Indexed OCR Text

Pages 341-360

١٣ - باب الأذان قبل الفجر
الحديث : ٦٢٣
الناسِ من السحورِ في وقتٍ يباحُ فيهِ الأكلُ.
وقد يستدلُّ له بحديثٍ شدادٍ مولَى عياضٍ، عن بلال المتقدم ذكره (١)
في نهي النبيِّ نَّ بلالا أن يؤذنَ حتَّى يَطلعَ الفجرُ؛ فإن في تمامٍ
الحديثِ: أنه أتى النبيَّ ◌َّهِ وهو يتسحرُ.
ومن أصحابنا من حكى رواية أخرى: أنه لا يكره. قال طائفة (٣٨ -
ب/ ك٢) من أصحابنا: وكراهته إنما هو إذا اقتصر على هذا الأذان؛ فإن
أُذِّنَ معهُ أذانٌ ثانٍ بعد طلوعِ الفجرِ لم يكره. وعليهِ يدلُّ حديثُ ابنٍ
عمرَ، وعائشةَ في هذا البابِ .
وقالت طائفةٌ من أهلِ الحديثِ: لا يؤذنُ لصلاة الصبحِ قبلَ الفجرِ إلا
أن يعادَ الأذانُ بعدَ الفجرِ في جميعِ الأوقاتِ وهو اختيارُ ابن خزيمةَ (٢)
وغيرهِ، وإليهِ ميل ابن المنذر(٣) وحكاهُ القاضي أبو الحسنِ من أصحابنا
روايةً عن أحمدَ، ويمكنُ أن يكونَ مأخوذُهُ من روايةٍ حنبلٍ التي ذكرنا
آنفًا .
واستدلَّ هؤلاء بِحديث عائشةَ وابنِ عمرَ وأنيسةَ وما في معناها من
أنه (٤) كانَ في زمنِ النبيِّ وَّ أذانانِ، أحدُهُما بليلٍ والآخرُ بعدَ الفجرِ .
ويمكنُ الجمعُ (٥) بينَ هذهِ الأحاديثِ والأحاديثِ (٩ - ب/ ك٣) التي
(١) (ص: ٣٢٤) في ثنايا شرحه على الحديث رقم (٦٢٠)، والحديث منقطع - كما سبق.
(٢) انظر ((الصحيح)) (٢٠٩/١).
(٣) كذا فى ((ك))، و((كم)): ((ميل ابن المنذر))، ولفظ ((المنذر)) طمس معظمه فى ((ك٣)).
وانظر («الأوسط)) (٣/ ٣٠).
(٤) لفظ ((أنه)) تكرر في ((٢٥))، و(ك٣).
(٥) في ((ك٣))، و((ك٣)): ((الجميع)) وهو خطأ ظاهر.
٣٤١

الحديث : ٦٢٣
كتاب الأذان
رواها العراقيونَ في أمرِ النبيِّ وَّ بلالا بإعادة الأذانِ بعدَ الفجر: بأن
الأذانَ كانَ في أولِ الأمرِ بعد طلوعِ الفجرِ ثم لما أذنَ بلالٌ بليلٍ وأمره
النبيُّ وَّهِ بإعادةِ أذانِهِ بعدَ الفجرِ رأى النبيُّ نَّهِ فِي أذانِهِ قبلَ الفجرِ
مصلحةً فأقرهُ على ذلكَ واتخذ(١) مؤذنًا آخر يَؤذنُ بعدَ الفجرِ ليجمعَ بينَ
المصالحِ كلِّها: إيقاظِ (٢) النوامِ، وكفِّ القوامِ والمبادر بالسحورِ للصوامِ،
وبينَ الإعلامِ بالوقتِ بعدَ دخولِهِ، وهذا كما رُويَ أنَّ بلالا هو الذي زادَ
في أذانه: ((الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ)) مرتينِ في أذانِ الفجرِ فأقرَّها النبيّ
ما
في الأذانِ لما رأى فيهِ من زيادةٍ إيقاظِ النائمينَ في هذا الوقتِ .
واستدلَّ الأولونَ: بما خرَّجهُ أبو داودَ(٣) من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ
زياد، عن زيادِ بنِ نعيمٍ الحضرميِّ، عن زيادِ بنِ الحارثِ الصدائيِّ قالَ:
كنتُ معَ النبيِّ وََّ في سفرٍ فلما كانَ أولُ أذانِ الصبحِ أمرني فأذنتُ
فجعلتُ أقولُ: أقيمُ يا رسولَ اللهِ(٤)؟ فجعلَ ينظرُ في ناحيةِ المشرق إِلى
الفجرِ فيقولُ: ((لا))، حتى إذا طلعَ الفجرُ نزلَ فتبرز ثم انصرفَ إليَّ وقد
تلاحقَ أصحابُهُ - يعني فتوضأ - فأرادَ بلالٌ(٥) أن يقيمَ فقالَ لهُ النبيُّ ◌َ لّ:
((إن أخَا صداء هو أذنَ ومنْ أذنَ فهو يقيمُ)) قالَ: فأقمتُ، وذكر حديثًا فيه
طول.
فهذا يدلُّ على أنه أذَّنَ قبلَ طلوع الفجرِ واجتزاً بذلكَ الأذانِ ولم
يعده بعد طلوعِهِ .
(١) ((واتخذ)) من ((ك٣)).
(٢) في ((ك٢)): ((إيقاض)) - بالضاد - خطأ.
(٣) (٥١٤).
(٤) في ((ك٢)): ((أقيم رسول الله؟)).
(٥) في ((٢٥))، و((ك)): ((بلالا)) كذا.
٣٤٢

١٣ - باب الأذان قبل الفجر
الحديث : ٦٢٣
ولمن رجح قولَ من أوجبَ الإعادةَ بعد طلوع الفجرِ أن يقولَ: هذا
الحديثُ إسنادهُ غيرُ قويٌّ.
وقد خرَّجهُ ابنُ ماجه والترمذيُّ(١) مختصرًا، قالَ الترمذيُّ: إنما
نعرفه (٢) من حديث الأفريقيِّ، والأفريقيُّ هو ضعيفٌ عندَ أهلِ الحديثِ .
وقالَ سعيدٌ البرذعيُّ(٣): سئل أبو زرعةَ الرازيُّ(٤) عن حديثِ
الصدائيٌّ في الأذانِ (٣٩ - أ/ ك٢) فقالَ: الأفريقيَّ؟ وحركَ رأسَهُ(٥).
قلتُ: وقد اختُلِفَ عليهِ في لفظِ الحديثِ؛ فخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ (٦)،
عن محمدِ بنِ يزيدَ الواسطَيِّ، عن الأفريقيُّ بهذا الإسناد ولفظهُ: قالَ
رسولُ الله ◌ِّهِ: ((أذن يا أخَا صداء)) قالَ: فأذنتُ وذلكَ حين أضاءَ
الفجرُ، وذكرَ الحديثَ مختصرًا. فهذه الروايةُ فيها التصريحُ بأنه إنما أذنَ
بعدَ إضاءةِ الفجرِ وطلوعِهِ .
وقد رواهُ ابنُ لهيعةَ فخالفَ الأفريقيَّ في إسنادِهِ(٧)؛ فرواه عن بكرٍ
(١) ابن ماجه (٧١٧)، والترمذي (١٩٩).
(٢) لفظ ((نعرفه)) طُمس في ((ك٣)).
(٤) كلمة ((الرازي)) زيادة من ((ك٣)).
(٣) في ((٢٥)): ((البردعي)) بالدال المهملة.
(٥) انظر «سؤالات البرذعي)) (٥١٦/٢ - ٥١٧) وذكره محمد بن أحمد بن تميم أبو العرب في
((طبقات علماء إفريقية وتونس)) (ص/ ٩٥ - ٩٦): ((وأنكروا عليه أحاديث - أي الأفريقي -
ذكرها البهلول بن راشد قال: سمعت سفيان الثوري يقول: ((جاءنا عبد الرحمن بن زياد
الأفريقي بستة أحاديث يرفعها إلى النبي بَّله لم أسمع أحدًا يرفعها: ذكر منها حديث: ((إن
أخا صُداء قد أذَّن، ومن أذن فهو یقیم )).
ثم قال أبو العرب: فلهذه الغرائب التي لم يروها غيره ضعَّف ابن معين حديثه)» ا. هـ.
هذا، وبهلولُ بنُ راشدٍ هو أفريقيّ - أيضًا - وثَّقه أبو حاتمٍ ولم يعرفه ابن معين. انظر
((الجرح)) (٤٢٩/٢) و((سؤالات عثمان الدارمي)) (ص/٧٩).
(٧) ((في إسناده)) بدلاً منها في ((ك))): ((بإسناده)) خطأ.
(٦) (١٦٩/٤).
٣٤٣

الحديث : ٦٢٣
كتاب الأذان
ابنِ سوادةَ، عن زياد بِنِ نعيمٍ، عن حبانِ بنِ بُحَّ الصدائيُّ صاحبِ النبيُّ
وَّ قالَ: اتبعتُ النبيّ وَثُّ - يعني في مسيرٍ له ليلةً إلى الصباحِ - فأذنتُ
بالصلاة لما أصبحتُ وأعطاني إناءً وتوضأتُ منه فجعلَ النبيُّ وَلِ أصابعَهُ
في الإناءِ فانفجرَ عيونًا فقالَ: ((من أرادَ منكم أن يتوضأً فليتوضأ)» فذكرَ
حديثًا ولم يذكر فيه الإقامة (١).
وفي هذه الروايةِ إنما أذَّنَ لما أصبحَ - أيضًا -، وقصةُ الوضوءِ وتفجرِ
الماء مذكورةٌ - أيضًا - في حديثِ الأفريقيِّ.
(١) خرّجه الإمام أحمد في («المسند» (١٦٨/٤ - ١٦٩).
٣٤٤

الحديث : ٦٢٥،٦٢٤
١٤ - بَابٌ
كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ؟
فیه حديثان :
الأولُ: قالَ:
٦٢٤ - حَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ الَوَاسِطِيُّ: ثَنَا (١) خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنِ
ابْنِ(٢) بُرَيّدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّأَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِّ قَالَ: ((بَيْنَ كُلِّ
أَذَانَيْنِ صَلاةٌ» - ثَلاثَاً - (لِمَنْ شَاءَ)).
إسحاقُ هذا يَروي عنه في غير موضعٍ عن خالدٍ - وهو ابنُ عبد الله
الطحانُّ - ولا ينسبُ إسحاق، وقد قيلَ: إنه ابنُ شاهينَ الوسطيّ.
ءِ
الثاني: قالَ:
٦٢٥ - ثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ (٣): ثَنَا (١) غُنْدَرٌ: ثَنَا(١) شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ
عَمْرَوَ بْنَ عَامِرِ الأَنْصَارِيَّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ
نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ◌ِِّ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَِّيُّ ◌َلُ
وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ(٤) الأَذَانِ
(١) في ((ك)): ((نا)).
(٢) لفظ ((ابن)) سقط من ((ك٢)) و((ك)).
(٣) وقع في ((ك))، و((ك)): ((محمد بن علي، و)) كذا.
(٤) في ((٢٥)): ((بينهما)) خطأ .
٣٤٥

الحديث : ٦٢٥
كتاب الأذان
[وَالإِقَامَةِ](١) شَيءٌ).
قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوَدَ، عَنْ شُعْبَةَ: ((وَلَمْ يَكُنْ (٢) بَيْنَهُمَا إِلا
قَليلٌ).
وحديثُ ابنُ مغفلٍ يدلُّ على أن بينَ كلِّ أذانِ صلاةٍ وإقامتِهَا صلاةٌ
لمن شاءَ، فدخلَ في ذلكَ المغربُ(٣) وغيرُها، فدلَّ على أن بينَ أذانِ المغربِ
وإقامتها ما يتسعُ لصلاة ركعتين، وقد ذكرنَا قدرَ الفصلِ (٤) بينَ أذان المغرب
وإقامتِهَا في بابِ ((وقتِ المغربِ))(٥).
وقد روى حيانُ بنُ عبيدِ [اللهِ العدويُّ هذا الحديثَ عن عبدِ اللهِ](٦)
ابنِ بريدةَ، عن أبيهِ أن النبيِّ وَّهِ قالَ: ((عندَ كلِّ أذانينِ ركعتينِ قبلَ
الإقامة ما خلا (١٠ - ب/ ك٣) أذان المغربِ)).
وخرَّجَهُ الطبرانيُّ والبزارُ والدار قطنيُّ(٧) وقالَ: حيانُ بنُ عبيدِ اللهِ
(١) لفظ ((والإقامة)) سقط من ((ك)))، و((كم)) واستدركناه من ((اليونينية)).
(٢) بعد كلمة ((يكن)) وضع علامة لحق في ((٢٥)) وكتب في الهامش: ((بين الأذان شيء، قال
عثمان بن حيدر [بدون نقط الياء] وأبو داود عن شعبة ولم يكن)) ثم كتب كلمة ((صح))
الدالة على استدراك السقط وضبطه، ولا ندري ما سبب هذا التكرار؟ اللهم إلا أن يكون
بسبب ظن الناسخ حدوث سقط .
(٣) كلمة ((المغرب)) طُمست في «ك)).
(٤) فى ((ك٢)) بالضاد المعجمة، وفى ((ك٣)) بغير نقط.
(٥) في نهاية كلامه على الحديث رقم (٥٥٩).
(٦) ما بين المعقوفين سقط من ((٢٥)) وهو مثبت في ((ك)).
(٧) الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٨٣٢٨)، والبزار (٣٣٤/١ - كشف) وقال - عَقبه -:
((لانعلم أحدًا يرويه إلا بريدة، ولا رواه إلا حيان وهو بصري مشهور ليس به بأس)) ا. هـ.
والدارقطني في ((السنن)) (٢٦٥/١).
٣٤٦

١٤ - باب كم بين الأذان والإقامة؟
الحديث : ٦٢٥
ليسَ بقويٌّ، وخالفَهُ حسينٌ المعلمُ وسعيدٌ الجريريُّ وكهمسُ بنُ الحسنِ،
وكلُّهم ثقاتٌ .
يعني أنهم روَوْهُ عنِ ابنِ بريدةَ، عنِ ابنِ (١) مغفلٍ بدونِ هذِهِ الزيادةِ.
وقالَ (٣٩ - ب/ ك٢) الأثرمُ: ليسَ هذا بشيءٍ، قد رواه عن بريدةً(٢)
ثلاثةٌ ثقاتٌ على خلاف ما رواه هذا الشيخُ الذي لا يعرفُ في الإسنادِ
والكلام جميعا .
وكذلك ذكرَ ابنُ خزيمةً(٣) نحوَهَ واستدلَّ على خطئِهِ في استثنائِه صلاةً
المغربِ فإن ابنَ المباركِ روَى الحديثَ عن كهمسٍ، عن بريدةً (٢)، عنِ ابنِ
مغفلٍ وزادَ في آخرِهِ : فكانَ ابنُ بريدةَ يصلي قبلَ المغربِ ركعتينٍ. وحديث
ءُ
أنسٍ يدلَّ على أن بينَ أذان المغربِ وإقامتِها ما يتسعُ لصلاةٍ ركعتينِ.
فأما قولُه في آخرِ الحديثِ ((ولم يكن بينَ الأذانِ والإقامة شيءٌ»
فمرادُهُ - واللهُ أعلمُ -: لم يكن بينهُمَا شيءٌ كثيرٌ؛ بدليلِ روايةِ عثمانَ بنِ
جَبَلَةَ وأبي داود الطيالسيِّ التي ذكرها البخاريّ تعليقاً ((ولم يكن بينهما إلا
قليلٌ)).
وقد خرَّجُه النسائيُّ(٤) من رواية أبي عامرٍ العقديِّ، عن شعبةً وفي
حديثِهِ: ((ولم يكن بين الأذان والإقامةِ شيء)) كرواية غندرٍ .
وقد زعمَ بعضُهم أن قيامَ الصحابةِ للصلاة كانَ إذا ابتدأَ المؤذنُ في
(١) لفظ ((ابن)) سقط من ((٢٥)).
(٢) كذا في ((ك٢)»، و((ك))، والصواب: ((ابن بريدة)).
(٣) (١٢٨٧)، وانظر («السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٧٤/٢).
(٤) فى ((الصغرى)) (٢٨/٢ - ٢٩).
٣٤٧

الحديث : ٦٢٥
كتاب الأذان
الأذانِ ولم يكن بينَ الأذان والإقامة، واستدلَّ برواية من روَى: ((ولم يكن
بينَ الأذان والإقامةِ شيء)).
وفي «صحيحِ مسلمٍ))(١) عن عبدِ العزيزِ بنِ صهيبٍ، عن أنسِ قالَ:
كنّا بالمدينة فإذا أذنَ المؤذنُ لصلاة المغربِ ابتدرُوا السوارِي فركعُوا ركعتينٍ،
حتَّى إن الرجلَ الغريبَ ليدخلُ المسجدَ فيحسبُ أن الصلاةَ قد صُلِّيَتْ من
كثرة من يصليهما .
وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ))(٢) من حديثِ معلى بنِ جابرٍ، عن موسى
ابنِ أنسٍ، عن أبيهِ قالَ: كانَ إذا قامَ(٣) المؤذنُ فأذَّنَ لصلاة المغربِ قامَ من
شاءَ فصلَّى حتى تقامَ الصلاةُ ومن شاءَ ركعَ ركعتينِ ثم قعد، وَذلكَ
بعيني (٤) رسول اللهِ وَلَهُ.
ومعلَّى بنُ جابرِ مشهورٌ، روى عنه جماعةٌ وذكره ابنُ حبانَ في
((ثقاته)) .
٠٠
وهذا ظاهرٌ في أنهم كانوا يقومون إذا شرعَ المؤذنُ في الأذان، وأن
منهم من كانَ يزيدُ على ركعتين، وفيه ردٌّ على إسحاقَ(٥) بن راهويه
قالَ: لا يزادُ على ركعتينِ قبلَ المغربِ، وقد سبقَ ذکرُهُ.
(٢) (١٩٩/٣).
(١) (٨٣٧).
(٣) ((إذا قام)) مطموس في ((د٣)).
(٤) عبارة ((ثم قعد؛ وذلك بعيني)) وقعت في ((ك))، و((ك٣)) هكذا: ((ثم بعد ذلك سن))
وضبب في ((ك٢)) على آخر كلمة والتصويب من ((المسند)»، والله المستعان.
(٥) من هنا وقع سقط كبير في النسخة ((ك٣)) ويمتد حتى بداية الباب (١٠٩) من كتاب
الأذان.
٣٤٨

١٤ - باب كم بين الأذان والإقامة؟
الحديث : ٦٢٥
وقد خرجَ الإسماعيليُّ في ((صحيحِهِ)) من حديثِ عثمانَ بنِ عمرَ: ثنا
شعبةُ، عن عمرو بنٍ عامٍ قالَ: سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ يقولُ: كانَ المؤذنُ
إذا أخذَ في أذان المغربِ قامَ كبار(١) أصحاب رسول الله وَله فابتدروا
السوارِي فكانَ رَسولُ اللهِ وَلَه يخرجُ إليهم وهم يصلونَ، وكانَ بينَ
الأذانِ والإقامةِ (٤٠ - أ/ ك٢) قريبٌ.
وهذه الرواية صريحةٌ في صلاتهم في حالِ الأذانِ واشتغالهم بينَ
إجابةِ المؤذنِ بهذه الصلاة. وقد كانَ الإمامُ أحمدُ يومَ الجمعة إذا أخذَ
المؤذنُ في الأذانِ الأولِ للجمعةِ قامَ فصلَّى ركعتينِ أو أربعًا على قدرِ طولٍ
الأذانِ وقصرِه. ويأتى الكلامُ على حكم الصلاةِ قبلَ المغربِ في موضعٍ
آخرَ إن شاءَ اللهُ.
وإنما المقصودُ هنا: ذكرُ قدرِ الفصلِ بينَ الأذانِ والإقامةِ للمغربِ
وغيرِها. وقد سبقَ حكمُ الفصلِ بينَ أذانِ المغربِ وإقامتِها في بابِ «وقتٍ
المغربِ)) (٢) وذكرنا أحاديثَ في أمرِ النبيِّ ◌َ لَه بلالا أن يفصلَ بينَ أذانِه
وإقامتِهِ في بابِ ((الإبرادِ بالظهرِ)).
٠٠
(١) جاء رسمها في ((ك)))): ((لبار)) ووضع نقطة تحت الراء فاشتبهت بالباء ولعل الصواب ما
أثبتناه، والله أعلم.
(٢) عند شرحه للحديث رقم (٥٥٩).
٣٤٩

الحديث : ٦٢٦
كتاب الأذان
١٥ - بَابُ
مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ
٦٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أبنا (١) شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أبنا(٢) عُرْوَةٌ بْنُ
الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِّهَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ
صَلاة الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أن يَسْتَبِينَ
الْفَجْرُ (٣) ثُمَّاضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ للإِقَامَةِ.
قولُ عائشةَ ((كانَ النبيُّ ◌َِّ إذا سكتَ المؤذنُ)) أي: فرِغَ من أذانِهِ.
وقولُهَا ((بالأُولَى من (٤) صلاةِ الفجرِ)) يعني بالمرةِ الأولَى، وهذا يحتملُ
أن تكونَ أرادت بهِ أنه كانَ يصلِّي الركعتينِ بعدَ فراغِ المؤذنِ من أذانِهِ قبلَ
الإقامة؛ فإنَّ الأذانَ والإقامةَ تسميان أذانينِ - كما في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ
مغفلِ المتقدمِ.
ويحتملُ أن يكونَ أرادت أنَّ الأذانَ نفسَه كان يكررُ مرتين فيؤذنُ بلالٌ
وبعده ابنُ أمِّ مكتومٍ، فكانت صلاةُ النبيِّ وَّ بعد بلالٍ قبلَ أذانِ ابنِ أمّ
مكتومٍ إذا تبينَ الفجرُ للنبيِّ وَّهِ صلَّى ركعتي الفجر، ولم يتوقف على
أذانِ ابنِ أُمِّ مكتومٍ، فإنَّ ابنَ أمِّ مكتومٍ كانَ يسفرُ بأذانِ الفجرِ ولا يؤذِّنُ
حتَّى يقالَ لهُ: أصبحتَ.
(١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)) وعند الأصيلي: ((حدثنا)).
(٢) في ((اليونينية)): ((أخبرني)) ولأبي ذر: ((أخبرنا)).
(٣) كلمة ((الفجر)) كُررت في ((ك)).
(٤) كلمة ((من)) سقطت من ((ك٢)).
٣٥٠

١٥ - باب من انتظر الإقامة
الحديث : ٦٢٦
فإن قيلَ: فكيفَ أَذِنَ النبيُّ ◌ََّ في الأكلِ في الصيامِ إلى أذانِ ابنِ أمِّ
مكتومٍ، والأكلُ يحرمُ بمجردِ طلوعِ الفجرِ وقد رُويَ في حديث أنيسةَ (١)
أنهم كانوا يأمرونَ أن يؤخرَ الأذانُ حتى يكملوا (٢) السحورَ؟ قيلَ: هذا مما
أشكلَ فهمه على كثيرٍ منَ الناسِ .
وقد تأوَّلَ بعضهم قولهم لابن أم مكتومٍ: أصبحتَ أصبحتَ على أن
المرادَ: قاربتَ الصباحَ بعد تبيّنِ (٤٠ - ب/ ك٢) طلوع الفجر لا تحرمُ في
وَقْت ◌ُلوعِه سواء.
والأحاديثُ والآثارُ المرويَّةُ عن الصَّحابةِ في هَذَا المعنى كثيرةٌ جدّاً .
وليسَ هَذَاَ قول الكوفيينَ الذين كَانَوا يَسْتبيحونَ الأكلَ والشَّربَ إلى
انتشارِ الضوءِ على وَجْهِ الأرضِ؛ فإنَّ ذلك قولٌ شاذٌّ منكرٌ عند جمهور
العلماء، وستأتي المسألةُ في موضعها مبسوطةً إن شاءَ اللهُ تعالى، وسيأتي
الكلامُ على الاضطجاعِ بعدَ صلاةٍ ركعتي الفجرِ في موضعٍ آخرَ إِنْ شَاءَ
اللهُ تعالى .
وإنَّما المقصودُ هُنَا: قولُها: ((حَتَّى يَأْتِيَه(٣) المؤذنُ للإِقَامة)) فإنَّ هَذَا يدلُّ
عَلَى أَنَّه يجوزُ انتظارُ المصلِّي للإقامةِ، وَأَنْ يُؤْخِّرَ دخولَ المسجد خَارجًا
مِنْهِ حَتَّى تقامَ الصَّلاةُ فيدخلُ حِيئَذٍ.
وَهَذَا هو مقصودُ البخاريِّ في هذا البابِ، وَأَرَادَ بذلكَ مخالفةَ مَنْ كَرِهَ
انتظارَ الإقامة؛ فإنَّ طائفةً من السَّلْف كَرهوه وَغَلَّظُوا حتَّى رُويَ عَنْ عبد
اللهِ بْنِ عَمرِو بْنِ العاصِ أَنَّه قَالَ: هوَ هَرَبٌ من دينِ محمدٍ والإسلامِ.
(١) سبق (ص ٣٣٧) في صدر شرحه على الحديث رقم (٦٢٢، ٦٢٣).
(٢) فى ((ك٢)): ((يكلموا)) كذا بتقديم اللام على الميم وهو خطأ ظاهر.
(٣) في ((ك٢)): ((تأتيه)) بالتاء.
٣٥١

الحديث : ٦٢٦
كتاب الأذان
وَقَدْ كَرِهَهُ من المتأخرينَ من أصحابنا وقالوا: يُكْرِهُ للقادر على
الدخول إلى المسجدِ قَبْلَ الإقامة أن يجلسَ خارجَ المسجد ينتظرُ الإقامةَ
ذلكَ تفوتُ به فضيلةُ السَّبْقِ إلى المسجدِ، وانتظارِ الصلاة فيه ولُحوق
الصفِّ الأول.
وَقَدْ نَدَبَ النبيُّ بَه إلى التَّهْجِيرِ إلى الصلاةِ وهو القصدُ إلى المساجد
في الهجيرِ إمَّا قَبْلَ الأذان أو بعدَه، كما نَدَبَ إلى التهجيرِ إلى الجمعةِ
انتظار الصلاة بعدَ الصلاة، وقَالَ للذين انتظروهُ إلى قريبٍ مِنْ شَطْرِ الليلِ
لصلاة العشاء: ((إِنْكم لَنْ تَزَالوا في صلاة ما انتظرتُمُوهَا)).
و 0 وُ
وَقْد كَانَ كثيرٌ من السَّلْفِ يأتي المسجدَ قبلَ الأذانِ، منهم: سعيدَ بنَ
المسيَّب.
وكانَ الإِمامُ أحمدُ يَفْعَلُه في صلاةِ الفجرِ .
وقَالَ ابْنُ عُيِينَةَ: لا يَكُنْ مثلَ أجيرِ السُّوءِ لا يَأْنِي حَتَّى يُدْعى - يُشِيرُ
إلى أَنَّه يُسْتحبُّ إِيانُ المسجدِ قَبْلَ أَنْ يُنَادِيَ الْمُؤْذِنُ.
وقَالَ بعضُ السلف في قول الله تعالى: ﴿ السَّابِقونَ السََّبقونَ﴾
[الواقعة: ١٠]: إنَّهم أولُ النَّاس خُروجًا إلى المسجدِ وإِلى الجهادِ. وفي
قوله: ﴿سَابِقُوا إلى مَغْفِرةٍ مّن رَبِّكم﴾ [الحديد: ٢١] قَالَ مَكْحُولٌ:
التكبيرةُ الأُولى مع الإمامِ، وقال غيرُهُ: التكبيرةُ الأولى والصفُّ الأولُ.
قال ابنُ عبد البرِّ: لا أعلمُ خلافًا بين العلماء أَنَّ مَنْ بَكَّرَ وانتظرَ
الصلاةَ وإِنْ لَمْ يُصلِّ في الصفِّ الأولِ أفضلُ ممن يؤخر وإن صلّى في
الصفِّ الأول.
٣٥٢

١٥ - باب من انتظر الإقامة
الحديث : ٦٢٦
وَرَوَى الْمُعَافَى، عَنْ (٤١ - أ/ ك٢) سُفْيَانَ الثوريِّ قَالَ: مجيئُك إلى
الصَّلاةِ قبلَ الإقامةِ توقيرٌ(١) الصلاة، فَمَنْ كَانَ فارغًا لا شُغْلَ لَهُ وجَلَسَ
إلى الصَّلاةِ قَبْلَ الإقامة على باب المسجد أو قريبًا منه ينتظرُ أن تقامَ
الصَّلاةُ فيدخلَ المسجدَ وخصوصًا إنْ كانَ على غيرِ طَهارة، وإنَّما ينتظرُ
في المسجدِ إذَا دَخَلَ المسجدَ بعد الإقامةِ فهو مُقُصِّرٌ راغبٌ عن الفضائلِ
المندوبِ إِليها؛ ولكنْ هذا كلُّه في حقِّ المأمومِ، وقد تقدَّمَ من حديث أبي
المثَنَّى، عن ابنِ عمرَ قَالَ: كانَ أحدُنَا إذا سَمِعَ الإقامةَ توضّأُ وخرجَ مِنْ
وَقَتْه، وفيه دليلٌ على أنَّ الصَّحابةَ كانوا ينتظرونَ الإقامةَ في عهد النَّبِيِّ
وستلم
فأمَّا الإِمامُ فإنَّه إذا انتظرَ إتيانَ المؤذن له في بيتِه حتَّى يُؤْذِنَه بالصَّلاةِ
ويخرجَ معه فيقيم الصَّلاةَ حينئذ المسجد (٢) فيصلِّي بالنَّاسِ فهذا غيرُ
مكروهٍ بالإجماعِ، وهذهٍ كانتْ عادةُ النبيِّ نَلِِّ.
وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أن النبيَّ ◌َّهِ صلَّى رَكْعتي الفجر لَمَّا (٣)
اضْطجعَ حتَّى يأتيَه المؤذنُ بالإقامة؛ فإنَّ الإقامةَ إنَّما تكونُ بإذنِ الإمامِ أو
عندَ خروجِه إلى النَّاسِ بخلافِ الأذانِ.
وفي ((صحيحٍ مسلمٍ)) (٤) عن جابر بن سَمُرَةَ قَالَ: كانَ بلالٌ يُؤْذِّنُ إذَا
(١) يحتمل رسمها في ((ك))): ((توقين)).
(٢) كذا في ((ك))). ولعل لفظة (المسجد)) مقحمة أو يكون سقط لفظ: ((إلى)) فيكون ((إلى
المسجد)) والله أعلم.
(٣) كذا في ((ك٢)»، وحديث ابن عباس في ((الصحيحين)) فيه أنه اضطجع بعد الوتر فلما أتاه
المؤذن صلى ركعتي الفجر ثم خرج فصلى الصبح .
(٤) (٦٠٦).
٣٥٣

الحديث : ٦٢٦
كتاب الأذان
وَلاّ، فَإِذَاَ خرِجَ أقامَ الصلاةَ
ءُ
دَخَضَتِ الشَّمْسُ فلا يقيمُ حتَّى يخرجَ النبيّ
حينَ يَراهُ.
وقالَ عليٌّ: المؤذِّنُ أملكُ بالأذانِ، والإمامُ أملكُ بالإقامةِ .
خرَّجَه البيهقيَّ(١)، وَقَالَ: رُويَ من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا وليسَ
بمحفوظ .
(١) في ((سننه الكبرى)) (١٩/٢).
٣٥٤

الحديث: ٦٢٧
١٦ - بَابٌ
بَيْنَ كُلِّ أَذَاتَيْنِ صَلاةٌ لَمّن شَاءَ
٦٢٧ - حَدَثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ: ثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَه: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ
صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: ((لِمَن شَاءَ).
لا اخْتِلافَ أَنَّ المرادَ بالأَذَانينِ في الحديث: الأَذانُ والإقامةُ، وليسَ
المرادُ الأذانينِ المتواليينِ وإنْ كَانَا مشروعينِ كَأَذانِ الفجرِ إذا (١) يُكَرَّرُ مَرَّتين.
وَقَدْ توقََّ بَعْضُهم في دُخولِ الصَّلاةِ بينَ الأَذانِ الأولِ والثَّاني يومَ
الجمعةِ في هذا الحديث لأَنَّهما أَذانانِ مشروعانٍ، وعلى ما قرَّرْنَاه لا يدخلُ
في الحديثِ، وَكَمَا لاَ تدخلُ (٢) الصَّلاةُ بينَ الأذانِ الأوَّلِ والثَّاني للفجرِ
وإنْ كانتِ الصَّلاةُ يومَ الجَمُعةِ بَعْدَ الزَّوالِ حسنةً مندوبًا إليها لأدلَّةٍ أخرى
تذكر في ((الجمعة)) إن شاء الله؛ وحديث ابن مغفل تدخل فيه الصَّلاة بينَ
الأذانِ والإقامةِ في جميعِ الصَّلواتِ الخمسِ .
فأمَّا أَذَانُ الصُّبْحِ فَيُشْرِعُ بَعْدَهُ رَكْعَتَا الفجرِ ولا يُزَادُ عليهما عندَ
جُمُهورِ العلماءِ حتَّى قالَ كثيرٌ منهم: إِنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَي الفجرِ في بيتِه
ثُمَّ دَخَلَ (٤١ - ب/ ك٢) المسجد (٣) يعني: أَنَّ الأظهرَ عَنْه أَنَّه لا يُصلَّى في
(١) كذا في ((ك٢)" ولعل الصواب: ((إذ)).
(٢) في ((ك٢)): ((يدخل))، ولعل الصواب ماأثبتناه .
(٣) الظاهر أن هنا سقطًا لتتمة كلام هؤلاء الأكثرين من جمهور العلماء؛ والأظهر أنه أورد=
٣٥٥

الحديث : ٦٢٧
كتاب الأذان
أوقاتِ النهي شيءٌ من ذَواتِ الأسبابِ ولا غيرِها.
وَعَنْه روايةٌ أخرى أَنَّه يصلِّي ذَوَات الأسبابِ كقولِ الشافعيِّ فيصلِّي
الداخلُ حينئذٍ في المسجدِ ثُمَّ يَجْلسُ.
وقدْ تقدَّمتُ(١) هذه المسألةُ في الكلامِ على أحاديثِ النَّهيِ مُسْتَوفاةً.
وأمَّا الظُّهرُ: فَإِنَّه يُسْتحبُّ التطوعُ قَبْلَها بركعتينِ أَوْ أربعِ رَكَعَاتٍ،
وهي من الرَّواتبِ عند الأكثرينَ.
وَقَدْ رُوِيَ في الصَّلاةِ عَقِبَ زَوَالِ الشَّمْسِ أحاديثُ في أسانيدِ(٢)
أکثرها مقال.
وبكلِّ حالِ فما بينَ الأذانينِ للظهرِ هو وقتُ صلاةٍ، فَمَنْ شَاءَ
استقلَّ، ومن شَاءَ استكثرَ.
وأمَّا بينَ الأذانينِ لصلاةِ العصرِ: فَهَذَا الحديثُ يدلُّ على أنَّه يُشْرَعُ
بينهما صلاةٌ.
وَقَدْ وَرَدَ في الأربعِ قَبْلَ العصرِ أحاديثُ متعددةٌ، وفي الرَّكْعتينِ
أيضًا. واخْتَلَفُوا هلْ يلتحقُ بالسُّنَنِ الرَّواتبِ؟ والجمهورُ على أنَّها لا
تلتحقُ بها.
= رواية عن الإمام أحمد بالمنع من الصلاة في أوقات النهي، وعقب عليها بقوله: ((يعني: أن
الأظهر عنه ... )) إلخ، ثمّ ذكر بعد ذلك الرواية الأخرى عنه بالجواز كقول الشافعي.
وانظر نهاية شرح المصنف - رحمه الله - على الحديث رقم (٥٨٨) (ص ٥٥) فإنه نقل: أن
الإمام أحمد عنه روايتان في هذه مسألة - وهذا يدل على السقط - ونخشى أن يكون
السقط أكبر من ذلك - ورقة بتمامها - لأنه انتقل من مسألة إلى أخرى، والله أعلم.
(١) (ص ٥٥- ٥٦) تحت الحديث رقم (٥٨٨).
(٢) فى (ك٢)): ((أسادنيد)) كذا .
٣٥٦

١٦ - باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء
الحديث : ٦٢٧
وأمَّا بينَ الأذانينِ قَبْلَ المغربِ: فَهَذا الحديثُ يدلُّ على مَشْروعية
الصَّلاة فيه .
وَقَدْ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فمنهمْ مَنْ كَرِهَه وَقَالَ: لا يزولُ وقتُ
النهيِّ حتَّى يصلِّيَ المغربَ، وهو قولُ الكوفيين وغيرِهم. ومنهم منْ قَال
باستحبابِها، وهو روايةٌ عَنْ أحمدَ، وقولُ طائفةٍ من السَّلْفِ لهذا
الحديث، ولحديث أنسٍ في البابِ الماضي.
ومنهم مَنْ قَالَ: هي مُبَاحةٌ، غيرُ مَكْروهٍ(١) ولا مُسْتَحبَّةَ، والأمرُ بها
إِطْلاقٌ مِنْ مَحْظورٍ فَلا يقيدُ أكثرَ مِنَ الإباحةِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ،
وسيأتي القولُ فِيْهَا بأبسط من هذا في موضعٍ آخرَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
وأمَّا الصَّلاةُ بينَ الأذانينِ للعشاءِ: فهي كالصَّلاةِ بينَ الأذانينِ للعصرِ
وَدُونها؛ فإنَّا لا نعلمُ قَائلا يقولُ بأنَّها تلتحقُ بالسَّننِ الرواتبِ .
(١) كذا في ((ك٢)"، والصواب ((مكروهة))، والله أعلم.
٣٥٧

الحديث : ٦٢٨
كتاب الأذان
١٧ - بَابُ
مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ
٦٢٨ - ثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدِ: ثَنَا وُهَيْبٌّ، عَنْ أُيُوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَيْتُ النَِّيَّ ◌َ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَفَمْنَا عِنْدَهُ
عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِقًا. فَلمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهْلِنَا (١) قَالَ:
(رْجِعُوا فَكُونُوا فِيهمٍ وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ
لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ).
مُرادُهُ: أَنَّ النبيَّ ◌َّ أَمَرَ مالكَ بْنَ الحويرثِ وأصحابَه بالرجوعِ إلى
أَهْلِهم، وَأَمَرَهُم إذا حضرت الصَّلاةُ أَنْ يؤذِّنَ أحدُهم كَانَ دَليلا على أَنَّ
الْمُسَافِرِينَ لا يُشْرِعُ لهم تكريرُ الأذانِ وإعادتُهُ مرَّتَينِ فِي الْفَجْرِ ولا في
(٤٢ - أ/ ك٢) غَيْرِه.
ويعضد هَذَا: أَنَّه لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النبيِّ مَّ أَنَّ كَانَ له في السَّفَرِ مُؤَذِّنَانِ
يُؤْذِّنُ أَحَدُهُمَا بعدَ الآخرِ، وحديثُ زِيادِ بْنِ الحارثِ الصَّدَائِيِّ المتقدمُ (٢
يدلُّ على ذلكَ.
ولكنَّ اللفظَ الذي ساقَه البخاريُّ في هذا البابِ إنَّما يدلُّ على أنَّه
أَمَرَهم بذلكَ إذَا رَجَعُوا إلى أَهْليهم لا أنَّه أمرَهم به في سَفَرِهم قبلَ
وصُولِهِم، وَقَدْ نَبَّهَ على ذلكَ الإسماعيليُّ، وترجمَ عليه النَّسَائِيُّ(٣):
(١) كذا في ((ك))، وفي صلب ((اليونينية)): ((أهالينا)) وفي بعض النسخ: ((أهلينا)).
(٢) (ص٣٤٢) تحت الحديث (رقم/ ٦٢٣).
(٣) في ((سننه الصغرى)) (٩/٢).
٣٥٨

١٧ - باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد
الحديث :٦٢٨
((اجتزاء المرء بأذان غيرِه في الحضرِ)).
وقد خرَّجَه البخاريُّ في البابِ الذي يلي هَذَا بلفظٍ صريحٍ بأَنَّه أَمَرَهم
بذلكَ في حالِ رُجوعِهِم إلى أهلِهِم وسفرِهم، وكانَ تخريجُه بذلك
اللفظِ في هذا البابِ أولى من تخريجِه بهذا اللفظِ الذي يدلُّ علىَ أنَّه لم
يأمرهم بذلكَ في السفرِ .
فَإِنْ قِيلَ: بل قَوْلُهُ (إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فليؤذِّنْ لكم أَحَدُكُمْ)) عامٌّ في
السَّفْرِ والحضرِ ولا يمنعُ من عمومِه تخصيص أولِ الكلامِ بالخضرِ .
قيلَ: إِنْ سُلُّمَ ذَلِكَ لم يَكُنْ فيه دليلٌ على أَنَّه لا تُسْتُحبُّ الزيادةُ على
مؤذِّن واحد في السَّفَرِ خَاصَّةً؛ لأَنَّ الكلامَ إِذَا كانَ شاملا للحضرِ والسفرِ
فلا خلافَ أَنَّه في الحضرِ لا يُكْرَهُ اتِّخاذُ مُؤْذِّنَيْنِ فَكَيْفَ خص كراهة ذلكَ
بالسفرِ وقَدْ شَمِلَها عُمومٌ واحدٌ.
وفي حديثِ عَمْرِو (١) بْنِ سَلِمَة الْجَرْميِّ، عن أبيه أنَّه لَمَّا قَدِمَ على
النبيِّ وَلِّ قَالَ لهم: ((إِذَا حَضَرَتْ صَلاةٌ فليؤذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ)) وذَكرَ
الحدیثَ.
وقدْ خرَّجَه البخاريّ في موضعٍ آخرَ(٢).
وأَمْرُهُ هذا لا يَخْتُصُّ بحالِ سَفَرِهم؛ بلْ يَشْمِلُ سَفَرَهم وإِقَامَتَهم في
حيِّهم.
(١) في ((ك)): ((عمر)) بضم العين، والصواب: ((عمرو)) بفتح العين.
(٢) (الفتح: ٢٣٠٢).
٣٥٩

الحديث : ٦٢٩
كتاب الأذان
١٨ - بَابُ
الأَذَان لِلْمُسَافِرِينَ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ بعَرَفَةَ
وَجَمْعٍ، وَقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: ((الصَّلاةُ فِي الرِّحَالِ) فِي اللَّيْلَةُ (١)الْبَارِدَةَ
أَوْ الْمَطيرَةِ
الأَذانُ بَعَرَفَةَ وجَمْعٍ لم يمر (٢) فيه هاهنا شَيْئًا؛ إنَّمَاَ خرَّج أحاديثَ في
((أبوابِ الجمعِ بين الصلاتينِ))، وفي كتاب ((الحجِ))، والكلامُ فيه يأتي في
موضعه إنْ شاءَ اللهُ تعالى، وأشارَ إليه هاهنا إشارةً؛ لأنَّ فيه ذكرَ الأذان
في السفرِ، وإنَّما خَرَّجَ هاهنا أربعةً(٣) أحاديثَ مما يدخلُ في بقيةِ ترجمةِ
الباب.
الحديثُ الأول (٤):
٦٢٩ - ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ
زَيّدِ بْنٍ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَهُ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ
الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَّهُ: (أَبْرِدْ). ثُمَ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ: ((أَبْرِدِ)). ثُمَّ
(١) في ((٢٥)): ((ليلة)).
(٢) كذا في ((٢٥)) ولعل الصواب: ((يُملِ)) والله أعلم .
(٣) هكذا قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله - وفي بعض النسخ بزيادة حديث - وهو الحديث
رقم (٦٣١) فيصبحون: خمسة أحاديث - وقال القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٢/ ١٧):
((وهذا الحديث - أي الحديث رقم (٦٣١) - كالذي بعده ثابت هنا في رواية أبي الوقت وعزا
ثبوتهما في ((الفرع)) كأصله لرواية الحموي؛ وسقوطهما لأبي ذر ... )) إلخ.
(٤) في ((٢٥)): ((الثاني)) خطأ ظاهر.
٣٦٠
ر