Indexed OCR Text

Pages 261-280

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
وخرَّجهَ ابن حُبان في ((صحيحه))، والدارقطني وصححه والحاكم
وصححه (١) وتكلّم فيه بعضُهم لاختلافٍ وقعَ في تسميةِ شيخٍ أبي قلابةَ،
ولأَنَّ عمرو بن بجدان غيرُ معروفٍ، قاله الإمامُ أحمدُ وغيرُه.
وقد رُويَ هذا - أيضًا - من حديث ابنِ سِيرينَ، عن أي هريرةَ، عن
النَّبِىِّ وَاخِلِ.
خرَّجَه الطبراني والبزار(٢)؛ ولكنَّ الصحيحَ: عن ابن سيرين مرسلا،
قاله الدار قطنيُّ وغيرُه (٣) .
وأَمَّا ماحكاه عن الحسن (٤) أنَّه يجزئُه التَّيممُ مالم يُحْدِثْ: فهذا قولُ
كثير من العلماء، وحكاه ابنُ المنذرِ(٥) عن ابن المسيَّب، والحسن والزَّهريِ (٦)
(٢٨٦ - ب/ ق) والثَّوريِّ، وأصحابِ الرأي، ويزيدَ بن هارون.
قال: وَرُوِيَ ذلك عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وأبي جعفرٍ، وحَكَاه غيرُ ابنِ المنذر
- أيضًا - عن عطاء، والنَّخعيِّ، والحسنِ بن صالح، والليث بن سعد،
وهو رواية عن أحمدَ، وقول أهلِ (١٠٣ - ب/ط) الظاهرِ.
واستدلَّ لهذه المقالة بحديث: ((الصَّعيدُ الطيبُ طهورُ المسلم)) - كما
أشار إليه البخاريُّ - وأشار إليه الإمامُ أحمدُ - أيضا.
والمخالفون يقولونَ: إِنَّه في حكم الوضوءِ والطهورِ في استباحة ما
يُسْتباحُ بالطهورِ بالماءِ لا فى رفعِ الحدث؛ بدليل قوله: «فَإِذَا وجدتَ الماءَ
(١) ((وصححه)) ليست في ((ط)).
(٢) ((الأوسط)) للطبراني (١٣٣٣)، و((كشف الأستار)) (١٥٧/١).
(٣) ((علل الدار قطني)) (٩٣/٨).
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١/ ١٦٠)، و((مصنف عبد الرزاق)) (٢١٦/١) و((المحلى)) لابن
حزم (١٢٨/٢).
(٥) ((الأوسط)) لابن المنذر (٥٨/٢).
(٦) في ((ط)): ((والترمذي)).
٢٦١

كتاب التيمم
فَأَمسَّه بشرتَك)) (١) ولو كان الحدثُ قد ارتفعَ لم يُقيّد بوجودِ الماءِ.
وقد طردَ أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن(٢) قوله في أَنَّه يرفعُ الحدثَ
فقال: يُصلِّي به وإن وجدَ الماءَ قبلَ الصَّلاة ولا ينتقضُ تيممُه إلا بحدث
جديد، وكذا قال فى الجنبِ إذا تَيمَّمَ ثم وجدَ الماءَ: لاغُسْلَ عليه.
وهذا شذوذٌ عن العُلماء ويردُّه قولُه: ((فإذا وجدتَ الماءَ فأمسَّه
بشرتك))(١)، ومن العجبِ أَنَّ أبا سلمةً مِمَّنْ يقولُ: إِنَّ من صلَّى بالتَّيممِ
ثُمَّ وجدَ الماءَ في الوقتِ أَنَّه يعيدُ الصَّلاةَ وهذا تناقضٌ فاحشٌ.
وذهبَ أكثرُ العلماءِ(٣) إلى أَنَّ يتيممُ لكلِّ صلاةٍ، رُوِيَ ذلك عن
عليٍّ، وابن عُمَر، واستدلَّ أحمدُ بقولهما، وعن عمرو بن العاص، وابنٍ
عبَّاسٍ في روايةٍ عنه.
وروى الحسنُ بن عُمارةَ، عن الحكمٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عِبَّاسٍ (٤)
قال: مِنَ السُنّةِ: أن لايُصلِّيَ الرجلُ بالَّيممِ إلا صلاةً واحدةً ثُمُّ يتيممُ
الصَّلاةِ الأخرى.
وهذا فى حكم المرفوع؛ إلا أنَّ الحسنَ بن عمارةً(٥) ضعيفٌ جدا،
وهو قولُ: الشَّعْبيّ(٦)، وقتادة، والنَّخعيّ، ومكحول، وشريك، ويحيى
(٢) ((التمهيد)) (٢٩١/١٩).
(١) ((المسند)) (١٤٦/٥ - ١٤٧).
(٣) ((الأوسط)) لابن المنذر (٥٦/٢).
(٤) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢١٤/١)، والطبراني في ((الكبير)) (٦٢/١١) والدارقطني في
((السنن)) (١٨٥/١) وقال: الحسن بن عمارة ضعيف و((مجمع الزوائد)) (٢٦٤/١) وقال:
وفيه الحسن بن عمارة قد ضعَّفه شعبة وسفيان وأحمد بن حنبل، و((المحلى)) لابن حزم
(١٣١/٢).
(٥) ((تهذيب الكمال)) (٢٦٥/٦).
(٦) (الأوسط)) لابن المنذر (٥٦/٢ - ٥٧)، و((معرفة السنن والآثار)) (٣٤/٢) و((المحلى)) لابن
حزم (١٢٨/٢).
٢٦٢

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
ابنِ سَعيدٍ، وربيعةَ، وحُكِيَ عن الليثِ - أيضا -، وهو قولُ: مالك،
والشَّافعيّ، وأحمدَ في ظاهرٍ مذهبِه، وإسحاقَ، وأبي ثور وغيرهم، وقال
إسحاقُ: هذا هو السَّنَّةُ. وبناه ربيعةُ، ويحيى بن سعيد، ومالكٌ، وأحمدُ
على وجوبِ طلبِ الماءِ لكلِّ صَلاةٍ، وقد سبقت الإشارةُ إلى هذه المسألة
في كتاب ((الوضوء)).
ثم اختلفَ القائلون بالتيمم لكلِّ صلاة على ثلاث (٢٨٧ - ١/ق)
أقوال(١) :
أحدُها: أَنَّه يجبُ التَّيممُ لكلِّ صلاةٍ مفروضةٍ، سواء فُعِلَتْ كلُّ
مفروضةٍ في وقتها أو جُمِعَ بين فريضتين في وقتٍ واحد. وهو قولُ
مالكٍ، والشَّافعيِّ، وإسحاقَ، ورواية عن أحمدَ .
والثَّاني: أَنَّه يجبُ(١٠٤- أ / ط) التَّيممُ في وقتِ كلِّ صلاة مفروضةِ،
ثُمَّ يُصلِّي بذلك التيممِ ماشاءَ ويقضي به فوائتَ، ويجمعُ به فرائضًّ،
ويُصلِّ به حَتَّى يخرجَ ذلك الوقتُ. وهذا هو المشهورُ عن أحمدَ، وقولُ
أبي ثور، والمزنيِّ .
٠
والثَّالثُ: أَنَّه يتيممُ لكلّ صلاة فرضًا كانت أو نفلا. حُكِيَ عن
شريك، وهو وجهٌ ضعيف لأصحابِنا .
ومذهبُ مالك(٢): لا تصلى(٣) نافلةٌ ومكتوبة بتيمم واحدٍ إلا أن تكونَ
نافلةً بعدَ مكتوبةٍ. قال: وإن صلَّى ركعتي الفجرِ بتيممٍ واحدٍ أعادَ التَّيممَ
(١) (المدونة)) (٥٢/١)، و((معرفة السنن والآثار)) (٣٣/٢)، و«مسائل عبد الله)) (ص٣٧)،
وانظر ((مسائل ابن هانئ)) (١١/١-١٤) و((المحلى)) لابن حزم (١٢٩/٢)، و(التمهيد))
(٢٩٤/١٩) .
(٢): ((المدونة)) (٥١/١).
(٣) فى ((ق)): ((يصلى)).
٢٦٣

كتاب التيمم
لصلاة الفجرِ .
وقد ذهبَ طائفةٌ مِمَّنْ يرى أَنَّ التيممَ يُصَلَّى به مالم يحدثْ إلى أنَّه
يرفعُ الحدثَ رفعًا مؤقتًا بوجود الماء. وهو قولُ طائفة من أصحابنا،
والحنفية، والظَّاهرية، ووافقهم طائفةٌ ممَّنْ يرى أن لايُصلى به فرضان(١)
من الشَّافعيةِ كابنٍ سريجٍ (٢) ومن المالكية وقالوا: إِنَّه ظاهرُ قولِ مالكٍ في
((الموطأ)) (٣).
ولهذا قيلَ: إِنَّ النِّراعَ في هذه المسألةِ عند هؤلاء لفظيٌّ لامعنوي،
وإِنَّما يكونُ النزاعُ فيها (٤) معنويّا مع أبي سلمةَ بن عبد الرحمن - كما
سبق حكاية قوله -، واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ (٥).
وأمَّا ماحكاه عن ابنِ عبَّاسٍ أَنَّه أمَّ وهو متيممٌ: فالمرادُ أَنَّه أَمَّ المُتوضّتين
وهو متيممٌ. وقد حكاه الإمامُ أحمدُ، عن ابنِ عَبَّاسٍ - أيضًا - واحتج به (٦).
وقد خرَّجَه سعيدُ بنُ منصورٍ (٧): نا(٨) جريرُ بنُ عبد الحميد، عن
أشعث بن إسحاقَ، عن جعفرٍ بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ قَالَ:
كانَ ابنُ عبَّاسٍ في نفرِ من أصحابِ محمدٍ بَّ، منهم عمارُ بنُ ياسرِ ،
وكانوا يُقدِّمُونَه يُصَلِّي بهم لقرابته من رسولِ الله وَلَهُ وصلّى بهم ذاتَ
(١) في ((ق)) فريضتان)).
(٢) أحمد بن عمر بن سريج أبو العباس القاضي. ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢١/٣).
(٤) ((فيها)) ليست في ((ق)).
(٣) ((المرطأ)» (ص٥٨).
(٥) في ((ق)): ((والله أعلم)).
(٦) ((مستمل عبد الله)) (ص٣٧)، و((مسائل أبي داود)) (ص١٧، ١٨).
(٧) رواه ابن المنذر من طريقه في ((الأوسط)) (٦٨/٢)، ومن طريق يحيى بن يحيى : أنا
جرير به. أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٢٣٤/١).
(٨) في ((ز)): ((ثنا)).
٢٦٤

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
يومٍ فأخبرهم أنَّه صلَّى بهم وهو جنبٌ متيممٌ. ورخَّصَ في ذلك: سعيدٌ
ابن المسيب، والحسنُ، وعطاءٌ والزهريُّ، وحمادٌ، ومالكٌ (٢٨٧ - ب/ق)
والثوريُّ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ،
وأبو ثورٍ، وهو روايةٌ عن الأوزاعيّ(١).
وكَرِه ذلك آخرون. رَوَى أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علي (٢) قالَ:
ءِ
لا يؤمّ المتيممُ المتوضئَ وكَرِهه النَّخعيَّ، والحسنُ بن حيي، والأوزاعيّ في
رواية، ويحيى بن سعيد (١٠٤ - ب/ط)، وربعيةُ، ومحمدُ بن الحسن،
وعن الأوزاعيِّ رواية: إِنَّه لايَؤْمُّهم إلا أن يكونَ أميرًا(٣)، وإن كانوا
مُتَيمِمينَ فله أَنْ يَؤُمَّهم. كذلك قال الأوزاعيُّ، وربيعةُ ، ويحيى بن
سعيد، وهذا لا أحسبُ فيه خلافًا، وكلامُ ابنِ المنذرِ يدلُّ على أنَّه محل
خلاف - أيضًا -، وفيه نظرٌ .
وفي المنعِ من إمامةِ المتيممٍ للمتوضئين حديثان مرفوعان من رواية
عمرَ بنِ الخطابِ، وجابرٍ بن عبد الله، وإسنادُهما لا يصحّ .
وفي الجوازِ حديثُ(٤) صلاةٍ عمرو بنِ العاص بأصحابهِ وهو جنبٌ
فتيمَّمَ من البردِ وصلَّى بهم، وذكر ذلك لنَّبِيِّ بِّهِ، وقد ذكره البخاريّ -
فيما بعد - تعليقًا(٥)، وسنذكرهُ في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى(٦).
(١) ((الموطأ)) (ص٥٨) و((الأوسط)) لابن المنذر (٦٧/٢) و((المصنف)) لعبد الرزاق (٣٤٨/٢).
(٢) ابن المنذر في ((الأوسط)) (٦٨/٢) والبيهقي في ((الكبرى)) (٢٣٤/١)، ورواه الدار قطني
في («السنن (١٨٥/١).
(٣) في ((ط)): ((أقرأ)) والصواب ماأثبتناه، وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر (٦٩/٢) و((المحلى))
(١٤٣/٢) .
(٤) ((حديث)) ليست في ((ق)) .
(٥) ((فتح)) (٤٥٤/١) باب: ((إذا خاف الجنب على نفسه المرض .... )).
(٦) في ((ق)): ((الله تعالى)).
٢٦٥

كتاب التيمم
وذكْرُ البخاريِّ لهذه المسألة في هذا البابِ قد يشعرُ بأنَّ مأخذَ جواز
ذلك عنده: أَنَّ التيممَ يرفعُ الحَدثَ. وقد قال الزُّهري(١): يؤمُّ المتيممُ
المُتُوضِّئِّين؛ لأنَّ الله طهَّرَه. وقال الأوزاعيّ في رواية أبي إسحاقَ الفزاريِّ،
روع
عنه: يَؤْمّهم، مازادتْه فريضةُ الله ورخصتُه إلا طهورًا .
وأكثر العلماء لم يَبْنوا جوازَ إمامته على رفع حدثه؛ ولهذا أجازَ ذلك
كثيرٌ مَّنْ يقولُ: إِنَّ التَّيِمِمَ لا يرفعُ الحَدَثَ، كمالكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وأحمدَ.
لكن الإمام أحمدَ ذكر أَنَّ ما فعله ابنُ عبَّاسٍ يُسّتدلُّ به على أَنَّ طهارةَ
التَّيممِ كطهارةِ الماءِ (٢) يُصلِّي بها ما لم يحدثْ؛ ولكن لا يختلفُ مذهبهُ في
صحةِ ائتمامِ المتوضئ والمغتسلِ بالمتيممٍ، فإنَّ المتيممَ يُصلِّي بطهارة شرعية
قائمةٍ مقامَ الطَّهارة بالماءِ في الحكم، فهو كائتمامِ(٣) الغَاسِل لرجليه بالماسحِ
◌ُخُفِيَّه بخلاف من لم يجدْ ماءً ولا تراباً فإنَّه لا يأتمُّ به متوضئٌ ولا
متيممٌ، ولا يأتم به إلا من هو مثلُه؛ لأنَّه لم يأتٍ بطهارة شرعيةٍ بالكليّةِ.
والمانعونَ من ائتمامِ المتوضئ بالمتيممِ ألحقوه بائتمامِ القارئ بالأُمِّيِّ
الذي لايقرأُ الفاتحةَ إذا صلَّى بتسبيح وذِكْرٍ، وبصلاةِ القائمِ خلف
القاعد(٤)؛ فإنَّ كلا منهما أتى (٢٨٨ - أ/ ق) ببدل، ولا يصحّ أن يأتَم به
(٢) في (ط)): ((الحدث)).
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٥١/٢).
(٣) في ((ط)): (( كما انتمام)).
(٤) كتب في هامش ((ط)): قوله: ((والقائم خلف القاعد)) هذا [ ..... ]؛ فإن الشافعي يرى
صحته استدلالا بحديث: صلى رسول الله بَّة قاعدًا وصلى وراءه رجال قيامًا، وكان
ذلك في مرض موته بَّه؛ فهو ناسخ لأحاديث الأمر بموافقة الإمام، وبما أخرجه الشيخان
فاللفظ لمسلم في إحدى رواياته عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله بَِّل أمر في
مرض موته الذي توفي فيه أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس، فلما دخل الصلاة
وجد رسول الله مَّل من نفسه خفة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض
فجاء فجلس عن يسار أبي بكر فكان رسول الله وَ ل يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا
يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله وَّ له والناس يقتدون بصلاة أبي بكر.
٢٦٦

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
إلا من هو مثلُه .
ويجابُ عن ذلك: بأنَّ الأُمِّيَّ مُخِلٌّ بركنِ القيامِ الأعظمِ وهو القراءةُ،
والقرآنُ مقصودٌ لذاته في الصَّلاة بخلاف الطَّهَارةِ؛ فإنَّها لاترادُ لذاتها؛ بل
لغيرِها (١٠٥ - أ/ ط) وهو استباحةُ الصَّلاةَ بها، والَتيمم يبيحُ الصَّلاةَ كطهارةٍ
الماء .
وأما ائتمامُ القائم بالقاعد: فقد أجازَه جماعةٌ من العلماء، وأجازه
أحمدُ في صورةٍ خاصةٍ، فإنَّ القاعدَ قد أتى ببدلِ القيامِ وهو الجلوسُ
وأتى بركنِ القيامِ الأعظمِ وهو القراءةُ .
وأَمَّا ما حكاه عن يحيى بن سعيد أنَّه لابأسَ بالتيممِ بالسبخةِ
والصَّلاة عليها: فالأرضُ السَّبخةُ هي المالحةُ التي لاتنبتُ، وأكثر العلماء(١)
على جوازِ النَّيممِ بها، وقد تيمَّمَ النَّبِيُّ ◌َِّ بالجدارِ خارج المدينة، وأرضُ
المدينة سبخةٌ. وهذا قولُ مالك(٢)، والأوزاعيِّ، والثّوريِّ، وأبي حنيفةَ،
والشَّافعيِّ، وغيرهم، وقال إسحاقُ: لايتيممُ بالسِّباخ لأنَّها لا تنبتُ. وقد
فسَّرَ ابنُ عبَّاسِ الصَّعيدَ الطيبَ بأرضِ الحرثِ، والسباخ ليست كذلك .
واختلف قول الإمامِ أحمدَ فيه، فقال في روايةٍ: لا يُعْجِبُني التَّيممَ
بها، وقال مرةً: إن لم يَجِدْ فلا بأسَ، وقال مرةً: إن تيمم منها تجزئُه
وأرضُ الحرثِ أحبُّ إليَّ، وقال مرةً: إن اضطر إليها أجزأَه، وإن لم
يضطر فلينظرِ الموضعَ الطيبَ - يعني تراب الحرث - وقال مرةً: من الناسِ
من يتوقَّى ذلك، وذلك أَنَّ السبخةَ شبه الملح، واستدلَّ بقولِ ابن عباس:
أطيبُ الصَّعيد: أرضُ الحرث. ولكن هذا على أَنَّ غيرَ أرضِ الحرث
(١) ((الأوسط)) (٣٨/٢).
(٢) ((الموطأ)) (ص٥٩)، و((الأم)) (٥٠/١)، و((الأوسط)) (٣٨/٢)، وقال ابن عبد البر:
وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق بن راهويه فإنه قال: لا تيمم بتراب
السبخة ا. هـ ((والمحلى)) (١٦١/٢)، و(«المغني)) (٣٢٤/١).
٢٦٧

الحديث : ٣٤٤
كتاب التيمم
تُسمَّى صعيدًا - أيضًا - لكنَّ أرضَ الحرث أطيبُ منها، قال أبو بكر
الخلال: السباخُ ليس هي عند أبي عبدِ الله كأرضِ الحرثِ، إلا أنَّه سهَّلَ
بها إذا اضطر إليها (١). وإنما سَهَّلَ بها إذا كان لها غبارٌ، فأما إن كَانَتْ
قحلةً کالملح فلا یتیمم بها أصلا .
وأما الصَّلاةُ في السباخِ:
فقال أحمدُ مرةً: تجزئُه، وقال مرةً: ما سمعتُ فيها شيئًا، وقال
حربٌ: (٢٨٨ - ب/ق) قلتُ لأحمدَ: هل بلغَك أَنَّ أحدًا كَرِهَ الصَّلاةَ في
الأرضِ السَّبخة؟ قال: لا. قال حربٌ: ثنا عبدُ الوهاب بن الضحاك:
حدثني إسماعيلُ بن عياش قال: سمعتُ أناسًا من أهلِ العلمِ يكرهونَ
الصَّلاةَ في السباخِ، ورخَّصَ جماعةٌ من أهلِ العلم في الصّلاةِ في
السباخ. عبدُ الوهابِ هذا لا يعتمدُ عليه . وخرَّج البخاريّ في هذا البابِ
حديثَ عمرانَ بنِ حُصينٍ بطوله فقال:
٣٤٤ - ثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَد(٢): ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: ثَنَا عَوْفٌ: ثَنَا أَبُو
رَجَاءَ، عَنْ عِمْرَانَ بِنِ حَصينِ(٣) قَالَ: كُنَّا فِى سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا،
حَتَّى كُنَّا فِىَ آَخِرِ اللََّلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلاَ وَقْعَةً(٤) أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا،
فَمَا (١٠٥- ب/ ط) أَيْقَظَنَا إلا حَرُّ الشَّمْسِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَّنِ اسْتَيْقَظَ فُلانٌ
ثُمَّ فُلانٌ ثُمَّ فُلانٌ -يُسَمِيْهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرَ(٥) بْنُ الْخَطَّابِ
الرََّبِعُ، وَكَانَ النَِّهِ إِذَا نَامَ لَمْ نوقَظْهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأَنَّا
(١) ((إليها)) ليست في ((ق)).
(٢) ((ابن مسرهد) ليست في ((اليونينية))، وقال الحافظ في ((الفتح)) (٤٤٨/١) زاد أبو ذر: ((ابن
مسرهد».
(٣) (بن حصين)): ليست في ((اليونينية)) وليست في ((الفتح))، ولم يُشر إلى وجودها القسطلاني.
(٥) في (ط)): ((وعمر)).
(٤) ((وقعة)) ليست في ((ط)).
٢٦٨

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
الحديث : ٣٤٤
لا تَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فى نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ،
وَكَانَ رَجلا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهَ بِالتّكْبِرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ
بالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظ بِصَوْتِهِ النََِّّةِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذي
أَصَابَهُمْ، قَالَ: ((لا ضَيْرَ أَوْ لاَ يَضِيرُ، ارْتَحِلُوا). فَارْتَحَلَوا(١) فَسَارَ غَيْرَ
بَعِيدِ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضََّ، وَنُودِيَ بِالصَّلاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا
انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فقَالَ: (مَا
مَتَعَكَ يَا فُلانُ أَنَ تُصَلِّي مَعَ الْقَوَّمِ». قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ:
((عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ)). ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَاشْتَكَىِ النَّاسُ (٢) إِلَيه
مِنَ الْعَطَشْرِ، فَتَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا - كَانَ يُسَمِيهِ أَبُو رَجَاء، نَسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا
عَلَيْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ بَِّ: ((اذْهَبَا فَابْتَغْيَا المَاءَ)). فَانْطَلَقَا، فَتَلَقََّا امْرَأَةً
بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْن (٢٨٩- ١/ق) منْ مَاء عَلَى بَعير لَها، فَقَالا
لَهَا: أَيْنَ الَمَاءُ؟ قَالَتْ(٣): عَهْدِي بِالمَاءِ أَمْسِ هذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرَّنَاَ خُلُوفٌ(٤)،
فقَالا لَهَا: انْطَلِقِي إِذَا، قَالَتَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالا: إِلَى رَسُولِ الهِ،
قَالَتْ: الَّذِى يُقَالُ لَهُ الصَّبِئُ؟ قَالا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فَانْطَلِي، فَجَاءَا بِهَا
إِلَى (٥) النَّبِّ ◌َِّهُ وَحَدََّاهُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَّعَا
(١) أشار في ((ق)) إلى نسخة: ((فارتحل))، وقد أشار في ((اليونينية)) إلى وجودها، وقال
القسطلاني: ولأبي ذر وابن عساكر: ((فارتحلوا)).
(٢) كذا في (ق))، و(ط))، والذي في ((اليونينية)) و((الفتح)) و((القسطلاني)): ((فاشتكى إليه الناس)).
(٣) في ((ط)): ((فقالت)).
(٤) في ((ق))، و(ط)) كتب فوقها: في نسخة ((خلوفًا))، وفي ((اليونينية)) صرَّح باللفظين، وقال
القسطلاني: ((حلوفًا)) كما في رواية المستملي والحموي، وللأصيلي ((خلوف)).
(٥) ((إلى)) ليست في ((ط)).
٢٦٩

الحديث: ٣٤٤
كتاب التيمم
النَّبِيُّ ◌َّهَ بِإِنَاءِ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الَزَادَتَيْنِ، أَوْ السَّطِيحَتَيْنِ، وَأَوْكَاً
أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلُقَ الْغَزَالِ، وَنُودِيَ فِ النَّاسِ: اسْقُوا واسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ
سَقَى واسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرُ ذلكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ
إِنَاءً مِنْ مَاءِ، قَالَ(١): ((اذَهَبْ فَأَخْرِغَهُ عَلَيْك)). وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ
بِمَتِهَا، وَيْمُ اللهِ، لَقْدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ
ابْتَدَأَ فِيهَا،فَقَالَ النَِّيُّ ◌َ (اجْمَعُوا لَها). فَجَمَعُوا لَها مِن بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ
وَسُوِيِقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهُ فِى ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بُعِرِهَا،
وَوَضَعُوا الثّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ(٢) لَها: ((تَعْلَمِينَ، مَا رَزِينَا مِنْ مَائِك شَيْئًا،
وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَ)). فَأَنَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ اخْتَبَّسَتَ عَنْهُمْ، قَالُوا:
ما حَبَسَك يَا فُلانَةُ؟ قَالَت: (١٠٦ - أ/ ط) الْعَجَبُ، لَقَيَنِي رَجُلان، فَذَهَبَا بِي
إِلَى هذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّبِئِ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاشِ إِنَّهُ لْأَسْحَرُ النَّاسِ
مِنْ بَيْنَ هذِهِ وهذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا(٣) إِلَى
السَّمَاءِ تَعني: السَّمَاءَ وَالأَرْضََ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا. فَكَانَ المُسْلِمُونَ
بَعْدَ ذَلِكَ، يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَها مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ
الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى أَنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ يَدَعُونَكُمْ(٤)
عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإسْلامِ.
(١) في ((ط)): ((فقال)).
(٢) في ((ط)) ((فقال))، وفي ((اليونينية)) نبّه على وجود نسخة: ((قالوا)) قال القسطلاني: هي
للأصيلي، وكذا في ((الفتح)).
(٣) في ((ط)): ((ورفعتهما)).
(٤) في ((اليونينية)) بتسكين الدال، والمثبت نص عليه القسطلاني .
٢٧٠

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
الحديث : ٣٤٤
قَالَ أَبُو عَبْد الله: صَبَأٍ: خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو العَاليَةِ:
الصَّابِتُونَ: فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءَونَ الزّبُورَ .
فوائدُ هذا الحديث كثيرةٌ جدا، ونحنُ نشيرُ إلى مهماتها إشارةً لطيفةً
إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى(١).
فأمَّا قولُه: كان النبيُّ ◌َِِّ إذا نام (٢٨٩ - ب/ق) لَمْ يُوقِظْه(٢) أحدٌ
حتى يكونَ هو يستيقظُ لأنَّا لاندري ما يحدثُ له في نومهِ، فَالمرادُ: أَنَّه
حَّ كَانَ يوحَى إليه في نومهِ كما يُوحَى إليه في يقظتهِ ورؤيا الأنبياء
وحيٌّ ولهذا كانت تنامُ أعينُهم ولا تَنَامُ قُلُبُهُم فكانوا يخْشَون أن يقطعوا
عليه الوحي إليه بإيقاظهِ .
ولا تنافيَ بين نومِهِ حَتَّى طلعتِ الشَّمس وبين يقظة قلبه؛ فإنَّ عينيه
تَنَامان والشَّمس إنما تَّدركُ بحاسة البصر، لا القلبِ، وَقد يكونُ اللهُ عزَّ
وجلَّ أنامَهَ حتَّى يسنَّ لأمَّته قضاءَ الصَّلاة بعد فوات وقتَها بفعله؛ فإنّ
ذلك أكدُ من تعليمه بالقولَ(٣). وقد ورد التَّصريحُ بهَذا من حديثِ ابنِ
مسعود أَنَّ النَّبِي ◌َِّ لَّا صِلَّى بِهم الصُّبْحَ ذلك اليوم بعدَ طلوعِ الشَّمسِ
وانصرفَ قال: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لو شاءَ أن لاتناموا عنها لم تَنَاموا؛ ولكنِ
أرادَ أن يكون لمنْ بعدكم)). خرجه الإمامُ أحمد وغيرُهُ(٤). وهذا يشبهُ
ماذكره مالكٌ في ((الموطأ))(٥) أَنَّه بلغه عن النبي بَّهِ أنَّه قال: ((إنَّمَا أُنَسَّى
لأَسُنَّ).
و =َ
(١) في ((ق)): ((الله تعالى)).
(٢) في ((ق)): ((لم نوقظه))، وكتب بعدها ((أحد)) وضرب على كلمة ((أحد)).
(٣) كأنه کتب فوقها«له)).
(٤) ((المسند)) (٤٦٤,٣٩١,٣٨٦/١)، وأبو داود (٤٤٧) والنسائي في ((الكبرى)) (٢٦٧/٥ - ٢٦٨).
(٥) ((الموطأ)) (ص٨٣)، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد»: أما هذا الحديث بهذا اللفظ فلا أعلمه
يروى عن النبي ◌َّل بوجه من الوجوه مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه والله أعلم
وهو أحد الأحاديث الأربعة في ((الموطأ)) التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة
(٢٤/ ٣٧٥).
٢٧١
---- --

الحديث: ٣٤٤
كتاب التيمم
وقوله: ((ما أَيْقَظَنا إلا حرُّ الشَّمس)) يدلُّ على أَنَّ الشَّمسَ كانت قد
ارتفعتْ وزالَ وقتُ النَّهي عن الصَّلاة؛ لأنَّ حرَّها لايكادُ يوجدُ إلا بعدَ
ذلك، وفي(١) هذا دليلٌ على أَنَّ ارتحالهم عن ذلك المكان لم يكن للامتناع
مِن القَضَاء في وقتِ النَّهي عن الصَّلاة؛ بل كان تباعدًا عن المكان الذي
حَضَرَهم فيه الشَّيطان (١٠٦ - ب/ط) كما جاءَ التَّصريحُ به في حديثٍ
آخر. ولكن في ((صحيح مسلم)) (٢) في هذا الحديثِ - أعني حديثَ عمران
ابن حصين - [أنَّهم نامُوا حَتَّى بزغت الشَّمسُ و](٣) أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ لَّا رَفعَ
رأسَه ورأى الشَّمسَ قد بزغتْ قال: ((ارْتَحَلُوا))، فسارَ بنا حَتَّى إذا ابَيِّضَت
الشَّمس نزلَ فصلَّى بنا الغداةَ. كذا خرَّجه من رواية سَلْمٍ بن زرير، عن
أبي رجاء، وفي سياقِه بعضُ مخالفة لرواية عوف، عن أبي رجاء التي
خرّجها البخاري، وفيه (٤) أَنَّه كانَ أولَ من استيقظ أبوبكر رضي الله عنه.
وقولُه: (( فدعا رسول الله بالوضوء فتوضًا)) يدلُّ على أَنَّ من معه ماء
وكان في مفازة فإنه يتوضَّأ منه ولا يتيممُ (٥) ويحبسُه خشيةَ أن يبتلى هو
(٢٩٠ - أ/ ق) أو أحدٌ من رفقته بعطش، ويدلُّ على هذَا أَنَّ عمران ذكر
أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ لما صلَّى بهم وسارَ شكى النَّاسُ إليه العطشَ، وفي روايةٍ
مسلم المشار إليها، قال عمرانُ: ثم عجلني في ركب بين يديه نطلبُ الماءَ
وقَد عطشْنا عطشًا شديدًا، وذكر الحديث. وهذا محمولٌ علَى أَنَّه وَلّ لم
يخشَ على نفسِهِ عطشًا؛ فإنَّ من خافَ على نفسه العطشَ ومعه ماءٌ يسيرٌ
فإنَّه يتيممُ ويدعُهُ لشربِه(٦) .
(١) في ((ق)): ((ففي)).
(٢) (٣١٢/٦٨٢).
(٣) مابين المعقوفين ليس في ((ط)).
(٤) في ((ط)): ((وسببه)) .
(٥) في ((ق)): ((يتوضأ منه ولا يحبسه بتيمم، ويحبسه خشية)).
(٦) ((مصنف عبد الرزاق)) (١ / ٢٣٢).
٢٧٢

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
الحديث : ٣٤٤
وقد روى عطاء بن السائبِ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس
قالَ: إذا كنت مسافراً وأنتَ جنبٌ أو أنت على غير وضوءِ فخفتَ إن
توضأت أن تموتَ من العطشِ فلا توضأ واحبسْه لنفسك. خرّجه الأثرمُ.
وخرَّج الدار قطنيُّ(١) من طريق عطاءٍ بن السَّائب، عن زاذان، عن
عليّ في الرجلِ يكونُ في السَّفْرِ فتصيبُهُ الجنابةُ ومعه الماءُ القليلُ يخافُ أن
يعطشَ قال: يتيممُ ولا يغتسلُ.
قال الإمامُ أحمد (٢): عدةٌ من أصحابِ النَّبِيِّ وَِّ يحبسونَ الماءَ
لِشفَاههم ويتيممونَ، ونصَّ على أنَّه لو رأى قومًا عطاشًا ومعه إداوةٌ من
ماء يسقيهم الماءَ ويتيممُ.
واختلفَ أصحابُنَا: هل ذلك على الوجوب أو الاستحبابِ؟ على
وجهين، أصحّهما: أَنْه للوجوب [وهو قولُ الشَّافعيَّة](٣).
فهذا الحديثُ محمولٌ على أَنَّه ◌ِالهِ لم يَخَفْ على نفسِه عطشًا ولم
يجدْ قومًا عطَاشًا في الحالِ فلذلك توضّاً ولم يتيممْ، ويدُّل على أنَّه لا
يحبسُ الماءَ (١٠٧ - أ/ ط) لخوفِ عطشٍ يحدثُ لرفقته.
ولم ينصَّ أحمدُ على حبسِ الماءِ خشيةَ عطشٍ يحدثُ لرفقته؛ وإنَّما
قالَه أصحابُه متابعةً لأصحابِ الشَّافِعِيِّ وقالوا: هل حبسُ الماءِ لعطشٍ
غيرِهِ المتوقعِ واجبٌ أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان، قالوا: وظاهر كلامٍ أحمدَ
أَنَّه مستحبٌّ غيرُ واجب؛ لأنَّ حاجَة الغير هنا متوقعةٌ وحاجته للطَّهارة
حاضرةٌ وقد ترجَّحتْ بكونه مالكًا، ولهذا قدَّمنا نفقة الخادمِ على نفقةٍ
(١) ((سنن الدار قطني)) (١ /٢٠٢).
(٣) ما بين المعقوفين ليس في ((ط)).
(٢) («المغني)) (١ / ٣٣٤).
٢٧٣

الحديث: ٣٤٤
كتاب التيمم
الوالدين وإن كانتْ حاجتُهما إلى النَّفقة أشدَّ من حاجة نفسه إلي الخدمةِ
تقديمًا لنفسِه على غيرهِ.
قلتُ: وحديثُ عمرانَ (٢٩٠ - ب/ق) يدلُّ على أنَّه لا يستحبُّ -
أيضا -؛ بل يقدمُ الوضوءُ على عطش الرفيقِ المتوقع؛ فإنَّه لو كان ذلك
أفضلَ من الوضوءِ لَحَبَسَ النَّبِيُّ وَلِّ الماءَ وتيمَّمَ، فإنَّه كان مَعَه خلقٌ من
أصحابه وكان الماءُ معهم قليلا جدا؛ ولهذا شكَوا إليه العطشَ عقيبَ ذلك
عند اشتداد حرِّ الشَّمسِ وارتفاع النهار وكان الماءُ منهم بعيدًا، وقد أشارَ
إلى هذا المعنى الذي ذكرناه أبو المعالي الجوينيُّ من الشَّافعيّةِ وخالفَ
أصحابَه فيما ذكروه من حَبسِ الماءِ لعطشِ رُفْقتِهِ (١) المتوقعِ، وهذا هو
الذي دلَّتْ عليه هذه السُنّةُ الصَّحيحةُ، واللهُ أعلمُ.
وفي الحديثِ: دليلٌ على أَنَّ الفوائتَ يُؤْذَّنُ لها وتُصلَّى جماعةً.
وقوله ◌َّ اللذي لم يصلِّ معَ القومِ: ((ما منَعَك أَنْ تُصلِّي مع القومِ))
قال: أَصابتني جنابةٌ ولا ماءٌ قال: ((عليكَ بالصَّعيد فإنَّه يكفيك)» فيه دليلٌ
على التيممِ (٢) للجنابةِ كالتيممٍ للحدثِ الأصغرِ، ودليلٌ على أَنَّ عادمَ الماءِ
يكفيه الصَّعيدُ من الماءِ، ولهذه الكلمةِ خرَّجَ البخاريَّ هذا الحديثَ في هذا
الباب وجعلَه دليلا على إقامةِ التيممِ مقامَ الطَّهارةِ عند عدمِ الماءِ، فيؤخذُ
من هذا: أنَّه يُصلِّي بالماء، كما هو اختيارُ البخاريِّ ومن قالَ بقولِه من
العلماء .
وفيه دليلٌ على أَنَّه لا يجبُ طلبُ الماء إذا غلبَ على الظَّنِّ عدمُه أو
(١) في ((ق)): ((رفيقه)).
(٢) كذا في ((ق))، و((ط)) ولعل ((أنَّ) سقطت منها، والله أعلم.
٢٧٤

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
الحديث : ٣٤٤
قطعَ بذلك؛ فإنَّه ◌َله أمرَه بالتَّيمم ولم يأمرْه بطلب(١) الماء ولا بسؤال
رفقته .
وقد ذهبَ ابنُ حامد من أصحابنا إلى أنَّه لا (١٠٧ - ب/ط) يلزمُهُ
سؤالُ رفقته، وإن قُلْنَا يلزمُهُ الطَّلبُ وأنَّه إنما يلزمُه طلبُه في رحله وما
قرب منه إذا احتملَ وجودَ الماءِ، والمنصوصُ عن أحمدَ: إِنَّ عليه أن
يطلبَه في رفقتهِ .
وفي رواية مسلمٍ المشار إليها - فيما تقدَّمَ -: أَنَّ النَّبِيَِّّ قالَ للرجل:
(يا فلانُ ما منعَك أَنْ تُصلِّي معنا؟)) قال: يا نبيَّ اللهِ أصابتني جنابةٌ،
فأمرَهَ رسولُ اللهِ بِهِ فتيمَّمَ بالصَّعيدِ فصَلَّى.
وفي الحديثِ - أيضًا -: أَنَّ النَّبِيَّ،وَإِ لَّا جاءَه الماءُ أعطاه ماءً وأمرَهَ
أن يغتسلَ به، وهذا مثلُ قوله (٢٩١ - أ/ق) في حديث أبي ذرٍّ: ((فإذا
وجدتَ الماءَ فأمسَّه بشرتَك))(٢)، وفيه ردّ على أبي سلمةَ في قوله: ((إنّه لا
غسل عليه)) كما سبق.
وقول تلكَ المرأة: ((ونَفْرُنَا خلوفٌ)) قال الخطابيُّ (٣): النَّفْرُ: الرجالُ،
والخلوفُ: الذين خرجوا للاستقاء وخلفوا النِّساءَ والأثقالَ، يقال: أخلفَ
الرجلُ واستخلفَ: إذا استقى الماءَ. قال: ويقالُ لكلِّ من خرجَ من دينٍ
إلى دينٍ آخر: صابىءُ - بالهمز -، وأما صَبَا يَصْبُوُ - بلا همزِ - فمعناه:
مالَ. قال: والعزالي: جمعُ عزلاء، وهي عروةُ المزادةِ يخرجُ منها الماءُ
بسَعة. وقال غيرُهُ: العَزَلاءُ: فَمُ المزادةِ الأسفلُ وتُجْمعُ على عزالَى
(٢) ((المسند)) (٥/ ١٤٦).
(١) في ((ق)): ((بالطلب)).
(٣) ((أعلام الحديث)) (١ / ٣٤١ - ٣٤٢).
٢٧٥

الحديث: ٣٤٤
كتاب التيمم
وعزالي - بكسرِ اللَّم وفتحها - كالصَّحاري والعَذاري(١). قال: والصِّرمُ:
٠
النَّفْرُ النَّازلون على ماء، ويجمعُ أصرام، فأَمَّا الصرمةُ - بالهاء -: فالقطعةُ
من الإبلِ نحو الثلاثين عددًا. قال: وقوله ((مارزأناك)) أي: ما نقصناك
ولا أخذنا منك شيئًا.
قلتُ: وفي الحديثِ معجزةٌ عظيمة وعلمٌ من أعلامِ نُبوةِ النّبِيِّ وَّة.
بتكثيرِ الماءِ القليلِ ببركتِه، وإرواءِ العطاشِ منه، واستعمالهم وأخذِهم منه
في قربهم من غير أن ينقصَ الماءُ المأخوذُ منه شيئًا؛ ولذلك قالَ للمرأة:
((مارزيناك من مَائِك شيئًا؛ وإنَّما سقانا اللهُ عزَّ وجلَّ)، وفي رواية مسلمٍ(٢)
المشارِ إليها في هذا الحديث: فأمرَ براويتها فأُنيختْ فمجَّ في العزلاوين
العُلياوين ثُم بَعثَ براويتها فشربنا ونحنُ أربعونَ رجلا عطاش حتَّى روينا
وملأنا كلَّ قربة معنا وإداوة وغسلنا صاحبنا غيرَ أَنَّا لم نَسْقِ بعيرًا وهي
تكاد تنضرجُ من الماءِ - يعني المزادتين -، وذكر بقيةَ الحديث.
وإنَّما لم يَسْتأذِن المرأةَ أولا في الشُّربِ من مَائِها والأخذِ منه(٣)، لأنَّ
انتفاعَهم إنَّما كانَ بالماءِ الذي أمَدَّ اللهُ بالبركة لم يكن من نفسِ مائِها،
ولذلك(٤) قال: «ما رزئناك)) (١٠٨- أ/ ط) من مائك شيئًا، وإنَّما سقَانًا
اللهُ)، ونظيرُ هذا: أَنَّ جابرًا(٥) صنعَ النَّبِيِّ وَّهَ طعامًا يسيرًا في عام
الخندقِ وجَاءَ إلى النَّبِيِّ وَِّ فسارَّه بذلك وقال لهُ: تَعالَ أنت(٦) في نفرٍ
(١) كتب في ((ق)) فوق ((الصحاري والعذاري)) علامة فتحة على حرف الراء في الكلمتين،
بمعنى أنها تقرأ ((صحارى)) ((وعذارى)).
(٢) (٦٨٢ / ٣١٢).
(٤) في ((ط)): ((وكذلك)).
(٦) في ((ط)): ((ائت)).
(٣) في ((ط)): ((منهم)).
(٥) ((فتح)) (٤١٠١).
٢٧٦

٦ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم
الحديث : ٣٤٤
معكَ، فصاحَ النَّبِيُّنَّهِ: ((يَا أَهْلَ الخندقِ إِنَّ جابرًا قد صنعَ لكم (٢٩١]
ب/ق) سُوْرًا فحي هلا بكم)) ثُمَّ جاءَ بهم جميعًا فَأَكَلُوا حَتَّى شَبعُوا
والطعامُ بحاله؛ فإنَّ أكلَ أهلِ الخندقِ إنَّما كانَ ممَّا حصَلتْ فيه البركةُ
بسببِ النَّبِيِّنَّهِ، فكان ◌َّهِ هو الداعي لأهلِ الخندقِ كُلِّهم إلى الطَّعامِ
في الحقيقةِ فلذلك لم يحتجّ في(١) استئذانٍ جابرٍ في ذلك، وهذا بخلاف
ما جرى لأبي شعيب اللحام لَّا دعا النَّبِيَّ ◌َّهِ وَجُلَساءَه فلمَّا قاموا تَبِعَهم
رجلٌ لم يكن معهم حينَ دُعوا فقال النَّبِيُّ ◌َِّلصاحبِ المنزلِ: ((إنَّه رجلٌ
لم يكن معنا حينَ دَعَوْتَنَا، فإنْ أَذنتَ له دخلَ)) فأَذنَ له فدخلَ، وقد
خرَّجاه في ((الصحيحين))(٢) بمعناه من حديث ابن مسعودٍ، فإنَّ ذلك اليوم
لم يَحْصُّلْ فيه ما حصلَ في طعامِ جابرٍ وماءِ المرأةِ المشركة واللهُ سبحانه
وتعالى أعلم، فإنَّ غالبَ ما كان يقعُ منْهِ وَّه تكثيرُ الطَّعامِ والشَّرابِ في
أوقات الحَاجة العامَّة إليه .
وفي حديث عمران - أيضًا - دليلٌ على جَوَازِ استعمال ماء المشركين
الذي في قربهم ونحوها من أوعية الماء المعدة له، وقد سبقَ الكلامُ على
ذلكَ في كتابِ ((الوضوء)).
(١) كذا في ((ق))، و((ط))، ولعل الصواب فيها ((إلى)) والله أعلم.
(٢) ((فتح)) (٥٤٦١)، ومسلم (٢٠٣٦ / ١٣٨).
٢٧٧

كتاب التيمم
٧ - بابٌ
إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرضَ أَوِ الْمَوْتَ أوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلا ﴿وَلا
تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ
فَلَمْ يُعَنِّفُ(١).
حديثُ عمرو بن العاص خرَّجه أبو داودَ من رواية يحيى بن أيوبَ،
عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عمران بن أبي أنسٍ، عن عبد الرحمن بن
جبير، عن عمرو بنِ العاصِ قَالَ: احتلمتُ في ليلةٍ باردةٍ في غزوةِ ذاتِ
السَّلاَسِل فأَشْفقتُ إن اغتسلَتُ أَنْ أهلكَ فتيمَّمتُ ثم صَلَّيتُ بأصحابي
الصُّبْحَ؛ فذكروا ذلك لِلنَّبِيِّ وَ فقالَ: ((يا عمرو صَلَّيتَ بأصحابك وأنتَ
جنبٌ؟)) فأخبرتُه بالَّذي منعني من الاغتسال وقلتُ: وإنِّي سمعتُ اللهَ
(٢٩٢ - أ / ق) يقولُ: ﴿ولاَ تقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ الله كانَ بِكُم رَحِيمًا﴾
فَضحكَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ (١٠٨ - ب / ط) ولم يَقُلْ شيئًا (٢).
وخرَّجَه - أيضًا (٣) - من طريقِ عمرو بن الحارثِ وغيرِهِ، عن يزيدَ بنِ
أبي حبيب، عن عمرانَ، عن عبد الرحمن بن جبيرٍ، عن أبي قيسٍ مولى
عمرو بن العاصِ أَنَّ عمرو بن العاصِ كَانَ على سريةٍ، فذكر الحديثَ
بنحوه(٤) وقال فيه: فغسلَ مغابتَه وتوضََّ وضوءَه للصَّلَاةِ، ثم صلَّى بهم،
(١) في نسخة في ((ق)) و((ط))، وكذا ((اليونينية)): ((يعنفه)).
(٢) أبو داود (٣٣٤).
(٤) في ((ط)): ((نحوه)).
(٣) أبو داود (٣٣٥).
٢٧٨

٧- باب إذا خاف الجنب على نفسه العرض
وذکر باقيه بنحوه ولم يذكر التيمم.
وفي هذه الروايةِ زيادةُ أبي قيسٍ في إسنادِهِ، وظاهرها الإرسالُ.
وخرَّجَه الإمامُ أحمدُ، والحاكمٌ(١) وقال: على شرطِ الشَّيخينِ - وليسَ
كما قالَ -، وقال أحمدُ: ليسَ إسنادُه بمتصلٍ .
ورَوَى أبو إسحاقَ الفزاريَّ في كتاب ((السير)) عن الأوزاعيِّ، عن حسان
ابن عطيةً قَالَ: بعثَ النَّبِيُّ بَّهِ بعثًا وأمَّر عليهم عمرو بن العاص، فلمَّا
أقبلوا سألَهم عنه فَأَثْنَوْا خيرًا إلا أنَّه صلَّى بنا جُنُبًا، فسأله فقالَ: أَصَابتني
جنابةٌ فخشيتُ على نَفْسي من البرد وقد قالَ اللهُ تعالى ﴿ولا تقْتُلُوا
أَنْفُسَكُم إِنَّ اللهَ كانَ بَكُمْ رَحِيمًا﴾ فتبسمَ النَّبِيُّ ◌َهِ. وهذا مرسلٌ. وقد
ذكره أبو داودَ في ((سننه)) تعليقًا مختصرًا، وذكر فيه أنَّه تيمم (٢).
وأكثر العلماءِ على أَنَّ من خافَ من استعمالِ الماءِ لشدةِ البردِ فإنَّه
يتيممُ ويصلِّ جنباً كان أو محدثًا. واختلفوا: هل يعيدُ أم لا؟ فمنهم من
قَالَ: لا إعادةَ عليه. وهو قولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، ومالك،
والحسن بن صالحٍ، وأحمد في رواية .
ومنهم من قال: عليه الإعادةُ بكلِّ حال سواء كان مسافراً أو حاضرًا.
وهو قولُ الشافعيِّ، ورواية عن أحمدَ.
ومنهم من قَالَ: إن كان مسافرًا لم يعد، وإن كان حاضرًا أَعادَ. وهو
قولٌ آخر للشافعيِّ، ورواية عن أحمدَ، وقول أبي يوسفَ ومحمد.
وحكى ابنُ عبدِ البرِّ عن أبي يوسفَ وزُفَر أَنَّه لا يجوزُ للمريضِ في
(١) أحمد (٤ / ٢٠٣) والحاكم (١ / ١٧٧).
(٢) أبو داود (٢٣٩/١) تحت الحديث (٣٣٥).
٢٧٩

كتاب التيمم
الحضرِ التيممَ بحالٍ (١).
وذكر أبو بكرِ الخلالُ من أصحابنا أنَّه لا يجوزُ التَّيممُ في الحضرِ
لشدةِ البردِ؛ وهو مخالفٌ لنصِّ أحمدَ وسائرِ أصحابه .
وحَكَى ابنُ المنذر(٢) وغيرهُ عن الحسن، وعطاء أَنَّه إذا وجدَ الماءَ اغتسلَ
به، وإن (٢٩٢ - ب/ق) ماتَ؛ لأنه واجدٌ للماء، إنَّما أُمرَ بالتَّيممِ من لم
يَجد الماء(٣).
ونقلَ أبو إسحاقَ الفزاريُّ في كتابِ (السير)) عن سفيانَ نحو ذلك وأَنَّه
لا يتيممُ (٤) لمجردِ خوفِ البردِ، وإنّما يتيممُ لمرضٍ مخوفٍ أو لعدمِ الماءِ .
وينبغي أن يحملَ كلامُ هؤلاء على ما إذا لم يخشَ الموت، بل (١٠٩ -
أ/ ط) أمكنَه استعمالُ الماء المسخن وإن حصل له به بعضُ ضررٍ. وقد رُويَ
هذا المعنى صريحًا عن الحسن - أيضا -، وكذلك(٥) نقل أصحابُ سفيانَ
مذهبه في تصانيفهم(٦) وحكَوا أَنَّ سفيانَ ذكر أَنَّ النَّاسَ أجمعوا على
ذلك.
وقد سَبَق الكلامُ في تفسير الآية وأَنَّ اللهَ تعالى أَذِنَ في التَّيمم
للمريضِ وللمسافرِ ولمن لم يجد الماءَ من أهل الأحداث مطلقًا، فمن لم
يجد الماءَ، فالرخصةُ له محققةٌ. وأَمَّا المرضُ والسَّفَرُ فهما مظنتان للرخصةِ
فى التَّيممِ، فإن وُجدتِ الحقيقةُ فيهما جازَ النَّيممُ؛ فالمرضُ مظَنَةٌ لخشيةٍ
التَّضررِ باستعمالِ الماءِ، والسَّفَرُ مظنةٌ لعدمِ الماءِ، فإنْ وُجِدَ في المرضِ
خشيةُ الضَّررِ وفي السَّفْرِ عدمُ الماءِ جازَ التَّيمِمُ وإلا فلا.
(١) ((التمهيد)) (١٩/ ٢٩٣).
(٣) قوله: ((الماء)) من ((ق)) فقط.
(٥) فى ((ق)): ((ولذلك)).
(٢) انظر («الأوسط)) (٢ /٢٠ - ٢١، ٢٦).
(٤) في ((ط)): ((تيمم)).
(٦) فى ((ق)): ((تنصانيفهم)).
٢٨٠