Indexed OCR Text

Pages 1-20

فتح البَارِي
شُرْحٌ صَحِيٌ البُخَارِيُ
للحَافِظُ زَيِّن الدّين أبي الفَجْ ابْن رَجَبُ الحَنبَلِيِّ
٧٣٦ - ٧٩٥
«وَشَرْعُ قطَعَة مِنَّالبُخَارِيِّ إِلى كِتَابٍ
الجنائِ، وَهِيَ مِن عجائب الدّهر وَلوكمَل
كان مِنَ العجائبٌ»
إِبِّ عَبْد الهادي
تَحْفِّيق
محمود ين شعبانُ بنُ عبد المقصود
إبراهيم بن اسماعيل القاضى
محمّد بنْ عَوض المنقوشُ
عَلاء بن مصطفى بن حمّام
مُجْدِي بِنَّ عَبْد الخالقِ الشافعيِّ
السَّيِّرِبِنّ عزّت المُرْسِيْ
صَلاَح بت سالم المصراتي
صبِّي بنُ عبد الخالق الشافعي
الجزء الأَوَّلْ
النّاشِرُ
مكتَّئُهُ العَربَاءِ الْأَشْيََّة

فَعُ الْبَّارِيُ
شرح صَحِيْح البُخَاري
١

كافة الحقوق محفوظَة
( ((مكتب تحقيق دار الحرمَيِّن))
٧٢ - شارع مصر والسودان - حدائق القبّة - القاهِرة
ت : ٤٨٢٠٣٩٢
الطّبعَة الأولى
١٤١٢٢ هـ - ١٩٩٦مـ
حدش
النّاشِرُ
مكتَبة الغرباء الأثريّة
المدينة المنوّرة
هاتف: ٨٢٤٣٠٤٤ - فت : ٨٢٦٤١٠٦
ص.ب: ١٤٤٩ - المدينة النبوية
المملكة العَربيّة السّعوديّة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا
هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمدًا عبده ورسوله.
وبعد ..
لا يسعنا في هذا المقام إلا أنْ نتوجَّه بالحمد والشكرِ لربنا الكريم، أنْ
أتمّ علينا النعمة بإخراج هذا ((الفتح)) العظيم، فَلَطَالما اشتاق الناس إليه
واشتقنا، وهاهو الآن بمنة من الله وحده أكبر كتب الحافظ ابن رجب
الحنبلي(١) يخرج إلى عالم المطبوعات بعد عمل في ((مكتب تحقيق
دار الحرمين)) دام ثلاث سنوات في هذا السفر الكبير، أنجزنا فيها هذا
الكتاب الذي حُمِّلناه، مستفرغين الوسع في خدمته، بإقامة نصه، وضبط
لفظه، مُؤَمِّلِينَ أَنْ نَكُونَ قد وفَّيْنَا العمل حقه، غير مُدَّعينَ امتناع لُحُوقِنَا
خطأ في بعض ما استظهرناه، ولعل مما يشفع لنا: طول البحث والتفتيش
الذي عانيناه في مواطن كثيرة جدًا، فإمَّا أنْ نَصِلَ إلى ما يُذْهبُ العناء
وتعب البحث أو أن نعود بخفى حنين، وفي هذا يقول الشيخ العلامة
المعلمي رحمة الله عليه في تعليقه على ((الإكمال)) (٣٣١/٦) بعد تحريره
لنسبةٍ طَوَّلَ النفسَ فيها فأجاد كعادته، فقال رحمه الله :
(١) نريد أكبر كتبه الموجودة، وإلا فشرحه على الترمذي أكبر كتبه على الإطلاق غير أنه
مفقود .
5

(«حسبي أن يكون ما أثبته نموذجًا لما يقاسيه المعنيون بتحقيق الكتب،
وأن أحدهم ليتعب نحو هذا التعب في مواضع كثيرة جدًا، ولكنه في
الغالب ينتهي إلى أحد أمرين: إما عدم الظفر بشيء فيكتفي بالسكوت،
أو بأن يقول: ((كذا))، أو نحوها، ولا يرى موجبًا لذكر ما عاناه في
البحث والتنقيب، وإما الظفر بنتيجة حاسمة فيقدمها للقراء لقمة سائغة،
ولا يهمه أن يشرح ما قاساه حتى حصل عليها، والله المستعان)) انتهى .
لقد اختمر اليوم في أذهان بعض الناس لُحُوق العَيْب والشَّيْن لمن
سبيله الرفق بحواشي الكتاب وعدم ملئها بما ليس من شأن الكتاب، ولا
موضوعه الذي مصنفه أراد .
بَيْدَ أن بعض الناس يستهويه ((نفخ الكتب)» وسعة الحواشي، بداعٍ
وبغير داعٍ، بما يفوق أضعاف حجم الكتاب أصلا، فما أن يرى بعض
هؤلاء حديثًا حتى يحشد له أسماء الكتب وأرقام الصفحات، مرتبًا لها
على الطبقات، مُخَلًِّا نص الكتاب الذي تحمل أمانة إخراجه إلى الناس
عاريًا عن الضبط والتحقيق، غير مهتد بكلام أهل الحديث السابقين، فإن
عثر على كلامٍ لأحدهم لم يذكره مُتَعَقِّلا لمعناه، ولا فاهمًا لمغزاه، بل
مُتَعَقّبًا لكلام الإمام بقوله:
(لا)) و((فيه نظر)) و((وما هكذا يا سعد تورد الإبل)) و((ما هكذا تعل
الأحاديث يا ابن المديني)) و((أما أبو داود ومن وراءه))، وغير هذا كثير من
أشباه هذه التَعَدِّيات التي يُطْلِقُهَا بعضهم في حقِّ مَن بِشُعَاعِ ضِيائهم
تَبَصَّرنا، وباقْتِفَائنا واضحِ رُسومِهِمٍ تَميَّزْنَا، وبسلوكِ سبيلِهِم عن الهَمَجِ
تَخَّيَزْنَا من أمثال ابن المديني وأحمد والبخاري، وغيرهم من الأعلام
6

المتقدمين وأئمة المسلمين الذين حَفظَ الله بهم الدين، وَعُرِفَ قَدْرُهُمْ في
العالَمِين، أَمَّا اليوم فلا يَعْرِفُ هؤلاء لمتقدمِ قَدْرًا، ولا لإمامِ عذرًا،
فحسبنا الله ونعم الوكيل، والله المستعان على ما يصفون.
المحققون
أبو نسيبة محمود بن شعبان بن عبد المقصود أبو عمرو مجدي بن عبد الخالق الشافعي
أبو عبد الله السيد بن عزت المرسي
أبو البراء إبراهيم بن إسماعيل القاضي
أبو عبد الرحمن صلاح بن سالم المصراتي
أبو أرجوان محمد بن عوض المنقوش
أبو عمر علاء بن مصطفى بن همام أبو ذر صبري بن عبد الخالق الشافعي
((مكتب تحقيق دار الحرمين))
إشراف
أبي أرجوان: محمد بن عوض المنقوش
7

سير التقدمة
- البخاري وكتاباه: ((الصحيح)) و((التاريخ)) (ص: 9).
- ترجمة الحافظ ابن رجب الحنبلي (ص: 11).
- ((فتح الباري)) (ص: 33).
- توثيق نسبة الكتاب واسمه (ص: 37).
- وصف النسخ الخطية المعتمدة (ص: 42).
- عرض للنسخ الخطية المعتمدة (ص: 87).
- جداول لبيان سير المخطوطات (ص: 107).
- عملنا في الكتاب (ص: 147).
- شكر وتقدير (ص: 151).
٠
8

ر)
البخاري وكتاباه: ((الصحيح)) و(التاريخ)»
عَرَفَهُ المتقدمون بصاحب ((التاريخ)) والمتأخرون بصاحب ((الصحيح)).
إنَّ ما يُمكن أنْ يقال عن البخاري قد قاله فيه معاصروه، وشهد به
من مشايخه: ابن المديني وابن راهويه - وكفى بهما - ومن تلامذته:
مسلم والترمذي.
فهو بلا منازعة، إمام الدنيا، وسيد المحدثين، وأستاذ الأستاذين،
وطبيب الحديث في علله، ويكفي البخاري مَفْخَرةً أنَّه أول من وضع
((الصحيح)) وألف في ((التاريخ))، فقلَّدَه الناس في الأول ولما يبلغوا
شَأوه، وبَنَوا على الثاني؛ ذلك أنهم لم يؤملوا مثله، فإن الكثير يصنِّفُون
ويُكْثِرُون، والقليل منهم يُبْدِعُونَ ويُوجِزُون ولا أَدَلَّ على إمامة ومعرفة
البخاري التامة من كتابيه: ((الصحيح)) و((التاريخ))، فقد أعجز من جاء بعده.
أَمَّا ((الصحيح)) فلا أَدَلَّ على مكانته بين كتب الإسلام من هذه
العناية الفائقة، والحفاوة البالغة بهذا الكتاب ممن جاء بعد البخاري، فقد
رَبَت الكتبُ التي وُضِعَت للعناية بـ ((الصحيح)) على الأربعمائة، وعلى
قدر عناية المتأخرين بـ ((الصحيح)) على قدر عُزُوفِ الكثيرين منهم عن
((التاريخ)»: الذى لقي العناية البالغة في حياة صاحبه من معاصريه، فإنه
أصل لفروع منه أُخذَت، وقاعدة لقصور عليه شُيِّدَت، فرأى الناس
القصور ونسوا الأصول، وكما قال أبو أحمد الحاكم(١): ((واللهُ يرحم
محمد ابن إسماعيل فإنه أصَّل الأصل، وما سواه عليه وبال، منه
يُسْتَفَاد، وبه يُقْتَدَى، وإن كابر العيان مكابر، وعاند الحق معاند، فليس
(١) في ((الأسامي والكنى)) (٢٧٤/٢).
9

تخفى صورة الحق عند ذوي الألباب)» ا. هـ.
إن ما يمكن أن يقال في البخاري نفسه هو ما يمكن أن يقال في
((التاريخ الكبير)) - بحق - غير أنَّه اسْتَغْلَق على الكثيرين فهمُهُ فَزَهَدُوا
فَتْحَه؛ ذلك أنَّ فوائده لا تُسْتَخْرج إلا بعد كثرة المذاكرة وطول التفكير،
وإدمان النظر والمراجعه، ولهذا قال بعض المعاصرين: ((إنه قليل
الفائدة))؟! ولا غَرْوَ أنْ يخرج مثل هذا ممن لم يعرف كيف أَلَّف البخاري
(التاريخ))؛ ذلك أنَّهم رَامُوا من ((التاريخ)) ما ليس من غرضه فما أشبه هذا
بحال من يطلب حديثًا ضعيفًا داخل ((الصحيح)) فكم يمكن أن يقع له؟!
ولعل عذرَ هؤلاء في كلام صاحب ((التاريخ)) نفسه، فإنه قال: (لو
نُشرَ بعضُ أَستاذِيَّ هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب ((التاريخ)) ولا
عرفوه(١))) ا. هـ.
ولقد عرف مشايخه ومعاصروه ومن جاء بعده قدر ((التاريخ))، حتى
قال بعضهم: ((لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب
التاريخ تصنيف محمد بن إسماعيل البخاري))(١).
بل لا نجد أبلغ من وصف شيخه: ابن راهويه عند دخوله على ابن
طاهر الأمير بكتاب ((التاريخ)) فقال: ((ألا أريك سحرًا))(١). فعرف الشيخ
لتلميذه قدره، أمَّا اليوم فالله المستعان على ما يصفون.
(١) انظر ((تاريخ بغداد)) (٧/٢ -٨).
10

الحافظ ابن رجب
هو شيخ الإسلام والحافظ الإمام الأصولي المفيد، أحد العلماء الزهاد
والأئمة العباد، مفيد المحدثين وواعظ المسلمين، شيخ الحنابلة زين الدين
أبو الفرج: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن(١) بن الحسن(٢) بن
محمد بن أبي البركات: مسعود البغدادي، ثم الدمشقي الحنبلي الشهير:
بابن رجب .
ولد ببغداد - حيث كانت تقطن أسرته - في ربيع الأول سنة (٧٣٦) -
وقيل سنة (٧٠٦) وهو خطأ - وقد نشأ ونما في كنف أب يتسم بالخير
والدين والعفاف واعتناء بالعلم والرحلة فى تحصيله(٣) فأقبل الحافظ ابن
رجب على أبيه ينتفع به وينهل من معينه، وكان والده حريصًا على
تحصيل ولده من العلم والسماع في مرحلة مبكرة جدّاً من عمره، نرى
ذلك جليًا عندما يقول الحافظ ابن رجب نفسه(٤): ((قرىء على جدي أبي
(١) عبد الرحمن بن الحسن - جده - يكنى: أبا أحمد، ويلقب بـ: ((رجب)) نبه على ذلك:
ابن ناصر الدين، وابن قاضي شهبة؛ نقل ذلك عنهما يوسف بن عبد الهادي في ((الجوهر
المنضد)» (ص: ٤٧ - ٤٨) والحافظ في ((الدرر الكامنة)) (٣٢١/٢) وغيرهما، خلافًا لما
ظنه البعض من أن اسمه: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن عبد الرحمن بن الحسن
فأخطأ. كما وقع في ((لحظ الألحاظ)) لابن فهد المكي (ص: ١٨٠).
(٢) وقع في ((المقصد الأرشد)) (٨١/٢)، و((الجوهر)) (ص: ٤٧ - ٤٨)، و((الدارس في تواريخ
المدارس)) (٧٦/٢): ((الحسين)) وهو خطأ والصواب ما أثبتناه لما قاله ابن رجب نفسه في
((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٢١٣/٢): ((قرىء على جدي أبي أحمد: رجب بن الحسن
غير مرة ببغداد وأنا حاضر)» ا. هـ.
(٣) انظر ترجمته من ((الدرر الكامنة)) (١٣٠/١ - ١٣١)، و((إنباء الغمر)) للحافظ (٤٢/١)
و ((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٩٦/٨ - ٣٩٧).
(٤) في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٢١٣/٢ - ٢١٤).
11

أحمد: رجب بن الحسن غير مرة - ببغداد - وأنا حاضر في الثالثة
والرابعة والخامسة ... )) ا. هـ.
وقال في ترجمة علي بن محمد الشهراياني(١): ((وسمع منه خلق))
فذكر منهم ((أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن المؤذن الوراق، وروى
عنه ((صحيح البخاري)) وسمعت عليه - أي ابن رجب - حضورًا في
الرابعة منه كتاب النكاح بكامله)) ا. هـ، وهو القائل في ترجمة عبد
الرحيم بن عبد الله البغدادي (٢): ((وحضرت درسه وأنا إذ ذاك صغير لا
أحقه جيدًا)) ا. هـ، وهو القائل - أيضًا -(٣): ((أخبرنا علي بن عبد الصمد
ابن أحمد البغدادي بها قراءة عليه وأنا في الخامسة)) ا. هـ.
ومن هذه النصوص يظهر لنا أن الحافظ ابن رجب أُحضر إلى
مجالس العلم - وأيضًا تلقيه إجازات من علماء كبار مثل محمد بن أحمد
الصالحي(٤) وغيره - وهو صغير جدًا يكاد لا يدرك شيئًا؛ ولكن هذه
كانت عادة المتأخرين في طلب العلو في الأسانيد لهم ولأبنائهم؛ وكما
أنه أُجلس للعلماء مبكرًا فكذلك كانت أولى رحلاته - من بغداد إلى
دمشق - في سنَّ مبكرة مع والده سنة (٧٤٤) فسمع بها من المسند المُعَمَّرِ
شمس الدين محمد بن إسماعيل المعروف: بابن الخباز، ومن إبراهيم بن
داود العطار(٥) وجَمْع جمّ، وبهذه السفرة أدرك الحافظ ابن رجب البقية
الباقيةَ من علماء القرن السابق له مثل:
(١) من ((الذيل على الطبقات)) (٢٨٤/٢).
(٢) المصدر السابق (٤٣٦/٢).
(٣) المصدر السابق (٦٧/١).
(٤) المصدر السابق (٤٣٤/٢).
(٥) انظر ((الدرر)) (٣٢٢/٢)، و((الإنباء)) للحافظ (١٧٥/٣)، و((المقصد الأرشد)) (٢/ ٨٢)
لابن مفلح، و((الدارس) للنعيمي (٧٧/٢).
12

شمس الدين محمد بن أبي بكر بن النقيب(١) وقد أجازه، وكذلك رحل
إلى مصر وسمع فيها من أبي الفتح: محمد بن محمد بن إبراهيم
المصري الميدومي (٢) - وأكثر عنه - ومن أبي الحرم القلانسي(٣) ومن محمد
ابن إسماعيل الأيوبي بالقاهرة(٤)، وغيرهم، ورحل إلى مكة وسمع بها
من الفخر: عثمان بن يوسف(٥) وبالمدينة من عفيف الدين أبي محمد:
عبد الله بن محمد الخزرجي(٦)، ورحل كذلك إلى بيت المقدس وسمع
فيه من الحافظ العلائي(٧)، ورحل - أيضًا - إلى نَابُلُس(٨) - وسمع فيها
من أصحاب الحافظ: عبد الحافظ بن بدران (٩)، ورحل - رحمه الله -
حاجًا مع والده في سنة (٧٤٩).
وقرأ فيها على أبي حفص ((ثلاثيات البخاري)) (١٠)، وكانت له حجة
أخرى في سنة (٧٦٣)(١١).
(١) المتوفى سنة (٧٤٥) وانظر ((المقصد الأرشد)) (٨١/٢)، و((الشذرات)) (٥٧٩/٨).
(٢) ((الذيل على الطبقات)) (١١٨/١، ١٣٧، ١٧٧)، و((الدرر)) (٣٢٢/٢)، و((الإنباء))
(١٧٥/٣)، و((المقصد الأرشد)» (٨٢/٢)، و((الدارس)) (٧٧/٢)، و((الشذرات))
(٢٧٩/٨).
(٣) ((الدرر الكامنة)) (٣٢٢/٢).
(٤) ((الذيل على الطبقات)) (١٥/١، ٤٤)، و((إنباء الغمر)) (١٧٥/٣).
(٥) ((المقصد الأرشد)) (٨١/٢)، و((الدارس)) (٧٧/٢)، و((الشذرات)) (٥٧٩/٨).
(٦) ((الذيل على الطبقات)) (٣٧٠/٢).
(٧) المصدر السابق (٣٦٥/٢)، و((إنباء الغمر)) (٤٢/١).
(٨) بضم الباء الموحدة واللام والسين المهملة، وهي مدينة مشهورة بأرض فلسطين. انظر
"معجم البلدان)).
(٩) ((الذيل على الطبقات)) (٣٤١/٢)، وانظر ((المقصد الأرشد)) (١٤١/٣) - أيضاً.
(١٠) ((الذيل على الطبقات)) (٢٦٣/٢، ٤٤٤).
(١١) المصدر السابق (٤٤٧/٢) وتصحفت فيه السنة إلى (٦٦٣) !!.
13

وبعد طول رحلة وبذل الكثير من أجل التحصيل فقد أكثر - رحمه
الله - عن الشيوخ سماعًا وقراءة عليهم وإجازة من بعضهم حتى خَرِّجَ
لنفسه مشيخةً مفيدة(١) منهم:
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي الأنصاري المعروف بابن
الخباز(٢)، وصدر الدين أبو الفتح: محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي
القاسم الميدومي(٣)، ومحمد بن محمد بن أبي الحرم بن أبي طالب أبو
الحرم القلانسي (٤)، وأبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي(٥)، وشمس
الدين أبو عبد الله: محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بـ: ابن قيم
الجوزية(٦).
ثم عاد الحافظ ابن رجب - مرة أخرى - إلى دمشق واستقر بها ولازم
شيخه الحافظ ابن القيم - رحمه الله - قبل وفاته بما يزيد على السنة وسمع
عليه قصيدته النونية الطويلة وأشياء أخرى(٧)، وظل - رحمه الله - في
دمشق يُعلم ويدرس بالمدرسة ((الحنبلية الشريفة))، وولي - كذلك - حلقة
الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل سنة (٧٧١) (٨)، ولما وقف عز الدين
أبو يعلي: حمزة بن موسى المعروف بـ: ابن شيخ السلامية درسًا وكتبًا
(١) انظر رقم (٢١) من قسم ((ما لم يعثر عليه)) من آثاره العلمية.
(٢) مترجم في ((الدرر الكامنة)) (٣٨٤/٣) وغيره.
(٣) مترجم في ((الدرر الكامنة)) (٤/ ١٥٧ - ١٥٨) وغيره.
(٤) المصدر السابق (٢٣٥/٤) وغيره.
(٥) ((الدرر الكامنة)) (٢/ ٩٠ - ٩٢) وغيره.
(٦) ترجمه الحافظ ابن رجب في ((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٤٤٧/٢ - ٤٥٢).
(٧) ((الذيل على الطبقات)) (٤٤٨/٢).
(٨) انظر ((الدارس في تواريخ المدارس)) (٧٧/٢) وغيره.
14

بتربته بالصالحية وبعد معرفة أهل العصر بما كان عليه الحافظ ابن رجب
من علم؛ فَضِّله ابن شيخ السلامية عن غيره وعينه لذلك(١) وكان يعقد
مجالسا للوعظ ((وكانت مجالسُ تذكيره للقلوب صارعةً وللناس عامة
مباركة نافعة، اجتمعت الفرقُ عليه ومالت القلوبُ بالمحبة إليه))(٢).
ومن خلال هذه الدروس والمجالس تَخرَّجَ به غيرُ واحد - خاصة
الحنابلة منهم - وفي هذا يقول ابن حِجّيّ: ((تخرّج به غالبُ أصحابنا
الحنابلة بدمشق))(٣) فمنهم:
علي بن محمد بن عباس الشهير بـ ((ابن اللَّحَّام)) (٤)، وأبو العباس:
أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي المعروف بـ: ((ابن الرَّسَّام)»(٥)، وأبو
الفضل: أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي(٦)،
وأبو ذر: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد المصري(٧) ومحمد
ابن أحمد بن سعيد المقدسي(٨) وغيرهم كثير.
وكان الحافظ ابن رجب - رحمه الله - طيلة هذه الفترة مقيمًا بالمدرسة
السكرية بالقصاعين.
(١) المصدر السابق (٧٦/٢، ٢٦٠).
(٢) انظر ((شذرات الذهب)) (٥٧٩/٨).
(٣) ((إنباء الغمر)) (١٧٦/٣)، و((الشذرات)) (٥٨٠/٨).
(٤) مترجم في ((المقصد الأرشد)) (٢٣٧/٢) وغيره.
(٥) مترجم في ((الشذرات)) (٣٦٧/٨) وغيره.
(٦) مترجم فى ((الشذرات)) (٣٦٤/٨ - ٣٦٥) وغيره.
(٧) مترجم في ((الضوء اللامع)) (١٣٦/٤ - ١٣٧).
(٨) مترجم في ((الضوء اللامع)) (٣٠٩/٦).
15

و((كان صاحب عبادة وتهجد))(١)، و((لا يعرف شيئًا من أمور
الناس))(٢) و((لا يخالط أحدًا ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات))(١).
وكان يتحرى ألا يتكلم إلا فيما يُرجي ثوابه، وفي هذا يقول ابن عبد
الهادي(٣): ((وأخبرت عن القاضي علاء الدين بن اللَّحام أنه قال: ذَكَرَ لنا
مرة الشيخُ مسألةً فأطنب فيها، فعجبت من ذلك ومن إتقانه لها فوقَعتَ
بعد ذلك بمحضر من أرباب المذاهب وغيرهم فلم يتكلم فيها الكلمة
الواحدة، فلما قام، قلت له: أليس قد تكلمت فيها بذلك الكلام، قال:
إنما أتكلم بما أرجو ثوابه وقد خفت من الكلام فى هذا المجلس)) ا. هـ.
وكان وقتُه ما بين درسٍ وعبادة وتصنيف، فكان - رحمه الله - مع
هذه الدروس منكبًا على التصنيف، دقيقًا فيه، فخلّف لمن بعده - رحمه
الله - آثارًاً علمية كثيرة(٤) إن دلت فإنما تدل على طول طلب وارتحال
والإكثار - خاصة - من الحديث ومسموعاته والانشغال به حتى («مهر في
فنون الحديث أسماء ورجالا وعللا وطرقا واطلاعا على معانيه))(٥) و((أتقن
الفن وصار أعرفَ أهلِ عصره بالعلل وتتبع الطرق)) (٦) و((كتب وقرأ وأتقن
الفن، واشتغل في المذهب حتى أتقنه، وأكب على الاشتغال بمعرفة متون
الحدیث وعلله ومعانيه)»(٧) .
ومن الملاحظ أن ثناء العلماء عليه في علمه عامة، وفي علمه
(١) ((إنباء الغمر)) (١٧٦/٣).
(٢) ((الشذرات)) (٥٨٠/٨).
(٣) ((الجوهر المنضد)) (ص: ٥٢).
(٤) انظر مبحث ((آثاره العلمية)) في نهاية الترجمة.
(٥) قاله الحافظ في ((إنباء الغمر)) (١٧٦/٣).
(٦) قاله ابن حجي، ونقله عنه الحافظ في ((الإنباء)) (١٧٦/٣) وغيره.
(٧) قاله ابن قاضي شهبة .
16

بالحديث وعلله خاصة، وما نكون مبالغين إذا قلنا: ((إن الحافظ ابن رجب
- رحمه الله - بحق في الأواخر كابن المديني في الأوائل.
وانتقل إلى جوار ربه هذا الإمام النافع والعبد الصالح في سنة
(٧٩٥) - على اتفاق فيها، وفي تحديد اليوم والشهر اختلاف يسير انظره
في ((الجوهر المنضد)) (ص: ٥٢ - ٥٣). فرحمه الله وبل بالمغفرة ثراه.
17

آثاره العلمية
لعل الناظر في ترجمة هذا الإمام العلم - من الكتب التي عُنيت
بترجمته - يجد أوصافًا عدة من العلماء لمصنفاته كلها إن دلت فإنما تدل
على غاية في الدقة والإتقان عند التصنيف حتى قال بعضهم بعد سرده
المصنفاته: ((وغير ذلك من الكتب النافعة المفيدة التي لم نر مثلها))(١)،
وقال آخر(٢): ((ولقد اطلعت على مؤلفاته كلها ... ولكثرة ما أدهشني
فيها سألت الله أن أطلع على شرح الترمذي)) .
وسوف نسرد مصنفاته إن شاء الله تعالى هجائيًا، وليس كل ما نذكره
قد حققنا القول في صحة نسبته إليه، وكذا ما اشتهر باسم، أو ليس هو
الاسم الصحيح فنذكره في ترتيبه، ونضع علامة الإحالة (=) دلالة على
أن الصواب فيه كذا ولا نضع لها رقمًا، وما انتشر وطبع من هذه
المؤلفات فلا نذكر مكان طبعها، وكذا المخطوطات فإننا لا نحيل على
أماكن وجودها إلا لزيادة فائدة، ولا يفوتنا التنويه: أننا استفدنا في إثبات
هذه المصنفات من كتب عدة نَخُصُّ منها مقدماتِ ثلاثٍ كتبٍ وهي:
(الاستخراج)) و((لطائف المعارف)) و((الذل والانكسار))، وعدد ما ذكرنا من
تصانيفه المنسوبة إليه بلغ (٨٠) مصنفًا(٣) ما بين كتاب يقع في مجلدات
وجزء صغير في وريقات وله غير ما ذكرنا لما قاله ابن عبد الهادي في
(الجوهر)) (ص: ٥١) بعد سرده لمصنفاته: ((وغير ذلك من الكتب النافعة
(١) ((الجوهر المنضد)) (ص: ٥١).
(٢) هو الشيخ عبد القادر بن بدران.
(٣) ذكر الأستاذ عمر رضا كحالة في ((معجم المؤلفين)) (٢/ ٧٥) أن عدد مؤلفات ابن رجب
(٣٣) جزءًا ورسالة !!
18

المفيدة التي لم نر مثلها)) انتهى فرحمه الله وبل بالمغفرة ثراه.
وقمنا بتقسيم مصنفات هذا الإمام العلم إلى ثلاثة أقسام: مطبوع،
ومخطوط، وما لم يُعثر عليه.
أولا: المطبوع : -
١ - أحكام الخواتم وما يتعلق بها(١).
٢ - اختيار الأَوْلَى شرح حديث ((اختصام الملأ الأعلى)).
٣ - الاستخراج الأحكام الخراج.
٤ - استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس.
٥ - أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور.
٦ - بيان المحجة في سير الدُّلجة.
- تحرير الفوائد = القواعد الفقهية(٢).
- تحفة الأكياس بشرح وصية النبي ◌َ ◌ّ لابن عباس = نور الاقتباس.
٧ - تحقيق كلمة الإخلاص وتحقيق معناها.
٨ - التخويف من النار، والتعريف بحال أهل البوار.
٩ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال.
١٠ - تفسير سورة الإخلاص.
١١ - تفسير سورة الفاتحة
(١) ذكر الدكتور همام سعيد في تقدمته لـ ((شرح العلل)) (ص: ٢٦٨) أنه ورقات من شرح
الترمذي، ولعله وهمٌ منه، والكتاب مطبوع ومتداول وحجمه كبير، والله أعلم.
(٢) وهو المطبوع باسم: ((القواعد في الفقه الإسلامي)).
19

وانظر تعليقنا على رقم (٣) من قسم: ((ما لم يعثر عليه)).
١٢ - تفسير سورة الفلق.
١٣ - تفسير سورة النصر.
- تقرير القواعد = القواعد الفقهية(١).
- التوحيد = لعله هو نفسه تحقيق كلمة الإخلاص، وانظر تعليقنا
على كتاب ((التوحيد)) من قسم ((المخطوطات)) برقم (٥).
١٤- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع
الكلم (٢) .
١٥ - الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي
وَلـ ((بعثت بالسيف بين
يدي الساعة)) .
١٦ - الذل والانكسار للعزيز الجبار (وهو المشهور بـ: الخشوع في
الصلاة).
١٧ - الذيل على طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى.
وسماه الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) (ص: ١٤٨) بـ ((طبقات
الحنابلة)) (!).
١٨ - رسالة في رؤية الهلال.
١٩ - سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز.
(١) وهو المطبوع باسم: ((القواعد في الفقه الإسلامي)).
(٢) وقد طبع عدة طبعات آخرها خرج عن مكتب تحقيق دار الحرمين وصدر عن دار ابن
الجوزي بالسعودية سنة ١٤١٥ .
20