Indexed OCR Text

Pages 281-300

٧- باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض
وأَمَّا من قَالَ من الظَّاهريَّةِ ونحوِهم: إنَّ مطلقَ المرضِ يبيحُ التَّيمِمَ
سواء تضرَّرَ باستعمال الماء أو لم يتضرَّرْ فقولُه ساقطٌ يخالفُ الإجماعَ
قبلَه، وكان يلزمُهُ أن يبيحَ التَّيِمِمَ في السَّفْرِ مطلقًا سواء وجد الماء أو لم
یجده.
وقولُ البخاريِّ: إذا خاف على نفسِه المرضَ أو الموتَ، يشيرُ إلى
الرُّخصةِ في التَّيممِ إذا خافَ - من شدةِ البردِ - على نفسِه المرض ، ولا
يشترطُ خوفُ الموت خاصَّةً، وهذا ظاهرُ مذهب أحمدَ، وأحد قولي(١)
الشافعي، والقول الثَّاني: لا يجوزُ النَّممُ إلا إذا خافَ النَّلفَ إما تلف
النَّفْسِ أو تلف عضوٍ منه، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ - وفي صحتها عنه
نظرٌ (٢) .
والحنيفية(٣) السمحة أوسعُ من ذلك، وخوفُ الموتِ أو المرضِ هو
داخلٌ في معنى المرضِ الذي أباحَ اللهُ التَّيممَ معه؛ لأنَّه إنما يباحُ لمرضٍ
يخشى منه زيادتُه أو الثَّلفُ فحيثُ خَشِيَ ذلك فقد وُجِدَ السَّبَبُ المبيحُ
للتَّیممِ.
ولو كانَ في الغزو وهو يجدُ الماءَ لكنَّه يَخْشَى على نفسه من العدوِّ
إن اشتغلَ بالطَّهارة: ففيه عن أحمدَ روايتان، إحديهما (٢٩٣ - أ/ق) يتيممُ
ويصلِّي. اختارها أبو بكرٍ عبدُ العزيز. والثانية: يُؤْخَّرُ الصَّلاةَ إلى أن
يقدرَ على الوضوءِ كما أخَّر النَّبِيُّ بِّهِ الصَّلواتِ يومَ الخندقِ.
ولو احتاجت المرأةُ إلى الوضوء وكان الماءُ عنده فُسَّاقٌ تخافُ منهم
على نفسها: فقال أحمدُ : لا يلزمُها الوضوءُ، وتوقّف مرةً في ذلك.
(٢) انظر ((الأوسط)) (٢ /٢٦ - ٢٧).
(١) في ((ط)): ((قول)).
(٣) في ((ط)): ((الحنيفة)).
٢٨١

الحديث: ٣٤٦،٣٤٥
كتاب التيمم
وأَمَّا إذا خافَ العطشَ على نفسه: فإنَّه يحبسُ الماءَ ويتيممُ. وقد سبقَ
قولُ عليٍّ وابن عباسٍ في (١٠٩ - ب/ط) ذلك وحكايةُ أحمدَ له عن عدة
من الصَّحابةِ، وقد ذكرَ ابنُ المنذرِ أَنَّه إجماعُ من يحفظُ عنه من أهلِ العلم
وسمَّى منهم جماعةً كثيرة(١)، وقد سأل قومٌ النَّبِيَّ بَّهَ فقالوا: إِنَّا نركبُ
البحرَ ونحملُ معنا القليلَ من الماء فإن توضَّنا به عَطشْنَا أفنتوضأ بماء
البحرِ؟ فقال لهم النَّبِيُّ بَله: ((هو الطَّهورُ ماؤُه الحلُّ ميتُه)(٢)، وسؤالهم
يُشعرُ بأنَّ من معه ماءٌ يسيرٌ لا يتوضأُ به وهو يخشى العطشَ على نفسِه
وأقرهم وَ لّ على ذلك ولم يَردِّهم عن اعتقادهم.
خرَّجَ البخاريُّ في هذا البابِ حديثَ عمارٍ من روايةِ أبي موسى
الأشعريِّ، عنه فقال:
٣٤٥ - ثَنَا بِشْرُ(٣) بْنُ خَالد: ثنا(٤) مُحَمَّدٌ - هُوَ غُنْدَرٌ -، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبَي وائلٍ: قَالَ أَبُو مُوسى(٥) لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لم يَجِدِ
المَاءَ لا يُصَلِّي(٦)؟ قَالَ عَبْدُ الله: لو رَخَّصَتُ لَهُمَّ فَي هذا كَانَ إذَا وَجَدَّ
أَحَدُهم (٧) الْبَرِدَ قَالَ هَكَذَا يَعْنِي تَيَمَّمَ وصَلَّى. قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ
عَمَّارِ(٨)؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ فَنَعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ.
٣٤٦ - حَدَّثَنَا عُمِرُ بْنُ حَفْصِ: ثَنَا(٩) أبي، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ
(١) ((الأوسط)) (٢ /٢٨).
(٢) انظر ((العلل)) للدار قطني (٧/٩ - ١٣).
(٤) في (ط)): ((نا)).
(٣) قوله: ((ثنا بشر)) أصابه تحريف في ((ط)).
(٥) في ((اليونينية)): ((وقال: قال أبو موسى)).
(٦) في ((ق)) بالتاء في ((تجد)) و((تصلي)) وكذا في نسخة في «اليونينية)).
(٧) في ((ط)): ((أحدكم)).
(٩) فى ((ط)): ((نا)).
(٨) زاد في ((اليونينية)): ((لعمر)).
٢٨٢

٧- باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض
الحديث : ٣٤٦،٣٤٥
شَقيقَ بْنَ سَلَمَةَ: قَالَ: كُنْتُ عَنْدَ عَبْدِ الله وأَبِي مُوسَى فَقَالَ له أَبُو مُوسَى:
أَرَأَيْتَ يا أَبَا عَبْد الرحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ الرَّجُلُ(١) فَلَمْ يَجِدْ مَاءَ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ
بِقَوْل عَمَّار حينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّ: (( كانَ يَكْفِيكَ)؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لم
يَقْنَعُ مِنْهُ بِذِّلِكَ(٢)؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: دَعْنَا(٣) مِنْ قَوْلِ عَمَّارِ، كَيْفَ تَصْنَعُ
بهذه الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ الله ما يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لو(٤) (٢٩٣ - ب/ ق)
رخَّصْنَا لَهُمْ في هذا لأَوْشَكَ إِذا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّم.
فَقُلْتُ لشَقِيقِ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللهِ لِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ .
كانَ عمرُ بن الخطابِ، وعبدُ الله بن مسعود يَقُولانِ: إِنَّ النَّيِممَ إِنَّما
يجوزُ عن الحدثِ الأصغرِ، وأَمَّا عن الجنابةِ فلا يجوزُ، وقالا: لا يُصَلِّي
الجنبُ حتَّى يَجِدَ الماءَ، ولو عَدِمَه شهراً. ورُوِيَ ذلك عن طائفةٍ من
أصحابِ ابنِ مسعودٍ وأتباعهم كالأسودِ وأبي عطيةَ والنَّخعيِّ(٥). وقد
رُوِيَ عن عمر، وابن مسعود أَنَّهما رَجَعَا عن ذلك ووافقا بقيةَ الصَّحابةِ،
فإنَّ عمرَ وَكَلَ الأمرَ في ذلك إلى عمارٍ وقال له: نُوليكَ ما تَوَلَّيتَ.
وابنُ مسعودٍ رجعَ عن (١١٠ - أ/ ط) قولِه في التََّممِ، قاله الضَّحاكُ.
واتَّبعت الأمةُ في ذلك قولَ الصَّحابةِ دونَ عمرَ ، وابن مسعودٍ. وقد
خالفهما علي، وعمارٌ، وأبو موسى الأشعريّ، وجابرُ بنُ عبدِ الله، وابنُ
عبَّاسٍ.
(١) ((الرجل)) من ((ق)) فقط، وليست فى ((اليونينية)).
(٢) في ((اليونينية)): ((لم يقنع بذلك)) وفي إحدى النسخ ((بذلك منه)).
(٣) في («اليونينية)): ((فدعنا)».
(٥) انظر ((الأوسط)) (٢ / ١٣ _ ١٥).
(٤) في (ق)): ((لو أن)).
٢٨٣

الحديث: ٣٤٦،٣٤٥
كتاب التيمم
وقد صحَّ عن النَّبِيِّ وَِّ أمرُ الجنبِ إذا لم يجدِ الماءَ بأن يتيمَّمَ ويُصلَِّ في
حديثِ عمرانَ بنِ حصين المتقدم وحديثِ عمار . ورُوِيَ - أيضًا - من
حديث أبي ذرِّ وغيرِه
وشبهةُ المانعين أَنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ولا جُنّبًا إلا عابري سَبِيلٍ حَتَّى
تَغْتَسلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وقال: ﴿وإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] يعني
به الغسلَ، ثم ذكر التَّيممَ عند فقد الماء بعد ذكره الأحداثَ النَّاقضة
للوضوءِ فدلَّ على أنَّه إنَّما رخَّصَ في الثََّممِ عند عدمِ الماءِ لمن وجدتْ
منه هذه الأحداثُ وبَقِي الجنبُ مأمورًا بالغسل بكلِّ حالٍ .
وهذا مردودٌ لوجهين؛ أحدهما: أَنَّ آيةَ الوضوءِ افْتُتِحَتْ بذكرِ الوضوءِ
ثم بغسل الجنابةِ ثم أمر بعدَ ذلك بالتَّممِ عند عدمِ الماءِ فعادَ إلى الحدثينِ
معًا، وإن قِيلَ: إِنَّه يعودُ إلى أحدِهما فعودُه إلى غسل الجنابةِ أولى؛ لأنَّه
أقربُهما فأما إلى أبعدهما وهو وضوءُ الصَّلاة فممتنعٌ. وأما آيةُ سورة
النِّساء فليسَ فيها سوى ذكرِ الجنابةِ وليسَ للوضوءِ فيها ذكرٌ فكيف يعودُ
النَّيِمِمُ إلى غيرِ مذكورٍ فيها ولا يعودُ إلى المذكورِ .
والثَّاني: أَنَّ كلتى (١) الآيتين أمرَ اللهُ (٢٩٤ - أ/ق) بالتَّيممِ مَنْ جَاءَ
من الغَائطِ ولمسَ النِّساءَ أو لم يجدِ الماءَ، ولمسُ النِّساءِ إما أن يُرادَ به الجماعُ
خاصةً كما قاله ابنُ عباسٍ (٢) وغيره، أو أنَّه يدخلُ فيه الجماعُ وما دونَه من
الملامسة لشهوة كما يقُوله غيرُه، فأمَّا أن يُخَصَّ به ما دونَ الجماعِ ففيه بُعدٌ.
ولَّا أوردَ أبو موسى على ابن مسعودِ الآيةَ تحيّر ولم يدرِ مايقولُ،
وهذا يدلُّ على أنَّه رأى أَنَّ الآيةَ يدخلُ فيهَا الجنبُ كما قاله أبو موسى.
(١) لعل الصواب: ((أن في كلتى)).
(٢) انظر ((سنن سعيد بن منصور)) (١٢٦٥/٤).
٢٨٤

٧- باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض
الحديث: ٣٤٦،٣٤٥
وفي أمرِ النَّبِيِّ بَِّ الجنبَ العادمَ للماءِ أَنْ يتيمَّمَ ويصلِّيَ دليلٌ على
أَنَّه بِّهِ فَهِمَ دخولَ الجنبِ في الآيةِ وليسَ بعدَ هذا شيء .
ورَدُّ ابنِ مسعودٍ تيممَ الجنبِ لأَنَّه (١) ذريعةٌ إلى الشَّيِممِ عند البردِ لم
يُوَفَقْ عليه؛ لأنَّ النُّصوصَ لاتُردُّ بسدِّ الذَّرائعِ، و - أيضًا - فيقال: إِنْ كانَ
البردُ يخشى (١١٠ - ب/ط) التَّلف أو الضَّرر فإنَّه يجوزُ التَّيممُ مَعَه. كما
سبق .
وقد روى شعبةُ أنَّ مخارقًا حدَّثْهم عن طارق أَنَّ رجلاً أجنبَ فلم
يصلِّ فأتى النَّبِيَّ وَّ فذكرَ ذلكَ له فقال له: ((أَصَبْتَ))، وأجنبَ رجلٌ
آخر فتَيَمَّمَ وصلَّى فأتاه [رََّه](٢) فقال له نحوًا ممَّا قال للآخر - يعني
((أصبتَ)) .
خرجه النسائي، وهو مرسل(٣)، وقد يحملُ هذا على أَنَّ الأولَ سأله
قبلَ نزولِ آيَةِ التَّممِ، والآخرَ سألَه بعد نزولها (٤) .
وروى أبو داودَ الطيالسيّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن ذرِّ، عن ابنِ
أبزى(٥)، عن أبيه أن عمَّاراً قال لعمرَ : أما تذكرُ يا أميرَ المؤمنينَ أَني كنتُ
و
أنا وأنت في سَريَّةٍ فأجنبنا فلم(٦) نجدِ المَاءَ، فأمَّا أنتَ فلم تصلِّ وأمَّا أنا
فتمعكتُ بالتُّراب وصلَّيتُ، فلما قَدمْنَا على رسول الله وَلَهُ ذَكَرْنا ذلك
له، فقال: ((أَمَّا أنتَ فلم يَكُنْ ينبغي لك أن تدعَ الصَّلاةَ، وأما أنتَ ياعمَّارُ
(١) كتب في ((ق)): ((كأنه)) ثم أصلحها إلى («لأنه)).
(٣) ((سنن النسائي)» (٢١٣/١).
(٢) من (ق)).
(٤) قوله: ((نزولها)) ليس في ((ق))، ولحق بهامشها وأشار إليها بنسخة (خ).
(٦) في ((ق)): ((ولم)).
(٥) في ((ط)): (ابن أبي أبزى)).
٢٨٥

الحديث: ٣٤٦،٣٤٥
كتاب التيمم
فلم يكن لك أن تَتَمعَّكَ كما تتمعَّكُ الدَّابَّةُ، إنَّما يُجزئُك)) وضربَ رَسولُ
اللهِ وَّل بيدِهِ إلى الأرضِ إلى التُّرابِ، ثم قالَ هكذا (٢٩٤ - ب/ ق) فنفخ(١)
فيها ومسحَ وجهَه ويديه إلى المفصلِ. وليسَ فيه الذِّراعان(٢) .
٠
(١) في ((ق)): ((ونفخ)).
(٢) ((مسند الطيالسي)) (٦٣٨).
٢٨٦

الحديث : ٣٤٧
٨ - بابٌ
التَّمُمُ ضَرْبَةٌ
٣٤٧ - حدثنا (١) مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ: ثنا (٢) أَبُو مُعَاوِيَّةً، عنِ الأَعْمَشِ،
عن شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ وأبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقَال له أَبَّو
مُوسَىَ: لَّوْ أَنَّ رَجُلا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟
فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآية في سُورةِ المَائِدَةِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ [المائدة: ٦] فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لو رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا
لأَوشَكُوا إِذَا بَرَدَ عليهم الَاءُ أَنْ يَتَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ (٣). قُلْتُ: وإنَّما(٤)
حَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لعُّمَرَ بِنِ
الخَطَّابِ (٥): بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِوَ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الَاءَ
فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمرِغُ الدَّبَّةُ، فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لِلنَِّيِّ ◌َ﴿ فقال: ((إِنَّما
كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكذَا)) وضَرَبَ بَكِفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا
ثم مَسَحَ بها ظَهْرَ كَفِّه بشمَاله أو ظهر شمَاله بكَفِّه، ثُمّ مَسَحَ بهما
وَجْهَ))؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَلَمْ(٦) تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بَقَوْلِ عَمَّارٍ.
زَادَ يَعْلَى، عن الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ
(١) في ((ط)): ((نا)).
(٢) في ((ط)): ((نا)) وفى إحدى نسخ ((اليونينية)): ((حدثنا)) وفي الأخرى: ((أخبرنا)).
(٣) في نسخة في ((ق)): ((بالصعيد))، وهو موافق لإحدى نسخ ((اليونينية)).
(٤) في ((ط)) بدون الواو.
(٥) قوله: ((بن الخطاب)) ليس في ((اليونينية)).
(٦) في ((اليونينية: ((أفلم)).
٢٨٧

الحديث: ٣٤٧
كتاب التيمم
وأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو موسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ الله ◌َل
بَعَثَنِي أَنَّا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكتُ بِالصَّعِيدِ فَأَتْنَا رَسُولَ الله ◌ِ (١١١ -
أ/ ط) فأخْبَرْنَاه فَقَالَ: ((إنَّما كَانَ يَكْفيكَ هَكَذَا(١)) وَمَسَحَ وَجْهَهُ وكَفّيْه
واحدةً.
محمدُ بن سلام هو البيكنديُّ (٢)، وقد اخْتُلفَ في ضبط ((سَلام)) هل
هو بالتَّخفيف أو بالتَّشديد، والتَّخفيفُ أكثر فيه (٣) وأشهرُ، ولأبي محمدٍ
عبد العظيم المنذريِّ في ذلك جزءٌ مفرد(٤).
[ثم ظهر لي أَنَّ التَّشديدَ فيه أصحُ، فإنَّ الذين رجَّحوا فيه التَّخفيفَ
اعتمدوا على حكاية رُويت عن محمد بن سلام أنَّه قالَ: أَنَا محمدُ ابن
سلام - بتخفيف اللام -، وقد أفردتُ لذلك جزءًا وذكرتُ فيه أنَّ هذه
الحكايةَ لا تصحُّ وفي إسنادِها متهمٌ بالكذب](٥).
وقد خرَّجَ مسلمٌ هذا الحديثَ عن يحيى بنِ يحيى، وأبي بكرٍ بن أبي
شيبةَ، وابنٍ نُمير - كلِّهم - ، عن أبي معاوية (٢٩٥ - أ / ق) بهذا الإسناد
والمتنِ، إلا أنَّ لفظَه: ((فقال: إنَّما كان يكفيك أن تقولَ بَيَديك هكذا)) ثُمَّ
ضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً ثم [مسح](٦) الشَّمالَ على اليمينِ وظاهرَ
کفیه ووجهَه(٧) .
(١) في نسخة في ((ق)): ((هذا)).
(٢) في ((ط)): ((اليكندي)) .
(٣) في ((ط)): ((منه)).
(٤) ويسمى: ((الإعلام بأخبار شيخ البخاري محمد بن سلام)) ذكره حاجي خليفة في ((كشف
الظنون)» (١ / ١٢٨).
(٥) ما بين المعقوفين من ((ق)) فقط. وسبق أن أشرنا إلى هذا الاختلاف في اسم والد محمد
شيخ البخاري تحت الحديث ٣٢٤، فراجعه.
(٦) من ((ق)) ..
(٧) مسلم (٣٦٨ / ١١٠).
٢٨٨

٨ - باب التيمم ضربة
الحديث : ٣٤٧
وخرَّجه ــ أيضًا - من طريقِ عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش ولفظُ
حديثه: فقال رسولُ اللهِ وَجِهِ: ((إنَّمَا كَانَ يَكْفيك أن تقولَ هكذا)» وضربَ
بيديه إلى الأرضِ فنفضَ يدَيَه فمسحَ وجهَه وكفَّه(١).
وخرَّجَ القاضي إسماعيلُ المالكيُّ حديثَ أبي معاويةً: عن ابن نُمير،
عنه ولفظه: فقال رسولُ الله ◌َله: ((إنَّما كَانَ يَكْفيك أن تضربَ بيديك
على الأرضِ ثم تنفضهما ثم تمسحَ يمينكَ على شمالك وشمالك على
پینك، ثم تمسح وجهك».
وخرَّج حديثَ عبد الواحد بن زياد: عن [محمد بن](٢) أبي بكر
المقدَّمي، عنه ولفظُ حديثه: ((إنَّما كانَ يكفيك أن تقولَ هكذا)» وضربَ
بكفيه إلى الأرضِ ضربةً(٣) واحدةً ثم مسحَ إحداهما بالأخرى (٤) ومسحَ
وجهه.
وأمَّا روايةُ يعلى(٥)، عن الأعمشِ التي علَّقها البخاريُّ: فخرَّجَها
الإمام أحمد [في ((المسند))] (٦)، عن يعلى - وهو ابن عبيد الطنافسي -
كذلك(٧) .
ورَوَى الإِمامُ أحمدُ - أيضًا -، عن عفان: ثنا عبدُ الواحد، عن
الأعمشِ بهذا الحديث وفيه: وضرَب بكفيَّه إلى الأرضِ ثم مسَح كفّيه
جميعًا ومسحَ وجهَه مسحةً واحدةً بضربة واحدة. قال عفان: وأنكره
يحيى بن سعيد، فسألتُ حفص بن غياث فقال: كان الأعمشُ يحدثنا به
(١) مسلم (٣٦٨/ ١١١).
(٢) سقطت من (ط)).
(٣) في ((ق)): ((مرة)).
(٤) في ((ط)): ((إحديهما)).
(٥) في ((ط)): ((أبي يعلى)) ولعله ضبب على ((أبي)).
(٦) من ((ق)).
(٧) أحمد (٢٦٥/٤).
٢٨٩

الحديث: ٣٤٧
كتاب التيمم
عن سلمةَ بن كهيل وذكر أبا وائل(١).
وقال الإمامُ أحمدُ في رواية الأثرمٍ: إن كان ما روى أبو معاويةً حقا،
روى عن الأعمش، عن شقيقِ القصةَ فقال - أيضًا - ضربة للوجه
والكفَّين، وتابعه عبدُ الواحد. قال أبو عبد الله - يعني أحمد -: فهذان
جميعًا قد (١١١ - ب / ط) اتفقا عليه، يقولان: ضربة للوجهِ والكفَّينِ.
وإنَّما أنكر يحيى(٢) بن سعيد هذه اللفظةَ وتوقَّف فيها الإمامُ أحمدُ؛
لأنَّ شعبةَ وحفص بن غياث وابن عُيينة وغيرهم رَوَوه عن الأعمشِ ولم
يذكروا الضَّربةَ الواحِدَةَ(٣) ولا صفةَ التَّيممِ في حديثٍ عن شقيقٍ، عن
أبي موسى كما ساقَ ذلك البخاريَّ في الباب (٢٩٥ - ب/ق) الماضي،
ثم ذكر أحمدُ أَنَّ أبا معاويةَ وعبدَ الواحد(٤) قد اتَّفقا على هذه اللفظة
فزالتْ نكارةُ التَّفرد، وقد تبين أنَّ يعلى تابعهما - أيضًا.
وقد كانَ الأعمشُ يروي هذا الحديثَ، عن سلمةَ بن كهيل، عن ابنِ
أبزى، عن عمار على اختلاف عليه في إسناده، وذكر فيه صفَة التَّيممِ
بضربة واحدة، ولكنَّه ذكر أنَّه زادَ على مسح الكفين ((بعض الذراعين)»
وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم - في باب ((التيمم للوجهِ والكفَّين)) وذكرنَا أنَّ
سلمةَ بنَ كهيل شكَّ في الزيادة على الكفَّيْنِ، وأَنَّه رواه عنه سفيانُ
وشعبةُ والأعمشُ مع اختلافٍ عليهم في بعضِ الإسنادِ والمتنِ، فربما علَّل
ذكر الضَّربةِ الواحدةِ بأنَّه كان عند الأعمشِ عن سلمةَ بن كهيل وحملَ
عليه حديثَ أبي وائل كما قد يفهمُ ذلك من قولِ حفص بن غياث الذي
ذكره عنه عفان .
(١) أحمد (٢٦٥/٤).
(٣) في ((ط)): ((الواحد)).
(٢) يحيى)(سقط من ((ط)).
(٤) في (ط)): ((عبد الرزاق)).
٢٩٠

٨ - باب التيمم ضربة
الحديث : ٣٤٧
إلا أنَّ الأئمةَ اعتمدوا على رواية أبي معاويةَ وعبد الواحد ويعلى،
عن الأعمشِ، عن شقيقٍ وحدَه للضّربة الواحدة؛ وأبو معاويةَ مقدمٌ في
حديثِ الأعمشِ يُرْجَعُ إليه فيه عند اختلاف أصحابِهِ .
وقد رُويتِ الضَّربةُ الواحدةُ عن عمارِ من طريقِ قتادةَ، عن عَزْرَةَ،
عن ابنِ أبزى، عن أبيه، عن عمار - أيضًا - وقد تقدَّمَ ذكرُه - أيضًا -،
وحديث شعبة، عن الحكمٍ، عن ذر (١)، عن ابنِ أبزى المتفق على تخريجه
في «الصحيحين)) - كما تقدم - يدلُّ عليه - أيضًا.
وقد اتَّفق الأئمةُ على صحة حديث عمار وتلقيه بالقبول، قال
إسحاقُ بن هانىء: سُئِلَ أحمدُ عن الثَّمَمِ قال: ضربةٌ واحدةٌ للوجه
والكفَين، قِيلَ له: ليسَ في قلبِك شيءٌ من حديثِ عمارٍ؟ قال: لا(٢).
وفي حديثِ أبي معاويةَ الذي خرَّجه البخاريُّ ها هنا شيئان أُنكرا
على أبي معاويةً:
أحدهما: ذكرُه مسحَ الوجه بعدَ مسحِ الكفَّين (١١٢ - أ/ ط)؛ فإنَّه قال:
(ثُمَّ مسحَ وجهَه)).
وقد اختُلِفَ في هذه اللفظةِ على أبي معاويةَ وليست هي في روايةٍ
مسلمٍ - كما ذکرناه.
وكذلك خرَّجَهَ النَّسائيّ عن أبي كريبٍ، عن أبي معاويةَ ولفظُ (٣)
حديثه: ((إنَّما كانَ يكفيك أن تقولَ هكذا)) وضربَ بيدهِ على الأرضِ
(١) في ((ط)) ((زر)) - بالزاي - خطأ.
(٣) في ((ط)): ((ولفظة)).
(٢) ((مسائل ابن هانىء)) (ص ١١ - ١٢).
٢٩١

الحديث: ٣٤٧
كتاب التيمم
ضربةً فمسح (٢٩٦ - أ / ق) كفيه ثم نفضَهما ثم ضربَ بشماله على يمينه
وبيمينه على شماله على كفّيه ووجهه(١).
وخرَّجَه أبو داودَ، عن محمدٍ بنِ سليمانَ الأنباريِّ، عن أبي معاويةَ
ولفظُه: ((إنّما كان يكفيك أن تصنعَ هكذا)) فضربَ بيدهِ على الأرضِ
فنفضها ثم ضربَ بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفّين، ثم
مسح وجهه(٢).
فاخْتُلفَ عَلى أبي معاويةَ في ذكرِ مسح الوجه وعطفه هل هو بالواو
أو بلفظة (ثُمَّ)؟
وقد قال الإمامُ أحمدُ في روايةِ أحمدَ بن عبدة(٣): رواية أبي معاويةَ،
عن الأعمشِ في تقديم مسحِ الكفّين على الوجه غلطٌ.
والثَّاني: أَنَّه ذكر أَنَّ أبا موسى هو القائلُ لابنِ مسعود: إنَّما كَرِهتم
هذا لهذا؟ فقال ابنُ مسعود: نعم. وقد صرّح بهذا في رواية أبي داودَ،
عن الأنباريِّ المشارِ إليها .
وإنَّما روى أصحابُ الأعمشِ منهم: حفص بن غياث، ويعلى بن
عُبيد، وعبدُ الواحد بن زياد أنَّ السائلَ هو الأعمشُ والمسئولَ هو شقيقٌ
أبو وائل.
وقد ذكرنا - فيما تقدَّم - مسحَ الوجهِ واليدين في التّيممِ وهل
الممسوحُ الكفَّان خاصةً أم الكفان والذِّراعان إلى المرفقينِ أم إلى المناكبِ
والآباط؟
(١) النسائي (١ / ١٧٠ - ١٧١).
(٢) أبو داود (٣٢١).
(٣) كذا هنا، والذي في ((طبقات الحنابلة)) (١ / ٨٤) أحمد بن أبي عبدة، وكان ورعًا، نقل
عن أحمد مسائل كثيرة، توفي قبل أحمد.
٢٩٢

٨ - باب التيمم ضربة
الحديث : ٣٤٧
والكلامُ هنا في عددِ الضَّرَّبِ الممسوحِ به، فمن قال: إنَّه يمسحُ الوجهَ
والكفَّين قال(١) أكثرهم: يمسحُ ذلك بضربة واحدة اتِّباعًا لحديث عمار.
وهذا هو المرويُّ عن عليٍّ، وعمارٍ، وابن عباس، وعن الشَّعَبيِّ وعطاءِ،
ويحيى بنِ أبي كثير، وقتادَة، وعكرمَة، ومكحول، والأوزاعيِّ، وهو قولُ
أحمدَ، وإسحاقَ، وأبي خيثمةَ، وابن أبي شيبة، وداودَ، وهو قولُ عامة
أهلِ الحديث. قاله الخطابيُّ وغيرُهُ. وقال ابنُ المنذرِ: بهذا نقولُ للَّابتَ
عن النَّبِيِّ وَِّ أنه قال: ((التَّيممُ ضربةٌ للوجهِ (١١٢ - ب / ط) والكفَّين)).
وحكى عن طائفةٍ منهم أنَّه يمسحُ وجهَهَ بضربةٍ وكفَّه إلى الرُّسغين
بضربة أخرى. قال ابنُ المنذرِ: يروي هذا عن عليٍّ. وحكاه غيرُه عن
عطاء، والنَّخعيِّ، والأوزاعيِّ في روايةٍ عنهما، والشَّافعيِّ في ((القديم) (٢)
ونقلَّ حربٌ، عن إسحاقَ: أنَّ هذا هو المستحبُّ وتجزئُ ضربةٌ واحدةٌ.
وروى حربٌ بإسنادِهِ، عن عبدِ العزيز بن أبي رَوَّاد، عن نافعٍ، عن ابنِ
عُمرَ، قال: التَّيممُ ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للكفَّين. وبإسناده
(٢٩٦ - ب / ق)، عن عطاء، والأوزاعيِّ مثله.
وأَمَّا من قالَ: إِنَّ الثَّممَ يبلغُ إلى المرفقين، فأكثرهم قالوا: يتيممُ
بضربتين: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدين إلى المرفقينِ. هذا هو الصحيح
ـو
عن ابنِ عُمرَ، وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ القائلين
بذلك، وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ وغيرِهم.
واختلفوا هل ذلك على الوجوبِ أَمْ علَى الاستحبابِ؟
(١) في ((ط)): ((فإن)) .
(٢) انظر «الأوسط)) (٢/ ٥٠) و((معالم السنن)) (١٠٠/١) و((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٥٨/١
- ١٥٩)، وعبدالرزاق (٢١١/١-٢١٢) و((شرح السنة)) (١١٣/٢-١١٤) و((اختلاف العلماء))
لابن نصر المروزي (ص ٣٣).
٢٩٣

الحديث: ٣٤٧
كتاب التيمم
فقالت طائفةٌ: هو عَلَى الوجوبِ لا يُجزئُ دونه. وهو قولُ أَبِي
حَنِيفَة والشَّافعيِّ في ظاهرِ مذهبهِ، وروايةٌ عن مالك.
وقالت طائفة: بل هو على الاستحباب ويجزىءُ ضربتان: إحداهما(١)
ضربةٌ للوجه، والأخرى للكفَّين. وهو روايةٌ عن مالك، واختارَه القاضي
أبو يعلى من أصحابنا؛ غيرَ أَنَّ المجزئَ عنده ضربةٌ واحدةٌ للوجهِ والكفَّين،
وحكاه بعضُهم روايةً عن الإمامِ (٢) أحمدَ، وأنكر الخلالُ والأكثرونَ ثبوتَها
عنه، وقال الخلالُ: إنَّما أجازَ ذلك أحمد لمن تأوَّلَ الأحاديثَ بفعله، لا
أَنَّ الأحاديثَ في ذلك عنده ضعافٌ جدّاً في الضّربتين، وأجاز إسحاقُ إن
تيمَّمَ بضربتينِ ضربة للوجهِ وضربة لليدين إلى المرفقين إذا كَانَ يرى
الاقتصارَ على الكفَّين جائزًا، فإن اعتقدَ أَنَّه لا يجزئُ فقد أخطأً. وهذا
يدلُّ على أنَّ الخلافَ في الإجزاءِ عنده(٣) غيرُ سائغِ.
وقالت طائفةٌ من الخُراسانيين من أصحاب الشَّافعيِّ: الواجبُ عنده:
إيصالُ التّراب إلى الوجه واليدين إلى المرفقين، سواء حصلَ ذلك بضربة
أو بضربتين(٤)، ولا يجبُ عنده تعددُ الضّرب.
وخالفهم غيرُهم من أصحابِ الشَّافعيِّ في ذلك.
وروى داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشَّعَبِيِّ قال: التَّيمِمُ: ضربةٌ للوجهِ
(١١٣ - أ/ ط) واليدين إلى المرفقين. خرَّجَه حربٌ الكرمانيّ. وروى
[ابن](٥) إسحاق، عن نافع قال: رأيتُ ابنَ عمرَ يضربُ بيده(٦) في الأرض
(١) ((إحداهما)) من ((ق)).
(٢) قوله: ((الإمام)) ليس في ((ق)).
(٣) في ((ط)): ((عنده في الإجزاء)). وكلمة ((أن)) ليست في صلب ((ق)) وإنما كتبها في الهامش
وأشار إليها بنسخة .
(٤) في ((ق)): ((ضربتين)).
(٦) في ((ط)): ((يده)).
(٥) ليست في ((ط)).
٢٩٤

٨ - باب التيمم ضربة
الحديث : ٣٤٧
فيمسحُ بها وجهَه، ثم يضربُ يدَه فيمسح بها ذراعيه. وعن ابنِ عونٍ
قال: قلتُ للحسنِ: أرني كيف التَّيممُ؟ فضربَ بيديه على الأرضِ ثم
نفضَهما ثم مسحَ بهما (١) وجهَه ثم ضربَ بكفَّه (٢٩٧ - أ / ق) الأرضَ
ثم مسحَ بهما على ذراعيه، وعن داودَ، عن الشَّعبيِّ قال: التَّيممُ ضربةٌ
للوجه والذِّّراعين. خرَّجَ ذلك كلَّه القاضي إسماعيلُ المالكيُّ. وكذلك
وصفَ سفيانُ الثَّورِيُّ التَّيِمِمَ.
وظاهر هذا يدلُّ علَى أَنَّ الكفَّين لا يُمْسَحان بانفرادهما، بل يكفي ما
أصابَهما عند ضربهما بالأرض، فإنه لا بدَّ أن يتطايرَ الغُبارُ على ظاهرهما
وباطنهما. وقد قال عكرمةُ في المُتيمم (٢): يضرب بكفّيه على الأرضِ
فيحركهما ثم يمسحُ بوجهه و کفَّیه .
وهذا يرجعُ إلى أنَّه لا يجبُ التَّرتيبُ كما سيأتى ذكره إن شاءَ الله
سبحانه وتعالى(٣).
وحُكِيَ عن ابنِ سِيرِينَ أنَّه تيمَّمَ بثلاث ضربات: ضربة للوجه،
وضربة للكفَّين، وضربة للذِّراعين إلى المرفقين. وحُكِيَ عن ابنِ أبي
ليلى، والحسنِ بن حِيٍّ أَنَّه يتيمَّمُ (٤) بضربتين يمسحُ بكلِّ ضربةٍ وجهَه
ويدَيَه إلى المرفقين. قال ابنُ عبد البرِّ: ما علمتُ أحدًا من أهلِ العلمِ قال
ذلك غيرُهما. وللشَّافعيَّة وجهٌ ضعيفٌ: أنه يستحبُّ ضربةٌ للوجه
وضربتان لليدين، لكلِّ يدِ ضربةٌ. ولهم وجهٌ ضعيفٌ - أيضًا -: أنَّه يشرعُ
تكرارُ المسح في التّممِ كالوضوءِ.
(١) في ((ط)): ((نفضهما ثم مسح بها)) وكان كتب ((بيده)) ثم أصلحها إلى ((بيديه)).
(٢) فى ((ق)): ((التيمم)).
(٤) في ((ق)): ((تيمم)) .
(٣) في ((ق)): ((إن شاء الله تعالى)).
٢٩٥

الحديث: ٣٤٧
كتاب التيمم
وقال حربٌ: ثنا محمودُ بن خالد: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ قال: قلتُ
لأبي عمرو الأوزاعيِّ: صفْ لي (١) التَّيممَ فوضعَ كفَّه على الأرضِ وضعًا
رفيقًا ثم رفعهما ثم أَمَرَّ إحديهما على الأخرى مسحًا رفيقًا، ثم أمرَّ بهما
على وجههِ، ثم على كَفَِّه. قال: وثنا المسيبُ بن واضح ثنا(٢) أبو إسحاقَ،
عن إسماعيل بن أبي خَالدِ قال: سألتُ الشَّعْبيَّ عن التَّيمم، فضربَ
بيديه الأرضَ، ثم ضَرب إحديهما بالأخرى ثم مسحَ وجهَه وكفّيه.
وظاهرُ هذا يقتضي أنَّه يمسحُ أولا إحدى كفَّه بالأخرى ثم يمسحُ
وجهَه ثم يمسحُ كفّيه، وفي بعضِ ألفاظِ حديثِ عمارِ المذكورة في هذا
الباب ما قد يشعرُ بهذا القول، ولا يبقى حينئذٍ إشكالٌ في رواية أبي
معاوية، عن الأعمشِ لأنَّه يكونُ قد مسحَ كفَّهُ مرةً قبلَ وجهِهِ ومرةً
بعدَه، وهذا (٢٩٧ - ب/ق)غريبٌ جدّاً، وعند التَّأملِ لا يدلُّ حديثُ عمار
على ذلك، فإنَّ لفظَ رواية (١١٣ - ب/ط) البخاريِّ أَنَّه مسحَ بالضَّربةِ
ظهرَ (٣) كفَّيه بشماله أو ظهر شماله بكفِّه، وهذا إنما يدلُّ على أنَّهُ مَسَحَ (٤)
ظهرَ كَفِّه ببطنِ الأخرى.
وفي روايةِ مسلمٍ: مسحَ الشَّمالَ على اليمينِ وظاهرَ كفَّيه، فهذه
تدلُّ(٥) على أنَّه مسحَ كفَّه إحداها بالأخرى(٦) في ظاهرِهما وباطنهما.
وفي رواية أبي داودَ والنَّسائيِّ: أَنَّه مسحَ(٤) بشماله على يمينه،
وبيمينه على شماله. وهذا يدلُّ على أنَّه مسحَ كلّ واحدةٍ بالأخرى.
(١) قوله: ((لي)) ليس في ((ق)).
(٢) في ((ط)): ((نا)) .
(٣) في ((ط)): ((يمسح بالضربة ظاهر)) وكان كتب: ((ظهر كفيه)) ثم ضرب عليها.
(٤) في ((ط)): (يمسح)).
(٦) فى ((ط)): (بالأولى)).
(٥) في ((ط)): ((یدل)).
٢٩٦

٨ - باب التيمم ضربة
الحديث : ٣٤٧
والمنصوصُ عن أحمدَ، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ وغيرهِ: أَنَّه يجبُ التَّرتيبُ
في التَّيممِ كما يجبُ في الوضوءِ فيمسحُ وجهَهَ أولا ثم يمسحُ كَفَّه .
ومن أصحابِنا المتأخِّرين من قالَ: لا يجبُ التَّرتيبُ في النَّيمِمِ خاصَّةً،
لأنَّهم قالوا في صفةِ التَّيمم: إِنَّه يمسحُ وجهَه بباطن أصابعه وظاهرَ كفَّيه
براحتيه(١)، ويَدْلُكُ كلَّ راحةٍ بالأخرى ويخللُ الأصابعَ. قالوا: فيقعُ
مسحُ باطنِ أصابِعه مع مسحٍ وجهِهِ، وهذا يخلُّ بالتَّرتيبِ .
وهذا الذي قالوه في صفةِ التَّيممِ لم يُنْقَلْ عن الإمامِ أحمدَ، ولا قَاله
أحدٌ من متقدِّمي أصحابِه كالخرقيِّ وأبي بكرٍ وغيرهِما. قال المروذيُّ: قلتُ
لأبي عبدِ اللهِ: أرني كيفَ النَّيممُ؟ فضربَ بيدهِ باطنَ كفَّيِه ثم مسحَ وجهَه
وكفّيه بعضها على بعضٍ ضربةً واحدةً وقال: هكذا. وهذا يدلُّ على أنَّه
مسحَ وجهَه بيديه ثم مسحَ يديه إحداهما(٢) بالأخرى من غيرِ تخصيصٍ
للوجهِ بمسحِ باطنِ الأصابعِ، وهذا هو المتبادرُ إلى الفهمِ من الحديثِ
المرفوعِ، ومن كلامٍ من قالَ من السَّلْفِ: إنَّ التَّمم ضربةٌ للوجه والكفَّين.
وما قالَه المتأخِّرُونَ من الأصحابِ فإِنَّمَا بَنَوه على أَنَّ التُّرابَ المستعملَ
لا يصحُّ النَّممُ به كالماءِ المستعملٍ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ التُرابَ المستعملَ
فیه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: أَنَّه يجوزُ التَّيممُ به بخلاف الماء؛ لأنَّ الماءَ المستعملَ قد رَفَع
حدثًّا وهذا لم يرفعِ الحدثَ على ظاهرِ المذهب.
وعلى الوجه الثَّاني: أَنَّه لا يتيممُ بالتّرابِ المستعملِ، فالمستعملُ هو ما
عَلَقَ بالوجه أو تناثرَ منه، فَأَمَّا ما بَقِي على اليدِ الممسوحِ بها فهو بمنزلةٍ ما
(١) في ((ط)): ((براحته)).
(٢) فى ((ط)): ((إحديهما)).
٢٩٧

الحديث: ٣٤٧
كتاب التيمم
بقي في الإناء بعد الاستعمال منه وليس هو بمستعمل (١١٤ - أ / ط)
ويجوزُ التَّيِمِمُ به، صرَّحَ به طائفةٌ من أصحابِنا والشَّافعيةِ. ونقل حربٌ،
عن إسحاقَ أنَّه وصفَ لهم التََّممَ فضربَ بيديهِ ثم نفخهما فمسحَ بهما
وجهَه ثم ضربَ بيدهِ الثَّانية ولم ينفخها(١) ثم مسحَ ظهورَ الكفَّين اليمنى
باليسرى (٢٩٨ - أ / ق) واليُسْرى باليمنى، ولم يذكرْ أَنَّه مسحَ بطونَ
كفَّيه اكتفاءً بمرورِ التُّرابِ عليهما بالضَّرَّبِ بهما على الأرضِ.
وهذا في التَّيممِ بالضَّربتين ظاهرٌ، ولا يتأتى مثلُه في الضَّربة الواحدة،
لأَنَّه يُخلُّ بالتَّرتيبِ وقد صرَّحَ العراقيون من أصحابِ الشَّافِعِيِّ بأَنَّه يسقَطُ
فرض الرَّحتينِ وما بينَ الأصابعِ حينَ يضربُ اليدين على التُّرابِ.
ثم أورَدوا على ذلك أنَّه لو سقطَ فرضُهما بذلك لصَارَ التَّرابُ الذي
عليهما مستعملاً فكيفَ يجوزُ مسحُ الذِّراعين به ولا يجوزُ نقلُ الماءِ الذي
غسلَ به إحدى اليدينِ إلى الأخرى إلا على وجهِ ضَعيفٍ لهم؟
وأجابوا(٢) عن ذلك بوجهین:
أحدهما: أَنَّ اليدين كعضوٍ واحدٍ ولا يصيرُ التّرابُ والماءُ مستعملا إلا
بانفصالِه ولم ينفصلِ التّرابُ بخلاف الماء، فإنَّه ينفصلُ فيصيرُ مستعملا .
والثَّاني: أَنَّ هذا يُحْتَاجُ إليه في النَّيممِ للضَّرورةِ حيث لم يمكن أَنْ
يُيَمِّمَ (٣) الذِّراع بكفها فافتقرَ إلى الكفِّ الأخرى فصارَ كنقلِ الماءِ من بعضِ
العضوِ إلى بعضِه .
وعلى قولٍ هؤلاء: لا يجبُ بعد ذلك مسحُ إحدى الرَّاحتين بالأخرى،
(١) في ((ط)): ((ينفخهما)).
(٣) في ((ط)): ((يتيمم)).
(٢) في ((ق)): ((فأجابوا)) .
٢٩٨

٨ - باب التيمم ضربة
الحديث : ٣٤٧
93
بل هو مستحبّ. ومن أصحابه من حكى في وجوبه وجهين، وقال البغوي
منهم: إن قصَد بإمرارِ الرَّاحتين على الذِّراعين مسحَ الراحتين حصلَ له
وإلا فَلا.
وهذا يدلُّ على أنَّه لا يحصلُ بضرِبِهِما بالأرضِ .
ومن أعيان أصحابنا المتأخرين من حكَى قولا لم يسمِّ قائلَه ورجَّحه
في الثَّيممِ بضربةٍ واحدةٍ أَنَّه يمسحُ بباطنٍ يديه وجْهَه ثم يمسحُ بهما ظاهرَ
كفّيه خاصَّةً. قالَ: لأنَّ باطنَهما يصيبهُ التُّرابُ حينَ يضربُ بهما الأرضَ
وحينَ يمسحُ بهما الوجهَ وظهرَ الكفَّين، فلو مسحَ إحداهما(١) بالأخرى
لتكرَّرَ مسحُهما ثلاثَ مرَّاتٍ، وتكرارُ مسحِ التَّيممِ غيرُ مشروعٍ بخلافٍ
الوضوءِ، وهو - أيضًا - ينافي أن يكونَ التَّيممُ بضربةٍ واحدةٍ.
وهذا الذي قاله (١١٤ - ب/ ط) فيه نظرٌ؛ فإنَّ تكرارَ المسحِ بترابٍ
ضربةً واحدةً لا تتعددُ به الضَّرباتُ كتكرارِ مسحِ الرأسِ بماءٍ واحد فإنَّه لا
يكونُ تكراراً، وقد سبقَ ذلك في ((الوضوء)»، وإنَّما لم يُشْرَعَ تكرارُ الثَّيممِ
إذا وقعَ الأولُ موقعَه، وما أصابَ باطنَ الكفَّين من التَّرابِ قبلَ مسحِ
الوجه غير معتدٍّ به عند من يوجبُ التَّرتيبَ فلا يكونُ ذلك تكرارًا -
أيضًا -، وقد تقدَّمَ أَنَّ حديثَ عمارٍ يدلُّ على أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ مسحَ بعدَ
الضَّرْبِ ظاهرَ كَفَّه وباطنهما، وإنَّما يجبُ التَّرتيبُ في التَّممِ عن (٢٩٨ -
ب/ ق) الحدث الأصغر.
وأَمَّا التَّرتيبُ في التَّيممِ عن الجنابةِ: ففيه وجهانِ لأصحابنا وأصحابِ
الشَّافعيِّ:
(١) في ((ط)) ((إحديهما)).
٢٩٩

الحديث: ٣٤٧
كتاب التيمم
أحدهما: أَنَّه واجبٌ - أيضًا -؛ لأنَّ صفةَ التَّيمم عن الجنابةِ والحدثِ
لا تختلفُ بخلاف الغسلِ والوضوء، وأيضًا فإنَّ البدنَ كلَّه في غسلٍ
الجنابةِ كالعضوِ الواحدِ، وفي التَّيممِ عضوان متغايرانِ فيلزمُ التَّرتيبُ
بينهما كأعضاءِ الوضوءِ .
والثَّاني: لا يجبُ؛ لأنَّ التَّيممَ عن الجنابةِ يلتحقُ بالغسلِ ولا ترتيبَ
فيه .
وعلى هذا الوجهِ فلا إشكالَ في توجيه روايةِ أبي معاويةً، عن
الأعمشِ التي خرَّجَها البخاريُّ بتقديمِ الكفَّينِ على الوجهِ؛ لأنَّ النَّبِيِّ وَّةُ
إنَّما علَّم عمَّارًا ما كان يكفيه من النَّيممِ عن الجنابةِ، وقد حكى بعضُهم
عن الأعمشِ أَنَّه كان يذهبُ إلى تقديمٍ مسحِ الكفَّين على الوجهِ في
التَّيممِ مطلقًا، فإن صحَّ هذا عنه دلَّ على أَنَّ ما رَوَى عنه أبو معاويةً
محفوظٌ عن الأعمشِ، وأَنَّ أبا معاويةَ حَفِظَه عنه ولم يَهِمْ فيه كما قَالَه
الإمامُ أحمدُ، واللهُ أعلم. ويحتملُ أَنَّ الأعمشَ فسَّرَ هذا التَّفسيرَ من
عنده كما فَسَّرِه شعبةُ - أيضًا - من عنده كذلك بتقديمِ دلكِ اليدين على
الوجهِ، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريقِ النَّسائيِّ، أو أن يكونَ ذلك من
تغييرِ بعضِ الرَّواةِ عن شعبةَ والأعمش؛ فإنَّ كثيرًا منهم لم يكنْ يُفُرِّقُ بين
مدلولِ العطف بثُمَّ وبالواو، واللهُ سبحانَه وتعالى أعلم (١).
(١) في ((ق)): ((والله تعالى أعلم)).
٣٠٠