Indexed OCR Text

Pages 281-300

١٣ - باب وقت العصر
الحديث: ٥٤٩
وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ تأخيرِ العصرِ ما لم يدخلْ وقتُ
الكراهة؛ فإنَّ الصحابَة فيهم مَنْ كانَ يؤخِّرُها عن صلاةِ النَّبِيِّ بَّ في
عهده والظاهرُ أَنَّه كانَ نَّهِ معاصر بذلكَ(١)، ويُقُرُّ عليه.
ورَوَى رِبْعِيُّ بِنُ حِرَاش، عن أبي الأبيضِ، عن أنسٍ قَالَ: كنتُ
أُصلِّي معَ رسولِ اللهِ نَِّ العصرَ، والشَّمْسُ بيضاءُ محلَّقَةٌ، ثمَّ آتي
عشيرَتي وهُمْ جلوسٌ. فأقولُ: ما يُجْلسُكم صَلُّوا(٢) فقد صَلَّى رسولُ الله
صَلى الله
عَّدي
٠
وسام
خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وخرَّج النَّسائيُّ إلى قولِهِ ((محلّقةٌ))، وخرَّجَه
الدارقطنيّ بتمامِهِ، وزادَ فيه: وَهُمْ في ناحيةِ المدينةِ(٣).
وأبو الأبيض هذا قالَ الإمامُ أحمدُ: لا أعرفُه، ولا أعلمُ رَوَى عنه
إلا ربعيُّ بن حراش(٤).
الحديثُ الثاني(٥):
٥٤٩ - حَدَّثْنَا (١٨٤ - ب/ ك١) ابْنُ مُقَاتل: أَبَّنَا (٦) عَبْدُ الله: أَبَنَا (٦)
أبو بَكْرِ [بن](٧) عُثْمَانَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيِّفٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةٌ يَقُولُ:
صَلََّا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبِّدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ
مَلِك فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عمِّ مَا هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟
ء
٠
(١) كذا.
(٢) غير واضحة في ((ك١)).
(٣) أحمد (١٣١/٣، ١٦٩، ١٨٤، ٢٣٢) والنسائي (٢٥٣/١) والدار قطني (٢٥٣/١ - ٢٥٤).
(٤) ((مسائل ابن هانئ)) (٢٢٩/٢ - ٢٣٠) مع ((تهذيب الكمال)) (٨/٣٣-١٢).
(٥) يعني من حديث أنس.
(٦) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٧) سقطت من ((ك))، وأثبتناها من ((اليونينية)).
٢٨١

الحديث: ٥٤٩، ٥٥٠، ٥٥١
كتاب مواقيت الصلاة
قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِه صَلَاةُ رَسُولِ اللهِوَّةِ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ.
أَبُو أمامةَ هو: ابنُ سهلِ بْنِ حُنَفٍ .
وصلاةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيزِ هذه كانتْ بالمدينةِ، حيثُ كان أميرًا (١) من
قبلِ الوليدِ، وقد تقدم أنَّه حينئذٍ لم يكنْ عنده علمٌ من مواقيتِ الصَّلاة
المسنونة فكانَ يجري على عادةِ أهلِ بيتِهِ، وعمومِ النّاسِ معهم في تأخيرِ
الصَّلاة أحيانًا، فلمَّا بلغتْهُ السَّنَةُ اجتهدَ حينئذٍ على العملِ بها، ولكنَّه لم
يعملِ القيامَ بها على وجهها إلا في أيامٍ خِلافَتِهِ، فإنَّه بالغ حِينَئذٍ في
إقامة الحقِّ على وَجْهِهِ، ولم يترخَّصْ في شيءٍ مما يقدرُ عليه، ولا أخذتْهُ
في اللهِ لومةُ لائمٍ - رَضِيَ اللهُ عنه.
الحديث الثاني (٢) :
٥٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَبْنَا (٣) شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي أَنَسُ
ابْنُ مَالك قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ يُصَلِّي الْعَصْرَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ
فَيَذْهَبُ الذَّهِبُ إِلى الْعَوَلِي فَيأتِهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَآلي
مِنَ الْمَدِينَة عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَال أَوْ نَحْوِهِ.
٥٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَُ: أَبَنَا (٣) مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ (٤) إلى قُبَاءِ
(١) في ((ك١)): ((أمير)).
(٢) كذا، وقد سبق حديثان لأنس، وفي ((اليونينية)): ((باب وقت العصر)) وأورد هذين
الحديثين، وقد سقطت هذه الترجمة من بعض النسخ، كما أشار إلى هذا في ((اليونينية)).
(٤) زاد في ((اليونينية)): ((منا)) .
(٣) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
٢٨٢

١٣ - باب وقت العصر
الحديث: ٥٥٠، ٥٥١
فَيَأْتِيهِمْ، والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
إنَّما خرَّجه من هذينِ الوجهينِ ليبيِّنَ مخالفتَه(١) لأصحابِ الزُّهْريِّ
في هذا الحديثِ وقد خالفهم فيه من وجهين:
أحدهما: أنَّه لم يذكرْ فيه النَّبِيَّ وَِّّهِ، وذكَرَهُ أصحابُ الزهريِّ كما
خرَّجه البخاريُّ هنا من رواية شُعَيْبٍ، وخرَّجه في أواخرِ كتابِه (٢) من
روايةِ صالحِ بْنِ كيسان. ثُمَّ قال: زادَ الليثُ، عن يونسَ. ((وبُعْدُ العوالي
أربعةُ أميال أو ثلاثةٌ)).
وخرَّجه مُسلمٌ من روايةِ الليثِ، وعَمرِو بْنِ الحارث - كلاهما -،
عن الزهريِّ به(٣).
ورَوَاهُ أبو صالحٍ، عن الليثِ، عن يونسَ، عن الزُّهريّ(٤).
وما ذَكَرَه البخاريُّ في رواية شُعيبٍ من قوله: ((وبعضُ العوالي من
المدينةِ على أربعة أميال أو نحوه)» فهُوَ من قول الزهريِّ أُدْرِجَ في الحديثِ
قَالَ البيهقيُّ: وقد بَيَّنَّ ذلك معمرٌ، عنه، ثَمَّ خرَّجِه من طريقِ معمرٍ،
عنه، وقال في آخر حديثه(٥): (٢١/م) قال الزُّهريّ: والْعَوالي من المدينةِ
على (١٨٥ - أ/ ك١) ميلٍ وثلاثة أو حسبَهُ قَالَ: وأربعة (٦).
والوجهُ (٧) الثّاني: أنَّ مالكًا قَالَ في روايتِهِ: (ثُمَّ يذهبُ الذاهبُ إلى
قُباء))، كذا رَوَاهُ أصحابُه، عنه، وكذا هو في ((الموطأ)) (٨) وخالفَه سائرُ
٠
(١) يعنى: مالك - رحمه الله -.
(٣) مسلم (٦٢١/ ١٩٢).
(٢) (٧٣٢٩).
(٤) أخرجه البيهقي (١ / ٤٤٠).
(٥) انتهى السقط من ((م)) وقد سبق (ص ٢٧٧) التنبيه على ابتداء السقط تحت الحديث (٥٤٦).
(٧) في ((١٥)): ((فالوجه)).
(٦) البيهقي (١ / ٤٤٠).
(٨) (ص٣٢).
٢٨٣

الحديث: ٥٥٠، ٥٥١
كتاب مواقيت الصلاة
أصحابِ الزُّهريِّ فقالوا: إلى العوالي.
وقد رَوَاه خالدُ بْنُ مَخْلِدٍ، عَنْ مالكٍ. فَقَالَ فيه: (العوالي)) (١)، وليس
هو بمحفوظ، عن مالك.
قال النَّسائيُّ: لم يتَابعْ مالكًا أحد على قولِهِ في هذا الحديثِ: ((إلى
قباء)» والمعروفُ ((إلى العوالي)).
وَقَالَ ابْنُ عبد البرِّ: رَوَاه جماعةُ أصحاب الزَّهريِّ، عنه فقالوا: ((إلى
العوالي)) وهو الصَّوابُ عندَ أهلِ الحديثِ.
0 و
قَالَ: وقولُ مالك: ((إلى قباء)) وهمٌ لا شكَّ فيه عندَهم، ولم يتابعُهُ
أحدٌ عليه وكذا ذكَرَه (٢) أبو بكرٍ الْخَطِيبُ، وغيرُه(٣).
قلتُ: قد رَوَاه الشَّافعيُّ في ((القديمِ)): أنا [أبو](٤) صفوانَ بْنُ سعيد
ابْنِ عبدِ الملكِ بْنِ مروانَ، عن أبْنٍ أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ
قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ وَّةِ - يُصَلِّي العصرَ ثُمَّ يذهبُ الذَّاهبُ إلى قباءِ
فيأتيها والشَّمْسُ مرتفعةٌ.
(١) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٧٩/٦) وقد ذكره قبل (١٧٧/١) وفيه: «إلى قباء)).
(٢) في ((ك١)): ((ذكر)).
(٣) انظر (التمهيد)) (١٧٨/٦) و((التتبع)) للدارقطني (ص٣٠٨) و ((الجوهر النقي))
(١ / ٤٤٠).
(٤) في (ك١)): ((أبنا صفوان)) وفي ((م)): ((أنا صفوان)) والصواب: أبو صفوان، كما أثبتناه، وهو:
أبو صفوان: عبد الله بن سعيد، وكذا جاء في كتاب ((المعرفة)) للبيهقي (٢٧٨/٢ - ٢٧٩).
هذا وقد خالف أبو داود الطيالسي أبا صفوان فرواه عن ابن أبي ذئب فقال: ((إلى
العوالي)»- كما في ((المعرفة)) (٢٧٩/٢).
٢٨٤

١٣ - باب وقت العصر
الحديث: ٥٥١،٥٥٠
وَرَوَه عن ابْنِ أبي فديك، عن ابْنِ أبي ذئبٍ، وَقَالَ: ((إلى العوالي) (١).
وَكَذَا رَوَاه الواقديَّ، عن معمرٍ، عن الزَّهريِّ. وهذا لا يلتفتُ إليه.
قَالَ ابْنُ عبد البرِّ: إلا أنَّ المعنى في ذلك متقاربٌ على سعةِ الوقت؛
لأنَّ العواليَ مختلفةُ المسافةِ فأقربُها إلى المدينةِ ما كانَ على ميلين، أو
ثلاثة (٢)، ومثلُ هذا هي المسافة بين قباءٍ، وبين المدينةِ. وقُباء من(٣) بني
عمرِو بْنِ عوفٍ، وقد نصَّ على بني عمرِو بْنِ عوفٍ في هذا: إسحاقُ بْنُ
أبي طلحةً (٤).
يشيرُ إلى حديثه المتقدِّم وخرَّجَه من طريقِ إبراهيمَ بنِ أبي عبلة، عن
الزهريِّ، عن أنسٍ، عن النَّبِيِّبَ لَّهِ وقالَ فيه: والعَوَالي من المدينةِ على
عشرة أميال(٥) .
وكأنَّ الزهريَّ ذَكَرَ في هذه الروايةِ أبعدَ ما بينَ العوالي والمدينةِ كما
ذَكَرَ في الروايةِ المتقدِّمةِ أقربَ ما بينها وبينَ المدينةِ.
وفي البابِ حديثٌ آخر خرَّجه البخاريُّ في ((القسمة))(٦) فقالَ: حدثنا(٧)
محمدُ بْنُ يُوسفَ: ثنا(٧) الأوزاعيُّ: ثنا (٧) أبو النجاشيِّ قال: سمعتُ رافعَ
ابْنَ خَديجٍ: كنَّا نُصَلِّي مع النَِّيِّ وَِّ [العصرَ](٨) فنتحر (٩) جَزورًا فَتُقْسَمُ
عَشرَ قِسَمِ فنأكلُ لحمًا نضيجًا قبلَ أَنْ تغربَ الشّمْسُ.
(١) («المسند» للشافعي (١٥٥) و((المعرفة)) (٢٧٨/٢).
(٢) في ((التمهيد)): ((ومنها ما يكون على ثمانية أميال وعشرة)).
(٣) في ((التمهيد)): ((وقباء موضع بني عمرو بن عوف)).
(٤) ((التمهيد)) (١٧٨/٦).
:
(٥) ((التمهيد)) (١٨١/٦ - ١٨٢).
(٧) في ((م): ((نا)).
(٦) كتاب ((الشركة)) حديث (٢٤٨٥).
(٨) من ((م)).
(٩) في ((ك١)): ((فتنحر)).
٢٨٥

الحديث: ٥٥٠، ٥٥١
كتاب مواقيت الصلاة
قال (٢٢/م) الدَّار قطنيُّ (١): أبو النجاشيِّ اسمُهُ عطاءُ بْنُ صُهَيَبِ ثقةٌ
مشهورٌ صَحِبَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ ستَّ سنين.
والكلامُ هاهنا في مسألتين:
إحديهما: في حدٍّ وقتِ العصرِ: أولِهِ، وآخرِهِ.
فأمَّا (١٨٥ - ب/ ك١) أولُه: فَحَكَى ابْنُ المنذرِ فيه أقوالا فقالَ:
اختلَفُوا في أولِ وقتِ العصرِ فكانَ مالكٌ، والثوريُّ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ،
وإسحاقُ، وأبو ثورٍ يقولونَ: وقت العصر: إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه.
واختلفوا بعدُ فقالَ بعضُهم: آخرُ وقتِ الظُّهرِ: أولُ وقتِ العصرِ. فلو أَنَّ
رجلينِ صَلَّى أحدُهما الظُّهرَ، والآخرُّ العصرَ حينَ صَارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ
مثلَه لكانا مُصلين الصَّلاتين في وقتهَا، قَالَ بهذا إسحاقُ، وذكَرَ ذلك،
عن ابنِ المباركِ(٢) .
وأمَّا الشَّافعيُّ فكانَ يقولُ: أولُ وقتِ العصرِ إذا جاوزَ ظلُّ كلِّ شيءٍ
مثلَه ما كانَ - وذلكَ حين ينفصلُ من آخرٍ وقتِ الظُّهرِ .
قلتُ: هذا هو المعروفُ في مذهبِ أحمدَ، وأصحابِهِ .
وحَكَى بعضُ المتأخرينَ روايةً، عنه كقولِ ابْنِ المباركِ، وإسحاقَ،
وهي غيرُ معروفة .
قَالَ ابْنُ المنذرِ: وحُكِيَ، عن ربيعةَ قول ثَالثٌ وهو أنَّ وقتَ الظُّهرِ
والعصرِ إذا زالتِ الشَّمْسُ وفيه قولٌ رابعٌ: وهو أنَّ وقتَ العصرِ أن يصير
(١) في ((السنن)) (١/ ٢٥٢).
(٢) ((الأوسط)) (٣٢٩/٢).
٢٨٦

١٣ - باب وقت العصر
الحديث: ٥٥٠، ٥٥١
الظلُّ قائمتين(١) بعدَ الزَّوالِ، ومَنْ صلاها قبلَ ذَلكَ لم يجزِئْهُ وهذا قولُ
النُّعمانِ - يعني أبا حنيفةً(٢).
وحَكَى ابْنُ عبدِ البرِّ، عن مالكِ مثلَ قولِ ابْنِ المباركِ، وإسحاقَ،
وعن الثوريِّ، والحسنِ بنِ صالحٍ، وأبي يوسفَ، ومحمد، وأحمدَ،
وإسحاقَ، وأبي ثورٍ مثلَ قولِ الشّافعيِّ، وعن أبي حنيفةَ: آخرُ وقت
الظُّهرِ : إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه(٣). قَالَ: فخالفَ القياسَ في ذلك،
وخالفَه أصحابُه فيه (٤).
وذَكَرَ الطَّحاويُّ روايةً أخرى، عن أبي حنيفةَ أنَّه قالَ: آخرُ وقت
الظُّهرِ حينَ يصير ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه كقولِ الجماعةِ، ولا يدخلُ وقتً
العصرِ حتَّى يصيرَ ظلُّ كلّ شيءٍ مثليهِ فتركَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ وقتًا مُفْرَدًا
لا يصلحُ لأحديهما(٥). قالَ: وهذا لم (٦) يُتَابعْ عليه أيضًا (٢٣/م).
وحكى عن ابن عبد البر (٧)، عن أبي ثورٍ، والمزنيِّ مثلَ قولِ ابْنِ
المبارك، وَمَنْ تَابَعَهُ بالاشتراكِ بينَ الوقتينِ إذا صارَ ظلَّ كلِّ شيءٍ مثليه
بقدرِ أربع ركعاتٍ فمنْ صَلَّى في ذلك الوقت الظهر والعصرَ كانَ مُؤدِّيًا
لها .
وحكى، عن عطاء، وطاوس أنَّ ما بعدَ مصيرِ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثلَه
وقتُ الظُّهر والعصرِ معًا. قالَ طاوسٌ: إلى غروبِ الشّمْسِ. وقالَ عطاءٌ:
(١) في ((الأوسط)): ((قامتين)) وهو الصواب إن شاء الله.
(٢) ((الأوسط)) (٣٣٠/٢).
(٣) في ((ك١)): ((مثيله)) .
(٤) ((التمهيد)) (٧٣/٨ - ٧٥).
(٥) ((التمهيد)) (٧٦/٨).
(٦) في ((ك)): ((كم)).
(٧) كذا العبارة، ولعل صوابها: وحكى ابن عبد البر.
٢٨٧

الحديث: ٥٥٠، ٥٥١
كتاب مواقيت الصلاة
إلى اصفرارها. وقد سبقَ ذكرُ قولهما، وأنَّه حُكيَ روايةً عن (١٨٦ -
أ/ ك) مالك، وقد نصَّ الشَّافعيُّ على أنَّ وقتَ العصرِ لا يدخلُ حتَّى
يزيدَ ظلّ الشيءِ على مثلِهِ، وكذلكَ قَالَه الخِرقيّ من أصحابِنَا(١).
واختلفَ أصحابُ الشَّافعيِّ في معنى قولِهِ بالزيادةِ: فمنهم مَنْ قَالَ:
[هي لبيانِ انتهاءِ الظلِّ إلى المثلِ وإلا فالوقتُ قد دخلَ قبلَ حصولِ الزيادةِ
بمجردِ حصولِ المثلِ فعلى هذا تكونُ الزيادةُ من وقتِ العصرِ .
ومنهم مَنْ قَالَ: ](٢) إنَّها من وقت الظُّهر وإنَّما يدخلُ العصرُ عَقْبَهَا.
وقيلَ: إِنَّه ظاهرُ كلامِ الشَّافعيِّ والعراقيينَ من أصحابِهِ، ومنهم مَنْ قَالَ:
ليست الزِّيادةُ من وقتِ الظَّهرِ، ولا من وقتِ العصرِ؛ بل هي فاصلٌ بينَ
الوقتينِ. وهو أضعفُ الأقوالِ لهم.
وأمَّا المنقولُ عن السَّلَفِ فأكثرُهُم حدَّده بقدرِ سيرِ الراكبِ فرسخًا أو
فرسخينِ قبلَ غروبِ الشَّمْسِ .
فَروَى مالكٌ، عن نافع أنَّ عمرَ كَتَبَ إلى عُمَّاله: صَلُّوا الظُّهْرَ إذا
كانَ الفيء ذراعًا إلا (٣) أن يكونَ ظلَّ أحدكُمْ مثلَه، والعصرَ وَالشَّمسُ
بيضاءُ (٤) نقيةٌ قدرَ ما يسيرُ الرَّاكبُ فرسخينِ، أو ثلاثةً قبلَ غروبٍ
الشَّمْسِ(٥).
ورواه غيرُهُ، عن نافعٍ، عن ابْنِ عمرَ، عن عمرَ.
(١) انظر ((المغنى)) (١٤/٢).
(٣) في ((الموطأ)): ((إلى)).
(٥) («الموطأ)) (ص٣١).
(٢) ما بين المعقوفين من ((م)).
(٤) في ((الموطأ): ((مرتفعة بيضاء)).
٢٨٨

١٣ - باب وقت العصر
الحديث: ٥٥٠، ٥٥١
وروى أبو نعيم الفضلُ بْنُ دكَينِ: حدثنا (١) سعيد بن أويس(٢)، عن
بلال العبسي أَنَّ عمرَ كتبَ إلى سعد: صلِّ العصرَ وأنتَ تسيرُ لها ميلين
أو ثلاثةً.
حدثنا(١) يزيدُ بْنُ مرداسةً(٣) قال: سألتُ أنسَ بْنَ مالك عن وقتٍ
العصرِ فقالَ: إذا صلَّيتَ العصرَ ثم سرتَ ستةَ أميالٍ حَتَّى إلى غروبٍ
الشَّمْسِ فذلكَ وقتُها.
حدثنا (١) ابنُ عُبينَةَ، عن أبي سِنَانٍ، عن سعيدِ بْنِ جُبيرٍ قَالَ: تُصَلِّي
العصرَ قدرَ ما تسيرُ البعيرُ المحمَّلَةُ (٢٤/ م) فرسخينِ.
حدثنا(١) ابنُ عُينةَ، عن أبي سِنَانٍ، عن عبدِ اللهِ بْنِ أبي الهُذَيْلِ قال:
((فرسخ)) وأمَّا آخرُ وقتِ العصرِ ففيه أقوالٌ:
أَحدُهَا (٤): أَنَّه غروبُ الشَّمسِ .
رُوِيَ ذلكَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وعكرمةَ وأبي جعفرِ محمدِ بْنِ عليٍّ.
والثَّاني: إلى مصيرٍ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثلَيْهِ.
رُوِيَ عن أبي هريرةَ، وهو قولُ الشَّافعيِّ، وأحمدَ في روايةٍ .
والثَّالثُ: حتَّى تَصْفُرَّ الشَّمسُ.
رُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، وهو قولُ الأوزاعيِّ، وأحمدَ
(١) في ((ك)): ((نا)).
(٢) كذا في ((م))، وفي (ك)): ((سويد)) وصوابه أوس والله أعلم.
(٣) كذا في ((ك)) و((م)) ووضع عليها علامة الإهمال للسين، وإنما هو: ابن مردانبه، مترجم
في ((تهذيب الكمال)» (٢٤١/٣٢).
(٤) في ((ك)): ((أحدهما)).
٢٨٩

الحديث: ٥٥٠، ٥٥١
كتاب مواقيت الصلاة
في رواية، وأبي يوسفَ، ومحمد.
وفيه حديثٌ عن عبدِ الله بْنِ عَمرو، اختُلِفَ في رفعِهِ ووقفه .
وقد خرَّجَه مسلمٌ في ((صحيحِهِ)) مرفوعًا (١).
وأكثرُ مَنْ قالَ بهذا القول والذي قبلَه قَالُوا: لا يخرجُ وقتُ العصرِ
بالكليةِ باصفرارِ الشَّمسِ ولا بمصيرِ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثلَيْهِ؛ إنَّمَا يخرجُ وقت
الاختيارِ، ويبقى ما بعدَه وقتَ ضرورة.
وهل يكونُ التأخيرُ إليه كغير (٢) ذَوي الأعذار (١٨٦ - ب/ ك١)
مُحرَّمًا، أو مكروهًا كراهةَ تنزيه؟ فيه وجهانٍ لأصحابِنَا .
وقَالَ الإصطخريُّ من الشَّافعيةِ: يخرجُ وقتُ العصرِ بالكليةِ حينَ
يصير ظلَّ الشيء مثليه، ويصير بعد ذلك قضاءً.
ولم يوافقه على ذلك أحدٌ، والمشهورُ عندَ الشَّفعية أنَّه بعدَ مصير
ظلِّ كلِّ شيءٍ مثليه إِلى اصفرارِ الشَّمسِ: يجوزُ التأخير إليه بلا كراهة،
ولكن يفوت وقت الفضيلة، والاختيار. وقالوا: يفوتُ وقتُ الفضيلة
بمصيرِ ظُلِّ الشيءِ مثلَه، ونصف مثله، ووقتُ الاختيارِ بمصير ظلِّ الشيءِ
مثليه، ووقتُ الجوازِ يمتدَّ إلى اصفرارِ الشمسِ ومن وقتِ الاختيارِ إلى أن
تغربَ الشَّمْسُ وقتُ كراهةٍ لغيرِ ذوي الأعذارِ .
وحكى ابنُ عبد البرِّ، عن مالك، وغيرِه من العلماءِ أَنَّ من صَلَّى
العصرَ قبلَ اصفرارِ الشمسِ فقد صلاَّها في وقتها المختارِ (٢٥/م).
وحَكَاهُ إجماعًا وحكاه عن الثوريِّ، وغيره قَالَ: وهذا يدلُّ على أنَّ
(١) مسلم (٦١٢).
(٢) كذا، ولعل الصواب: ((لغير)) باللام.
٢٩٠

١٣ - باب وقت العصر
الحديث ٥٥٠، ٥٥١
اعتبارَ المثلينِ (١) إنَّما هو للاستحبابِ فقط.
وحَكَى عن أبي حنيفةَ أنَّ وقتَ الاختيارِ يمتدَّ إلى اصفرارِ الشمسِ.
وحَكَى عن إسحاقَ وداودَ: آخرُ وقت العصرِ أنْ يدركَ المصلِّي منها
ركعةٌ قبلَ الغروبِ وسواءً المعذورُ، وغيرُه(٢).
وسيأتي القولُ في ذلكَ فيما بعدُ - إن شاءَ اللهُ سبحانَه وتعالى.
وحَكَى الترمذيّ في («جامعِهِ))، عن أبي بكرِ(٣) إن نامَ عَنْ صلاة
العصرِ فاستيقظَ عندَ الغروبِ فلمْ يُصلِّ حَتَّى غربتِ الشَّمْسُ.
وهذا قد ينبني على أنَّ وقتَ العصرِ يخرجُ بالكلية باصفرارِ الشّمسِ
فتصيرَ قضاءً، والفوائتُ لا تُقْضَى في أوقاتِ النَّهي عند قومٍ من أهلٍ
العلمِ.
ونهى عمرُ بْنُ الخَطَّابِ مَنْ فاته شيءٌ من العصرِ أن يُطَوِّلَ فيما يقضيه
منها خشيةَ أن تدركَه صفرةُ الشمسِ قبلَ أن يفرغَ من صلاته(٤) .
المسألةُ الثَّانيةُ:
هل الأفضلُ تعجيلُ العصرِ في أول وقتها أو تأخيرُهَا؟ فيه قولان:
أحدُهُما - وهو قولُ الحجازيينَ وفقهاء الحديث: أنَّ تعجيلَهَا في أول
وقتها أفضلُ وهو قولُ الليثِ؛ والأوزاعيِّ، وابنِ المباركِ، والشَّافعيِّ،
وأحمدَ، وإسحاقَ، وقولِ أهلِ المدينةِ: مالك، وغيرِهِ. ولكنْ مالكٌ
(١) في (ك١)): ((الميلين)).
(٢) ((التمهيد)» (٧٦/٨ - ٧٩).
(٣) الذي في ((جامع الترمذي)) عقب الحديث (١٧٨): ((أبي بكرة أنه)).
(٤) انظر ((جامع الترمذي)) (١٧٧).
٢٩١

الحديث: ٥٥٠، ٥٥١
كتاب مواقيت الصلاة
يستحبّ لمساجد الجماعات أن يؤخِّرُوا العصرَ بعدَ دخول وقتها قليلا
وُ
ليتلاحقَ النَّاسُ إلى الجماعة. وقد تقدَّمَ إنكارُ عروةَ على عمرَ بنِ عبد
العزيزِ تأخيرَه العصرَ شيئًا، وإنكارُ أبي مسعود الأنصاريِّ على المغيرةِ
تأخيرَه العصرَ شيئًا.
والأحاديثُ التي خرَّجَهَا البخاريُّ (١٨٧ - أ/ ك١) في هذا البابِ كلها
تدلُّ على استحبابِ تعجيلِ العصرِ وتقديمِهَا في أولِ وقتها .
والقولُ الثَّاني: أَنَّ تأخيرَها إلى آخرِ وقتها ما لم تصفرَّ الشَّمسُ أفضلُ
وهو قولُ أهلِ العراقِ منهم: النخعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفةَ. قالَ
النخعيُّ: كانَ مَنْ قبلكم أشدَّ تأخيرًا للعصرِ منكم، وكانَ إبراهيمُ يعصرُ
العصرَ - أي يُضيِّقُها إلى آخرِ وقتها -، وقال أبو قلابةَ (٢٦/ م) وابنُ
شبرمةَ: إنَّما سُمِيتِ العصرُ لتُعْصَرَ(١
وقد رُويَ هذا القولُ، عن علي، وابن مسعودٍ، وغيرِهما، وفيه
أحاديثُ مرفوعةٌ كلُّها غيرُ قويةٍ.
قالَ العُقَيِيُّ: الروايةُ في تأخيرِ العصرِ فيها لينٌ.
وَذَكرَ الدَّار قطنيُّ أنَّه لا يصحُّ منها شيءٌ يقاومُ أحاديثَ التعجيلِ؛ فإنَّها
أحاديثُ كثيرةٌ، وأسانيدُها صحيحةٌ من أصحُّ الأسانيدِ وأثبتِهَا .
وقالَ: أحاديثُ تأخيرِ العصرِ لم تَثْبُتْ؛ وإنَّما وَجْهُهَا - إن كانتْ
محفوظةً - أن يكونَ ذلكَ على غيرٍ تَعمُّدِ (٢)، ولكنْ للعذرِ والأمر يكون.
(١) ((الأوسط)) (٣٦٥/٢).
(٢) من ((م)) وفي ((ك)): ((ذلك غير تعمد)) وكتب رأس عين (ع ) فوق التاء والعين من كلمة
(تعمد)): كأنه يشير إلى أنها ((عمد)) فتكون العبارة: ((غير عمد)» والله أعلم.
٢٩٢

الحديث: ٥٥٢
١٤ - بَابُ
إِثْمٍ مَنْ فَاتَتُهُ الْعَصْرُ
٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَُ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ(١)وَ قَالَ:(الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُثِرَ أَهْلَهُ،
وَمَالَهُ)).
قَالَ أَبُو عَبْد الله: ﴿يَتْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]: وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ
قَتَيلا و(٢) أَخَذْتَ مَالَهُ.
فواتُ صلاةِ العصرِ أريدَ بِهِ فواتُها في وقتِها كلِّه. كَذا فسَّرَهُ ابْنُ
عبدالبرِّ (٣)، وغيرُهُ، وقد فسَّرَهُ الأوزاعيَّ بفواتِ وقتِ الاختيارِ بعدَ أَنْ
رَوَى هذا الحديثَ عن نافعٍ، قال الأوزاعيُّ: وذلكَ أَنْ ترى ما على
الأرضِ من الشَّمسِ مُصْفِرًا (٤).
خرَّجَه أبو داودَ في «سننه»(٥)، ومحمدُ بْنُ يحيى الهمدانيّ في
((صحيحه))(٦).
٠٠
وقد أدرجَ بعضُهم هذا في الحديثِ .
(١) في ((اليونينية)): ((رسول الله)).
(٢) في ((اليونينية)): ((أَوْ)).
(٣) في ((التمهيد)) (٧٦/٢٤) وانظر (١٢٥/١٤).
(٤) في ((السنن)): «صفراء)) .
(٥) ((سنن أبي داود)) (٤١٥).
(٦) وقد سبق (ص٢٧٦) ذكر المصنف له، ولصحيحه تحت شرحه للأحاديث رقم (٤٨٢)،
و(٥٤٦)، و(٢٥٢) وسيأتي تحت رقم (٥٩٥).
٢٩٣

الحديث: ٥٥٢
كتاب مواقيت الصلاة
قال ابنُ أبي حاتم: سألتُ أبي عن حديث رَوَاه الوليدُ، عن الأوزاعيِّ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ فَاتَتْه صلاةٌ
العصرِ - وفواتُها أَنْ يدخلَ الشَّمسَ صفرةٌ فكأنَّما وُتُرَ أهلَه ومالَه)) فقال
أبي: التفسيرُ من قولِ نافعٍ انتهى(١).
وقد تبيَّن أنَّه من قولِ الأوزاعيِّ كما سبق.
وقد رُويتْ هذه اللفظةُ من حديثِ حجَّاجٍ والأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ،
عن ابنِ عمرَ، عن النَّبِيِّ وَّل .
ورَوَى هذا الحديثَ الزُّهريُّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النَّبِّ وَّه.
خرَّجَه من طريقِهِ مسلم(٢) .
ورواه حفصُ بْنُ غيلانَ، عن سالمٍ (١٨٧ - ب/ ك١) وزادَ فيهِ ((في
جماعة)). وهذه - أيضًا - مدرجةٌ، وكأنَّها من تفسير بعض الرواةِ (٢٧/ م)
فسَّرَ فواتَها المرادَ في الحديثِ بفواتِ الجماعةِ لها وإِنْ صلاها في وقتِها.
وفي هذا نظرٌ.
وعلى تفسيرِ الأوزاعيِّ يكونُ المرادُ تأخيرَها إلى وقت الكراهة. وإنْ
صلاها في وقتِها المكروهِ، وعلى مثل ذلك يحملُ ما رَوَاه مالكٌ فى
((الموطَّا))، عن يحيى بْنِ سَعيد، أَنَّه قَالَ: إنَّ الرجلَ لُيُصَلِّ الصلاةَ، وما
فاتَّتُهُ. ولَمَا فاتَه من وقتِها أعظمُ أو أفضلُ من أهلِهِ ومالِهِ(٣).
وقد رَوَاه الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن يعلى بنِ مسلمٍ،
(١) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٤١٥).
(٢) رقم (٦٢٦).
(٣) ((الموطأ)) (ص٣٤).
٢٩٤
:

١٤ - باب إثم من فاتته العصر
الحديث: ٥٥٢
عن طلقِ بْنِ حبيبٍ، عن النَّبِّ وَلَ مُرْسَلَا(١).
ورواه جعفرُ بْنُ عون، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بنِ المنكدرِ،
عن يعلى، عن طلقٍ عن النَّبِيِّ بَّهِ﴾ [مرسلا](٢).
ورواه حمَّدُ بْنُ زيدٍ، عن يحيى بْنِ سعيدٍ، عن محمدِ بْنِ المنكدرِ،
عن طلقِ بْنِ حبيبٍ قالَ: كانَ يقالُ، فذكره ولم يذكرِ النَّيَّ ◌ِ(٣).
خرَّجَهَ محمدٌ بْنُ نصرِ المروزيُّ من هذه الوجوهِ كلِّها.
وقد رُوِيَ موصولا من وجوهِ أُخر، فَرَوَى وكيعٌ في ((كتابِهِ)) عن
شعبة، عن سعدٍ بْنِ إبراهيمَ (٤)، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ عمرَ قَالَ: قَالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الرجلَ ليدركُ الصَّلاةَ وما فاتَه من وقتِهَا خيرٌ له من
أهله وماله))(٣).
٠٠
ورواه نعيمُ بْنُ حمَّدٍ، عن ابنِ المباركِ، عن شعبة(٥).
والزُّمريُّ لم يسمعْ من ابنِ عمرَ عند جماعةٍ، وقيلَ: سَمِعَ منه
حديثًا أو حديثين(٦).
ورَوَاه هشام(٧)، عن يعلى بْنِ عطاءٍ، عن الوليدِ بْنِ عبدِ الرحمنِ
(١) أخرجه المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٦٠).
(٢) من ((م)) ولعله ضرب عليها والحديث أخرجه المروزي (٢/ ٩٦٠ - ٩٦١).
(٣) المروزي (٢/ ٩٦١).
(٤) في ((م): ((سعد بن اهيم)).
(٥) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)» (١١٧/١٤).
(٦) انظر ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص ١٩٠)، و((جامع التحصيل)) (ص٢٦٩) و((تهذيب
الكمال)» (٤٢٣/٢٦).
(٧) كذا، وهو خطأ وصوابه: هشيم.
٢٩٥

الحديث: ٥٥٢
كتاب مواقيت الصلاة
القرشيّ(١)، عن ابنِ عمر، عن النَّبِيِّ بَلَه بنحوِهِ.
خرَّجَهَ محمدُ بن نصرِ المروزيُّ، والوليدُ هذا لا أعرفُه إلا أنْ يكونَ
الْجُرَشِيَّ الحمصيَّ؛ فإنَّه ثقةً معروفٌ.
ورَوَى إبراهيمُ بْنُ الفضلِ المدنيُّ، عن الْقُبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن
النَّبِيِّ فَّ قال: ((إنَّ أحدكم ليُصَلِّ الصلاةَ لوقتها، وقد تركَ من الوقتِ
الأول ما هو خيرٌ لَهُ من أهله وماله)).
خرَّجَهَ الدَّار قطنيُ (٢)، وإبراهيمُ هذا ضعيفٌ جدا.
ورَوَاه أيضًا - يعقوبُ بنُ الوليدِ المدنيُّ، عن ابْنِ أبي ذئبٍ، عن
المقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ وَّ نحوه(٣).
ويعقوبُ هذا المنسوبُ إلى الكذبِ .
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في ((الاستذكارِ)): وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من وجوه
ضعيفه(٤). وزَعَمَ في ((التمهيد)) أَنَّ حديث أبي هريرةَ هذا حسنٌ. وليس
كما قال(٥).
قالَ ابْنُ عبدِ البرِّ: كان مالكٌ - فيما حكَى عنه ابنُ القاسمِ - لا يعجبُهُ
قولُ يحيى بن سعيد هذا - يعني الذي حكاه عنه في ((الموطَّأ)) - وذكرَ ابْنُ
(١) المروزي (٩٦١/٢ - ٩٦٢) وفيه: ((الجرشي)) وهو الصحيح.
(٢) في ((السنن)) (٢٤٨/١).
(٣) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٧٥/٢٤) وقال: إسناده ليس بالقوي.
(٤) وانظر ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٤١٧/٨).
(٥) قال في («التمهيد)) (٧٦/٢٤): ((وهذا الحديث من أحسنها)).
٢٩٦

١٤ - باب إثم من فاتته العصر
الحديث: ٥٥٢
عبد (٢٨/م) البرِّ [أنَّ](١) سببَ كراهة (١٨٨ - أ/ ك١) مالك لذلك - واللهُ
أعلمُ - أنَّ وقتَ الصَّلاة كلِّها تجوزُ الصَّلاةُ فيه كَمَا قَالَ: ((ما بينَ هذين
وقتٌ) ولم يقل: أولَّه أفضلُ.
قالَ: والذي يَصحُّ عندي في ذلكَ أنَّ مالكًا إنَّما أنكرَ قولَ يحيى بنِ
سعيد؛ لأنَّه إنَّما صحَّ عن النَّبِيِّ وَ أَنَّه قالَ ذلك فيمنْ فَاتَتْهُ العصرُ
بالكلية حتَّى غربتِ الشَّمْسُ فكأنَّ مالكًا لم يَرَ أنَّ بين أول الوقتِ ووسطه
وآخرِه من الفضلِ ما يبلغُ ذهابَ الأهلِ، والمال؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو في
ذهابِ الوقت كلِّه(٢).
وفي هذا الحديثِ أنَّ ذَهَابَ بعضِ الوقتِ كذَهَابِ الوقتِ كلِّه، وهذا
لا يقولُه أحدٌ من العلماء لا مَنْ فَضَّلَ أَوَّلَ الوقتِ على آخرِهِ، ولا مَنْ
سَوَّى بينهما؛ لأنَّ فوتَ بعضِ الوقتِ مباحٌ، وفوتَ الوقتِ كلِّه لا يجوزُ،
وفاعلُه عاصٍ لله إذا تعمَّدَ ذلك، وليسَ كذلكَ مَنْ صَلَّى في وسطِ الوقتِ
وآخرِهِ وإِنْ كَانَ مَنْ صَلَّى في وَقِتِهِ أفضلَ منه انتهى(٣) .
وقد تقدَّمَ أنَّ الأوزاعيَّ حمَلَه على مَنْ فَوَّتَ [وقتَ](٤) الاختيارِ،
وصلَّى في وقتِ الضرورةِ وهو يدلُّ على أنَّ يَرَى أَنَّ التأخيرَ إليه محرمٌ
كما هُوَ أحدُ الوجهينِ لأصحابِنَا وهو قولُ ابْنِ وهبٍ، وغيرِهِ، ومنهم مَن
حَمَلَهُ على مَنْ فَوَّتَهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ بالكُليةِ .
(١) من ((م).
(٢) كتب هنا في ((م)): ((وهذا لا يقوله)) وهو انتقال نظر من السطر الذي بعده والله أعلم.
وانظر «التمهيد)» (٧٥/٢٤ - ٧٦).
(٣) من ((التمهيد)) (٧٦/٢٤).
(٤) من ((م)).
٢٩٧

الحديث: ٥٥٢
كتاب مواقيت الصلاة
وظاهرُ تبويبِ البخاريِّ يدلُّ على أنَّ الحديثَ محمولٌ على مَنْ فَوَّتَ
العصرَ عمدًا، لتبويبه عليه: ((باب إثم مَنْ فاتَتْه العصرُ)(١).
فأمَّا مَنْ نَامَ عنها، أو نَسيَهَا، فإنَّ كفَّارتَه أنْ يُصليَهَا إذا ذَكَرَها، وإذا
كانَ ذلك كَفَّارةً [له] (٢) فكأنَّه قد أدركَ بذلك فضلها في وقتِها وفي هذا
نظرٌ - ولا يلزمُ من الإتيانِ (٣) بالكفَّارةِ إدراكُ فضلِ ما فاتَه من العملِ .
وفي الحديث: ((مَنْ تركَ الجمعةَ فليتصدَّقْ بدينار أو بنصف دينار))(٤)
ولا يلزمُ من ذلكَ أن يلحقَ فضلَ مَنْ شَهِدَ الجمعةً، ولهذا المعنَى يقولُ
مالكٌ، والأوزاعيُّ، وغيرُهما فيمن صَلَّى في الوقتِ صلاةً فيها بعضُ
نقص أنَّها تعادُ في الوقتِ ولا تعادُ بعدَه؛ لأنَّ نقص فواتِ الوقتِ أشدَّ
من ذلك النقص(٥) المستدرك بالإعادة بعده - فلا يقومُ الإتيانُ به خارجَ
الوقتِ مقامَ الإتيانِ به في الوقتِ؛ بل الإتيانُ في الوقتِ بالصَّلاة على
وجه فيه نقص أكملُ من الإتيانِ بالصَّلاةِ كاملةٍ في غيرِ الوقتِ .
ويدلُّ على ما قالَه البخاريُّ: ما خرَّجَه الإمامُ أحمدُ من روايةٍ حجَّاجٍ
ابْنِ أَرْطاةَ، عن نافعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّنَّ قَالَ: ((الذي تفوتُهُ
صلاةُ العصرِ متعمدًا حتَّى تغربَ الشَّمْسُ فكأنَّما وُتُرَ أهلَه، ومالَه))(٦).
ويدلُّ عليه - أيضًا - حديثُ أبي هُريرةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى (٢٩/م) الله
(١) من ((م))، وفى ((ك١)) العبارة هكذا: لتبويبه عليه: باب عند التبويبه عليه: باب إثم من
فاتته العصر)) كذا وكتب عبارة: ((باب إثم من فاتته العصر)) بالخط الكبير كعادته في أوائل
الأبواب، وهو خطأ بین.
(٢) من ((م).
(٣) في ((ك)): ((البيان)).
(٤) أخرجه أحمد (٨/٥) وأبو داود (١٠٥٣) وغيرهما وهو حديث ضعيف.
(٥) في ((ك١)): ((الوقت)).
(٦) أحمد (١٣/٢).
٢٩٨

١٤ - باب إثم من فاتته العصر
الحديث: ٥٥٢
عليه وسَلَّمَ - (١٨٨ - ب/ ك١) ((مَنْ أدركَ رَكْعةٌ من العصرِ قبلَ أن تغربَ
الشَّمْسُ فلم تَفْتُه)).
خرَّجه الإمامُ أحمدُ من روايةٍ يحيى بْنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ،
عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ ◌َِّ(١).
ورواهُ أبو غسَّان، وهشامُ بْنُ سعدٍ، عن زيدِ بْنِ أسلمَ، عن عطاءِ بْنِ
يسارٍ، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَِّ بمعناه.
وقد رُويَ ما يدلُّ على أنَّ النَّاسىَ لا تكونُ الصَّلاةُ فائتةً له كالنَّائمِ،
فَرَوَى الإمامُ أحمدُ: ثنا محمدُ بْنُ جعفر: ثنا سعيد(٢)، عن قَتَادةَ، عن
عبدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، فذكرَ قصةَ نومِهِم مع النَّبِيِّ
وَخّ عن صلاةِ الصُّبْح حتَّى طلعتِ الشَّمْسُ وفيه قالَ: فقلتُ: يا رسولَ
الله، هَلَكْنَا فَاتَتْنَا الصَّلاةُ فقالَ رسولُ اللهِ وَهِ: (لم تَهْلِكُوا ولم تَفْتُكُمُ
الصَّلاةُ، وإنَّما تفَوتُ اليقظانَ ولا تفوتُ النَّائمَ)) وذَكَرَ الحديث (٣).
وقد حملَ بعضُ السَّلْفِ هذا الحديثَ على مَنْ فَاتَتْه العصرُ بكلِّ
حال، وإن كانَ ناسيًا - فرَوَى زُهيرُ بْنُ معاويةَ: نا أَسيدُ بْنُ شبرمةَ
الحارثيُّ قَال: سمعتُ سالما يُحدِّثُ، عن عَبدِ الله بْنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ وَله
قال: ((الذي تفوتُه صلاةُ العصر فكَأنَّما وُتْرَ أهلَه ومالَه)) قال: فقلتُ: وإنْ
نَسِيَ؟ قال: ((وإن نَسيَ فصلاةٌ يَنْسَاهَا أشدَّ عليه من ذَهاب أهله وماله)).
(١) أحمد (٢٥٤/٢).
(٢) كذا هنا، ومثله في ((أطراف المسند)) (٧/ ٥٢) وفي ((المسند)) المطبوع: ((شعبة)).
(٣) أحمد (٣٠٢/٥)، وفي ((م)) هامش قد ضاع أكثره من جراء التصوير.
٢٩٩

الحديث: ٥٥٢
كتاب مواقيت الصلاة
خرَّجَه الدارقطنيّ في أولِ كتابِهِ ((المختلف والمؤتلف))(١)، وذكرَ أن
أَسيدَ بْنَ شبرمةَ - يُقالُ: فيه أُسيدُ - أيضًا بالضم - قالَ: ولا أعرفُ له غيرَ
هذا الحديث وحديث آخر رَوَاه، عن الزَّهريِّ، [عن أبي هريرة، عن
النبيِ وَّ بمعناه](٢).
وقَوْلُهُ: ((وُتُرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)) قيلَ: معناه (خَرَبَ أَهْلَهُ ومَالَهُ وسُلَبَهُمَا))،
مِن وترتُ فلانًا إذا قتلتُ حميمَه. والوترُ الحقدُ بكسرِ الواوٍ ولا يجوزُ
فتحُها - وذلكَ أبلغُ من ذَهابِ الأهلِ والمالِ على غيرِ هذا الوجه؛ لأنَّ
الموتورَ يهمُّ بذهابٍ ما ذهبَ منه، ويطلبُ ثاره حتَّى يأخذَ به.
وقيلَ: معناه ((أُفْرِدَ عن أهلِهِ ومالِهِ) من الوِتْرِ - بكسرِ الواوِ وفتحِها -
وهو الفردُ أي: صارَ هو فردًا عن أهله وماله، وعلى هذا والذي قبله
فالمعنی ذهابُ جمیعِ أهلِهِ وماله.
وقيلَ: معناه ((قلل ونَقُصَ)) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ
أعمالَكُمْ ... ﴾ [محمد: ٣٥] وأهلَه ومالَه روايتُهما بنصبِ اللامِ على أنه
مفعولٌ ثانٍ لوُتِرَ؛ لأنَّ وترَ ونقصَ يتعدَّانِ إلى مفعولينٍ، ولو رُوِيَ بضم
اللامِ على المفعولِ الأولِ لم يكنْ لحنًا غيرَ أنَّ المحفوظَ في الروايةِ
الأولى(٣)، قَالَه الحافظُ أبو موسى المديني.
وقالَ أبو الفرجِ ابنُ الجوزيِّ في ((كشفِ المُشْكِلِ)): في إعرابِ الأهلِ
(١) أول كتاب الدار قطني مفقود، وانظر ((الإكمال)) (١/ ٥٧).
(٢) ليست في ((ك)) وكأنه ضرب عليها في ((م)) وهذه النسخة تصويرها سيء فتظهر فيها
خطوط بالعرض وبالطول - وقد سبق ذكر ذلك في ((المقدمة)) - بخلاف غيرها من النسخ،
والله أعلم.
(٣) كذا، والجادة: ((الأول)).
٣٠٠