Indexed OCR Text
Pages 441-460
١٧ - باب الصلاة في الثوب الأحمر الحديث : ٣٧٦ حُمرة هل يكره أم لا؟ فرُويَ عن ابنِ عمرَ أنه اشترى عمامةً واعتمّ بها فرأى فيها خيطًا أحمر فردَّها. وكذلك روى المرُّوذي، عن أحمدَ أنه أمره أن يشتري له تكة لاتكونُ فيها حُمرة . وخرَّجَ أبو داود(١) من حديثِ رافعٍ بنِ خديج قال: خرجنا مع رسول اللهِ وَُّله في سفرٍ فرأى رسولُ الله وَ لَه على رواحلنا وعلى إبلنا أكسيةً فيها خيوطُ عِهنِ أحمر، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((ألا أرى الحمرةَ قد علتكم))، فقمنا سراعًا فأخذنا الأكسيةَ فنزعناها عنها . وفي إسنادِهِ رجلٌ لا يُعرف . وخرجَ الطبرانيُّ(٢)، وغيرُه من حديثِ إسحاقَ بن راهويه قال: قلتُ لأبي قرةَ: أَذَكَرَ ابنُ جُريج عن مسلمٍ بن أبي مريم، عن عبدِ الله بنَ سرّجِس أن النبيَّ وَّهِ صلَّى يومًا وعليه نمرةٌ فقال لرجل من أصحابه: ((أعطني نمرتَك وخذْ نمرتي))، فقال: يا رسولَ الله، نمرتُك أجودُ من نمرتي، قال: ((أجلْ؛ ولكن فيها خيطٌ أحمر، فخشيتُ أن أنظرَ إليه فَيَفْسَي))؟ فأقرَّ به أبو قرةَ وقال: نعم . ١ وهذا غريبٌ . ورخَّصَ فيه آخرون. رُوِيَ عن الحسنِ وقد سبق -، ونصَّ عليه أحمدُ في رواية أخرى عنه في كساء أسود عليه عَلَمْ أحمر، قال: لا بأسَ به . ويستدلُّ لهذا بحديثٍ لبسِ النبيِّ وََّ حُلَةً حمراء، وبُردًا أحمر؛ فإنَّ المرادَ بالحلةِ البُرُدُ المخططُ بحمرةٍ، كما قال سفيانُ الثَّورِيُّ وغيرُه . (١) ((السنن)) (٤٠٧٠) . (٢) ((الأوسط)) (١٦٩٠). ٤٤١ كتاب الصلاة ١٨ - بَابُ الصَّلاةِ فِي الْمِنْبَرِ وَالسُّطُوحِ(١) وَالْخَشَبِ [قَالَ أَبُو عَبْد الله](٢): وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَن يُصَلَّى عَلَى الْجَمْدِ (٣) وَالْقَنَاطِرِ وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ. وَصَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ (٤) بِصَلاةِ الإِمَامِ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى النَّلْجِ . مقصودُ البخاريِّ بهذا الباب أنَّه تجوزُ الصلاةُ على ما علا على وجهِ الأرضِ، سواء كان موضوعًا عليها (٣٣٧ - أ/ق) وضعًا كمنبرٍ وسريرٍ من خشب أو غيرِه أو كان مبنيّا عليها كسطحِ المسجدِ وغرفة مبنية عليه أو على غيره وكذلك ما علا على وجه الأرض مما يذوبُ كالثلج والجليدِ . فهذه ثلاثُ مسائل : الأولى: الصَّلاةُ على ما وُضعَ على الأرض مما يتأبدُ فيها أو يُنقلُ عنها كمنبرٍ وسريرٍ ونحوه، فيجوزُ ذلك عند أكثرِ العلماء. قال أبو طالب: سألتُ أحمدَ عن الصلاةِ على السريرِ: الفريضة والتطوع؟ قال: نعم إذا كان يمكنُه مثل السطح. وقال حربٌ: سألتُ إسحاقَ عن (١) في ((اليونينية)): ((السطوح والمنبر)). (٢) ليست في ((ق)) وهي زيادة من ((اليونينية)). (٣) كتب في هامش ((ق)): ((في نسخة: الخندق)). (٤) في ((ق)): ((ظهر المسجد)) وكتب فوقها ((سقف في نسخة)) إشارة إلى أنها جاءت في نسخة: ((سقف المسجد)). ٤٤٢ ١٨ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب الصَّلاة على السَّريرِ من الخشب؟ قال: لا بأسَ به. وروى حربٌ بإسناده عن الأوزاعيِّ أنه لم يَرَ بأسًا بالصَّلاة على الأسرة وأشباهها . وليسَ في هذا اختلافٌ بين العلماء إلا خلافٌ شاذ قديم. روى أبو نعيمٍ: الفضلُ بنُ دُكين: ثنا أبو بكر بن عياش، عن إسماعيل بن سُميع، عن علي بنِ كثيرٍ قال: رأى عمارٌ رجلاً يصلِّي على رابية فمدَّه من خلفه فقال: هاهنا صلِّ في القرار. ولعلَّ هذا المصلِّيَ كان إمامًا لقومٍ يصلون تحتَه، وسيأتي الكلامُ على ذلك إن شاء اللهُ تعالى . المسألةُ الثانيةُ: الصلاة فيما بُنيَ على وجهِ الأرض كغرفةٍ في المسجدِ أو فوق سطح المسجد، وكلُّه جائز، لا كراهةَ فيه بغيرِ خلافٍ إلا في مواضعَ يسيرة اختلف فيها. وقد أشارَ البخاريُّ إلى بعضِها، فمنها: صلاةُ المأمومِ فوق سطح المسجدِ بصلاةِ الإمام في أسفلِ المسجد، وقد حكى عن أبي هريرةَ أنه فعله . وحكى ابنُ المنذر(١) فعلَ ذلك عن أبي هريرةَ، وسالم بنِ عبدِ الله، قال: وبه قال الشَّافعيُّ وأصحابُ الرأي. وحكى مالكٌ أنه إنْ صلَّى الجمعةَ على سطح المسجد أعادها ظهرًا، ومذهبُ مالك: أن الجمعة لاتُصلَّى فوق المسجد بصلاة الإمام، وفي سائرِ الصَّلواتِ عنه روايتان: الجوازُ، والكراهةُ - وهي آخر الروايتين عنه. وممن يرى جوازَ ذلك: الثَّوريُّ وأحمدُ، وإسحاقُ. وروى سفيانُ، عن يونسَ بنِ عبيد، عن عبد ربه قال: رأيتُ أنسَ بنَ مالك صلَّى يوم الجمعة في غرفة بالبصرة بصلاة الإمام. واحتجّ (٣٣٧ - ب/ ق) أحمد (١) راجع ((الأوسط)) (١٦٤/٤_١٦٥)، ((المغني)) (٤٤/٣) ٤٤٣ كتاب الصلاة بهذا. وروى ابنُ أبي ذئبٍ، عن صالحٍ مولى النَّوأَمةِ قال: رأيتُ أبا هريرةَ يصلِّ على سطحِ المسجدِ بصلاةٍ الإمام. واشترطَ الإمام أحمدُ أن يكون ذلك بقربِ الإمام أو يسمع قراءته. نقله عنه حنبلٌ، ولم يشترطْ غيرَ ذلك. واشترطَ أكثرُ أصحابنا كالخرقيٌّ(١) وأبي بكرٍ عبد العزيز وابنِ أبي موسى، والقاضي إيصالَ الصَّفوف دونَ قرب الإمام. وقد أشار إليه أحمدُ في رواية أبي طالب في الرجلِ يُصلِّي فوق السطح بصلاةِ الإمام إن كان بينهما طريقٌ أو نهرٌ فلا، قيلَ له: فأنسُ صلَّى يوم جُمعة في سطحِ فقال: يوم جمعة لا يكونُ طريقَ الناسِ. يشير إلى أن يومَ الجمعةِ تمتلئ الطرقاتُ بالمصلِّين فتتصلُ الصفوفُ. قال أبو طالبٍ: فإن الناسَ يصلون خلفي في رمضانَ فوق سطح بيتهم، فقال أحمدُ: ذاك تطوعٌ. ففرقَ أحمدُ بين الفريضةِ والنافلة في إيصال الصفوف. ونقل حربٌ عن أحمدَ خلاف ذلك في امرأةٍ تصلِّي فوق بيتٍ، وبينها وبين الإمامِ طريقٌ قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ، وذكر أَنَّ أنسَ بن مالك كان يفعلُ ذلك. ونقل صالح بنُ أحمد، عن أبيه: إن ذلك يجوز و يوم الجمعة إذا ضاق المكانُ كما فعل أنس. وظاهر هذه الرواية أنَّه لا يجوزُ لغيرِ ضرورة. والمذهبُ المشهورُ عنه جوازهُ مطلقًا كما تقدم. وذكر أبو بكرِ الرازيُّ أن المشهورَ عن أصحابهم - يعني: أصحاب أبي حنيفةَ - أنه يُكْرَهُ ارتفاعُ المأموم على الإمامِ، والإمامُ على المأمومِ، خلافًا لما قاله الطحاويّ من التفريق بينهما. ٩٦ (١) «المغني)) (٤٤/٣). ٤٤٤ : ١٨ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ومنها: إذا بني على قنطرة مسجداً وغيره، فإنه تجوزُ الصلاة إليه. حكاه عن الحسنِ، وخالفه غيرهُ في ذلك. روى حربٌ بإسنادِهِ، عن همام قال: سُئِلَ قتادةُ عن المسجد يكونُ على القنطرة؟ فكرهه. قال همامّ: فذكرت ذلك لمطرٍ، فقال: كان الحسنُ لايرى به بأسًا، قال حربٌ: وقلتُ لأحمدَ: المسجد يُبنى على القنطرة، فكرهه، وذكر - أُراه عن ابن مسعود - كراهتَه. ونقل المروذيُّ، عن أحمدَ قال: كره ابنُ مسعود أن يُصلَّى(١) في المسجد الذي بُني على القنطرة. قال: وقلتُ لأبي عبد الله - يعني: أحمد - : ترى أن أصلِّيَ في مسجدٍ بُني على ساباط؟ قال: لا، هذا طريقُ المسلمين. وأصلُ هذه المسألة: أن طريقَ (٣٣٨ - أ/ ق) المسلمين لا يُبنى فيه مسجدٌ ولاغيرهُ عند الإمام أحمد، وهَوَاءُ الطريق حكمُه عنده حكم أسفله، فلا يجوزُ عنده إحداثُ ساباط على الطريق ولا البناء عليه. والنَّهرُ الذي تجري فيه السَّفُنُ حكمُه عنده كحكمِ الطريقِ لا يجوزُ البناءُ عليه . ورخَّصَ آخرون في بناءِ المساجدِ في الطريقِ الواسع إذا لم يضرّ بالمارة، ومنهم من اشترطَ لذلك إذنَ الإمام، وحُكِيَ روايةً عن أحمدَ - أيضاً. قال الشَّالنجيُّ: سألت أحمدَ: هل يُبنى على خندقِ مدينةِ المسلمين مسجدٌ للمسلمين عامَّةً؟ قال: لابأسَ بذلك إذا لم يضيَِّ الطريق. قال: وقال أبو أيوب - يعني: سليمان بن داود الهاشمي -: لا بأسَ بذلك إلا أن يكونَ في الثَّغْرِ مخافة العَدوِّ. وبه قال أبو خيثمةَ. والبخاريّ يميلُ إلى الجوازِ، وقد ذكره في ((أبواب المساجد))(٢)، وفي (١) في المطبوع من ((الورع)) (ص: ٢٦): ((يصلي)). (٢) ((فتح)) (باب - ٨٦). ٤٤٥ كتاب الصلاة ((البيوع)) واستدلَّ بحديث الهجرة، وأنَّ أبا بكر ابتنى بفناء بيته بمكة مسجدًا يقرأُ فيه القرآن، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما ما حكاه أحمدُ، عن ابنِ مسعود : فروى وكيعٌ ، وحربٌ بإسنادهما ، عن ابن سيرينَ أنه رأى مسجدًا فوق قنطرة تحتها قذرٌ ، فقال: كان ابنُ مسعود يكره الصَّلاةَ في مثل هذا. وهذه الكراهةُ يحتملُ أن تكونَ لكونِ القنطرةِ طريقًا للناس فلا يُبنى عليها، كما قالَه الإمامُ أحمدُ، ويحتمل أن تكون لكون القذر تحت هذا المسجد، فإنَّ في جواز الصَّلاةِ في علو الأماكن المنهيِّ عن الصلاة فيها كالحَشِّ ونحوه لأصحابنا وجهين. ولو صلَّى على سرير قوائمه على نجاسة صحَّتْ صلاتُه وإن تحركَ بحركته عند أصحابنا وأصحابِ الشافعي، وحكي عن الحنفيةِ أنَّه إن تحركَ بحركته لم تصحَّ وإلا صحتْ. وقد حكى البخاريُّ عن الحسنِ أنه يُصَلَّى على القناطرِ وإن جرى تحتها بولٌ أو فوقها أو أمامها إذا كان بينهما سترة، فأما إن كان البولُ يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفًا. وأما إن كان أمامها (٣٣٨ - ب/ق) أو فوقها وبينهما سترةٌ: فقد رخَّصَ فيه الحسن كما حكاه عنه. وعن أحمدَ في الصلاة إلى الحشِّ من غيرِ حائلٍ روايتان: إحداهما: تصحُّ مع الكراهةِ، والثانية: لاتصح. وهي اختيارُ ابنِ حامدٍ وغيرِهِ. ولا يكفي حائطُ المسجد ولا يكون حائلاً. ءِ نصَّ عليه أحمدُ، ومن الأصحابِ من تأوَّلَ قولَه على أنَّ النجاسةَ كانت تَصِلُ إلى ما تحت مقامِ المصلي، فإن لم يكن كذلك كفى حائطُ المسجد . ونقل حربٌ، عن إسحاقَ أنه كره الصَّلاةَ في مسجدٍ في قبلته كنيف إلا أن يكون للكنيف حائط من قصَب أو خَشب غير حائط المسجد، وإن ٤٤٦ ١٨ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب صلَّى فيه أعاد، وإن كان للكنيف سُتّرةٌ من لبودٍ فلا يُصلي في المسجد من ورائه، وإن كان الكنيفُ عن يمين القبلة أو يسارِها فلا بأس. ونقل أبو طالبٍ، عن أحمدَ: إذا كان الكنيفُ أسفلَ من المسجد بذراعٍ ونصف فلا بأسَ. ورخَّصتْ طائفةٌ في الصلاة إلى الحشِّ إذا كان بينهما سترةٌ. وقال الأوزاعيّ في رجل يصلِّي وبين يديه حشّ ودونه جدارٌ من قصب وهو يُصلِّي نحوه: لا أعلم به بأسًا . وقال الليثُ بنُ سعد: كتب إليَّ عبدُ الله بنُ نافع مولى ابن عمر: أما ما ذكرتَ مِن مُصَلَّى قبلتُه إلى مرحاض فإنما جعلتِ السترةُ لتسترَ من المرحاضِ وغيرِهِ، وقد حدَّثني نافعٌ أن دارَ ابن عمرَ التي هي وراء جدارٍ قبلة النبي وَله كانت مربدًا لأزواج النبيِّ وَّجُلّ يذهبن فيه، ثم ابتاعته حفصةُ زوجُ النبيِّ ◌َِِّ منهنَّ فاتخذته دارًا. ولكنْ عبدُ الله بن نافع منكرُ الحديث. قالَه البخارىِّ، وغيرُه. والعجبُ: أنَّ البخاريَّ اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكارِ النهيُّ عن الصلاة في أعطانِ الإبل، واستدلَّ بما استدلَّ به، ولا دلالةَ فيه كما سيأتي فى موضعه إن شاء اللهُ تعالى. وعند الشافعيِّ وأصحابه: تكره الصَّلاةُ على مدفنِ النجاسةِ وتصح. q3 ومن أصحابِه من كره الصَّلاَةَ إلي النجاسةِ - أيضًا. وحُكيَ عن ابنِ حبيب المالكي: أن من تعمدَ الصَّلاةَ (٣٣٩ - أ/ ق) إلى نجاسةِ بطلتْ صلاتُه إلا أن تكونَ بعيدةً جدّاً. المسألةُ الثَّالثةُ: إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يَبْقَى على ٤٤٧ كتاب الصلاة حاله كالثلجِ والجليد، فقد حُكِيَ عن الحسنِ جواز الصلاة على الجليد، ومعناه: أنَّه إذا جمدَ النهرُ جازت الصلاةُ فوقه. وقد صرَّحَ بجوازه أصحابُنا وغيرُهم من الفقهاء، فإنه يصيرُ قرارًا متمكنًا كالأرضِ، وليس بطريقٍ مسلوك في العادة حتى يلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة. وحكى البخاريُّ، عن ابنِ عمرَ أنهًّ صلَّى على الثلج، ونصَّ أحمدُ على جواز الصَّلاة عليه والسجود عليه. ونقل عنه حربٌ قال: يبسطُ عليه ثوبًا ويصلِّي. قلت: فإن لم يكنْ معه إلا الثوب الذي على جسده؟ قال: إن أمكنه السجودُ عليه سجد وإلا أومأ. قال: وإذا كان الثلجُ باردًا فإنه عذرٌ، وسَهَّل فيه . قال: وسمعتُ إسحاقَ - يعني: ابن راهويه - يقول: إذا صلَّيتَ في الثلج أو الرمضاء أو البَرَدِ أو الطِّين فآذاك، فاسجدْ على ثوبك، وإن اشتدّ عليك وَضْعُ اليدين على الأرض فضعْهما على ثوبك أو أدخلْهما كميك واسجدْ، كذلك قال، وسمعتُهُ مَرَةً أخرى يقول: إن كنتَ في رَدْغَةٍ أو ماء أو ثلج لا تستطيع أن تسجدَ فأومِ إيماءً، كذلك فعلَ أنس بن مالك، وجابر بن زید، وغيرهما. انتهى. وأنسٌ إنما صلَّى على راحلته في الطِّين، لا على الأرضِ . وحاصلُ الأمرِ: أنَّه يلزمُهُ السُّجودُ على الثَّلِجِ ما لم يكنْ عليه فيه ضررٌ، فإن كانَ عليه فيه ضررٌ لم يلزمْه وأجزاًه أن يُومىءَ. ولأصحابنا وجهٌ آخر: أنَّه يلزمُهُ السُّجودُ عليه بكلِّ حالٍ ولا يُجزئُه الإيماءُ. ٤٤٨ ٨ ١ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب والثَّلجُ نوعان: تارةً يكون متجلدًا صُلبًا، فهذا حكمُهُ حكمُ الجليد كما تقدم، وتارةً يكون رخوًا لا تستقرُّ الأعضاءُ عليه فيصيرُ كالقطنِ والحشيشِ ونحوهما، ومن سجدَ على ذلك لم يجزئْه إلا من عُذر. صرَّحَ بذلك طائفةٌ من أصحابِنا، وجعلوا استقرارَ الجبهة بالأرضِ شرطًا؛ واستدلَّوا بأنه لو علق (٣٣٩ - ب/ق) بساطًا فى الهواء وصلَّى عليه لم يُجزئْه، وكذا لو سجدَ على الهواءِ أو الماء. وللشَّافعيةِ في ذلك وجهان، أصحُهما عندهم: أنَّه يلزمُه أن يتحاملَ على ما يسجدُ عليه بثقل رأسه وعنقه حتَّى يسترَ جبهتَه ولا تصحّ صلاةٌ بدون ذلك. والثّاني: لا يجبُ ذلك. ولهم - أيضًا - في الصّلاة على الأرجوحة وعلى سرير تحمله الرجال وجهان، أصحّهما: الصحةُ. وروى عبدُ الرحمن بنُ أبي الزِّنَادِ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عِن صالحٍ مولى التوأمة قال: سمعتُ ابنَ عباس يقول: سألَ رجلٌ النبيّ وَلّ عن شيءٍ من أمرِ الصَّلاةِ، فقال له رسولُ اللهِ وَخّن: ((إذا سجدتَ فأمكن جبهتك من الأرضِ حتى تجدَ حجمَ الأرضِ)). خرجَه الإمامُ أحمدُ(١) ، وفي إسنادِهِ لينٌ. وروى حربٌ الكرمانيُّ: ثنا إسحاقُ _ هو: ابنُ راهويه -: ثنا سويدُ ابنُ عبدِ العزيز، عن أبي جَبيرةَ: زيد بن جَبيرة، عن داودَ بنِ حُصَيْنِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ قال: أصابَ النَّاسَ الثلجُ على عهد عمرَ بنِ الخطابِ، فَبسط بساطًا، ثم صلَّى عليه وقال: إنَّ الثَّلجَ لا يُتيممُ به ولا ◌ُصلَّی علیه. (١) («المسند» (٢٨٧/١). ٤٤٩ كتاب الصلاة واحتجّ إسحاقُ بهذا الحديث، وإسناده ضعيفٌ؛ فإن زيدَ بن جَبيرةَ، وسويدَ بنَ عبدِ العزيز ضعيفان. وقد روى أبو عبيد في كتابِ ((الطهور)) بإسناد آخر، وفيه ضعفٌ - أيضًا - أنَّ عمرَ أصابه الثلجُ بالْجَابِيَّةِ لَّا قدمَ الشَّامَ فقال: إنَّ الثلجَ لا يُتَيَمِمُ به. ولم يذكرِ الصَّلاةَ(١). واختلفَ الرواةُ عن أحمدَ في الغريقِ في الماء هل يُومىءُ بالسجود أم يلزمُه أن يسجدَ بجبهته على الماء؟ على روايتين عنه، وقال القاضي أبو يعلى في بعضٍ كتبه: لم يوجبْ أحمدُ السُّجودَ على الماء؛ لأنَّه ليس بقرارِ، وإنما أراد أنَّه يجبُ عليه أن يومىءَ في الماء إلى قربِ الأرض، وإن غاص وجهُه في الماء. وهذا الذي قالَه بعيدٌ جدّاً . وحملَ أبو بكرِ عبدُ العزيز الروايتينِ عن أحمدَ على حالين؛ فإن أمكنَه السُّجودُ على متنِ الماءِ سجد وإلا أوماً. وقال أبو بكرِ الخلالُ: قولُ أحمدَ: ((يومىءُ) يُريد بالركوع، وقولُه: ((يسجدُ على متنِ الماء في السجود)) فلم يثبت عن أحمدَ في الإيماء (٣٤٠ - أ/ ق) بالسّجود خلافًا . ولو كانَ في وحلٍ وطينٍ لم يلزمْه السُّجودُ عليه، وإنّاً عليه أن يومىءَ. ولم يحكِ أكثرُ الأصحابِ فيه خلافًا؛ بل قال ابنُ أبي موسى: لا يلزمُه ذلك، قولا واحداً. (١) ((كتاب الطهور)) (ص ٢٠٢ - ٢٠٣). ٤٥٠ ١٨ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ومنهم من خرّجَ فيه وجهًا آخر بوجوب السّجود على الطين إذا قلنا: لا تجوزُ له الصلاة في الطين على راحلته؛ بل تلزمُهُ الصَّلاةُ بالأرض. وهو رواية عن أحمدَ اختارها ابنُ أبي موسى، وفَرَّقَ ابنُ أبي موسى بينَ المسألتين؛ ووجهُ الفرقِ: أنَّ المانعَ من الصَّلاةِ على الراحلةِ امتناعُ القيامِ والاستقرارِ بالأرضِ دُونَ امتناعِ السجودِ بالأرضِ، ولأنَّ في السّجودِ على الطِّين ضررًا، فإنَّه ربما دخلَ في عينيه وأنفه وفمِه، وربما غاصَ فيه رأسُهُ وشقّ عليه رفعُه، فلا يلزمُهُ بخلاف السَّجودِ على متنِ الماءِ. ومَمَّنْ قالَ: يومىءُ بالسجود ولا يسجدُ على الطِّينِ: أبو الشعثاء، وعُمارةُ بن غَزِيَّةً . وفيه حديثٌ مرفوعٌ: خرَّجَه الطبرانيُّ، وابنُ عديٌّ من طريقِ محمدِ صَا الله ابنِ فضاء، عن أبيه، عن علقمة بنِ عبدِ الله، عن أبيه، عن النبيِّ عليلة وسلم قال: ((إذا لم يَقدرْ أحدُكم على الأرضِ إذا كنتم في طينٍ أو قصب أَوْمِئُوا إيماءً))(١). وفي روايةٍ لابنِ عدي: ((أو في ماءٍ أو في ثلجٍ) (٢). ومحمدُ بنُ فضاء: ضعيف، ضعَّفْه يحيى، والنَّسائيُّ، وغيرُهما. ومذهبُ مالك: أَنَّه يصلِّي في الطينِ بالأرضِ ولا يصلِّي على الراحلة. واختلفتِ الروايةُ عنه في السجود في الطين، فرُويَ عنه: أنَّه يسجدُ عليه، ورُوِيَّ عنه: أنَّه يومىء. (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٧٩١٣) - مختصراً - وابن عدي (٦/ ١٧٠) - ترجمة محمد بن فضاء. ووالد علقمة هو: عبد الله بن سنان المزني. (٢) الذي في ((الكامل)) المطبوع: ((وفي ماء أو في ثلج)). كذا. ٤٥١ الحديث : ٣٧٧ كتاب الصلاة وحملَ ذلك طائفةٌ من أصحابه على اختلاف حالين: فالحالُ التي يسجدُ عليه إذا كان خفيفًا كما سجدَ النبيِّ وَِّ في اعتكافِه في الماءِ والطين وانصرفَ وعلى جبهته أثرُ الماءِ والطِّين. والحالُ التي يومىء إذا كانَ كثيرًا يغرقُ فيه المصلِّي. ونصَّ أحمدُ على أنَّه إذا خشي أن تفسدَ ثيابُه بالسُّجودِ على الطينِ أومأ ولم يسجدْ عليه، وكذا قال أبو الشَّعثاء جابرُ بنُ زيد. خرَّج البخاريّ في هذا البابِ حدیثین: الحديث الأول: (٣٤٠ - ب/ق) قال : ٣٧٧- ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبّدِ اللهِ: ثَنَا سُقْيَانُ: ثَنَا أَبُو حَازِمِ(١): سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْد: مِنْ أَيِّ شَيءٍ الْمِنبَرَ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ فِي النَّاسِ أَعْلَمُ بِهِ(٢) مِنِّي، هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَّهُ فُلانٌ مَوْلَى فُلاَنَةَ لِرَسُولِ اللهِيَّةِ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ حِيْنَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبَةَ، كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَاً وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمْ عَادَ إِلَى الْمِنِبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهُقَرَى حَتَّى سَجَّدَ بِالأَرْضِ. فَهَذَا شَأَنْهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَدِينِيُّ(٣): سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَنْبَلِ(٤) عَنْ هَذَّ الْحَدِيثِ، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدَتُ أَنَّالنَّبِّ ◌َ كَانَ أَعْلَى مِنَ (١) زاد في بعض نسخ ((اليونينية)): ((قال)). (٣) ((المديني)) ليست في ((اليونينية)). (٢) ((به)) ليست في ((اليونينية)). (٤) زاد في ((اليونينية)): ((رحمه الله)). ٤٥٢ ١٨- باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب الحديث : ٣٧٧ النَّاسِ، فَلا بَأْسَ بِأَنْ(١) يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا [الْحَديث](٢). قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ سُّقْيَانَ بْنَ عَُ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كَثِيَرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لا. هذا الحديثُ بتمامِه مشهورٌ عن ابنِ عيينةَ بهذا الإسنادِ، رواه عنه الشَّافعيُّ وغيرُهُ، ولم يسمع منه الإمامُ أحمدُ إلا: ((كان من أثل الغابة)) - يعني: منبر النبيِّ وَّةِ، وقد خرَّجَ هذا القدرَ منه، عن سفيانَ في ((مسنده)(٣). وكان سفيانُ يختصرُ الحديثَ أحيانًا . وإنَمَّا أخرجَ أحمدُ بتمامه في («مسنده)) من طريقِ عبدِ العزيزِ بنِ أبي حازمٍ، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعدٍ، وقالٍ في آخر الحديث: فلما انصرفَ قال: ((يا أيُّها النَّاسُ إِنَّما فعَلتَّ هذا لتأتُوا بي وتعلموا صلاتي) (٤). وقد خرَّجَه البخاريُّ في موضعٍ آخر من كتابه، ومسلمٌ - أيضًا - من حديثٍ يعقوبَ بنِ عبد الرحمن، عن أبي حازمٍ بهذه الزيادة(٥) . ومقصودُ البخاريِّ بتخريج هذا الحديثِ هنا: الاستدلالُ على جوازٍ الصَّلاة على ما يوضعُ على الأرضِ من منبرٍ وما أشبهه كالسرير وغيره. وما ذكره البخاريَّ عن علي بنِ المدينيِّ أن أحمدَ بنَ حنبل سأله عن هذا الحديث وقال: ((إنما أردتُ أن النبيَّ بَّهَ كان أعلى من النَّاسِ فلا بأسَ بأن يكونَ الإمامُ أعلى من النَّاسِ بهذا الحديث»، فهذا غريبٌ عن (١) في ((اليونينية)): ((أن)). (٣) («المسند» (٣٣٠/٥). (٢) من («اليونينية))، وستأتي في كلام المصنف. (٤) ((المسند)) (٣٣٩/٥). (٥) البخاري (٩١٧ - فتح)، ومسلم (٤٥/٥٤٤). ٤٥٣ الحديث : ٣٧٧ كتاب الصلاة الإمامِ أحمدَ لا يُعرف إلا من هذا الوجه؛ وقد اعتمدَ عليه ابنُ حزم وغيرُه، فنقلوا (٣٤١ - أ/ق) عن أحمدَ الرخصةَ في عُلُو الإمامِ على المأمومِ. وهذا خلافُ مذهبه المعروف عنه الذي نقله عنه أصحابُه في كتبِهِم وذكره الخِرقيُّ ومَنْ بَعْدَهُ، ونقله حنبلٌ ويعقوبُ بن بُخْتان(١)، عن أحمدَ أنَّه قال: لا يكونُ الإمامُ موضعه أرفع من موضعٍ مَن خلفَه؛ ولكن لا بأسَ أن يكونَ مَن خلفه أرفعُ. وممن كره أن يكونَ موقفُ الإمامِ أعلى من المأمومِ: النَّخعيّ، ءِ والثَّوريُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةً، والأوزاعيّ. وقد رُويَ ذلك عن ابن مسعودٍ من غيرِ وجهٍ أنه كرهه ونهى عنه(٢). وخرَّجَ أبو داودَ(٣)، من روايةِ الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن همامِ أنَّ حذيفةَ أمَّ النَّاسَ بالمدائن على دُكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه، فلما فرغَ من صلاتِه قال: ألم تعلمْ أنهم كانوا ينهونَ عن ذلك - أو - يُنهى عن ذلك؟ قال: قد ذكرتُ حينَ مددتَني (٤). (١) هو: يعقوب بن إسحاق بن بختان، له ترجمة في ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (٤١٥/١ -٤١٦) وكان أحد الصالحين الثقات. (٢) انظر ((المدونة الكبرى)) (٨٢/١)، و((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٦٣/٢). (٣) أبو داود (٥٩٧) من طريق يعلى بن عبيد، عن الأعمش. (٤) في ((ق)) - وهي نسخة مصححة على نسخة المؤلف - حاشية، من الراجح أنها للمصنف - رحمه الله -: ((رواه زياد البكائي، عن الأعمش، فصرح برفعه. قاله أبو حاتم. قال: ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن رجل من بني تميم، عن أبي مسعود مرفوعًا. وهو صالح. كذا نقله عنه ابنه في ((علله)) وهذا حديث حذيفة لا حديث أبي مسعود». ا. هـ. وهو في ((العلل)) (٢٠٠)، وفيه: ((حديث أبي مسعود ليس كل أحد يوصله، وقد وصله= ٤٥٤ ١٨ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب الحديث : ٣٧٧ ومن روايةِ ابن جريجٍ: أخبرني أبو خالدٍ، عن عديِّ بنِ ثابت قال: حدَّثني رجلٌ أنه كان مع عمارِ بنِ ياسر بالمدائن، فأقيمتِ الصَّلاةُ، فتقدمَ عمارُ بنُ ياسرٍ وقام على دُكان يصلِّي والنَّاسُ أسفل، فتقدم حذيفةُ فأخذ على يديه فأتبعه عمار حتى أنزلَه حذيفة، فلما فرغ عمارٌ من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمعْ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((إذا أَمَّ الرجلُ القومَ فلا يقم في مقامٍ أرفع من مقامِهم)) أو نحو هذا؟ قال عمارٌ: لذلك اتبعتك حين أخذتَ على يدي(١). ورخَّصَ طائفةٌ في ارتفاعِ الإمامِ على المأمومين. ورُويَ عن عمرَ بنِ عبد العزيز أنَّه أمَّ الناس فوق كنيسةٍ وهم تحتها. ورُوِيَ نحوه عن سُحْنُون. وأما مذهبُ الشَّافعيِّ: فإنه قال: أختارُ للإمامِ الذي يُعَلِّم مَن خلفَه أن يصلِّيَ على الشيءِ المرتفع ليراه مَن وراءهُ فيقتدوا بركوعه وسجوده. قال: وإذا كانَ الإمامُ عَلَّم الناسَ مَرَّةً أحببتُ أن يصلي مستويًا مع المأمومين؛ لأنه لم يَرِدْ عن النبيِّ وَلَّ أنه صلَّى على المنبرِ إلا مَرَّةً. وكذا حكى ابنُ المنذرِ، عن الشَّافعيِّ جوازَه إذا أراد تعليمَهم، زياد البكائي من رواية زيد بن أبي الليث (كذا)، عن عدي بن ثابت، عن رجل من بني = تميم، عن أبي مسعود، مرفوع، وهو صالح)). كذا في ((العلل)): ((ابن أبي الليث))، والصواب: ((ابن أبي أنيسة)). والحديث رواه ابن عيينة عن الأعمش مثل رواية يعلى عنه أخرجه ابن خزيمة (١٥٢٣). ورواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، به وقال في حديثه: «فجذبه سلمان» . ورواه وكيع، عن ابن عون، عن إبراهيم قال: صلى حذيفة. مثل رواية يعلى. ذكرهما ابن أبي شيبة (٢٦٢/٢ - ٢٦٣). (١) ((سنن أبي داود)) (٥٩٨). ٤٥٥ الحديث : ٣٧٧ كتاب الصلاة واختارَهَ ابنُ المنذرِ وقال: إذا لم يُرِدِ التعليمَ فهو مكروهٌ لحديثِ ابن مسعودٍ(١). ومن أصحابنا مَن حكى روايةً عن أحمدَ كذلك. والذين كرهوا ذلك مطلقًا اختلفوا في الجوابِ عن حديثِ سهلِ بنِ صَلى الله سعدٍ في صلاة النبيِّ وَِّ على المنبرِ، فمنهم من قال: قد يَفعلُ النبيُّ وَسَم ما هو مكروهٌ لغيرِه لبيانٍ جوازه (٣٤١ - ب/ق) ولا يكونُ ذلك مكروهًا في حقِّه في تلك الحال ويُكرهُ لغيرِهِ بكلِّ حالٍ. وهذا ذكره طائفةٌ من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيرِهِ، ووقع في كلامِ الخطَّبيِّ ما يشبهُهُ(٢). ومنهم من قال: المكروهُ أن يقومَ الإمامُ على مكان مرتفعٍ على المأمومين ارتفاعًا كذراعٍ ونحوه؛ فإنه يحوجُ المأمومينَ في صلاتهم إلى رفعٍ أبصارهم إليه للاقتداء به، وهو مكروهٌ، فأما الارتفاعُ اليسيرُ فغيرُ مكروه. وَ ظَلِّ كان وقوفُه على درجة المنبر الأولى فلا يكونُ 13 ذلك ارتفاعًا كثيرًا. ويحتملُ أن النبيّ وتقديرُ الكثيرِ بالذراعِ ونحوه: قولُ القاضي أبي يعلى من أصحابنا. وقياسُ المذهبِ: أَنَّه يُرجَعُ فيه إلى العُرْف. وذكر الطحاويّ - من الحنفية - أنه مُقَدَّرُ بما زاد على قامة الإنسان، (١) ((الأوسط)) لابن المنذر (١٦٥/٤)، وانظر ((الأم)) (١٧٢/١) و((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٦٣/٢). (٢) ((أعلام الحديث)) للخطابي (١/ ٣٦٠). ٤٥٦ ٨ ١ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب الحديث : ٣٧٧ 93 واستغربَ ذلك أبو بكر الرازيّ. واختلفَ القائلون بكراهة ذلك: هل تبطلُ به الصَّلاةُ أم لا؟ فقال أكثرهم: تكره الصَّلاةُ ولا تَبطلُ. وقد تقدمَ أنَّ الصَّحابةَ بَنَوا على الصَّلاة خلف مَن أمَّهم مُرتفعًا عليهم، ولم يستأنفوا الصلاة. وقالت طائفةٌ: تبطل الصَّلاةُ بذلك. وهو قولُ مالكٍ وابنِ حامدٍ من أصحابنا، وحُكيَ عن الأوزاعيِّ نحوُهُ. واختلفَ أصحابنا: هل النَّهيُ متوجِّهٌ إلى الإمامِ أن يعلو على من خلفَه أم النَّهيُّ متوجهٌ إلى المأمومِ أن يقومَ أسفلَ مِن إمامِه؟ على وجهين: أحدهما: أنَّ النَّهيَ للإمام، فإن قلنا: إنَّ هذا النهيَ يُبطِلُ الصلاةَ بطلت صلاةُ الإمام، وهل تبطلُ صلاةُ مَن خلفه أم لا؟ فيه روايتان عن أحمدَ في صلاةٍ من اقتدى بإمامٍ صلاتُه فاسدةٌ . والثَّاني: أنَّ النهيَ متوجهٌ إلى المأمومينَ خاصة. فعلى هذا إن كان الإمامُ في العلو وحده، وقلنا: هذا النهي (١) يُبطلُ الصَّلاةَ بَطلتْ صلاةٌ المأمومين، وصلاةُ الإمام؛ لأنَّه صار منفردًا وقد نوى الإمامةَ، وهذا مُبطلٌ عند أصحابِنا. وإن كان معه في العلو أحد: صحتْ صلاتُه وصلاةُ مَن معه. وفي صلاةٍ مَن أسفل منهم الخلافُ السَّابقُ. واعلمْ أنَّه لم يقعْ في ((صحيحِ البخاريِ) حكايةُ قولِ لأحمدَ في غير هذه المسألة، وهو خلافُ مذهبِه المعروفِ في كتبِ أصحابِه، ولم أعلم أحدًا منهم حكى ذلك عن أحمدَ؛ إلا أنَّ القاضي أبا يعلى حكاه في كتاب (الجامع الصغير)) له وجهًا، والله أعلم. (١) في ((ق)): ((هذ النهي)). ٤٥٧ . الحديث : ٣٧٨ كتاب الصلاة وفي قولِ سهلِ بنِ سعدٍ: ((لم يبقَ أعلمُ بالمنبرِ مِنِّي)) دليلٌ على أنَّ من اختصّ (٣٤٢ - أ/ق) بعلم فإنّه لا يكره له أن يُنْبِّه على اختصاصه به ليُؤخذَ عنه، وتتوفرَ الهممُ على حفظه وضبطِه عنه؛ وقد سبق في كتاب ((العلم)) شيءٌ من ذلك. وبقيةُ فوائدِ الحديثِ تُذكر في مواضعَ أُخر إن شاءَ اللهُ تعالى. الحديثُ الثَّاني: قال: ٣٧٨ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ: فَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: أَبْنَا(١) حُمَّيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ُِّ سَقَطَ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ سَاقُهُ - أَوْ كَتَفُهُ - وَلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ دَرَّجُهَا(٢) مِن جُوعِ النَّخْلِ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًاً وَهُمْ قِيَامٌ. فَلَّمَّا سَلَّمَ قَالَ:(إِنَّمَّا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِرُوا، وَإِذَا رَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِن صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا)). وَنَزَلَ لِتِسْعِ وَعِشْرِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّكَ آَلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ: ((إنَّ الشّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)). ١ قال الخطابيّ: الجَحشُ: الخَدْشُ أو أكبر منه، والمشْرُبَةُ: شبه الغُرفة المرتفعة عن وَجهِ الأرض(٣). وضبطَ غيرُهُ راءَها بالفتح والضمّ (٤). ومقصودُ البخاريِّ بتخريج الحديث هاهنا: أنَّه تجوزُ الصَّلاةُ في الغُرف (١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). (٢) في ((اليونينية)): ((درجتها)) وأشار في حاشية ((ق)) إلى أنها نسخة. (٣) ((أعلام الحديث)) (١/ ٣٦٢). (٤) انظر ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (٢٤٧/٢). ٤٥٨ ١٨ - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب الحديث : ٣٧٨ والعَلالي . وقد كان النبيَّ ◌َِّ اعتزلَ في هذه المشربةِ شهرًا لهَجرِهِ لنسائِهِ، ولم يدخلْ إلى نسائه حتَّى فرغ الشهرُ، ولم يُنقل هل كان قد برئ مما أصابه قبلَ الشهر أم لا؟ والله أعلم بذلك. وفي الحديثِ: دليلٌ على أنَّ المريضَ الذي يشقُّ عليه حضورُ المسجد له الصلاةُ في بيتهِ مع قرب بيتِه من المسجد. وفيه: أنَّ المريضَ يصلِّي بمن دخلَ عليه للعيادة جماعةً لتحصيلِ فضلٍ الجماعة. وقد يُستدلُّ بذلك على أنَّ شهودَ المسجد للجماعةِ غيرُ واجبٍ على الأعيان - كما هو رواية عن أحمدَ -؛ فإنَّه وَله لم يأمرهم بإعادةٍ صلاتهم في المسجدِ؛ بل اكتفى منهم بصلاتِهم معه في مشربته. وأما صلاةُ (٣٤٢ - ب/ق) القائمِ خلفَ الجالسِ: فقد بَوَّبَ البخاريّ عليها في موضعٍ آخر، ويأتي الكلامُ عليها فيه إن شاءُ اللهُ تعالى، وكذلك بقيةُ فوائدِ الحديث(١). (١) في باب: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به. وصلى النبي بَّل في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس ... )) حديث (٦٨٩). ٤٥٩