Indexed OCR Text
Pages 201-220
١- باب التيمم الحديث : ٣٣٤ في عموم قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] . فدلّ(١) ذلك على جَوَازِ التَّيممِ في سفرِ التِّجارةِ وما أشبهَه من الأسفار المباحة، وهذا ممّا يَستأنسُ به من يقولُ: إِنَّ الرُّخَصَ لاتُسْتباحُ في سَفَرٍ المعصية . ـ(٣)؛ وأَمَّا دعوى نزول سورة المائدةِ كُلِّها في حَجَّة الوداع (٢): فلا يصحُ فإنَّ فيها آيات نزلتْ قبل ذلك بكثيرٍ، وقد صحَّ أَنَّ المقدادَ قالَ النَّبِيِّ وَلِّلـ يومَ بدر (٤): لا نقولُ لكَ كما قالَ بنو إسرائيل لموسى ﴿اذْهَبْ أَنْتَ ورُّبُّكَ فَقَاتلا إنَّا هَاهُنَا قَاعدونَ﴾ [المائد: ٢٤] فدلَّ هذا على أَنَّ هذه الآيةَ نزلتْ (٢٧٠ - أ/ ق) قبل غزوة بدر، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم(٥)، وقد ذكر اللهُ تعالى الثَّمِمَ في الآيتين بلفظٍ واحدٍ فقال فيهما: ﴿وإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرَ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ من الْغَائِطِ أو لَمستُم (*) النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكم منه﴾(٦) فقوله تعالى (٧): ﴿وإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] ذَكر شَيْئِينِ (١) في ((ق)): ((ونزل)). (٢) (الدر المنثور: ٢٥٢/٢) وعزاه لأبي عبيد، وابن جرير. (٣) في ((ط)): (( فلا تصح)). (٤) (فتح: ٣٩٥٢، ٤٦٠٩، ((الكبرى)) للنسائي (٣٣٣/٦). (٥) في ((ق)): ((والله أعلم)). (*) هي قراءة الكوفيين: حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب، وخالفهم عاصم من الكوفيين فوافق أهل الحجاز فقرءوا ((أو لامستم)) بالألف، ووافقهم أبو عمرو بن العلاء من البصريين ا. هـ قاله الحافظ في ((الفتح)) (٤٦٠٨)، وانظر ((البذور الزاهرة)) ص٨٩، ((والتذكرة في القراءات الثلاث المتواترة)) (١٥٦/١). (٦) ((منه)) ليست فى ((ط)). (٧) ((تعالى)) ليست في ((ط)). ٢٠١ الحديث: ٣٣٤ كتاب التيمم مبيحين للتَّيمم؛ أحدهما: المرضُ، المرادُ به عند جمهور العلماء ماكانَ استعمالُ الماء معه يُخْشَى منه الضّررُ. والثَّاني: السَّفْرُ واختلفوا هل هو شرطٌ للتَّممِ مع عدمٍ (١) المَاءِ أم وقَع ذكْرُهُ لكونهِ مظنةَ عدمِ الماءِ غالبًا، فإنَّ عدمَ الماءِ فى الحضرِ قليلٌ أو نادرٌ كما قال الجمهورُ في ذكرِ السَّفْرِ في آيةِ الرهن: إنَّه إِنَّما ذكر السَّفْرَ لأنَّه مظنةُ عدمِ الكاتبِ وليسَ بشرطِ للرهنِ، والجمهورُ على أَنَّ السَّفْرَ ليسَ بشرطٍ للرهنِ ولا للتَّيممِ معَ عدمِ المَاءِ وأَنَّه يجوزُ الرهنُ في الحضرِ والتَّيممُ مع عدمِ الماءِ في الحضرِ. وقالت الظَّاهريةُ: السَّفْرُ شرطٌ فِيَ الرَّهنِ والنَّممِ وعن أحمدَ رواية (٨٨ - أ/ط) باشتراطِ السَّفْرِ للتَّيممِ خاصَّةً، وحُكِيَ روايةً عن أبي حنيفةَ، وعن طائفة من أصحاب مالك، وعلى هذا فلا فرقَ بينَ السَّفْرِ الطَّيلِ والقصير على الأصحِّ عندهم(٢). وقولُه: ﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [ المائدة: ٦] قَدَ (٣) قيل: إِنَّ ((أو)) هاهنا (٤) بمعنى الواو - كما يقولُ الكوفيون ومَنْ وافَقهم - فإنَّه لما ذكر السَّبين المبيحين للتَّممِ وهما التَّضررُ باستعمالهِ بالمرضِ ومظنةُ فقدهِ بالَّسفرِ ذكر ما يُسْتباحُ منه الصَّلاةُ بالتَّيممِ وهو الحدثُ؛ فإن التَّيممَ يسيحُ الصَّلاةَ من الحدثِ الموجودِ ولا يرفعُه عند كثيرٍ من العلماءِ، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ وظاهر مذهبِ أحمدَ وأصحابِه؛ ولهذا قالوا: يجبُ عليه أن ينويَ ما يستبيحُهُ من العباداتِ ومايستبيحُ فعلَ العادات منه من الأحداث وقالت طائفةٌ: بل التَّيممُ يرفعُ (٢٧٠ - ب/ق) الحدثَ رفعًا مؤقّتًا بعدمِ القدرة على استعمالِ الماءِ وربّما استدلَّ بعضُهم (١) ((عدم)) ليست في ((ق)). (٣) ((قد)): ليست في ((ط)). (٢) ((عندهم)): ليست في ((ط)). (٤) في ((ق)): ((هنا)). ٢٠٢ ١- باب التيمم الحديث : ٣٣٤ بهذه الآية وقالوا: إنَّما أمَر اللهُ بالتّيمم مع وجودِ الحدثِ، ولو كان التَّيممُ واجباً لكِّل صلاة أو لوقت كلِّ صلاة - كما يقولُه من يقولُ: لا يرفعُ الحدثَ على اختلاف بينهم في ذلك - لَمَا كانَ لذكرِ الحدثِ معنَّى. والأظهرُ - واللهُ أعلم -: أَنَّ ((أو)) هاهنا ليستْ بمعنى الواو؛ بل هي على بَابِها وأُرِيدَ بها التَّقسيمُ والتَّنَويعُ، وأَنَّ الَّيمِمَ يُبَاحُ في هذه الحالاتِ الثلاث، واثنتان منهما مظَّتان وهما المرضُ والسَّفْرُ؛ فالمرضُ مظَنَّةُ التَّضررِ باستعمال الماء، والسَّفْرُ مظنةُ عدم الماءً، فإنْ وُجدت الحقيقةُ في هاتين المظَّتَينِ جازَ التَّيممُ وإلا فلا ثم ذكر قسماً ثالثاً وهو وجودُ الحقيقة نفسها فَذَكر أَنَّ من كان محدثًا ولم يجدْ ماءً فليتيمَّمْ وهذا يشملُ المسافرَ وغيرَه: ففي هذا دليلٌ على أَنَّ النَّمِمَ يجوزُ لمن لم يجدِ الماءَ مسافرًا كانَ أو غيرَ مسافرٍ، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم(١). وقد ذكر اللهُ سبحانَه وتعالى(٢) حَدَثين، أحدهما: الحدث(٣) الأصغر وهو المجيءُ من الغائط، وهو كنايةٌ عن قضاء الحاجةِ والتَّخلِّي، ويلتحقُ به كلُّ ما كان في معناه كخروجِ الريحِ أو النجاساتِ من البدنِ عندَ من یری ذلك. والثَّاني: ملامسةُ النِّساء، واختلفوا: هل المرادُ به الجماعُ خاصَّةً؟ فيكون حينئذٍ قد أمرَ بالتَّممِ من الحدثِ الأصغرِ والأكبر وفى ذلك ردٌّ على من خالفَ في النَّيمم للجِنابةِ - كما سيأتي ذكره إن شاء اللهُ سبحانه وتعالى (٤) - أو المرادُ بالملامسة: مقدماتُ الجماع من المباشرة والقبلة(٥) (١) في ((ق)): ((والله أعلم)). (٣) ((الحدث)) ليست في ((ط)). (٥) في ((ق)): («القبلة والمباشرة)). ١ (٢) في ((ق)): ((وقد ذكر سبحانه)). (٤) في ((ق)): ((إن شاء الله تعالى)). ٢٠٣ الحديث: ٣٣٤ كتاب التيمم لشهوة أو مطلقُ التقاء البَشْرتين؟ وعلى هذين القولين (٨٨ - ب/ط) فلم يُذْكَرْ في الآيةِ غير التَّيمم من الحدث الأصغرِ، وقوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] متعلق بمن أحدثَ سواء كان عَلَى سفرٍ أو لم يكن - كما سبق تقريره - دون المرض؛ لأنَّ المرضَ (١) لايُشترطُ لتيممه فقدُ الماء . هذا هو الذي عَمِلَ به الأمةُ سلفًا وخلفًا. وحُكيَ عن عطاءٍ والحسنِ (٢) أنَّ فقد الماءِ شرطٌ للتَّيممِ مع المرض - أيضًا - فلا يباحُ للمريضِ أن يتيمم مع وجودِ الماءِ وإن (٢٧١ - أ/ق) خَشِيَ التَّلفَ. وهذا بعيدُ الصِّحة عنهما؛ فإنه لو لم يجزِ التّممُ إلا لفقد الماء لكان(٣) ذكرُ المرضِ لا فائدةً له. وقوله: ((فَتَيمموا)) أصلُ التَّيممِ في اللغة: القصدُ، ثم صارَ علمًا على هذه الطَّهارة المخصوصة. وقوله: ((صعيدًا (٤)) اختلفوا في المُرادِ بالصَّعيدِ، فمنهم من فسَّره بما تصاعَد على وجهِ الأرضِ من أجزائها، ومنهم من فسَّرَه بالتَّراب خاصَّةً. وقولُهُ ((َطيِّبًا)) فسَّرَه من قال: الصَّعيدُ: ما تصاعَد على وجهِ الأرضِ بالطَّاهر، ومن فسَّرِه بالتُرابِ قال: المرادُ بالصّعيدِ: التُّرابُ المنبتُ كقولِهِ تعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُه بإذْن رَبِّه﴾ [الأعراف: ٥٨]، وهذا (٢) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٠/٢). (١) في ((ق)): ((المريض)). (٣) في ((ط)): ((كان)). (٤) ((الأوسط)) لابن المنذر (٣٧/٢) ((المغني)) لابن قدامة (٣٢٤/١). ٢٠٤ ١- باب التيمم الحديث : ٣٣٤ مذهبُ الشَّافِعِيِّ، وأحمدَ في المشهورِ عنه. وقال ابنُ عبَّاسٍ: الصَّعيدُ الطَّيبُ: ترابُ الحرث. وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بوجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] كقوله في الوضوء ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسكم﴾ [المائدة: ٦] وقد ذكرنا - فيما سبقَ - في ((أبواب الوضوء)) أَنَّ كثيرًا من العلماءِ أوجبوا استيعابَ مسحِ الرَّأْسِ بالماءِ، وخالفَ فيه آخرون، وأكثرهمَ وافقُوا هاهنا وقَالوا(١): يجبُ استيعابُ الوجه والكفَّين(٢) بالتَّيمم، ومنهم من قَالَ يجزىءُ أكثرهما، ومنهم من قالَ: يجزئُ مسحُ بعضهما كالرأس - أيضًا - وقول النَّبِيِّ - وَّله - لعمار: ((إنَّما يَكْفيك أن تضربَ بيديك الأرضَ ثم تمسحَ بهما وَجْهَكَ وَكَفَّك))(٣) يَرُدُّ ذلك وَيُبِينُ أَنَّ المأمورَ به مسحُ جميعهما، وسيأتي الكلامُ على حدِّ اليدين المأمورِ بمسحِهما في التّيممِ إن شاء اللهُ سبحانه وتعالى (٤). وقولُه سبحانه(٤) وتعالى ﴿مِنْه﴾ يستدلُّ به من قالَ: لا يتيممُ إلا بتراب (٥) له غبارٌ يَعْلقُ باليد؛ فإنَّ قوله ((منه)) يَقْتضي أن يكونَ الممسوحُ به الوجه واليدان بعض الصَّعيد، ولا يمكن ذلك (٦) إلا فيما له غبارٌ يعلق باليدِ حتّى يقع المسح به. ومن خالفَ في ذلك جعلَ ((من)) هاهنا لابتداء الغاية لا للتَّبعيضِ، وهو بعيدٌ يأباه سياقُ الكلامِ، واللهُ سبحانَه (٤) وتعالى ١٩ أعلم. الحديثُ الثَّاني: من طريق: (١) ((المغني)) لابن قدامة (٣٣١/١). (٣) (فتح: ٣٣٨) وأطرافه هناك، ومسلم (١١٠/٣٦٨). (٤) ((سبحانه و))ليست في ((ق)). (٦) ((ذلك)) ليست في ((ط)). (٢) في ((ط)): ((والكف)). (٥) في (ط)): ((تراب)). ٢٠٥ ١ الحديث: ٣٣٥ كتاب التيمم ٣٣٥ - هُشَيم: أنا (١) سيار: نا(٢) يزَيدُ الفَقيرُ: أنا (٣) جَابرُ بْنُ عَبْد الله أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ (٨٩ - أ/ ط) قَالَ: ((أُعْطِيتُ خَمَّسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبَلَي: نُصِرْتُ بالرُّعْب مَسَيَرَةَ شَهْرٍ، وجُعلَتَ لي (٢٧١ - ب/ق) الأَرْضُ مَسْجدًا وطَّهُورًا، فَمَا رَّجُلَ مِنْ أُمَّي أَدْرَّكَتْهِ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ ولَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبَّيَ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُّبَعَثُ إلى قَوْمِه خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)). هشيم مدلسٌ وقد صرَّح هنا بالسَّماءِ من سيار وهو أبو الحكم، وصرَّحَ سيار بالسَّماعِ من يزيدَ الفقير وصَّرَّحَ يزيدُ بالسَّمَاعِ، من جابرٍ، فهذا الإسنادُ جلیلٌ متصل. وهذه الخمسُ اختصَّ بها النَّبيُّ وَِّ عن الأنبياءِ وليسَ في الحديثِ أَنَّه لم يختصَّ بغيرها، فإن هذه اللفظةَ لا تقتضي (٤) الحصرَ، وقد دَلَّت النُّصوصُ الصَّحيحةُ (٥) الكثيرةُ على أنَّهِ وَّهِ خُصَّ عن الأنبياءِ بخصال كثيرة غير هذه الخمسِ(*)، وسنشيرُ إلى بعض ذلك إنْ شَاءَ الله سبحانه(٦) وتعالى . فأما الرعبُ: فهو ما يقذفُه اللهُ فى قلوب أعدائه المشركين من الرعبِ كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بما أَشْرَكُوا بِاللهِ﴾ ماء [ آل عمران: ١٥١] وقال في قصةٍ بدر: ﴿إِذْ يُوحِي رَبَّكَ (٧) إلى الملائكَة (١) في ((ق)): ((أنبا)) . (٣) في ((ق)): ((أنبا)). (٢) في ((ق)): ((ثنا)). (٤) في ((ق)): ((اللفظ لا يقتضي)). (٥) ((الصحيحة)) ليست في ((ق)). (*) انظر ((التمهيد)) (٢١٨/٥ -٢٢٠)، و((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤٧٠/٥). (٦) في ((ق)): ((الله تعالى)). (٧) في ((ط)): ((ربكم)). ٢٠٦ ١ - باب التيمم الحديث : ٣٣٥ أَنِّي مَعَكُمْ فَبُِّوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقي (١) فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]. وفي ((مسند الإمامِ أحمد))(٢) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ وَّلِ أَنَّه قالَ عامَ غزوة تبوك: «لَقَدْ أُعْطيتُ الليلةَ خمسًا ما أُعْطِيهنَّ أحد كان(٣) قبلي: أَمَّا أنا فأرسلتُ إلى النَّاسِ كُلِّهم عَامَّةً، وكان مَنْ قبلي إنَّما يرسلُ إلى قومِه، ونصرتُ على العدو (٤) بالرعبِ ولو كانَ بيني وبينهم مسيرة شهرٍ لِمُلِئَ منه رعبًا)» وذكر بقيةً الحدیث . وقولُه ((أُعْطِيتُ الليلةَ خمسًا)) لم يُرِدِ أنَّه لم يُعْطَها قبل تلك الليلةِ، فإنَّ عامَّتها كانَ موجودًا قبل ذلك كنصرِه بالرعبِ وتيممه بالتُّراب؛ فإنَّ التَّيممَ شُرِعَ قبلَ غزوة تبوكِ بغيرِ إشكالٍ، ولعلَّه أرادَ أنَّه أعلم بأنَّ هذه الخمس خصال(٥) اختصّ بها عن سائر الأنبياءِ في تلك الليلة والله سبحانه وتعالى(٦) أعلم. (٨٩ - ب/ط) وروينا بإسناد فيه ضعف (٧)، عن السَّائب بن يزيدَ، عن النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((فُضِّلْتُ على النَّاسِ بخمسٍ)) ذكر منها: ((ونصرتُ بالرَّعبِ شهراً من أمامي وشهرًا من خلفي)). (١) في ((ط)): ((سنلقي)). (٢) ((المسند)) (٢٢٢/٢). (٣) ((كان)) ليست في ((ط))، وليست في المطبوع من ((المسند)). (٤) ((على العدو)) ليست في ((ط)). (٥) في ((ط)): ((الخصال)). (٦) ((سبحانه وتعالى)) ليست في ((ق)). (٧) الطبراني في ((الكبير)) (٧/ ١٥٤ - ١٥٥) وفيه إسحاق بن أبي فروة، وهو متروك. ٢٠٧ الحديث: ٣٣٥ كتاب التيمم وَأَمَّا (٢٧٢ - أ/ ق) جَعْلُ الأرضِ له مسجدًا وطهوراً: فقد وردَ مفسراً في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّ، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((جُعلَتْ لي الأرضُ مساجدَ وطهورًا، أينما أَدْركتني الصَّلاةُ تمسحت(١) وصَلَيتُ، وكان من قبلي يُعظِّمونَ ذلك إِنَّما كانوا يُصلُّونَ في بِيَعِهِم وكَنَائسهم)) وذكر بقيةَ الحديث. خرَّجَهَ الإمامُ أحمد(٢). وفي (مسند البزار)(٣) من حديث ابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((أُعْطيتُ خمسًا لم يُعْطَهنَّ أحدٌ قبلي من الأَنْبياءِ: جُعِلَتْ لي الأرضُ (٤) طَهُورًا ومسجدًا، ولم يكنْ نبيٌّ من الأنبياءِ يُصَلِّي حَتَّى يبلغَ محرابَه)) وذكر الحديث. وقد تبيَّنَ بهذا أَنَّ معنى اختصاصه عن الأنبياء بأنَّ الأرضَ كُلَّها جُعَلَتْ مسجدًا له ولأُمَّته أَنَّ صلاتَهم لا تختصَّ بمساجدهم المعدةِ لصَلاتهم كما كان من قبلهم، بل يُصلُّونَ حيثُ أدركتهم الصَّلاةُ من الأرضِ، وهذا لا ينافي أَنْ ينهى عن الصَّلاةِ في مواضعَ مخصوصةٍ من الأرضِ لمعنى يختصّ بها كما نهي عن الصّلاةِ في أعطانِ الإبلِ وفي المقبرة والحمامِ(٥)، وسيأتي ذلك مستوفَى في موضع آخر (٦) إن شاءَ اللهُ سبحانهُ (٧) وتعالى. (٢) «المسند» (٢/ ٢٢٢). (١) في ((ط)): ((مسحت)). (٣) ((كشف الأستار)) (١٤٦،١١٣/٣)، وقال الهيثمي في («مجمع الزوائد)) (٢٥٨/٨): رواه البزار وفيه من لم أعرفهم. (٤) ليست في ((ط))، وكتب في هامش ((ط)) ((لعله الأرض)) وأعطاها إشارة اللَّحق. (٥) راجع («التمهيد)) (٢٢٠/٥)، و((صحيح ابن خزيمة)) (٦/٢). (٦) في ((ق)): ((مواضع أُخر)). (٧) ((سبحانه و)) ليست في ((ق)). ٢٠٨ ١- باب التيمم الحديث : ٣٣٥م وفي ذكرهِ التيممَ بالأرض من خصائصه مايُشْعرُ أَنَّ الطهارةَ بالماء ليستْ مِمَّا اخْتُصَّ به عن الأنبياءِ، وقد سبقَ في كتاب ((الوضوء)» ذكرُ ذلك. واسْتَدلَّ بقوله بَّهِ: ((جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا)) من يقولُ: إِنَّ التَّيممَ يجوزُ(١) بجميع أجزاءِ الأرضِ من التُّرابِ والرملِ والنورِةِ والزرنيخ والجصِّ وغيرِ ذلك كما هو قولُ مالك، وأبي حنيفةَ وغيرهما. واستدلَّ من قال: لا يجوزُ التَّيممُ بغيرِ التّرابِ من أجزاءِ الأرض - كما يقوله الشافعيُّ، وأحمدُ في ظاهرِ مذهبه - بما في ((صحيح مسلم))(٢) من (٣) حديث حذيفةَ، عن النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((فُضِّلنا على سائر(٤) الناس بثلاث: جُعلَتْ صفوفُنا كصفوف الملائكة (٩٠ - أ/ ط) وجُعلَتْ لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وجُعلَتْ تربتُها لنا طهورًا إذا (٥) لم نجد الماءَ)) وذكر خصلةً أخرى، فخصَّ الطَّهورَ بتربةِ الأرضِ بعد أن ذكرَ أَنَّ الأَرض كُلَّها مسجدٌ؛ وهذا يدلُّ على (٢٧٢ - ب/ق) اختصاص الطهورية بتربةِ الأرضِ خاصَّةً، فإِنَّه لو كانتِ الطهوريةُ عامةً (٦) كعموم المساجدِ لم يحتجْ إلى ذلك. وقد خرَّجَ مسلمٌ(٧) حديثَ جابرٍ الذي خرَّجَه البخاريُّ هاهنا وعنده: ((وجُعِلَتْ(٨) لي الأرضُ طيبةً طهوراً ومسجدًا))(٩)، وهذا يدلُّ على (١) ((الأوسط)) لابن المنذر (٣٨/٢ - ٣٩)، ((التمهيد)» (٢٨٩/١٩). (٢) مسلم (٤/٥٢٢). (٣) في ((ق)): ((عن)). (٤) ((سائر)) ليست في ((ق))، وأظنها مقحمة في المتن في النسخة ((ط))، وذلك لأنها ليست في المطبوع، وليست هي في البيهقي ((الكبرى)) (٢٢٣،٢١٣/١) حيث رواها من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، وليست هي في ((المصنف)) (٤٣٥/١). (٥) في ((ط)): ((إذ)). (٧) مسلم (٣/٥٢١). (٩) في ((ق)): ((ومسجد)). (٦) في ((ط)): ((لو كان الطهور عامًا)). (٨) في ((ق)): ((جعلت)). ٢٠٩ ۔ الحديث: ٣٣٥ كتاب التيمم اختصاصِ الطهورية بالأرضِ الطيبةِ، هي الأرضُ القابلةُ للإنبات كما في قوله تعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنَ رَبِّه﴾ [الأعراف: ٥٨]. وروينا من حديث حمَّد بن سلمة، عن ثابتٍ وحميد، عن أنس(١) قال: قَالَ رسولُ اللهِ وَ لَّ: ((جُعِلَتْ لي كلُّ أرضٍ طَيِّةٍ مَسْجَدًا وطَهُورًا)). ولكن قد دلَّتْ نصوصٌ أُخر على عمومٍ كونِ الأرضِ مسجدًا فتبقى طهوريتُها مختصةً بالأرضِ المنبتةِ . وفي «مسند الإمام أحمد(٢)) من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((أُعْطِيتُ أربعًا لم يُعْطهنَّ أحدٌ من أنبياءِ الله: أُعْطِيتُ مفاتيح (٣) الأرض، وسُمَّيْتُ أحمد، وجُعِلَ التُّرابُ لي طهورًا، وجُعِلتْ أُمَّتَي خيرَ الأمم)». وقد ظنَّ بعضُهم أنَّ هذا من بابِ المطلقِ والمقيَّدِ، وهو غلطٌّ؛ وإنَّما هو من بابِ تخصيصِ بعضِ أفرادِ العُموم بِالذَّكرِ وهو لا يقتضي التَّخصيصَ عند الجمهور خلافًا لما حُكِيَ عن أبي ثورٍ إلا أن يكونَ له مفهومٌ فينبني على تخصيص العُمومِ بالمفهومِ، والتُّرابُ والتُّربةُ لقبٌ واللقب (٤) مُخْتلفٌ(٥) في ثبوت المفهوم له، والأكثرونَ يأبونَ ذلك؛ لكن أقوى ما اسْتُدلَّ به حديثُ حذيفةَ الذى خرَّجه مسلمٌ(٦) فإنَّه جعَل الأرضَ كُلَّها مسجدًا وخصَّ الطَّهوريَّةَ بالتَّربةِ، وأخرجَ ذلك في مقام الامتنانِ وبيانِ الاختصاصِ، (١) ((المنتقى)) لابن الجارود (١٢٤). (٢) ((المسند)) (٩٨/١ - ١٥٨)، و((علل الرازي)) (٣٩٩/٢)، و((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤٧٢/٥). (٤) ((واللقب)) ليست في ((ط)). (٣) في ((ط)): ((مفاتح)). (٥) في (ط)): ((يُخْتلف)). (٦) مسلم (٤/٥٢٢). ٢١٠ ١٠- باب التيمم الحديث : ٣٣٥ فلولا أنَّ الطهوريةَ لاتعمَّ جميعَ أجزاءِ الأرضِ لكان ذكرُ التَّربة لامعنى له؛ بل كانَ زيادةً في اللفظِ (٩٠ - ب/ط) ونقصًا في المعنى، وهذا لا يليقُ(٢٧٣ - أ/ق) بِمَنْ أُوتِيَ جوامع الكلم بَّ، وقد خرَّجَهَ ابنُ خزيمةَ في (صحيحه)(١) ولفظُه: ((وجُعَلَتْ لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وجُعلَ ترابُها لنا طهوراً إذا لم نجدِ المَاء)» . ومعنى قوله ((طهورًا)) أي: مطهرًا، كما قال: ((الماءُ طهورٌ لا ينجِّسُهُ شيء(٢)) وفيه دليلٌ لمن قال: إن التَّمِمَ يرفعُ الحدثَ كالماء رفعًا مُؤْقَّتًا، ودليلٌ على أَنَّ الطَّهوَر ليسَ بمعنى الطَّاهرِ كما يقولهُ بعضُ الفقهاء؛ فإن هذه(٣) طهارة الأرضِ مما لم تختصَّ به هذه الأمةُ؛ بل اشتركتْ فيه الأممُ كلُّها، وإنما اخْتُصَّتْ هذه الأمةُ بالتَّطهر بالتُّراب، فالطهور هو المطهرُ، والتَّحقيقُ: أَنَّ طهوراً ليسَ معدولا عن طَاهرٍ؛ ولَأَّن طاهرًا لازمٌ وطهوراً متعد، وإنما الطهورُ اسمٌ لما يُتطهرُ به كالفَطورِ والسِّحورِ والوَجورِ والسَّعوط ونحو ذلك. وأَمَّا إحلالُ الغنائم له ولأُمَّتِه خاصَّةً: فقد رُوِيَ أَنَّ من كان قبلنا من الأنبياء كانوا (٤) يحرقونَ الغنائم. وفي حديثٍ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جِّدِّه(٥)، عن النَّبِيِّ بَّهِ: ((وأُحِلَّتْ ليَ الغنائمُ آكُلُها وكان مَنْ قبلي يُعظمون أَكْلَها، كانوا يَحْرِقُونَها)). وفي ((الصحيحين))(٦) عن أبي هُرِيرَةَ قال: ((غَزَا نبيٌّ من الأنبياءِ فجمعَ الغنائمَ فجاءتْ نارٌ(٧) لتأكلَها فلم تَطْعَمْها فقال: إنَّ فيكم غلولا (١) ابن خزيمة (١٣٣/١). (٢) ((نصب الراية)) (٩٤/١)، ((التلخيص الحبير)) (١٣/١ -١٥). (٤) في ((ط)): (( كان)). (٣) ((هذه)) ليست في ((ط)). (٥) («المسند» (٢٢٢/٢). (٦) ((فتح)) (٣١٢٤)، مسلم (٣٢/١٧٤٧). (٧) في ((ط)): ((النار)). ٢١١ الحديث: ٠٣٣٥ كتاب التيمم فَلْيُبَايِعْني (١) من كلِّ قبيلة رجلٌ، فلزقتْ يدُ رجلٍ بيدِه فقال: فيكم الغلولُ، فجاءوا(٢) برأسٍ مثل(٣) رأس بقرة من الذَّهب(٤) فوضعوها فجاءت النَّارُ فَأَكَلتها، ثم أَحلَّ اللهُ لنا الغنائمَ رأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فأحلَّها لنا». وفي ((الترمذيِ)(٥) عن أبي هُرِيرَة، عن النَّبِيِّ وَِّ قال: ((لم تحلَّ الغَنَائِمُ لأحدٍ سُود الرُّءُوسِ قبلكم، كانتْ تنزلُ نارٌ فتأكلها)). وفي كتابِ ((السيرة)) لسليمان التيميِّ: إنَّ من قبلنا (٦) من الأُمم كَانُوا إذا أَصَابوا شيئًا من عدوِّهم جَمَعوه فَأَحْرقوه وقَتَلوا كلَّ نفسٍ من إنسانٍ (٢٧٣ - ب/ ق) أو دابَّة)) وفي صِحَّةٍ هذا نظرٌ، والظَّاهرُ أَنَّ ذواتَ الأرواحِ لم تكنْ محرمةً عليهم؛ إِنَّما كان يحرم(٧) عليهم ما تأكلُهُ(٨) النار . وقد ذهبَ طائفةٌ من العلماء - منهم الإمامُ أحمدُ - إلى أَنَّ الغالَّ من الغنيمة يُحرقُ رحلُه كلُّه إلا ما له حرمةٌ من حيوانٍ أو مصحفٍ ، ووَرَدَ في ذلك أحاديثُ تذكر في موضع آخر إن شاء الله سبحانه و(4) تعالى. وقد قال طائفةٌ من العلماء: إنَّ المحرمَ على من كَانَ قبلنا هو المنقولاتُ دونَ ذوات الأرواحِ، واستدلُّوا بَأنَّ إبراهيمَ عليه السَّلَامُ كانتْ له هاجرَ أمة، والإماءُ إنما يُكتسبنَ من المغانمِ. ذكر هذا ابنُ عقيل وغيرُه. (١) في ((ط)): ((فليأتنا)). (٢) في ((ط)): ((فإذا)». (٣) في ((ط)): ((من)). (٤) في ((ط)): ((من ذهب)). (٥) ((جامع الترمذي)) (٣٠٨٥) وقال: حسن صحيح، وانظر ((تحفة الأشراف)) (٣٥٣/٩). (٧) في ((ط)): ((تحرم)). (٦) في ((ط)): ((قلنا)) . (٨) في ((ق)): ((تأكله)) بالتاء، والياء معا. (٩) ((سبحانه و)) ليست في ((ق)). ٢١٢ ١ - باب التيمم الحديث : ٣٣٥ وفي هذا نظرٌ؛ فإنَّ هاجرَ وَهَبَها الجبارُ لسارةَ فوهبتها لإبراهيمَ، ويجوزُ أن (٩١ - أ/ ط) يكونَ في شرع من قبلنا جوازُ تملك ما يملكه الكفارُ باختيارِهم دونَ ما يُغْنم منهم . وقد ذهبَ أكثرُ العلماء إلى أَنَّ الكَافرَ إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هديةً فله أن يَتملَّكها منه ويختصُّ بها دونَ غيرِه من المسلمين. وقال القاضي إسماعيل المالكيُّ: إنَّما اختُصتْ (١) هذه الأمةُ بإباحةِ المنقولاتِ من الغنائم، فأما الأرضُ فإنَّها فيٌ وكانت مباحةَ لمن قبلَنا؛ فإنَّ الله تعالى (٢) أورثَ بني إسرائيلَ فرعونَ، وهذا بناء علَى أنَّ الأرضَ المأخوذةَ من الكفارِ تكون فَيْئًا سواء أُخذَتْ بقتالِ أو غيرِهِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحمدَ في المشهورِ عنه . ومن النَّاسِ من يقولُ: إِنَّما حُرِّمَ على من كَانَ قبلَنا الغنائمُ المأخوذَةُ بقتال دون الفيءِ(٣) المأخوذِ بغيرِ قتال، قالوا: وهاجرُ كانت فَيْئا لا غنيمة (٤)؛ لأنَّ الجَبَّارَ الكافرَ وَهَبَها لسارةَ باختيارِه . وقد قال طائفةٌ من العلماء: إنَّ ما وهبَه الحربيُّ لمسلمٍ يكون فيئًا، وزَّعَمَ بعضُهم أَنَّ المحرمَ على من كان قبلَنا كان(٥) خُمْس الغَنيمة خاصَّةً كانت النَّارُ تأكُله وتقسم(٦) أربعةُ أخماسه بينَ الغانمين - وهذا بعيدٌ جدّاً -، واستدلُّوا بما خرَّجَه البزارُ(٧) من (١) في ((ق)): ((خصت)). (٢) ((تعالى)): ليست في ((ط)). (٤) في ((ط)): ((مما لاغنيمة)). (٣) ((الفيء)): ليست في ((ط)). (٥) في ((ق)): ((كان من خمس))، وأظن أن ((مِنْ)) هنا مُقْحمة. (٦) ((تقسم)) في ((ق)) بالتاء والياء، معًا. (٧) ((كشف الأستار)) (١١٣/٣) مختصرًا، (١٤٦/٣) بتمامه، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٥٨/٨): ((رواه البزار وفيه من لم أعرفهم)) وأخرجه البيهقي - أيضًا في ((دلائل النبوة)» (٤٧٤/٥). ٢١٣ الحديث: ٣٣٥ كتاب التيمم روايةٍ سالمٍ أبي حماد، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ، عن النَّبِيِّوَّه قال: ((أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطها أحدٌ قبلي)) فذكر الحديثَ وقال فيه: ((وكانت الأنبياءُ يعزلونَ الخمسَ فتجيءُ النَّار فتأكلُه، وأُمرتُ أنا أن أقسمَه في فقراءِ أُمَّتي)) . وسالم هذا قالَ فيه أبو حاتم الرازي: مجهولٌ (١) . وأما الشَّفاعةُ التي اختُصَّ بها النَّبِيُّ نَّ من بينِ الأنبياءِ فليست هي الشفاعة في خروجِ العصاة من النَّارِ فإنَّ هذه الشفاعةَ يشاركُ فيها الأنبياءُ والمؤمنون - أيضًا - كما (٢٧٤ - أ/ ق) تواترتْ بذلك النُّصوصُ. وإنَّما الشفاعةُ التي يختصَّ بها من دونِ الأنبياء أربعةُ أنواع: أحدُها: شفاعُتُه للخلقِ في فصل القضاءِ بينهم. والثَّاني: شفاعتهُ (٢) لأهلِ الجنَّةَ فِي دخولِ الجَنّةِ. والثالث: شفاعتُهُ في أهلِ الكبائِرِ من أهلِ النَّارِ، فقد قيل: إِنَّ هذه يختصّ هو بها. والرابع: كثرةُ من يشفعُ له من أُمَّتَه، فإنَّه وفَّرَ شفاعتَه وادَّخَرها إلى يوم القيامةِ، وقد وردَ التَّصريحُ بأنَّ هذه الشفاعةَ هي المرادةُ(٩١ - ب/ ط) في هذا الحديثِ، ففي الحديثِ الذي خرَّجَه الإمام أحمدُ (٣) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عنَ جَدِّه، عن النَّبيِّ وَ لَّهِ قَالَ: «أُعْطِيتُ الليلةَ (١) ((الجرح والتعديل)) (١٩٢/٤) قال أبو حاتم: شيخ مجهول لا أعلم روى عنه غير عبيد الله ابن موسى. وانظر ما سيأتي (ص٢١٩). (٢) في ((ط)) ((شفاعة)). (٣) («المسند» (٢٢٢/٢). ٢١٤ ١- باب التيمم الحديث : ٣٣٥ خمسًا ماَ أُعْطَهُنَّ(١) نبيٌّ كان قبلي)) فذكر الحديثَ إلى أن قال: ((والخامسةُ: هي ما هِيَ قيل لي: سل؛ فإنَّ كلَّ نبيِّ قد سألَ، فأخَّرَتُ مسألتي إلى يومِ القيامة فهي لكم ولمن شَهِدَ (٢) أن لا إلهَ إلا الله)). وخَرَّج - أيضًا (٣) من حديث أبي موسى، عن النَّبِي وَّ قال: ((أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحدٌ كان قبلي)) فذكره وقال في آخره: ((وُأعطيتُ الشَّفاعةَ، وإنَّه ليسَ من نبيِّ إلا قد سألَ شفاعتَه وإنِّي أخَّرتُ شفاعتي جعلتُها لِمَنْ ماتَ من أُمَّتي لا يشركُ بالله شيئًا». وفيه - أيضًا - من حديث ابن عباسٍ (٤)، عن النَّبِيِّ نَّه قال: ((لم يكنْ نبيٌّ إلا له دعوةٌ تنجزها (٥) في الدُّنْيا وإِنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمَّي يومَ القيامةِ، وأنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ وأَوْلُ مَنْ تنشقُّ عنه الأرضُ ولا فخرَ، وبيدي لواءُ الحمد، وآدمُ ومن دونَه تحتَ لوائي)». وخرَّجَ التِّرمذيُّ، وابنُ ماجه(٦) من حديث أبي سعيد، عن النَّبِيِّ وَّل كتا الله قال: ((أَنَا سيدُ ولد آدَمَ ولا فخرَ، وأنا أولُ من تنشقَّ عنه الأرضُ يومَ القيامة، وأنا أولُ شافعٍ وأول مشفعٍ ولا فخرَ، ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامة ولافخر)). وفى ((الصَّحيحين(٧)) عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ وَ ◌ّهِ قال: ((لكلِّ نبيّ دعوةٌ يدعو بها فأريدُ أن أختبئَ دعوتي شفاعةً لأُمتي يومَ القيامةِ)). (١) في ((ط)): ((ما أعطيهن من)). (٢) في ((ط)): ((يشهد)). (٣) ((المسند)) (٤١٦/٤ - ٤١٧) وقد اختلف على إسرائيل في وصله وإرساله كما في ((المسند)). (٥) في ((ق)) ينجزها)). (٤) ((المسند)» (٢٨١/١، ٢٩٥). (٦) الترمذي (٣١٤٨، ٣٦١٥) مختصرًا، ابن ماجه (٤٣٠٨). (٧) (فتح: ٧٤٧٤)، مسلم (١٩٨). ٢١٥ ٠ الحديث: ٣٣٥ كتاب التيمم وفى ((صحيح مسلم)) (١) عن جَابٍ، عن النَّبِيِّ بَّهِ قال: ((لكلّ نبيِّ دعوةٌ قد دَعَا بها في أُمَّهِ وخبأتُ دعوتي شفاعةً لأُمَّتَي يومَ القيامةِ». وفيه - أيضا - نحوه من حديث (٢) أنسٍ، عن النبي ◌َّه . (٢٧٤ - ب/ ق) وفي حديث عبد الرحمن بن أبي عقيلٍ سَمِعَ النَّبيَّ وَله يقولُ: ((إنَّ اللهَ لم يبعثْ نبيّا إلا أعطاه دعوةً فمنهم من اتّخذها دنيا فأعطاها، ومنهم منَ دَعا بها على قَوْمهِ إذ عَصَوَه فَهَلَكوا، وإِنَّ الله أعطاني دعوةٌ فاختبأتُها عند ربي شفاعةً لأُمَّتَي يومَ القيامةِ)». خرَّجَه البزار (٣) وغيرُه. وفي ((المسندِ))(٤) عن عبادَة بنِ الصَّامتِ، عن النَّبِيِّ بَ لِّ قال: ((إنَّ الله أَيْقَظَني فقال: إنِّي لم أبعثْ نبيّا ولارسولا إلا وقد سألني مسألةً أُعطيتُها إيَّاه، فسلْ يامحمدُ تُعط، فقلت: مسألتي: شفاعة لأُمَّتي (٩٢ - أ/ط) يومَ القيامة)) فقال أبو بكر: يارسول الله وما الشفاعة [التي أختبأت عندك](٥)؟ قال: ((أقولُ: ياربِّ شفاعتي التي اختبأتُ عندك فيقولُ الربُّ تبارك وتعالى: نعم، فيُخِرْجُ ربي تباركَ وتعالى بقيةَ أُمََّي من النَّارِ فينبذُهم في الجنَّة)). (١) مسلم (٢٠١). (٢) مسلم (٢٠٠). (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٨٢/١١)، ((كشف الأستار)) (١٦٥/٤) وقال: لانعلم مِنْ [ابن] أبي عقيل إلا هذالاا. هـ، و((الآحاد والمثاني)) (٢٣٩/٣) ورواه الحاكم (١/ ٦٧ - ٦٨) وقال الذهبي: و((ليس الحديث بثابت)) ا.هـ، والمنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٤/ ٤٣٣) وقال: رواه الطبراني والبزار بإسناد جيد، وانظر ((تاريخ البخاري الكبير)) (٢٤٩/٥ - ٢٥٠) والإصابة (٢٣٦/٤). (٤) («المسند» (٣٢٥/٥ -٣٢٦). (٥) مابين المعقوفين ليس في ((ط)). ٢١٦ ١- باب التيمم الحديث : ٣٣٥ والمرادُ من هذه الأحاديث - والله أعلم - أَنَّ كلَّ نبيِّ أُعطيَ دعوةً عامَّةً شاملةً لأُمَّته، فمنهم من دَعَا على أُمَّتَه المكذبين له فَهَلَكوا، ومنهم من سألَ كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمانُ عليه السلام، واختصَّ النَّبيُّ وَلِله بأن ادخر تلك الدعوةَ العامَّة الشاملةَ لأُمَّته شفاعةً لهم يومَ القيامةِ . وقد ذكر بعضُهم شفاعةً خامسةً خاصَّةً بِالنَّبِيِّ نَّهِ وهي شفاعتُه في تخفيفِ عذابِ بعضِ المشركين كما شفعَ لعمه أبي طالبٍ وجعلَ هذا من الشفَّاعةِ المختصِّ بها ◌ِهِ. وزادَ بعضُهم شفاعةً سادسةً خاصَّةً بالنبي (١) وَلَهُ وهي شفاعتُه في سبعينَ ألفًا يدخلون الجنَّة بغيرِ حسابٍ، وسيأتي مايدلُّ عليه، إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى(٢). وأما بعثتُهُ إلى النَّاسِ عامَّةً: فهذا مما اختصَّ به وَلّ عن الأنبياء. وفي ((المسند)(٣) من حديث أبي ذرٍّ، عن النَّبِيِّ وَِّ قال: ((أُعْطِيتُ خمساً لم يُعْطهنَّ أحدٌ قبلي)) وذكر (٤) منها ((وبعثتُ إلى كلِّ أحمر وأسود)). وفيه - أيضًا - من حديث ابن عبَّاسٍ (٥)، عن النَّبِيِّ وَل قال: ((أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطهنَّ نبيٌّ قبلي ولا أقولُّهن فخرًا: بُعثتُ إلى النَّاس كافَّةً الأحمر والأسود)). وفى («مسند البزار(٦)) من حديث ابن عبّاسٍ، عن النبيِّ وَلَّ قال: (١) في ((ق)): ((له)). (٢) في ((ق)): ((الله تعالى)). (٣) («المسند» (١٤٧/٥ - ١٤٨). (٤) فى ((ق)): ((فذكر)). (٥) («المسند» (١ /٢٥٠). (٦) ((كشف الأستار)) (١٤٧/٣) وقال البزار: لا نعلم قوله: ((بعثت إلى الجن والإنس)) إلا في هذا الحدیث بهذا الإسناد. ٢١٧ الحديث: ٣٣٥ كتاب التيمم ((أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطها نبيٌّ) فذكر منها: ((وكانَ النَّبِيُّ يبعثُ إلى خاصَّةً قومه وبُعثتُ إلى الجِنِّ والإنسِ)) وذكر الحديث، وقال: لفظُ (٢٧٥ - أ/ ق) ((الجن والإنس)) لانعلمه إلا فى هذا الحديث بهذا الإسناد. قلتُ: وقد سبق(١) أنَّ في إسنادِه سالما أبا (٢) حماد، وأَنَّ أبا حاتمٍ قال: هو مجهولٌ؛ ولكن قد(٣) ذكر الجن في حديث آخر ذكره ابنُ أبي حاتم في ((تفسيره)) تعليقًا، وفي إسنادِه رجلٌ لم يسمَّ عن عبادة بن الصَّمت، عن(٤) النَّبِيِّ نَّهِ خرج عليهم(٥) فقال: ((إنَّ جبريلَ (٩٢ - ب/ط) قال لي: اخرجْ فأخبرْ بنعمة الله التي أنعم بها عليكَ وفضيلتَه التي فُضِّلتَ بها، فبشَّرني أنَّه بعثني إلى الأحمرِ والأسود وأَمَرني أَنْ أنذرَ الجنَّ وآتاني كتابَه وأنا أُميِّ، وغفرَ ذنبيَ ماتقدَّمَ وما تأخَّرَ، وذكر اسمي في الأذانِ، وأمدَّني بالملائكة، وآتاني النَّصرَ، وجعلَ الرعبَ أمامي، وآتاني الكوثَرِ، وجعلَ حَوْضِيَ من أعظمِ الحياض يومَ القيامةِ، ووعدني المقامَ المحمودَ والنَّاسُ مُهْطعينَ مقنعي رُءُوسِهِم، وجعلني في أوَّل زمرةٍ تخرجُ من النَّاسِ، وأدخلَ في شَفَاعتي سبعين ألفًا من أُمَّتَي الجنَّةَ بغير حسابٍ، وآتاني السُّلطانَ والملكَ، وجعلني في أعلى غرفةٍ في الجنَّةِ، فليسَ فوقي إلا الملائكةُ الذين يحملون العرشَ، وأحلّ لي ولأمتي الغنائمَ ولم تحلّ لأحد كان قبلنا)). وفي (صحيح مسلم)) (٦) عن أبي هُريرةَ، عن النَّبِيِّ وَلَه قال: ((فُضلتُ (١) (ص٢١٤) (٢) في ((ق)): ((سالما: أنبا حماد)). وهو خطأ. (٤) فى ((ق)): ((أن)) . (٦) مسلم (٥٢٣). (٣) في ((ق)): ((قد روى)). (٥) ((خرج عليهم)) ليست في ((ط)). ٢١٨ ١- باب التيمم الحديث : ٣٣٥ على النَّاسِ بستٍّ: أُعْطيتُ جوامعَ الكلمِ، ونُصرتُ بالرُّعبِ، وأُحلَّتْ لي الغنائمُ، وجُعِلتْ لي الأرضُ طهوراً ومسجدًا (١)، وأُرْسلتُ إلى الخلق كافَّةً، وخُتُمَ بِي النَّبِيونَ)). وقوله: (( إلى الخلق كافَّة)) يدخلُ فيه الجنَّ بلا ريب. وفي ((صحيح ابن خزيمة))(٢) عن حذيفة، عن النَّبيِّ وَجّ قال: ((فُضِّلتُ على النَّاسِ بثلاثَ)) فذكر الثالثةَ قال: ((وأُعْطيتُ هذه الآيات من آخر سورةٍ البقرة من كنزِ تحتَ العرشِ لم يعط منه أحدٌ قبلي ولا أحدٌ بعدي)). وهذه الخصَلَةُ الثَّالثةُ لم تُسَمَّ في ((صحيح مسلم))؛ بل فيه: وذكر خصلة أخرى - كما تقدم. ومن تأمَّل هذه النُّصوصَ علم أَنَّ الخصالَ التي اختصّ بها عن الأنبياءِ لا تنحصرُ في خمسٍ وأَنَّه إنما ذكر مرةً ستا ومرةً خمسًا ومرةً أربعًا ومرةً ثلاثًا بحسب ما تدعو الحاجةُ إلى ذكرِه في كلِّ وقت بحسبه، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم(٣) (٢٧٥ - ب/ق). (١) في ((ط)): ((مسجدًا وطهوراً)). (٢) (١٣٢/١)، وفيه: ((من بيت كنز تحت العرش)). (٣) في ((ق)): ((والله أعلم)). ٢١٩ الحديث: ٣٣٦ كتاب التيمم و ٢ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلا تُرَابًا خرَّج فیه من (١) حديثٍ : ٣٣٦ - هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قلادَةً فَهَلَكَتْ فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ بَ رَجُلًا فَوَجَدَهَا فأدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصلوا فشكوا ذَلِكَ (٩٣ - أ/ ط) إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَأَنْزَل اللهُ تَعَالى (٢) آيَةَ التَّهُمِ، فَقَالَ أُسَيِّدُ بْنُ حُضَيرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاك الله خَيْرًا، فَوالله مَانَزَلَ بِك أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلا جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لَك وَلْلمُسْلِمينَ فيه (٣) خَيْرًا. قد سبقَ أنَّ روايةَ هشامٍ بِن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ لهذا الحديث تخالفُ روايةَ (٤) عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ؛ فإنَّ عبدَ الرحمن ذكرَ في روايتهِ أَنَّ عقدًا لعائشةَ انقطعَ وأَنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ أقامَ على التماسِهِ وأَنَّه نامَ حتىَّ أصبحَ على غيرِ ماءٍ فنزلتْ آيَةُ النَّيممِ، وأما عروةُ فذكر في روايته أنَّ قلادةً لأسماءَ استعارتها عائشةٌ فهلكتْ - يعني: أَنَّهم فقدوها - فأرسلَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِي طَلبِها فأدركتهم الصَّلاةُ وليس (١) ((من)): ليست في ((ق)). (٢) ((تعالى)): ليست في ((ط)) وليست في ((اليونينية))، ولم يذكرها القسطلاني. (٣) ((فيه)) زيادة من ((اليونينية))، وهي ليست في ((ق)) وليست في ((ط)). (٤) (فتح: ٣٣٤). ٢٢٠