Indexed OCR Text

Pages 221-240

٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل
الحديث: ٤٣٠
خرَّجُهُ الإمامُ أحمدُ، والنسائيُّ.
وخرَّجه ابنُ ماجهْ، وابنُ حبانَ في ((صحيحه)) ولفظُهما: إنَّ رسولَ الله
وَ قال: ((صَلُّوا في مرابضِ الغنمِ، ولا تُصلُّوا في أعطانِ الإبلِ؛ فإِنَّهاَ
خُلقتْ من الشَّياطين)) .
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: إن النبيَّ ◌َّ قالَ: ((لا تُصلُّوا في أعطانِ
الإبلِ؛ فإنَّها مَنَ الجنِّ خلقتْ، ألا ترون عيونَها وهَبََّهَا إذا نفرتْ، وصلُّواَ
في مَرَابِدِ الغنمِ؛ فإنَّها هي أقربُ من الرحمةِ))(١).
وخرَّجَهَ الشافعيُّ(٢) بإسناد فيه ضعفٌ، ولفظُه: ((إذا أدركتم الصَّلاةَ
وأنتم في مَراحِ الغنمِ فصلُّوا فيها؛ فإنَّها سكينةٌ وبركةٌ، وإذا أدركتكم
الصَّلاةُ وأنتم في أعطانِ الإبلِ فاخرجوا منها فصلُّوا فإنَّها جِنٌّ من جِنِّ
خُلقتْ، ألا تَرونها إذا نَفَرَتْ كيف تشمخُ بأنفها)» .
وله طرقٌ متعددةٌ عن الحسنِ .
قال ابنُ عبدِ البر(٣): رواه عن الحسنِ خمسةَ عشرَ رجلا، والحسنُ
سمعَ من عبدِ اللهِ بنِ مغفلٍ، قاله الإمامُ أحمدُ(٤). وخرَّجَ مسلمٌ حديثَه
(١) («المسند» (٨٥/٤ - ٨٦)، (٥٤/٥، ٥٥، ٥٦، ٥٧)، والنسائي (٥٦/٢).
(٣) («التمهيد)) (٣٣٣/٢٢).
(٢) ((الأم)) (١/ ٩٢).
(٤) وخرّج في ((المسند)) (٥٤/٥): ثنا وكيع، عن أبي سفيان بن العلاء قال: سمعت الحسن
يحدث أن رسول الله وَله قال: ((لولا الكلاب ... )) فقال له رجل: يا أبا سعيد ممن
سمعت هذا؟ فقال: حدثنيه - وحلف - عبد الله بن مغفل عن النبي ◌َّو منذ كذا وكذا
ولقد حدثنا في ذاك المجلس.
وراجع ((الكنى)) للبخاري (ص٣٩) و ((الجرح)) (٣٨١/٩)، ونقل الزيلعي عن البزار أن
الحسن سمع من عبد الله بن مغفلٍ ((نصب الراية)) (١/ ٩٠) وانظر ((العلل)) لعبد الله بن
أحمد (٣٤٤ - ٣٤٥ - ١٧٣١).
٢٢١

الحديث: ٤٣٠
كتاب الصلاة
عنه في ((صحیحِهِ)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) بإسناد جيدٍ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ قالَ: قالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلُّوا في مرابضِ الغنمِ ولا تُصلُّوا في أعطانِ الإبل)).
وخرَّجَه (٣٩٦ - أ/ ق) الطبرانيُّ من(٢) حديثِ عبدِ الله بنِ عمرٍو مرفوعًا
من رواية يونسَ بنِ بكيرٍ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، عنه مرفوعًا،
ويونسُ وثَّقه غيرُ واحد(٣).
لكن رواه مالكُ(٤)، عن هشام، عن أبيه، عن رجلٍ من المهاجرين
أَنَّه سألَ عبدَ الله بنَ عَمرو، فذكره ولم يرفعه.
ورواه عبدةُ، ووكيعٌ، عن هشامٍ: حدَّثْني رجلٌ منَ المهاجرينَ، فذكره
ولم یذکر في الإسنادِ ((عروة)) .
قالَ مسلمٌ في كتابِ ((التمييز)): (٥) وهو (٦) الصوابُ.
واختلفَ القائلونَ بالكراهةِ هل تصحَّ الصَّلاةُ في أعطانِ الإبلِ أم لا؟
فقال الأكثرونَ: تصحُّ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وأنَّه يعيدُ الصَّلاةَ
استحبابًا، والمشهورُ عن أحمدَ أنَّها لا تصحُّ وعليه الإعادةُ. وعنه رواية
ثالثة: إن علم بالنَّهي عنها (٧) لم تصح(٨) وإلا صحتْ. وعلَّلَه أصحابُ
الشَّافعيِّ بأنَّها تنفرُ فربما قطعتْ على المصلِّي صلاتَه.
(١) ((المسند)) (١٥٠/٤) و((الأوسط)) للطبراني (٦٥٣٧).
(٢) ((مجمع الزوائد)) (٢٦/٢).
(٤) ((التمهيد)» (٣٣٢/٢٢).
(٦) في ((ك١)): ((هو)).
(٨) في ((ك١)): (يصح)).
(٣) ((تهذيب الكمال)) (٤٩٣/٣٢).
(٥) ليس في المطبوع.
(٧) كلمة ((عنها)) ليست في ((ك١)).
٢٢٢

٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل
الحديث: ٤٣٠
وهذا ضعيفٌ لوجهین:
أحدُهُمَا: أنه مبطل (١) بالصّلاةِ إلى البعيرِ؛ لكن في كلامِ الشّافعيِّ ما
يدلُّ علی کراهتِه.
والثّاني: أنَّه ينتقضُ بما إذا لم تكنِ الإبلُ في أعطانِها؛ فإنَّ الكراهةَ لا
تنتفي بذلك.
والمنصوصُ عن الشافعيِّ التعليلُ بما وردَ به النصُّ («إنَّها خُلقتْ من
الشَّيَاطِين)).
قالَ الشافعيُّ(٢): وفي قولِ النبيِّ ◌َّ: ((لا تُصلُّوا في أعطانِ الإبلِ؛
فإنَّها جنٍّ من جنٍّ خُلقت)) دليلٌ على أنَّه إنما نهى عنها كما قالَ حينَ نامَ
عنِ الصلاةِ: ((اخرجُوا بنا من هذا الوادي؛ فإنَّه وادٍ به شيطانٌ، فكرِهَ أن
يصلِّيَ قربَ شيطان، وكذا(٣) (٨٦ - ب/ ك١) كره أن يصلِّيَ قربَ الإبلِ؛
لأنها خُلقتْ من جنٍّ، لا لنجاسةِ مَوضعها.
وذكر أبو بكر الأثرمُ معنى هذا - أيضًا - وأنه إنما (٤) كره الصَّلاةَ فى
معاطنِ الإبل؛ لأنها خلقت (٥) من الشياطين.
وقد فسَّرَ ابنُ قتيبة خلقَ الإبلِ من الشياطين بأنَّها خلقتْ من جنس
خُلقتْ منه الشَّياطينُ. قالَ: وورد في حديث آخرَ : ((إنَّها خُلِقتْ من أعيانِ
الشَّياطين)) يريد من(٦) نَواحيها وجوانبها. قال: ولم تزل العربُ تنسبُ
(١) في (ك١)): ((يبطل)).
(٢) ((الأم)) (١/ ٩٢).
(٤) ((إنما)) ليست في ((ق)).
(٣) في (٥ ١)): ((وكذلك)).
(٥) ((خلقت)) ليست في ((ق)).
(٦) كلمة ((من)) ليست في ((ق))، ولا ((تأويل مختلف الحديث)) (ص١٢٤).
٢٢٣

الحديث: ٤٣٠
ـسـ
كتاب الصلاة
جنسًا من الإبل إلى الحُوش فتقول: ناقةٌ حُوشية، وإبل حُوشيةٌ وهي أنفرُ
الإبلِ وأصعبُها، ويزعمونَ أن للجنِّ إبلا ببلاد الحُوش (٣٩٦ - ب/ق)،
وأَنَّهَا ضَربتْ في نعمِ النَّاسِ فنتجتْ منها هذه الحوشيةُ، فعلى هذا: يجوزُ
أن يرادَ بها (١) خُلِقتْ من نِتاجِ نعم (٣) الجنِّ، لا من الجنَّ نفسِها. انتهى.
ويجوزُ أن يكونَ خُلِقتْ في أصلِها من نارِ كما خلقت الجنّ من نارِ
ثم توالدتْ كما توالدتِ الجنَّ واللهُ تعالى أعلمُ. وزعمَ الخطَّبيُّ أنها نُسبتْ
إلى الشَّيَاطِينِ لما فيها من النّارِ والشرودِ قالَ: والعربُ تسمِّي كُلَّ مارد
شيطانًا. وقال أبو عبيد: المرادُ أنَّها في أخلاقها وطبائعها تشبهُ الشَّيَاطينَ.
وقد رُويَ (٣) في حديثٍ (٤) آخر: ((إنَّ على ذروةِ كلِّ بعيرٍ شيطانًا)) مع
أنَّ النبيَّ وََّ كان يُصلِّي في السفرِ على بعيرِه النوافلَ. وهذا(٥) مما يَستدلُّ
به من يقولُ: إنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ في الأعطان (٦) لا يمنعُ صحةَ الصلاة.
واختلفوا في تفسيرِ أعطانِ الإبلِ، فقالَ الشَّافِعِيُّ: العطنُ قرب البئرِ
التى(٧) يستقى منها، وتكون(٨) البثَرُ في موضعٍ والحوضُ قريبًا منها،
فِيُصَب فيه فيُملأ فتُسقَى الإبلُ ثم تُنَحَّى عن البئرِ شيئًا حتى تجد الواردةُ
موضعًا؛ فذلك العطن، قال: وليسَ العطنُ مَراحَها الذي تبيتُ فيه وكره
أصحابُهُ الصَّلاةَ في مأواها بالليلِ دون كراهةِ العَطنِ .
(١) في ((ك ١)): («يجوز أن يرا أنها)).
(٣) في ((ك ١)): ((ورد)).
(٤) (المسند)) (٤٩٤/٤) و((الإحسان)) (٦٠٢/٤).
(٦) في ((ك١)): ((أعطان الإبل)).
(٨) فى ((ك١)): ((ويكون)).
(٢) ((نعم)) ليست في ((ق)).
(٥) ((وهذا)) ليست في ((١)).
(٧) في ((ك١)): ((الذي)).
٢٢٤

٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل
الحديث: ٤٣٠
وقال الإمامُ أحمدُ في رواية ابنه عبد الله: العَطْنُ الذي تقيم (١) في
المكان تأوي إليه(٢).
وقال في رواية ابنه صالح(٣): يعيدُ الصَّلاةَ إذا صلَّى في الموضعِ الذي
تأوي إلیه .
وقال أبو بكر الخلالُ: العَطَنُ الذي تأوي إليه بالليلِ والنهارِ .
وقال أصحابُ مالكٍ: لا يصلَّى في أعطانِ الإبلِ التي في المناهلِ .
وهذا يشبه(٤) قولَ الشَّافعيِّ، وهو وجهٌ لأصحابنا - أيضًا - وأنَّ العَطنَ
هو موضعُ اجتماعِها إذا صَدَرَتْ عن المنهلِ، وبذلك فسَّرِه كثيرٌ من أهلٍ
اللغة .
وبكلِّ حال ، فليسَ الموضعُ الذي تنزلُه في سيرِها عَطنًا لها ولا تكره
الصَّلاةُ فيه، والنبيُّ نَّهِ إِنَّما كان يعرضُ بعيرَهَ ويصلِّي إليه في أسفارِهِ،
ولم يكن يدخلُ إلى أعطانِ الإبلِ فيعرض البعيرَ ويصلِّ إليه فيها، فلا
تعارض(٥) - حينئذ - بين صلاتِه إلى بعيرِه وبين نهيه عن الصّلاةِ في
أعطانِ الإبل كما توهَّمَه البخاريُّ ومن وافقَه والله أعلم.
وأما مواضعُ البقرِ: فغيرُ منهيٍّ عن الصَّلاة فيه (٣٩٧ - أ/ ق) عند أكثر
العلماءِ، ومنهم: عطاءٌ، ومالكٌ، وابنُ المنذَرِ، واستدلَّ له بقولِ النبيِّ
وَ له : ((أينما (٨٧ - أ/ ك١) أدركتك(٦) الصَّلاةُ فصلِّ؛ فهو مسجدٌ) وقد ورد
(١) في ((ك١)): ((يقيم)).
(٢) ((مسائل عبدالله)) (ص: ٦٧-٦٨) ونصه: ((والعطن [للإبل] التى تقيم في المكان))
(٤) في ((ك١)): ((شبه)).
(٣) ((مسائل صالح)) (٢/ ٢٠١).
(٥) في ((ك١)): ((يعارض)).
(٦) في (ك١)): ((أدركت)).
٢٢٥

الحديث: ٤٣٠
كتاب الصلاة
فیه حدیثان :
أحدُهما: خرجه ابنُ وهب في ((مسنده))، عن سعيدِ بنِ أبي أيوبَ،
عمن (١) حدثه عن عبدِ اللهِ بنِ مغفل صاحبِ النبيِّ وَّ أَنَّه قال: نهى
رسولُ الله ◌ِّهِ أن يُصلَّى في معاطنِ الإبلِ، وأمر أن يُصلَّى في مراحِ
الغنم والبقرِ. وفي إسنادِه جهالة.
والثَّاني: من حديثِ ابن لَهِيعةَ، عن حيي بنِ عبدِ اللهِ أنَّ أبا عبد
الرحمن الحُبُلي حدَّثَه عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ كان
يصلِّي في مَرابد الغنمٍ، ولا يصلِّي في مَرابدِ الإبلِ والبقر.
خرَّجَه الإمامُ أحمدٌ(٢)، وهذا(٣) إسنادٌ ضعيفٌ، واللهُ أعلمُ.
(١) في ((ك١)): ((عن)).
(٣) في ((ك١)): ((وهو)).
(٢) ((المسند)) (١٧٨/٢).
٢٢٦

الحديث: ٤٣١
٥١ - بَابُ
مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ
فَأَرَادَ بِهِ (١) اللّهَ عَزَّ وَجَلّ(٢)
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرِي أَنَسٌّ: قَالَ النَّبِيُِّهِ: (( عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا
◌ُصَلِّی)».
٤٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ(٣)، عَنْ مَالك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبَدِ اللهِ بنِ عَبَّاسِ قَالَ: انْخَسَفَتِ الَشَّمَّسُ فَصَلَّى
رَسُولُ اللّه ◌َ ثُمَّ قَالَ: (أُرِيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالَيَوْمٍ قَّطُّ أَفْظَعَ)).
حديثُ ابنِ عباسٍ هذا (٤) قد خرجه بطولِهِ في «أبوابِ صلاة
الكسوف)»(٥)، وخرَّجَ فيها - أيضًا - معناه من حديث أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ
الصديق - رضي الله عنهما (٦).
وأما حديثُ أنسِ الذي علَّقه: فهو قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ فيه أنَّ
ے
النبيَّ وَِّ صلَّى الظُّهرَ عند الزوالِ ثم صعدَ المنبرَ فذكر الساعةَ ثُمَّ قالَ:
((مَنْ أَحبَّ أن يسألَ عن شيءٍ فليسألْ))، وفي آخره قال: ((عُرِضتْ عليّ
الجنَّةُ والنارُ آنفًا في عرضِ هذا الحائطِ فلم أرَ كالخيرِ والشرِّ)، وقد خرَّجه
البخاريّ بتمامه في باب ((وقت الصَّلاة عند الزوال))(٧) كما سيأتي إن شاء
ء
(١) (به)) ليست في ((ك١)).
(٢) ((عز وجل)) ليست في ((اليونينية))))، وفى بعض نسخ ((الصحيح)): ((وجه الله تعالى))،
وفي بعضَها بإسقاط كلمة : ((وجه)).
(٣) في ((ك١)): ((مسلم)) .
(٤) ((هذا)) ليست في ((ك١)).
(٦) فى ((ك١)): ((عنها)).
(٧) (فتح: ٥٤٠).
٢٢٧
(٥) (فتح: ١٠٥٣).

الحديث : ٤٣١
كتاب الصلاة
اللهُ تعالى، وخرَّجَ بعضَه في كتابِ ((العلم)) (١) - فيما سبق - وخرجه(٢)
أيضًا - بمعناه من حديث قتادةَ، عن أنسٍ في كتاب ((الفتن)).
وليسَ في حديثِ الزهريِّ، وقتادةَ، عن أنس (٣٩٧ - ب/ق) أنَّ
عرضَ الجنةِ والنَّارِ عليه كان في الصَّلاةِ.
وخرَّجَ (٣)- أيضًا - في باب (رفعِ البصرِ إلى الإمامِ في الصَّلاةِ)) من
حديثٍ فليحٍ: ثنا (٤) هلالُ بنُ علي، عن أنس قال: صلَّى لنا رسولُ الله
وَّهِ ثم رَقِىَ المنبرَ فأشارَ بيده قبلَ قبلة المسجدِ، ثم قال: «لقدْ رأيتُ الآن
منذ صلَّيتُ لكم الصَّلاةَ الجنةَ والنارَ ممثلتين في قبلةِ (٥) هذا الجدارِ فلم أرَ
كاليومٍ في الخير والشرِّ) - ثلاثًا.
وخرَّجَ مسلمٌ (٦) من حديثِ عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاء،
عن جابر قال: انكسفت الشَّمسُ في عهد رسولِ الله وَّهِ، فذكر صلاتَه
وخطبتَه بعد الصلاة، وأنَّه قالَ فيها: ((ما من شيءٍ توعدونه إلا قد(٧)
رأيتُه في صلاتي هذه، لقد جيء بالنّارِ وذلك حين رأيتموني تأخرتُ
مخافةً أن يصيبني من لفحِها)»، وذكر الحديث.
ومقصودُ البخاريِّ بهذا الباب: أنَّ من صلَّى الله عزَّ وجلَّ وكانَ بين
يديه شيءٌ من جنسِ ما عُبد من دونِ اللهِ كنارٍ وتَنورِ وغير ذلك، فإنَّ
صلاتَه صحيحةٌ. وظاهرُ كلامه أنَّه لا يكره ذلك أيضًا.
واستدلَّ بعرضِ النَّارِ على النبيِّ وَّ في صلاته. وفي هذا الاستدلال
(١) (فتح: ٩٣).
(٣) (فتح: ٧٤٩).
(٥) ضرب على ((قبلة)) في ((ق)).
(٧) في ((ك١)): ((وقد)).
(٢) (فتح: ٧٠٨٩).
(٤) في ((ك١)): ((حدثنا).
(٦) (٩٠٤).
٢٢٨

٥١ - باب من صلى وقدامه تنور أو نار
الحديث : ٤٣١
نظرٌ.
قال الإسماعيليُّ: ليسَ ما أراه اللهُ من النَّارِ حتى (٨٧ - ب/ ك١) اطلعها
بمنزلة نارٍ يتوجهُ المرءُ إليها وهي معبودةٌ لقومٍ ولاحكم ما أُرِيّ(١) ليخبرَهم
بما رآه (٢) كحكم من وضعَ الشَّيءَ بين يديه أو رآه قائمًا موضوعًا فجعله
أمام مصلاه وقبلته. انتهى.
فأشارَ إلى الفَرقِ من وجوه :
منها: أنَّ من كره الصَّلاةَ إلى نارٍ أو تنور، فإنَّما كره أن يتعمدَ
المصلِّي ذلك، وعَرَضُ النَّارِ على النبيِّنَِّ لم يكن كذلك.
ومنها: أنَّ المكروهَ استقبالُ نار الدنيا؛ لأنَّها هي التي عُبدتْ من دون
الله عز وجل(٣)، فأمَّا نارُ جهنَّمَ فهي دارُ عقابِ الكفارِ، فليستْ كنارٍ
الدنیا .
ومنها: أنَّ ما أُرِيَ (٤) النبي (٥) ◌ِِّ من أمرٍ الغيبِ لا يتعلقُ به أحكامُ
أمورِ الدنيا، ومن هنا قيل: إنَّ جبريلَ لما شقَّ قلبَ النبيّ وَّ وغسله في
طستِ من ذهب لم يَجرِ على ذلك حُكمُ استعمالِ أواني الذهبِ في
الدنيا.
وقد (٣٩٨ - أ/ ق) كَرِهَ أكثرُ العلماءِ الصَّلاةَ إلى النَّارِ ، منهم: ابنُ
سيرينَ كره الصَّلاةَ إلى تنور، وقال: هو بيتُ نار. وقال سفيانُ: يُكْرَهُ أن
يوضعَ السِّراجُ في قبلة المسجد. وقال إسحاقُ: السِّرَاجُ لا بأسَ به،
والكانون أكرهه، نقله عنه حربٌ.
(١) في ((ك١)): ((ما رأى)).
(٣) ((عز وجل)) ليست في ((١٥)).
(٥) ضبَّب عليها في (ق)).
(٢) (بما رآه)) ليست في ((ك١)).
(٤) في (ك١)): ((رأى)).
٢٢٩

الحديث : ٤٣١
كتاب الصلاة
وقال مهنا: سألتُ أحمدَ عن السِّرَاجِ والقِنديلِ يكونُ في قبلةِ
المسجد؟ قال: أكرهه، وأكره كلَّ شيء، حتى كانوا يكرهونَ أن يجعلوا
في القبلة شيئًا حتى المصحف. وكان ابنُ عمرَ يكره أن يكونَ بينه وبين
القبلة شيءٌ. ونقل الفرجُ بنُ الصَّباحِ البُرْزَاطِي(١) عن أحمدَ قالَ: إذا كانَ
التنورُ [في قبلتِه لا يصلّ إليه؛ كان ابنُ سيرينَ يكره أن يصلِّيَ إلى
التنور](٢) .
ووجهُ الكراهة: أنَّ فيه تشبهًا بعُبَّادِ النَّارِ في الصورةِ الظاهرة، فكره
ذلك وإن كان المصلِّي يصلِّي لله كما كُرِهتِ الصَّلاةُ في وقتِ طلوعِ
الشّمسِ وغروبها لمشابهة سجود المصلِّي لله(٣) سجود عباد الشمس لها في
الصورة وكما تكره الصَّلاةُ إلى صنمٍ وإلى صورةٍ مصورةٍ.
قال أحمدُ في روايةِ الميمونيِّ: لا تصلي إلى صورةٍ منصوبةٍ في
ءِ
وجهك. وقد سبقَ ذكرُ كراهة الصّلاةِ إلى الصورِ .
وأما استثناءُ إسحاقَ من ذلك السِّراجَ: فقد أشارَ حربٌ إلى
الاستدلال له بما خرَّجه من طريقِ أسباطٍ، عن سماكِ، عن عكرمةَ، عن
ابنِ عباسٍ قال: بينما رسولُ اللهِ وَلَهِ يصلِّي على حصير وبين يديه مصباحٌ
قال: فجاءت الفأرةُ فأخذت الفتيلةَ فألقتْها على الحصيرِ وأحرقتْ منه قدرَ
الدرهمِ فقال رسولُ اللهِ وَاخِلّهِ: ((إنَّ الفويسقةَ لتضرمُ على أهلِ البيتِ)).
وقد خرَّجه أبو داودَ(٤)، وليس عنده ذكر الصلاة على الحصير، ولا
(١) ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (٢٥٥/١)، والأنساب (٣١٨/١).
(٢) ما بين المعقوفين ليس في ((ك١)).
(٤) أبو داود (٥٢٤٧).
(٣) تصحَّفت في ((ق)) إلى ((فيه)) .
٢٣٠

٥١ - باب من صلى وقدامه تنور أو نار
٠٤٠
الحديث : ٤٣١
أن بين يديه مصباحًا(١).
ولو وُضعَ بين يدي المصلِّي في صلاته نار(٢) لم تبطلْ صلاتُه ويزيلُها
عنه بحسبِ القدرةِ.
وفي صحيح مسلمٍ (٣)، عن أبي الدرداءِ قالَ: قَامَ رسولُ اللهِ وَلِّهِ فأمَّ
فسمعناه يقولُ: ((أعوذُ بالله منك)) ثم قالَ: ((ألعنُك بلعنة الله)) - ثلاثا -
وبسطَ يديه كأنَّه تناولَ شيئا، فلما فرغ (٣٩٨ - ب/ق) من الصَّلاة قلنا:
يا رسولَ الله قد سَمِعناك تقولُ في الصَّلاةِ شيئًا لم نسمعْكَ تقولُّه قبل
ذلك، ورأيناك بسطتَ (٨٨ - أ/ ك١) يدَكَ. قال: ((إنَّ عدوًّ اللهِ إبليسَ
جاءَ بشهابٍ من نارٍ ليجعلَه في وجهي فقلتُ: أعوذُ بالله منك - ثلاثَ
مرات - ثم قلتُ: ألعنُك بلعنة الله التَّامةِ فلم يستأخرْ - ثلاث مرات -،
ثم أردتُ أخذَه، والله لولا دعوةُ أخينا سليمانَ عليه السَّلامُ لأصبحَ موثقًا
يلعبُ به ولدانُ أهل المدينة)).
وخرَّجَ الإمامَ أحمدُ(٤) من حديثِ سماكِ بنِ حربٍ سمعَ جابرَ بنَ
سمرةً يقول: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَ لَهِ صلاةَ الفجرِ فجعلَ يهوي بيدِهِ
فسألَه القومُ حين انصرفَ فقالَ: ((إنَّ الشَّيطانَ كان يلقي عليَّ شررَ النار
ليفتني عن الصَّلاةِ فتناولتُهُ، فلو أخذتُه ما انفلتَ منِّي حتى يُناطَ إلى
ساريةٍ من سواري المسجدِ ينظرُ إليه ولدانُ أهلِ المدينةِ».
(١) في ((ق)): ((مصباحٌ))، وفي ((١٥)» بدون تنوين.
(٢) في ((ك١)): ((نار في صلاته)).
(٤) ((المسند)) (١٠٤/٥ - ١٠٥).
٢٣١
(٣) (٥٤٢).

الحديث: ٤٣٢
كتاب الصلاة
٥٢ _ بَابُ
كَرَاهِيَة الصَّلاة في الْمَقَابِرِ
٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُم مِنْ صَلَائِكُمْ، وَلاَ
تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا)).
قد سبقَ استدلالُ ابنِ المنذرِ(١) بهذا الحديث - أيضًا - على كراهة
الصَّلاةِ في المقبرةِ، وكذلك الخطّابِيُّ (٢) وغيرُه.
ووجه ذلك(٣): أنَّ النبيَّ وَّ أمرَهم بأن يصلُّوا في بيوتِهم ولا
يتخذوها قبورًاً بتركِ الصَّلاة فيها فدلَّ على أنَّ القبورَ ليسَ فيها صلاةٌ،
وأنَّ البيتَ يُكْرَهُ إخلاؤُه عن الصَّلاة لما فيه من تشبيهِه بالمقابرِ الخاليةِ عن
الصَّلاة؛ ولكن قد يُقالُ: النَّهيُ عن تشبيهِ البيوتِ بالمقابرِ في إخلائِها عن
الصلاة إنما يُرادُ منه أَنَّ المقابرَ تخلو(٤) عن الصلاةِ فيها في الواقعِ المشاهدِ؛
فإنها ليستْ محلا لصلاة الأحياء عادةً، ومن فيها من الأموات لا يقدرونَ
على الصَّلاة، فصارت خاليةً عن الصَّلاة عادةً.
وهذا إخبارٌ بحسبِ الغالبِ وإلا فقد شُوهِدَ (٥) صلاةُ بعضِ الموتى في
قبورِهم، ورُؤي ذلك في المنامِ واليقظة؛ ولكنَّه نادرٌ، فنهى عن تشبيه
(١) «الأوسط)) (٢/ ١٨١).
(٣) ((ذلك)) ليست في ((ك١)).
(٥) في ((ق)): ((شهود)).
(٢) «أعلام الحديث)) (١/ ٣٩٣).
(٤) في ((ق)): ((إنما يراد منه خلوان المقابر)).
٢٣٢

٥٢ - باب كراهية الصلاة في المقابر
الحديث : ٤٣٢
بيوت الأحياءِ بمقابرِ الأموات في إخلائها عن الصلاة لذلك(١).
وقد(٢) قال الحسنُ: من أوى إلى فراشه طاهرًا، وذكر اللهَ (٣٩٩ -
أ/ ق) حتى تغلبه عيناه كان فراشُه له مسجدًا، ومن أوى إلى فراشه غيرَ
طاهرٍ ولم يذكرِ اللهَ كان فراشُه له قبرًا. يشيرُ إلى أنَّه يصيرُ كالقبرِ لخلوه
عن الذكرِ، والنائم على الذكرِ يصيرُ له كالمسجدِ وحينئذٍ فلا يبقى في
الحديثِ تعرضٌ لمنعِ الصَّلاةِ في المقابرِ شرعًا؛ حيثُ كان المرادُ ذكرَ امتناع
الصَّلاةِ فيها في الواقع.
وقد قالَ بعضُهم في قوله: ((ولا تَتَّخذوها قبورًا)): إنَّه نهى عن الدفنِ
في البيوتِ. وهذا بعيدٌ جدّاً. قال الخطَّبيُّ(٣): لا معنى لقولٍ من تأوله
على النَّهي عن دفن الموتى في البيوتِ؛ فقد دُفِنَ النبيُّ بَّ في بيتِه الذي
کان یسکنُه.
وأكثرُ العلماءِ على جوازِ الدفنِ في البيوتِ. ووصى يزيدُ بنُ عبد الله
ابنِ الشخير أن يدفنَ في دارِهِ فدُفِنَ فيها، وشهدَ الحسنُ جنازتَه (٨٨ -
ب/ ك١) ولم ينكر ذلك أحدٌ. قال أحمدُ: لا بأسَ أن يشتريَ الرجلُ
موضعَ قبرِهِ ويُوصي أن يدفنَ فيه إذا مات، قد فعلَ ذلك عثمانُ بنُ
عفان، وعائشةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز رضي اللهُ عنهم، وقال - أيضًا -:
ما أحبُّ أن يدفنَ في بيتِهِ، يدفنُ في المقابرِ مع المسلمين [وقال فيمنْ
وصَّى أن يدفنَ في دارِهِ: يدفن في المقابرِ مع المسلمين، وإن دُفِنَ في دارِهِ
(١) في ((ق)): ((بمقابر الأموات ما في إخلائها عن الصلاة فيها لذلك)). والمعني بدون ((ما))
و ((فيها)) أليق، وفي ((ك)): ((كذلك))، بدلا من ((لذلك)).
(٢) ((قد)) ليست في ((ك)).
(٣) ((أعلام الحديث)) (١/ ٣٩٣).
٢٣٣

الحديث : ٤٣٢
كتاب الصلاة
أضرَّ بالورثةِ، والمقابرُ مع المسلمين] (١) أعجبُ إليّ.
وتأولَه بعضُ أصحابنا على أنَّه نقصَ من قيمة الدار بدفنه فيها أكثرَ
من مقدارِ ثلثِ مالِ الموصي(٢). وهذا بعيدٌ جدّا؛ بل ظاهرُ هذه الرواية
تدل(٣) على أنَّ من وصَّى في دفنه بمكروه أو بما هو خلافُ الأفضل أنَّه لا
تُنفذ (٤) وصيتُهُ بذلكَ.
(١) ما بين المعقوفين ليس في ((ك١)).
(٣) في ((ك)): ((يدل)).
(٢) في ((ك)): ((الوصي)).
(٤) في (ك١)): ((لا تقبل)).
٢٣٤

٥٣ - بَابُ
الصَّلاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلَيْا رِضْوَنُ اللهِ عَلَيْهِ (١)حَرِهَ الصَّلاَةَ بِخَسْفِ بَابِلَ
هذا مرويٌّ عن عليٍّ من وجوهٍ، فروى وكيعٌ، عن سفيانَ (٢)، عن
عبدِاللهِ بنِ شريكِ العامريِّ، عن عبدِ الله بن أبي المحل، عن عليَّ أنَّه كره
الصَّلاةَ في الخسوفِ. ورواه غيرُ وكيعٍ فقال: عن عبدِ اللهِ بنِ أبي المحل،
عن أبيه، عن عليّ.
قال عبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدَ (٣): (٣٩٩ - ب/ق) سمعتُ أبي يُسألُ
عن الأرضِ الخسف أيُصلَّى فيها؟ فكره ذلك، وقال حديث عليَّ، وذكر
هذا الحديثَ.
وروى يعقوبُ بنُ شيبةَ، عن أبي نعيمٍ: حدثنا(٤) المغيرةُ بنُ أبي الحُر٥ِّ
الكندي: حدَّثْني حجر بنُ عنبس قال: خرجنا مع علي إلى الحَروريةِ فلما
وقعَ في أرضِ بابلَ قلنا: أمسيتَ يا أميرَ المؤمنين، الصلاة الصلاة، قال:
لم أكن أصلِّي في أرضٍ قد خسفَ اللهُ بها(٣). وخرَّجه وكيعٌ، عن مغيرةَ
و= (٥)
بنِ أبي الحُرِّ (٥) به بنحوه.
(١) في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)).
(٢) ((تاريخ البخاري الكبير» (٥/ ٢١٠) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان.
(٣) ((مسائل عبد الله بن أحمد)) (ص٦٨).
(٤) في ((ق)): ((ثنا)).
(٥) في ((ق)) و((ك١)): ((الخير)) والصواب: ((الحُر)) كما في ((تهذيب الكمال))، و((تقريب التهذيب))
وهو كذلك في ((مسائل عبد الله)) (ص٦٨).
٢٣٥

كتاب الصلاة
وهذا إسنادٌ جيدٌ، والمغيرةُ بنُ أبي الحُرّ(١) وثَّقَه ابنُ معينٍ، وقال أبو
حاتم(٢): ليسَ به بأسٌ. وحجر بنُ عنبس قال ابنُ معينٍ: شيخٌ كوفيٌّ
مشهور .
ورُوِيَ عن عليٍّ مرفوعًا، خرَّجَه أبو داودَ (٣) من طريقِ ابنِ وهبٍ: ثنا
ابنُ لهيعةَ، ويحيى بنُ أزهر، عن عمارةَ بن سعدِ المراديِّ، عن أبي
صالحِ الغفاريِّ أنَّ عليّا مرَّ ببابلَ وهو يسيرُ فجاءه المؤذنُ يؤذنُه بصلاة
العصرِ فلما برز منها أمرَ المؤذنَ فأقام الصَّلاةَ، فلما فرغَ قالَ: إنَّ حِبِّيَّ
نهاني أن أصلِّيَ في المقبرةِ، ونهاني أن أصلِّي في أرضِ بابلَ؛ فإنَّها
ملعونةٌ .
وخرجه - أيضًا - من وجه آخر، عن ابنِ وهبٍ: أخبرني يحيى بنُ
أزهرَ، وابنُ لهيعة، عن الحجاجِ بنِ شدادٍ، عن أبي صالحِ الغفاري، عن
علي بمعناه.
وقال ابنُ عبدِ البرّ(٤): هو إسنادٌ ضعيفٌ، مُجمعٌ على ضعفِه، وهو
مُنقطعٌ غيرُ متصلٍ، وعُمارة بن سعد(٥)، والحجاجُ، وأبو صالحٍ:
مجهولون .
قلتُ: الموقوفُ أصحُّ [وضعَّفَ أبو الحسين بنُ المنادي الجميعَ](٦)،
واللهُ أعلم .
(١) في ((ق)) و ((ك)): الخير))، خطأ.
(٢) في ((ك)): ((ابن أبي حاتم)) وانظر (الجرح)) (٢٢١/٨) و((سؤالات الدارمي)) (ص: ٩٤).
(٤) ((التمهيد)) (٢٢٤/٥).
(٣) ((السنن)) (٤٩٠ - ٤٩١).
(٥) ((بن سعد)) ليست في ((ق)).
(٦) ما بين المعقوفين ليس في ((ك))، وابن المنادي مترجم في ((السير)) (١٥/ ٣٦١).
٢٣٦

٥٣ - باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب
الحديث : ٤٣٣
قال البخاريُّ رحمه اللهُ:
٤٣٣ - ثَنَا إِسْمَاعيلُ بْنُ عَبْد الله: حَدَّثَنِي مَالكِ، عَنْ عَبْد الله بْن دينَار،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َّ قَالَ: ((لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاء
الْمُعَذَّبِينَ إِلاَ أَنْ تَكُونُوا(١) بَاكِينَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ
لا يُصِبْكُمْ مَا أَصَابَهُمْ)).
هذا الحديثُ نصَّ في المنعِ من الدخولِ على مواضعِ العذابِ إلا على
(٨٩ - أ/ ك١) أكملِ حالاتِ الخشوعِ والاعتبار وهو البكاءُ من خشية الله
وخوفِ عقابه الذي نزلَ بمن كان في تلك البقعة، وأنَّ الدخولَ على غيرِ
هذا الوجه يُخشى منه إصابةُ العذاب الذي أصابهم.
وفي هذا تحذيرٌ من الغفلة عن تدبر الآيات (٤٠٠ - أ/ ق)، فمن رأى
ما حلّ بالعصاةِ ولم يتنبه بذلك من غفلته ولم يتفكّرْ في حالِهم ويعتبر
بهم فليحذرْ من حلول(٢) العقوبة به(٣)؛ فإنَّها إنما حلَّتْ بالعصاةِ لغفلتِهم
عن التَّدبرِ وإهمالِهِم اليقظةَ والتذكرَ.
وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجوزُ السُّكنى بمثل هذه الأرضِ ولا الإقامةِ
بها. وقد صرَّحَ بذلك طائفةٌ من العلماء(٤)، منهم: الخطَّبي(٥) وغيرُه،
ونصَّ عليه أحمدُ؛ قال مهنا: سألتُ أحمدَ عمَّنْ نزلَ الحجرَ أيشربُ من
مائها ويعجنُ به؟ قال: لا إلا لضرورةٍ، ولا يقيم بها .
(١) في ((ك)): ((يكونوا)).
(٣) ((به)) ليست في ((ك)).
(٥) ((أعلام الحديث)) (٣٩٤/١).
(٢) ((حلول)) ليست في ((ك)).
(٤) ((العلماء)) ليست في ((ك)).
٢٣٧

الحديث : ٤٣٣
كتاب الصلاة
وعلى هذا فيتوجهُ أنَّ من صلَّى بها لغيرِ ضرورةٍ ولم يكن في صلاته
على حالةِ الخشوعِ والخشيةِ التي رخّصَ النبيّ وَ لَّفي الدخولِ عليها أن
لا تصح صلاتُه على قياسِ قول من قال: إنَّ الصَّلاةَ في المقبرةِ وأعطان
الإبل لا تصح(١)؛ إلا أن يفرق بأنَّ النهي هنا (٢) عن الدخولِ لا يختصَّ
الصلاة بخلاف(٣) النهي عن الصلاة في المقبرة والأعطان فيتخرّجُ حينئذ
الصلاةُ منها (٤)على الصلاةِ في الأرضِ المغصوبة كما سبق ذكرُه.
وأحمد في روايةٍ مع جماعةٍ من أهلِ الظَّهرِ يوجبون الإعادةَ على
من صلَّى في أرضِ غصب، وكذلك إسحاقُ في رواية عنه إذا كان عالمًا
بالنَّهي.
وأما الوضوءُ من مائها: فقد صرَّحَ طائفةٌ من الظَّاهريةِ بأَنَّه لا يصحُّ،
ويتخرجُ على قواعدِ الإمامِ أحمدَ وأصحابِه على الخلافِ عندهم في
الوضوءِ بالماءِ المغصوبِ.
وقد وردَ النَّهي عن الوضوء بخصوصِه في حديث خرجه الطبرانيّ
في ((أوسطه))(٥) من روايةِ ابنِ إسحاقَ: حدثني محمدُ بنُ طلحةً بن يزيد
ابن ركانة(٦)، عن إبراهيمَ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، عن أبيه قالَ: مرَّ
رسولُ الله (٧) بِّهِ بالحجرِ واستقى النَّاسُ من بئرِها ثم راحَ فيها فلما
استقلَّ أمرَ النَّاسَ أن لا يشربوا من مائها ولا يتوضئوا منه، وما كانَ من
(١) في ((ك)): ((لا يصح)).
(٣) في ((ك١)): ((خلاف)).
(٥) ((الأوسط)) (٣٤٠٤).
(٧) في ((ك)): ((النبي)).
(٢) في ((ك١)»: ((هذا)).
(٤) في ((ك١)): «فيها)).
(٦) فى ((ك١)): ((رخانة)) وضبب عليها.
٢٣٨

٥٣ - باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب
الحديث : ٤٣٣
عجينٍ عُجِنَ بشيءٍ من مائِها أن يُعَلَفَ به ففعل النَّاسُ.
وروى يونسُ بنُ بكيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ: حدثني عبدُ الله بنُ أبي
بكرِ بن حزم، عن العباسِ بنِ سهلِ بنِ سعدٍ - أو - عن العباسِ بنِ سعدٍ
(٤٠٠ - ب/ ق) أنَّ رسولَ الله وَلّ حين مرَّ بالحجرِ ونزلها استقى النَّاسُ
من بئرِها، فلما راحوا منها قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ للنَّاسِ: ((لا تشربوا من
مائها شيئًا، ولا تتوضئوا منه للصّلاة، وما كان من عجينِ عَجنتم به
فاعلفوه الإبلَ ولا تأكلوا منه شيئًا)).
وهذا مرسلٌ.
وقد خرَّجَ البخاريُّ حديثَ ابنِ عمرَ هذا في ((قصص الأنبياء))(١) من
كتابه هذا من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ دينار، ونافعٍ، وسالمٍ، عن ابنِ عمرَ،
وفي روايةٍ عبد اللهِ، ونافعٍ أنّهم نزلوا الحجرَ، وفي حديثٍ سالمٍ أنّه مرّ
(٨٩ - ب/ ك١) بالحجرِ وتقنعَ بردائِه وهو على الرحلِ.
وخرج مسلمٌ (٢) حديثَ سالمٍ، وفيه: ثم زحر فأسرَع حتى خلَّفها.
وحملَ أبو الحسين بنُ المنادي من متقدِّمي أصحابِنا النَّهيَ عن دُخولها
وعن شربِ مائِها على الكراهةِ دونَ التحريمِ، واللهُ أعلمُ.
(١) (فتح: ٣٣٧٨، ٣٣٧٩، ٣٣٨٠).
(٢) مسلم (٢٩٨٠/ ٣٨).
٢٣٩

كتاب الصلاة
٥٤ - بَابُ
الصَّلاة في البيعَة
وَقَالَ عُمَرُ (١) إِنَّا لا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ الثَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا
الصُّوَرُ وَكَانَ ابْنُ عِبَّاسٍ يُصَلِّي فِي الْبِعَةِ إِلا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِلُ.
روى حجَّاجُ بنُ منهالٍ: ثنا ربيعةُ بنُ كلثومٍ، عن نافعٍ قال: قال
عمرُ(٢) : إنَّا لا ينبغي لنا أن ندخلَ كنيسةً فيها تصاوير.
وروی وکیعٌ في كتابه عن عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ مولى ابن عمر، عن أبيه،
عن أسلم مولى عمر(٣) قال: قال عمرُ: إنَّا لا ندخلُ كنائسكم التي فيها
تصاوير (٢). وعن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مِقسمٍ، عن ابنِ عباسٍ أنّه كره
الصَّلاةَ [في الكنيسةِ إذا كان فيها تماثيل(٢). وقال سفيانُ: لا بأسَ
بالصَّلاة](٤) فيها إذا لم يكنْ فيها تمثالٌ، وإن وجدَ غيرُها فهو أحبُّ إليَّ.
وكره مالكٌ (٥) الصَّلاةَ في البيعِ والكنائسِ لنجاستِها من أقدامهم ولما (٦)
فيها من الصَّورِ، وقال: لا يُنزَلُ بها إلا من ضرورة. ذكره صاحبُ
((التهذيب)).
ورخَّصَ أكثرُ أصحابِنا في دخولِ ما ليس فيه صورٌ منها، والصَّلاة
فيها، وكرهه بعضُهم منهم: ابنُ عقيلٍ .
(١) زاد في ((اليونينية)): ((رضي الله عنه)).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤١١/١) و((الأوسط)) لابن المنذر (١٩٣/٢).
وخبر ابن عباس انظره في ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٨٠/٢).
(٣) فى ((١٥)): ((مولى ابن عمر)).
(٤) ما بين المعقوفين سقط من ((١٥)).
(٥) ((المدونة الكبرى)) (٩٠/١ -٩١).
(٦) في (١٥)): ((LL».
٢٤٠