخرها، وهذا هو المذهبُ عند ابنِ أبي موسى وغيرِه من متقدِّمَي الأصحابِ. وقد نقلَ عبد الله(٤)، والأثرمُ، وغيرُهم(٥) أنَّه يقرأُ فيما يقضِي بالحمدِ وسورةٍ مع قولِه آخر صلاتِه . وإِنْ كَانَ مرادُه الثَّاني كانَ القولُ: ((يقرأُ الحمدَ وسورةً فيما يَقْضيه)» مبنيًّا على الاختلاف وفيما يقضيه هل هو أولُ صلاته أو آخرُهَا؟ وهذا هو قولُ القاضي أبي يعلى ومَنْ بعدَه من أصحابِنَا. (١) انظر ((مسائل عبد الله)) (ص/ ١٠٧)، وصالح (٣٧٠/١)، (٢ /٢٦٠). (٢) وقع في ((ك٢)) بالجيم، وهو خطأ، وهو هارون بن عبد الله بن مروان بن موسى البزاز - بزايين - يعرف بالحمال - بالمهملة - انظر ترجمته في ((طبقات الحنابلة)) (٣٩٦/١ - ٣٩٨). (٤) فى ((المسائل)) (ص / ١٠٧ - ١٠٨). (٣) في ((٢٥)): ((فأنكره)» . (٥) كذا في ((٢٥)) ولعل الصواب: ((غيرهما)). ٤٠٣ الحديث : ٦٣٦ كتاب الأذان وأنكرَ بعضُ المتأخرينَ منهم أنْ يصحَّ القولُ بقراءة الحمد وسورة فيما يقضيه على كلا القولينِ إلا على قولِ مَنْ يَرى استحبابَ القراءة بالحمد وسورةٍ في كلِّ ركعةٍ من الصلاة كلِّها أو على أَنَّ مَنْ نَسِي قراءةَ السورةِ في الأولتينِ قَرَأَها في الأخرتينِ. وهذا المأخذُ الثَّاني لا يصحُّ؛ فإنَّه لا نسيانَ هَاهُنًا. وللمسألة مأخذان لمْ يذْكُرْهُما هذا القائل. أحدُها (١): الاحتياطُ. ونصَّ عليه أحمدُ في رواية صالحٍ، وعبدٍ الله(٢) وغيرهما. قالَ: يكون(٣) جلوسُه على أول صلاتِه، وفي القراءة يحتاطُ فيقرأُ فيما يقضي - يعني أنه إن أدركَ ركعةً من الرباعيّةِ تشهّدَ عَقيبَ قضاء ركعة، فيجعلُ ما أدركَ أولَ صلاتِه في الجلوسِ للتشهُّدِ، ويقرأُ في الركعتين(٤) فيما يقضي بالحمدِ وسورةٍ احتياطًا لقراءة السُّورةِ؛ فإنَّها سنَّةٌ مؤكدةٌ فيحتاطُ لها، ويأتي بها في الركعاتِ كلِّها للاختلافِ في أولٍ صلاته وآخرِهَا . والمأخذُ الثَّاني: أَنَّهُ إذَا أدركَ مع الإمامِ ركعتينِ من الرُّباعيَّةِ فإنَّه لا يتمكنُ من قراءة السّورة مع الحمد معه غالبًا، فإذا صلَّى معه ركعتينِ قَرأ فيها بالحمدِ وَحْدَها، ثم قَضَى ركعتينِ؛ فَإِنَّه ينبغي أَنْ يقرأَ فيهما سورةً مع الْفاتحةِ لِئلا تخلوَ هذه الصَّلَاءُ مِنْ قراءةِ سُورةٍ مَعَ الفاتحةِ مَعَ حُصُولِ (١) هكذا في ((ك)»، ولعل الأصوب: ((أحدهما)». (٢) ((مسائل عبد الله)) (ص/ ١٠٧ - ١٠٨). (٤) في ((ك))): ((ركعتين)) بدون الألف واللام. (٣) في ((ك٢)): ((تكون)) بالتاء. ٤٠٤ ٢١ - باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة الحديث : ٦٣٦ الاختلاف في استحبابِ قراءة السّورةِ فيما يَقْضيه، فالاحتياطُ أَنْ يقرأَ فيما يَقْضِي بالحمدِ وسورةٍ. أَمَّا لو كانَ قد قرأَ فيما (٥١ - ب/ ك ٢) أدركَ معَ الإمامِ سورةً مع الفاتحة فإنَّه لا يعيدُ السورةَ فيما يَقْضيه، لا سيّما عندَ مَنْ يقولُ: إنَّ ما أَدْرَكَه هو أولُ صلاته، وَلَهَذَا قَالَ قَتَادةُ: إذَا أمكنكَ الإمامُ فاقرأْ في الركعتين اللتين بَقِيَتَا سورةً سورةً تجعلُهما أولَ صلاتك. ذَكَرَه عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرَ (١). ولم أجدْ لأحمدَ ولا لغيره من الأئمة نصّا صريحًا أَنَّه يقرأُ بالحمد وسورة فيما أدرَكَه خلفَ الإمامِ، ثم يعيدُ ذلك فيما يَقضيهِ؛ بلْ نصَّ على أَنَّ من أدركَ ركعةً من الوترِ وَقَضَى ما فاته(٢) أَنَّه لا يعيدُ القنوتَ. وعلَّله أبو حفص البرمكيُّ بأنَّه قَدْ قَنَتَ مَعَ الإمامِ فلا يعيدُ كما لو سجدَ معه للسهوِ قالَ: ويحتملُ أَنَّه لم يعدْه؛ لأنَّه أدركَ آخرَ الصلاةِ. ونصَّ الشافعيُّ على أنَّ المسبوقَ بركعتينِ من الرباعيَّةِ يقرأُ فيما يقضي بالفاتحة وسورتين. فاختلفَ أصحابُنَا على طريقين. أحدُهما: أَنَّ في استحبابِ السورةِ له القولان(٣) في استحبابِ قراءةٍ السورة في الركعتينِ الأخرتينِ، وأن الشافعيّ إنما فرَّعَ (٤) نصَّه هذا على قولِه باستحبابِ قراءةِ السَّورةِ في كلِّ الركعاتِ. وهذا قَالَه أبو علي (١) في ((المصنف)) (٢٢٦/٢). (٣) كذا في ((ك٢»، والمعنى غير مرضي. (٢) في ((ك))): ((ما فاتحة)) كذا. (٤) في ((ك٢)): ((فرغ)" - بالمعجمة - كذا. ٤٠٥ الحديث : ٦٣٦ كتاب الأذان ءِ الطبري . والطريقُ الثَّاني - قَالَه أبو إسحاقَ - : أَنَّه يُسْتحبُّ للمسبوق قراءةُ السورة قولا واحداً. وَإِنْ قيلَ: لا يستحبُّ لغيرِه قراءةٌ في الأخرتينِ لأنَّ المسبوقَ لم يقرأ السورةَ في الأولتينِ ولا أدركَ قراءةَ الإمامِ السورةَ، فاسْتُحِبَّ له لئلا تَخْلُوَ صَلاتُهُ من سورتینِ . وَهَذا الطريقُ هو الصحيحُ عندَهُمْ وعليه أكثرُ أصحابِهِم. وأمَّا الجهرُ بالقراءةِ في العشاءِ وثالثةِ المغربِ: فأكثرُهم على أنه لا يجهرُ، وَحَكَوا في جهرِه قولينِ للشافعيِّ. ومنهم(١) قالَ: نصَّ في ((الأمِ) لا(٢) على أنَّه يجهرُ؛ لأنَّ الجهرَ فاته فيتداركُ، ونصَّ في غيرِه على أنَّه لا يجهرُ؛ لأنَّ سنةَ آخرِ الصَّلاة الإسرارُ بالقراءة فلا تفوتُه، وبهذا تفرق بينَه وبينَ السّورة. وصرَّحَ بعضُهم بأنَّه لو كانَ الإمامُ بطيءَ القراءةِ فأمكنَ المسبوقُ أن يقرأَ معه السَّورةَ فيما أدركَ فقَرأَها لم يُعدْها في الأخرتينِ إلا على قولِهِم: يقرأُ بالسُّورةِ في الركعاتِ كلِّها. وَهُوَ حَسَنٌ موافقٌ لما ذَكَرَه. وهاهنا مأخذٌ ثالثٌ - وقد صرَّحَ به غيرُ واحدٍ من السَّلْفِ، وقدْ رُوِيَ عن عليٍّ ما يدلُّ عليه، وصرَّحَ به الترمذيُّ وغيرُه - وهو: أَنَّ من أدرَكَ (١) لعله سقط من هنا حرف ((من)). (٢) كذا في ((ك)، ولعل لفظ ((لا)) زائد والله أعلم. ٤٠٦ ٢١ - باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة الحديث : ٦٣٦ مع الإمامِ ركعتينِ فقد فاتَّه معه ركعتانٍ بسورتيْهِمَا فَيُشْرِعُ له قضاءُ ما فاتَهُ على وجهه؛ لكنْ هل يقضيه فيما أدرَكَه مع الإمامِ أو فيما يَقْضيه بعد قراءته؟ فالمرويُّ عن عليٍّ أَنَّه يقضيه فيما أَدركَه مع الإمامِ، وقال: هو أولُ صلاته. وقالَ (٥٢ - أ/ ك ٢) ابنُ مسعود، وغيرُه: فيما يقضي لنفسهِ وحدَه منفردًا(١). فإمّا أن يكونَ مأخذُهم أنَّه أولُ صلاته. وإمَّا أَنْ يكونَ مأخذُهم أنَّ القضاءَ إنَّما يكونُ بعدَ مفارقةِ الإمامِ ما أدركَ ويقضي ما سبقَ، ولا يكونُ في حال متابعته وإنْ كانَ آخرَ صلاته. وروى عبدُ الرزَّاقِ(٢)، عن مَعْمٍ، عن أيوبَ، عَنِ ابْنِ سيرينَ، وأبي قلابةَ قالا: يصلّي مع الإمامِ ما أدركَه ويَقْضي ما سُبِقَ بهِ مع الإمامِ من القراءة: مثلُ قولِ ابْنِ مسعودٍ. وقالَ عَمْرو بْنُ دينار: ما فاتَك فاقْضِهِ كما فاتك(٣). وَرَوَى ابْنُ لَهِيعةَ، عن عبيدِ اللهِ بْنِ المغيرة، عن جَهْمٍ بْنِ الأسودِ، عن أبي سعيد الخدريِّ قَالَ: اقرأَ فيما تَقْضِي(٤) بما قرأَ به الإمام. خرَّجَهَ عبدُ الله ابنُ الإمامِ أحمدَ. وروى الأعمشُ، عَنْ إبراهيمَ قَالَ: إنَّما القراءةُ في القضاء. قَالَ: وه و وره وقَالَ سعيدُ بْنُ جُبَيْرِ: يقرأُ فيما تدرك(٥). (١) انظر ((المصنف)) (٢٢٦/٢ - ٢٢٧) لعبد الرزاق. (٢) في ((مصنفه)) (٢٢٧/٢). (٣) خرّجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٢٤/٢). (٤) في ((٢٥)): ((يقضي)) بالياء. (٥) كذا في ((ك٢)»: ((تدرك)) والذي في ((المصنف)): ((أدرك)) ولعله الصواب. ٤٠٧ الحديث : ٦٣٦ كتاب الأذان والمرويُّ عن أبي سعيد يدلُّ على أنَّه يُسْتحبُّ أَنْ يقرأَ فيما يقضيه بالسّورتين اللتين قرأَ بهما الإمامُ لتكون(١) قراءتُه لهما قضاءً بما فاتَه مع الإمامِ حقيقةً. وأيضًا فَإِنَّ علماءَ الكوفيينَ لا يرونَ القراءةَ خلفَ الإمامِ (٢). وقَدِ اخْتَلَفُوا في القراءة هَاهُنَا خَلْفَه فيما أدركَه لأنه قضاء للقراءة الثَّانِيةِ، فَرَأَى القراءةَ: عليٍّ، وسعيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ولمْ يره ابْنُ مسعودِ، وعلقمةُ، والنخعيُّ والأكثرونَ منهم. وأَمَّا إذا أدركَ ركعةً من الرباعيَّةُ أو المغرب؛ فإنَّه يجلسُ للتشهُّدِ عَقِبَ قَضاءِ ركعةٍ، كما قَالَه ابْنُ مسعودٍ، وعلقمةُ. وقاله سعيدُ بْنُ المسيَّبِ، وهو المشهورُ عن أحمدَ، وأخذَ أحمدُ (٣) في هذه المسألة بما رُوِيَ عن ابْنِ مسعودٍ، وفي الأولى بما رُوِيَ عن ابْنِ عُمَرَ، وقَالَه ابْنُ مسعود - أيضًا . ومن أصحابنا من بنى هذا على قول أحمدَ: إنَّ ما يقضيه آخرُ صلاته. قَالَ: فَإِنْ قُلْنَا: هو أولُ صلاته تشهَّدَ عَقبَ قضاءِ ركعتينٍ. وقَالَ الأكثرونَ: بل في المسألةِ روايتانِ غيرُ مبنيّتينِ على هذا الأصلِ. وهذا هو الذي يدلُّ عليه كلامُ الإمامِ أحمدَ صريحًا؛ فَإِنَّه أَخَذَ في القراءةِ بقولِ ابْنِ عُمَرَ، وبالجلوسِ بقولِ ابْنِ مسعودٍ وجَمَعَ بينهما. وابْنُ مسعودٍ مع قولِه بهذا قَالَ(٤): قَدْ قالَ ما أدرَكَه فهو آخرُ صلاتِه - (١) في ((ك٢)): ((ليكون)). (٢) انظر ((جامع الترمذي)) (١٢٢/٢ - ١٢٣). (٣) انظر ((مسائل عبد الله)) (١٠٧ - ١٠٨). (٤) كذا جاءت العبارة في ((ك٢))، ولعل صوابها كالآتي: ((وابن مسعود مع قوله بهذا؛ قد قال: ما أدركه .... )) والله أعلم. ٤٠٨ ٢١ - باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة الحديث : ٦٣٦ كما سبقَ عنهُ . وَزَعَمَ صاحبُ ((الْمُغْنِي)) من أصحابنَا أنَّ ذلك كلَّه جائزٌ ويُشْكلُ عليه أنَّ أحمدَ نصَّ في روايةَ مُهَنَّا على أَنَّه إذا تشهَّدَ عَقِبَ ركعتينِ سجدَ للسهوِ، وكلامُ ابْنِ مسعودٍ (٥٢ - ب/ ك٢) يدلُّ على جوازِ الأمرينِ - كما سَبَقَ عنه . وقد تبيَّنَ بهذَا أَنَّ أكثَر العلماءِ ليسَ لهم في هذه المسألةِ قولٌ مُطَّرِد. ولا خلافَ أن التشهُّدَ الآخر (١) في حقِّ المسبوقِ هو الذي في آخرٍ صلاته الَّذي يُسلِّمُ عَقِيبَه. فأمَّا التشهُّدُ الأولُ، فإنْ وَقَعَ عَقِيبَ ركعتينٍ من صلاة المسبوقِ، فإنَّه يتشهَّدُ فیه معه . واخْتَلَفُوا، هل يُتِمُّ التشهدَ مع الإمامِ بالدعاءِ أم ينتهي إلى قولهِ : ((وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه)) ثم يردِّدُه؟ على قولينِ : والثَّاني: قولُ الحسنِ، وأحمدَ. والأولُ: ظاهرُ كلام عطاء؛ فإنْ كانَ شهد الإمامَ في موضعٍ وترٍ من صلاةِ المأمومِ فإنّه يتابعُهُ في جلوسِهِ بغيرِ خلافٍ . وهل يتشهَّدُ معه فيه أو لا؟ على قولين : أحدُهما: يتشهَّدُ معه. وهو قولُ الحسنِ، وابنِ المسيّب، وعطاء، ونافعٍ، والزهريِّ، والثوريِّ، وأحمدَ قالَ: أَحَبُّ إليَّ أن يتشهَّدَ. (١) كذا في ((ك)) ولعل الصواب: ((الأخير)). ٤٠٩ الحديث : ٦٣٦ كتاب الأذان والثَّاني: لا يتشهَّدُ. وهو قولُ النخعيِّ، ومكحول، وعمرو بْنِ دينار، وحكاه ابْنُ المنذرِ(١) عن الحسنِ - أيضًا - وقال النخعيُّ: يسبِّحُ - يعني بدل التشهد - وقال الأوزاعيّ: يكتفي بالتسبيحِ. وأكثرُ العلماء على أنَّه لاسجودَ عليه للسهو؛ لزيادة هذا السجود متابعةً للإمامِ، وحُكي عن ابن عمرَ أنَّه كانَ يسجدُ كذلك للسهوِ . وعن أبي سعيد الخدريِّ، وعن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قولُ الحسنِ، ورُويَ عن عطاء، عن أبي سعيد، وابْنِ عُمَرَ، وأبي هريرةَ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وابْنِ ء الزبير أنَّهم كانوا يسجدونَ سجدتي السهوِ إذا أدركَ الإمامَ في وتر (٢). قالَ الإمامُ أحمدُ: لم يسمعُهُ عطاء منهم، بَيْنَه وبينهم رجلٌ - يعني: أنَّ في الإسنادِ مجهول(٣). والصحيحُ: قولُ الجمهور. وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٤) عن المغيرةِ أَنَّه غَزَا مع النبيِّ وَيُِّ تبوكًا فتبرّزَ رسولُ اللهِ وَلَهُ وتوضَّأَ وصبَّ عليه المغيرةُ ثمَّ أقبلَ. قالَ المغيرةُ: وأقبلتُ حتَّى نجد الناس قَدَّمُوا عبدَ الرحمنِ بنَ عوف فصلَّى بهم، فأدركَ رسولُ اللهِ نَّهِ إحدى الركعتينِ فصلَّى مع النَّاسِ الركعةَ الآخرةَ، فلمَّا سلَّمَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوف قامَ رسولُ اللهِ وَله يتمّ صلاته، فلمَّا قَضَى رسولُ الله ◌َّ صلاتَه أقبلَ عليهم ثمّ قالَ: ((أحسنتم)) (١) في ((الأوسط)) (٢٣٧/٤ - ٢٣٨). (٢) انظر ((سنن أبي داود)) عقب الحديث رقم (١٥٢). (٣) كذا في ((٢٥)) ولعل الصواب: ((مجهولا)). (٤) (٢٧٤ / ١٠٥) ((كتاب الصلاة" باب: ((تقديم الجماعة من يصلي بهم . ". ٤١٠ ٢١ - باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأتها بالسكينة الحديث : ٦٣٦ أو ((أصبتم)) - يغبطُهم أَنْ صلَّوا الصلاةَ لوقتها - ولم يذكرِ المغيرةُ أن النبيّ وَخله سجد للسهوِ. وخرَّجَه أبو داود(١) من وجه آخر، عن (٥٣ - أ/ ك ٢) المغيرة، وفيه: فلمَّا سلَّمَ قَامَ النبيُّ نَّه فصلى الركعةَ التي سُبِقَ بها، ولم يزدْ عليها شيئًا . وخرَّجه البخاريُّ في ((القراءةِ خلفَ الإمامِ))، والطبرانيُّ، والبيهقيُّ(٢) من وجه آخر، عن المغيرة، وفيه: فصلَّينا ما أدركْنَا، وقضينا ما سُبِقْنَا. وقد روى مَعْمَرٌ: ليصلِّ ما أدركَ، وليقضِ ما سُبِقَ. قَالَ معمرٌ: ولم يذكرْ سجودًا(٣) - يعني أنَّه لو كانَ عليه سجودٌ في بعض الأحوال لما أخَّرَ بيانَه؛ لأنَّه وقتُ حاجة. وكذلكَ استدلَّ به كثيرٌ من الأئمة بعدَه، منهم: الإمامُ أحمدُ، ءِ والشافعيّ. وفي حديث المغيرة: أنَّ المسبوقَ إنَّما يقومُ إذا سلَّم الإمامُ، ولا يقوم حتى يسلِّم إمامُه التسليمتين معاً. نصَّ عليه سفيانُ، والشافعيُّ، وأحمدُ؛ لأنَّ التسليمةَ الثانيةَ مختلَفٌ في وجوبِها فيما لمْ يأتِ بها الإمامُ لم يخرجْ من صلاته بيقينٍ. قال طائفةٌ: ويستحبُّ أن لا يقومَ حتى ينحرف الإمام لعلَّه أن يذكرَ (١) (١٥٢). (٢) البخاري في ((القراءة)) (ص/ ٧٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٣٩/٢٠) والبيهقي في «الكبرى» (٣٥٢/٢). (٣) انظر ((المسند)) (٢/ ٢٧٠). ٤١١ الحديث : ٦٣٦ كتاب الأذان سجودَ سهو إلا أن يطولَ ذلكَ فیقوم ويدعه. وهذا قولُ عطاء، والشعبيِّ، وأحمدَ. وكانَ ابنُ عمَرَ إذا سلَّمَ الإمامُ يقضي ما سُبِقَ به، وإنْ لم يَقُمِ الإمامُ. وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: إنْ مكثَ المسبوقُ بعد سلامٍ إمامِه جالسًا وطالَ جلوسُه، فإن كانَ موضعَ تشهد(١) الأولِ جازَ ولم تبطلْ صلاتُه؛ لأنَّه محسوبٌ من صلاته؛ لكنَّه يُكْرهُ له تطويلُه وإنْ لمْ يكنْ في مَوضعِ تَشْهُّده لم يَجُزْ أن يجلسَ بعد تسليمٍ إمامِه؛ لأنَّ جلوسَه كانَ للمتابعة وقد زالتْ، فَإِنْ فعلَ عالما بَطُلتْ صلاتُه، وإن كانَ ساهيًا لم تَبْطُلْ ويسجدُ للسهوِ . ولو سُبْقَ جماعةٌ ببعضِ الصَّلاةِ، ثُمَّ قاموا بعد سَلامِ الإمامِ فهلْ لَهُمْ أن يقلوا جماعة يَؤْمُّهُم أحدُهُمْ؟ فيه قولانِ. أحدُهُمَا: نعمْ. وهو قولُ عطاء، وابْنِ سابطٍ . والثَّاني: لا. وهو قولُ الحسن، وعن أحمدَ فيه روايتان، وللشافعيَّة وجهان. ومأخذُهُمَا: هل يجوزُ الانتقالُ من الائتمامِ إلى نيَّةِ الإمامِ؟ وأمَّا مأخذُ الحسن: فالظاهرُ أَنَّه كراهةُ إعادةِ الجماعةِ في مسجدٍ مرتينٍ. قَالَ الْقَاضِي من أصحابِنا، والشافعيَّةُ: ولو كانَ ذلكَ في الجمعةِ لم تجزْ؛ لأنَّ الجمعةَ لا تقامُ في مسجدٍ واحدٍ مرتينِ في يومٍ . وقَالَ أبو الحسنِ بْنُ البنَّاءِ: في هذا نظرٌ؛ لأنَّ الجمعةَ تقامُ عندَنَا في مواضعَ للحاجةِ، وإِنْ سَبَقَ بعضُها بَعْضًا. (١) كذا في ((ك)) ولعل الصواب: ((تشهده)). ٤١٢ الحديث: ٦٣٧ ٢٢ -باب مَتَّى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوُ الإِمَامَ عِندَ الإِقَامَةِ؟ ٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْبَى ابْنُ أَبِي كَثِيْرِ، عَنْ عَبْد الله بْن أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبيه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِ. ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي)). هَذَا بِمَّا رَوَاهِ هِشَامٌ الدَّسْتُوائيُّ، عَن يحيى بْنِ أبي كثيرٍ مُكَاتبةً. وقدْ رَواه عن يحيى غيرُ واحدٍ: شيبان، وحجاجٌ الصَّوافُ، وأيوبُ، وأبان العطَّارُ، ومعمرٌ، وغيرُهم(١). وخرَّجَه البخاريُّ من روايةٍ شيبان(٢). وخرَّجَه مسلمٌ من روايةٍ حجَّاجٍ ومعمرٍ وفي روايةٍ له من روايةٍ شيبان ومعمرٍ: ((حتَّى تَرَوْنِي قدْ خرجتُ))(٣). وقالَ أبو داودَ: لم يذكرْ ((قد خرجتُ)) إلا معمرٌ(٤) وذَكرَ البيهقيّ أنَّها قد رويتْ عن حجَّاجٍ - أيضًا(٥). وخرَّجَها ابْنُ حبان في ((صحيحِهِ)) من روايةٍ معمرٍ، ولفظُه: ((حتَّى تروني قَدْ خرجتُ إليكم))(٦) . (١) انظر ((السنن الكبري)) للبيهقي (٢٠/٢ - ٢١). (٢) البخاري (٦٣٨)، ومن رواية على بن المبارك (٩٠٩). (٣) مسلم (٦٠٤). (٤) ((سنن أبي داود)) (٥٤٠). (٥) ((سنن البيهقي)) (٢١/٢). (٦) («الإحسان)) (٦٠١/٥ - ٦٠٢). ٤١٣ الحديث: ٦٣٧ كتاب الأذان وهذه اللفظةُ يُسْتدلّ بها على مراده وَّ برؤيته أن يخرج من بيتهِ فيراه من كانَ عند بابِ المسجدِ؛ ليس المرادُ يراه كلُّ مَن كانَ في المسجدِ وهذا كقوله وَجَلّ: ((لا تصوموا حتَّى تروا الهلالَ»(١). ومعلومٌ أنه لورآه واحدٌ أو اثنان لا كَتُفِيَ برؤيتهِمَا وصامَ الناسُ كلُّهم. ويدلُّ على هذا: ما خرَّجَه مسلمٌ من حديثِ الزهريِّ قَالَ: أَخْبرني أبو سلمةَ سَمعَ أبا هريرةَ يقولُ: أقيمت الصَّلاةُ فقمْنَا فعدَّلْنا الصفوفَ قبلَ أن يخرجَ إلينا رسولُ اللهِ وَخلَّ فأتى رسولُ اللهِ وَهِ حَتَّى إذا قامَ في مصلاة قبلَ أَنْ يكبِّرَ، ذكر فانصرف(٢)، وذكرَ تمامَ الحديثِ . ويُحْملُ ذلكَ على قيامِهِم قبلَ أن يطَّلعَ على أهلِ المسجدِ من المسجدِ لما علموا خروجه من بيتِه وتحقَّقوه. وخرَّجَ - أيضًا - بهذا الإسناد عن أبي هريرةَ قَالَ: إن كانت الصَّلاةُ صَصَلى الله وَسَّلة 93 تقامُ لرسول الله وَله فيأخذُ النَّاسُ مصافَّهم قبلَ أن يقومَ النبيّ مقامه(٣). فهذه الروايةُ تصرِّحُ بأنَّ الصفوفَ كانت تُعدُّ له قبلَ أن يبلغَ النَّبِيُّ إلى مصلاه، ولكنَّه كانَ قد خرج من بيته ورآه مَنْ كان بقربِ بيتِه . منا الله وسلم وقد ذكرَ الدار قطنيُّ وغيرُ واحد من الحفَّاظ أنَّ هذا الحديثَ اختصره الوليدُ بْنُ مسلمٍ من الحديثِ الذي قبلَه فأتى به بهذا اللفظ (٤). (٢) مسلم (٦٠٥/ ١٥٧). (١) البخاري (فتح: ١٩٠٦). (٣) مسلم (٦٠٥/ ١٥٩). (٤) وكذا قال أبو الفضل بن عمار الشهيد - رحمه الله - في (( علل أحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج )) (ص/٧٨). وعزى ابن عمار الحديث من طريق داود بن رشيد إلى ((صحيح مسلم))، ولم نجده في المطبوع منه، ولعله في نسخة = ٤١٤ ٢٢ - باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟ الحديث: ٦٣٧ فإنْ قيلَ: فقد خرَّجَ مسلمٌ من حديث جابرِ بْنِ سَمْرَةَ قَال: كَانَ بلالٌ يُؤَذِّنُ إذا دَحَضَتْ فلا يقيمُ حتَّى يخرجَ النبيُّ بََّ، فإذا خرجَ أقامَ الصَّلاةَ حينَ يراه(١). فلو اكْتُفِيَ برؤيةٍ واحدٍ للنبِيِّبَِّ لاكْتُفِيَ برؤيةِ بلالٍ له، واكْتُفِيَ بإقامةِ بلالٍ في قيامِ النَّاسِ؛ فَإِنَّه كانَ لا يقيمُ حتى يرى النبيَّ ◌َّهـ قد خرج. قيلَ: هذا إنَّما وردَ في صلاةِ الظهرِ بالمدينةِ خاصة، وأمَّا في غيرها من الصلوات (٥٥ - ب/ ث٢) فقد كانَ بلالٌ يَجِيءُ ، إلى النبيِّ ◌َلَ(٢) إلى بيته فيؤذِّنُ بالصلاةِ فكان يفعلُ ذلك في صلاةِ الفجرِ كما في حديثٍ عائشةَ وابن عباس. وكانَ أحيانًا يفعلُهُ في السَّفْرِ في غيرِ الفجرِ كما رَوَى أبو جحيفة أَنَّه رأى بلالا آذَنَ النبيّ وَّ بصلاةِ الظهرِ. فالظاهرُ أنَّ بلالا كانَ إذا آذَنَ النبيَّ وَِِّّ بالصلاةِ رَجَعَ فأقام قَبَلَ خروجِ النبيِّ وَّهَ من بيتِه واكْتَفَى بتأهُّبِهِ للخروجِ بإيذانِه له، فوقعَ النهيُ في قيامِ النَّاسِ إلى الصلاةِ قبل خَرَوجِهِ في مثلِ هذه الحالة واللهُ أعلمُ. وقَدِ اخْتُلفَ العلماءُ في الوقتِ الذي يقومُ فيه النَّاسُ الصَّلاةِ: فقالَ طائفةٌ: يقومونَ إذا فرغَ المؤذِّنُ من الإقامةِ سواءَ خَرَجَ الإمامُ أو لم يخرجُ. وحكى ذلك بعضُ الشافعيةِ عن أبي حنيفةَ، والشافعيِّ ورجَّحَ بعضُ = من نسخ الصحيح التي وقف عليها ابن عمار، ولم تقع للحافظ المزَي - انظر ((التحفة)» (٣٥/١١) - والذي في المطبوع من ((الصحيح" فمن رواية: إبراهيم بن موسى، عن الوليد . أما رواية داود بن رشید، فهي عند أبي داود(٥٤١)، (١) مسلم؛ (٦٠٦). (٢) كلمة: ((سلم)) ليست في ((ك))). ٤١٥ الحديث: ٦٣٧ كتاب الأذان متأخري الشافعية أنَّهم لا يقومونَ حتى يروهُ؛ لحديث أبي قتادةَ. وَحَكَى ابنُ المنذرِ، عن أبي حنيفةَ: أَنَّه إذا لم يكنْ الإمامُ معهم كرهَ أن يقوموا في الصَّفِّ والإمامُ غائبٌ عنهم (١). ومن رُوِيَ عنه أَنَّهم لا يقوموا حتَّى يروا الإمامَ: عمرُ بْنُ الخطَّابِ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ . خرّجه و کیعٌ عنهما. واختلفت الروايةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ . فَرَوى عنه جماعةٌ من أصحابه أنَّهم لا يقوموا حتَّى يَرَوْه؛ لحديث أبي قتادةَ ولو علموا به مثلَ أن يكونَ الإمامُ هو المؤذِّنُ وقد أقامَ الصلاةَ في المنارةِ وهو نازلٌ . وروى عنه الأثرمُ وغيرُهُ أنَّهم يقومونَ قبلَ أن يروه إذا أقيمت الصَّلاةُ؛ لحديث أبي هريرةَ الذي خرَّجَه مسلمٌ. وَرَوَى عنه الَرُّوذِيُّ وغيرُهُ أَنَّه وسَّعَ العملَ بالحديثينِ جميعًا، فإن شاءوا قاموا قبلَ أن يروه، وإنْ شاءوا لم يقوموا حتَّى يروبُ(َ). ورجَّحَ بعضُ أصحابِنا الروايةَ الأولى؛ لحديث أبي قتادةَ وادَّعَى أنَّه ناسخٌ لحديث أبي هريرةَ فإِنَّه يدلُّ على أنَّ فعلَهم لذَلَكَ كان سابقًا ثم نُهِيَ عنه . فكذا (٣) ذكرَ البيهقيُّ؛ لكنْ قالَ: إنَّما نُهِيَ عنه تخفيفًا (٤) عليهم ورفقًا (١) ((الأوسط)) (٤/ ١٦٧). (٢) انظر ((مسائل أبي داود)) (ص/ ٢٩). (٤) في ((ك٢)) بالحاء المهملة وقافين، والمثبت من ((السنن)). (٣) لعله: وكذا. ٤١٦ ٢٢ - باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟ الحديث: ٦٣٧ (١) بهم (١) . وهذا لا يمنعُ العملَ به كالصَّائمِ في السفرِ ونحوِهِ. ءِ وروِيَ عن أبي خالدِ الوالبيِّ قَالَ: خرجَ إلينا عليّ بن أبي طالبٍ ونحن قيامٌ فقالَ: ما لي أراكم سَامِدين - يعني: قيامًا(٢). وسُئِلَ النخعيُّ: أينتظرونَ الإمامَ قيامًا أو قعودًا؟ قالَ: قعودًا(٣). وقالَ ابْنُ بريدةَ في انتظارِهم قيامًا: هو السمودُ (٤). وكذا رُوِيَ عن النخعيِّ أنَّه كَرِهَه، وقالَ: هو السجودُ. وحِكِيَ مثلُه عن أبي حنيفةَ وإسحاقَ. قَالَ بعضُ أصحابِنَا: ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ وأصحابِهِ، والشافعيِّ، وداود: إنه إن كانَ الإمامُ خارجًا من المسجدِ فلا تقوموا حتَّى تروهُ، وإن كانَ في المسجد (٥٦ - أ/ ك٢) فهو كالمُشَاهد؛ حَمْلا للرؤيةِ في الحديثِ على العملِ. وكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّةَ من أصحابِنَا . وإن كانَ الإمامُ في المسجدِ فهو مرئيٌّ للمصلينَ أو بعضِهِم؛ لكنْ هلِ يُكْتَفى برؤيته قاعدًا أو لابدَّ مِنْ رؤيته قائمًا متهيئًا للصّلاة؟ هذا محلٌ نظرٍ. (١) ((سنن البيهقي)) (٢٠/٢). (٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٥٠٤/١) و((السنن)) للبيهقي (٢٠/٢). (٣) عبد الرزاق (٥٠٥/١). (٤) في ((ك٢)) بالحاء المهملة مكان الميم، وما أثبتناه من ((سنن البيهقي)) (١/ ٢٠). ٤١٧ الحديث: ٦٣٧ كتاب الأذان والمنصوصُ عن أحمدَ: أَنَّه إذا كانَ في المسجد فإنَّ المأمومينَ يقومونَ إذا قالَ المؤذِّنُ: قد قامتِ الصَّلاةُ وإن لم يقمِ الإمامُ. والقيامُ الصَّلاةِ عند الإقامة متفقٌ على استحبابِه للإمامِ إذا كانَ حاضرًا في المسجدِ وللمأمومينَ ٠٠ معه . واخْتَلَفُوا في موضعِ القيامِ من الإقامةِ على أقوال: أحدُهَا: أنَّهم يقومونَ في ابتداءِ الإقامةِ. رُوِيَ عن كثيرٍ من التابعينَ، منهم: عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ. وحكاه ابْنُ المنذرِ، عن أحمدَ، وإسحاقَ وهو غريبٌ عن أحمدَ. والثَّاني: إِذَا قالَ: قد قامتِ الصَّلاةُ. رُويَ عن أنسِ بْنِ مالكٍ، والحسنِ بْنِ عليَّ، وعطاء، والحسنِ، وابْنِ سيرينَ، والنخعيِّ. وهو قولُ ابنِ المباركِ، وزُفَرَ، وأحمدَ، وإسحاقَ. والثَّالثُ: إذَا قالَ: حيَّ على الفلاحِ. وحُكِيَ عَنْ أبي حنيفةَ، ومحمد . والرابعُ: إذا فرغتِ الإقامةُ. وحُكِيَ عن مالك، والشافعيِّ، وحكَى ابنُ المنذرِ عن مالكِ أَنَّه لم يُوقِّتْ في ذلكَ شيئً(١). وقالَ الماورديَّ من الشافعية: إن كانَ شيخًا بطيءَ النَّهْضَةِ قامَ عند قوله: قد قامتِ الصلاةُ، وإن كانَ سريعَ النَّهْضةِ قامَ بعد الفراغ ليستووا قيامًا في وقتٍ واحدٍ، فإن تأخَّرَ قيامُ الإمامِ عن فراغِ الإقامةِ لِعذرٍ كما (١) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (٥٠٦/١) ولابن أبي شيبة (٤٠٦/١)، و((الأوسط)) لابن المنذر (١٦٧/٤) و((السنن)) للبيهقي (٢١/١). ٤١٨ ٢٢ - باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟ الحديث: ٦٣٧ كانَ النبيِّ وَّ أحيانًا يناجي بعضَ أصحابِهِ طويلا فهلْ يتأخرُ قيامُ المأمومينَ إلى حينِ قيامِهِ؟ الأظهرُ نعمْ. ويدلُّ عليه ما خرَّجَه البخاريُّ وسيأتي قريبًا إنْ شاءَ اللهُ(١) - عن أنسِ 93 قالَ: ((أقيمت الصَّلاةُ والنبيّ وَّلَه يناجي رجلا في جانبِ المسجدِ فما قامَ إلى الصَّلاة حتى نامَ القومُ)) ونومُهم يدلُّ على أنَّهم كانوا جُلُوسًا إذ لو كانوا قيامًا ينتظرونَ الصلاةَ كانَ أبعدَ لنومهِم. ورَوَى حَجَّاجُ بْنُ فُرُّوخ، عن العِوَّامِ بْنِ حَوْشِبٍ، عَنْ ابْنِ أبِي أَوْفَى قَالَ: كانَ بلالٌ إذا قالَ: قد قامتِ الصَّلاةُ نهضَ النبيُّ ◌َ(٢). حجّاج واسطى، قالَ أحمدُ، ويحيى: لا نعرفُه. وقالَ يحيى - أيضًا -: ليسَ بشيءٍ. وقالَ أبو حاتمٍ: مجهولٌ. وضعَّفَه النسائيُّ. وقالَ الدارقطنيَّ: متروكٌ (٣). وذُكرَ هذا الحديثُ لأحمدَ فأنكره، وقالَ: العوَّامُ لم يلقَ ابْنَ أبي أَوْفَى(٤) . هذا في القيامِ المبتدإِ(٥) للصلاة ممن كانَ جالسًا. فأمَّا (٥٦ - ب/ ك٢) من دخلَ المسجدَ - إمامًا كان أو مأمومًا - والمؤذِّنُ يقيمُ الصلاةَ فهل يجلسُ ليبتدئ القيام، إما بعدَ الفراغ أو عندَ قوله: قد قامتِ الصلاةُ أم (١) رقم (٦٤٢). (٢) أخرجه البزار (٢٥٢/١ - كشف) وقال: لا نعلمه إلا عن ابن أبي أوفى بهذا الإسناد. (٣) ((تاريخ الدوري)) (٨٧/٤)، و((سؤالات ابن الجنيد)) (ص/ ١٥٦)، و((الجرح والتعديل)) (١٦٥/٣) و ((الضعفاء)) للنسائي (٣٨٩)، وللدارقطني (١٨٧). (٤) ((جامع التحصيل)) (ص/ ٢٤٩). (٥) فى ((ك٢)) بتقديم التاء على الباء الموحدة. ٤١٩ الحديث: ٦٣٧ كتاب الأذان يستمرُّ قائمًا؟ فيه قولان: أحدُهما: أَنَّه يجلسُ ليقومَ إلى الصَّلاةِ في موضعِ القيامِ المشروعِ. وكذلكَ كانَ الإمامُ أحمدُ يفعل. نَقَلَه عنه ابْنُ منصور. وقالَه طائفةٌ من الشافعيَّةِ منهم: أَبُو عاصم العبَّدي(١). وفيه حديثٌ مرسلٌ، عن عبد الرحمنِ بن أبي ليلى أنَّ النبيَّ وَّ جاءَ وبلالٌ في الإقامةِ فقعدَ. خرَّجَه الخلاُل. والقولُ الثَّاني: أَنَّه يستمرُّ قائمًا لا يجلسُ. قاله طائفةٌ من الشَّافِعِيَّةِ، منهم: البغويَّ وغيرُه لئلا يدخلَ في النهي عن القيامِ للصلاةِ قبلَ رؤيةٍ الإمامِ؛ لأنَّ النهيَ إنَّما يتناولُ القيامَ الْمُبْتَدَأَ(٢). وهذا لم يبتدِ القيامَ بل استمر عليه . ويتخرَّجُ لأحمد مثلُ هذا؛ لأنَّه فرّقَ بين القيامِ المُبْتَدإ والمستمر في القيام للجنارةِ فحملَ النهيَ عن القيامِ المبتدِ لمن كانَ جالسًا. فأمَّا مَنْ تَبِعَها فإنَّه يستمرُّ قائمًا ولا يجلسُ حتَّى يوضع (٣) بالأرضِ ولم يرَ هذا القيامَ المستمرَّ داخلا في القيام للجنازةِ المنهيِّ عنه، وجمعَ بذلكَ بين الحديثينِ . وقد يفرَّقُ بينهما بأنَّ في الجنازة حديثين مختلفينِ فجمعَ بينهما بالتفريقِ بين القيامِ المبتدأ والمستمرِّ. وأما في النهي عن القيام قبلَ رؤيةِ الإمامِ: فليسَ فيه حديثٌ (١) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبّاد الهروي. له ترجمة في ((طبقات الشافعية)) (١٠٤/٤)، و((السير)) (١٨٠/١٨). (٢) في ((ك٢)) بتقديم التاء على الباء الموحدة. (٣) كذا، ولعله بالمثناة الفوقية أشبه. ٤٢٠